تظاهرة في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

خالد محمّد عبده

أن تكون مسيحيًّا في بلادنا

أن تكون مسيحيًّا في مصر يعني أنّك خاضعٌ لتوهّم بعضهم الذين يتّهمونك بالنجاسة! فلا يمكن بحسب ظنّهم أن تكون شخصًا طاهرًا (معنويًّا أو مادّيًّا) تواجهك تهمة النجاسة أينما توجّهت.. فالنصارى رائحتهم مزعجة للغاية ولا يمكنك كمسلم طاهر تحمّلها! هذا هو الشائع في أغلب بيوتات المسلمين.. النصارى لا يغتسلون! ولا يتطهّرون! وقِس على هذه (القاعدة العامّة) التفاصيل كافّة التي تتنزّل تحتها، ويؤدّي فيها خيال المسلم دورًا كخيال كاتب الرواية والناطق بالشعر!

قليلون جدًّا من (المتعلّمين) هنا من شباب المسلمين من يستثني أحد المسيحيّين من هذه القاعدة أو لا يؤمن بها، بالرغم من مخالطته لأصدقاء مسيحيّين ومجالستهم ليل نهار، لكنّ المخالطة شيء والاعتقاد شيء آخر!

ولا أدري من أين أتى هذا المعتقد الفاسد.. فكيف يمكن مسلمًا يؤمن بما ورد في سيرة النبيّ أن يعتقد ذلك.. ألم يجالس النبيّ وصحابته الكرام النصارى، بل ويطلب استشارتهم كما ورد من حديثه مع ورقة ابن نوفل عن الوحي.. ألم تطلب الصحابة جوار النجاشيّ المسيحيّ ويوافقهم النبيّ على ذلك ويمدح ذلك الملك.. ألم يترك النبيّ وفد النصارى كما يورد ابن هشام في السيرة يصلّي في المسجد! وهل يدخل بيت الله نجس؟! ربّما أضحت العادات عندنا أهمّ من سلوك النبيّ الذي نردّد دائمًا أنّه الأسوة الحسنة!

أن تكون مسيحيًّا في مصر يعني أنّك في تصوّر بعضهم من الكارهين للإسلام والمسلمين كراهية تربّيت عليها في الكنيسة والبيت وتورّثها لأبنائك وكلّ مَن حولك، جيلاً بعد جيل انعقدت قلوبكم على كره الإسلام والمسلمين! هكذا يعتقد أغلب المسلمين أنّ جيرانهم وأهلهم من المسيحيّين في مصر يكرهون دينهم ونبيّهم، ويؤكّد لهم ذلك أغلب المشايخ بترديد آية من القرآن الكريم: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. يندر أن يكون هناك حديث عن المسيحيّة والإسلام لا تحضر فيه هذه الآية، حتّى وإن كانت هناك حادثة أغلب ضحاياها من المسيحيّين.. فمن مات منهم فقد خلّص الله المسلمين من شرّه وهو هالك لا محالة! يروّج لهذه الأفكار أغلب خطباء المساجد ولا تخلو مدرسة من المدارس في مصر إلّا ويعلّم المدرّس تلاميذه هذا الاعتقاد وإن كانت هناك رقابة في مدرسته أو كانت مدرسة أجنبيّة فيحاول المدرّس ما استطاع أن يزرع هذه الفكرة في قلوب (من يلتمس منهم صلاحًا وطيبة!). يندر أن تجد مسلمًا من هؤلاء يردّد أو يقرأ قراءة شارحة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَارَى وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أو قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾! إذا ذكر مسلمٌ هذه الآيات وردّدها فلا بدّ من أنّ تهمة الوهن والضعف تلاحقه أينما كان فهو إمّا حداثيّ ماكر أو زنديق يتخفّى وراء بعض الكلمات..

أن تكون مسيحيًّا في مصر يعني أنّك من المغضوب عليهم والضالّين! يعتقد كثير من المسلمين ذلك، وقليل من المؤمنين الذين يردّدون فاتحة الكتاب في صلاتهم من يعتقدون غير ذلك، وإذا أردت أن تعرف من أين أتى هذا الاعتقاد، أين قال الله في كتابه إنّ المغضوب عليهم والضالّين هم النصارى؟! لن تعثر إلّا على أقوال بعض المفسّرين التي رأتْ ذلك وِفق ما عاشته أو ورثته من أفكار تاريخيّة، ثمّ تحوّل الإرث إلى اعتقاد راسخ أقوى من النصّ المقدّس.

قبل أكثر من ألف عامٍ مضى كتب أبو العبّاس بن عطاء الصوفيّ تفسيرًا للقرآن، عندما نطالع تأويله لسورة الفاتحة ونقرأ معه آية (غير المغضوب عليهم، ولا الضالّين) سنجده يفسّر الكلمة بهذه الصورة العامّة (غير المخذولين ولا المطرودين ولا المهانين ولا الذين ضلّوا عن طريق هدايتك ومعرفتك وسُبل ولايتك)، وهو تفسير عامٌّ وواسع يمكن العاقل أن يتفهّمه ويتّفق معه.. أمّا التأويل الذي يحصر المعنى في طائفة أو ديانة بعينها فهو تأويل اقتصاريّ لا يعي معنى اسم الله (الواسع) أو يتدبّر أوّل سورة الفاتحة التي تبدأ بالحمد لله (ربّ العالمين)..

أن تكون مسيحيًّا في مصر يعني أنّ عليك أن ترى الإنجيل يمزّق على الشاشات، ويمكنك أن تسمع من أحد المسلمين سبًّا في المسيح وإن كان دينه لم يأمره بهذا، فالدفاع عن الإسلام يقتضي أن يمارس تجاهك عنفًا لفظيًّا ليل نهار، ناهيك عن تطوّر العنف إلى القتل بعد ذلك، لكن ليست هذه الصورة التي تعبّر عن الإسلام. سيضحك المسيحيّ إن قلنا إنّ مُمارِسي العنف والشتم هؤلاء لا يمثّلون الإسلام كلّهم وإن كانوا كثرة، فإنّ فريقًا ليس بالقليل يرى المسيح والمسيحيّة في صورة أسمى.

فالمسيح الذي نعرفه من خلال مطالعة ما كتبه صوفيّة الإسلام مسيحٌ يتعالى على التصنيفات والتحزّب.. مسيحٌ لا يحرم أحدًا حقّ تصوّره لحياته.. ينقلك من العتمة إلى النور.. لا يمتهن الميتة فضلًا عن الأحياء.. لا يُحابي أحدًا من أجل العملة.. ترك ما لقيصر له ومضى في طريق الله.. سعت قدمه إلى حتفه بنشره لرسالة.. لم يعلن عن ذاته ليل نهار.. بل ظلّ يقول: إلهي إلهي.. صورة المسيح في تراثنا الصوفيّ أجمل من كلّ الصور التي نشاهدها عند أهل المذاهب المتناحرة على امتلاكها وحدها الصواب من دون غيرها.

  تتعامل الصوفيّة برقيٍّ مع المسيح الغائب، المسيح الذي فتّشوا عنه في أنفسهم فصار حيًّا بالجسد والتجربة والمواقف؛ ما سجّلوه عن المسيح وإن رآه بعضُهم أسطورةً أو رمزًا أو قصّة من نسج خيالهم، فقد كان بطلها المسيح الحيّ الذي تجسّد حقًّا بولادتهم. حينما تقرأ أنّ صوفيًّا يعتبر قلب الإنسان بمثابة عيسى وذِكر الله كـ(لبن مريم) فإذا منح الإنسان الروح غذاءها تطهّرت وتقوّت، وولد عيسى الباطن في حناياها تظلّ تبحث عن هذا المسيح الغائب من دون أن تكون بحاجة إلى قصّة من قصص بني إسرائيل أو التفاتة إلى ما يقوله التاريخ، وهذا باب آخر من الأبواب المفتوحة على عالم لا تدركه الكلمات.

حينما نقرأ اليوم كلام الصوفيّة عن المسيح تتداعى إلى أذهاننا مشاهد العنف والكراهية، ونشعر بأنّه أُريد بنا أن نقرأ حروف العدم مع (أساتذة ومشايخ وعلماء)! لا يعرفون شيئًا عن محمّد ولم يلمسوا شيئًا من روحانيّة المسيح. خلق الصوفيّة عالمهم نعم.. لكنّهم خلقوا عالمًا ساميًا وجميلًا ليس للقبح فيه مكان، عجنوا طينتهم الآدميّة بمشاعر خالطت كلّ ذرّة فيهم، فمن رأى أنّ عيسى عالج كلّ الأمراض إلّا الحماقة كان مصيبًا في رؤيته، ومَن رأى أنّ حمار عيسى هو النفس البهيميّة التي لا يصعد المرء بها إلى السماء كان مصيبًا، ومن رأى أنّ حبّة القمح لا تثمر إلّا بكلمة عيسى كان مصيبًا، ومن رأى أنّ شفة محبوبه هي عيسى كان مصيبًا، ومن رأى أنّ أوتار الرباب كمريم إن كدح الإنسان وتعلّم العزف استطاع أن يبعث من خلالها عيسى النغم كان مصيبًا.. على قدر اجتهادهم في صناعة عالم من الجمال أصابوا وأفادوا وما دمّرت رؤيتهم أحدًا ولا شوّهت عالمًا على عكس صنيع غيرهم الذي أتعس الإنسان ودمّره اليوم.

 

[1] باحث في الإسلاميّات والتصوّف ومدير موقع طواسين.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق