مبادرة شموع للسلام في سوريا أطلقتها جمعيّة عون الكنيسة المتألّمة (Aid the Chruch in Need ACN).

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

عابد الريّس

عزيزي الله أحقًّا مازلت تعمل؟

قبل أن نطرح على الله هذا السؤال، لنسأل أنفسنا أوّلًا: «لماذا نريد أن نتأكّد من أنّ الله يعمل؟»، فدوافع السؤال متعدّدة وعلى أساس الدافع قد يختلف الجواب، فقد يكون دافعنا هو يأسنا من البشر والواقع المؤلم العنيف الذي يصنعونه، فنحتاج إلى إلهٍ خارق القدرة يستطيع أن يجعل الواقع أفضل بسهولةٍ وبالرغم من البشر السيّئين، قد يكون دافعنا هو تجربة الله كما فعل المجرّب مع يسوع، فيكون جوهر سؤالنا: «إن كنت حقًّا الله فأرنا عملك»، أو كما على الصليب: «إن كنت حقًّا المسيح فخلّص نفسك وخلّصنا» (لوقا 23: 39)، من الواضح أنّ أساس هذه الأسئلة هو نوع من القلق البشريّ والشكّ وليس الإيمان، ويتناول الله من منظور قدرته الخارقة التي تفعل بالرغم من البشر وبمعزلٍ عنهم.

ربّما يمكننا أن نتلمّس أجوبة الله على أسئلتنا من خلال يسوع، فيسوع يقول للفرّيسيّين الذين أتوا يجرّبونه: «جيل شرّيرٌ خائنٌ يطلب آيةً، ولن يعطى آيةً إلّا ما حدث للنبيّ يونان» (متى 16: 4)، ولكن ما الذي حدث للنبيّ يونان؟!، يونان هو من طلب منه الله أن يفعل شيئًا لخلاص الآخرين فرفض، عرضت عليه الشراكة مع عمل الله فلم يُلبِّ الدعوة، سار معاكسًا لريح الله، فواجه العاصفة لأنّه خان دعوته، أيضًا يخبرنا الإنجيل أنّ يسوع في الناصرة (لم يقدر) أن يصنع أيّ معجزة لقلّة الإيمان (مرقس 6: 5)، ومن الواضح من الكتاب المقدّس أنّ الله ينتظر جوابًا من الإنسان حتّى يكتمل عمله، جوابًا هو نعم الإيمان التي قالتها مريم، فالفرق بين عمل الله والسحر هو أنّ عمل الله يجري بالشراكة مع الإنسان وعبر دعوته، فهو لن يتخطّى حرّيتنا بأعماله مهما كان الثمن، لأنّه إن لم نكن أحرارًا لن نعود بشرًا بل سنصبحُ دمى، وإلهنا إله أحرارٍ أحياء.

ولكن بهذا المعنى قد تتحوّل حرّيتنا إلى صليب الله؛ لقد ربط الله عمله بحرّيتنا، نستطيع بحرّيتنا أن نرفض عطيّة الله الجوهريّة وهي الحبّ، نستطيع أن ننكر، نستطيع أن نخون، أن نصلب، نستطيع أن نصبح جيلًا شرّيرًا وخائنًا، ولا يستطيع الله أن يرغمنا على أن نكون غير ذلك؛ لقد طرح شعب العهد القديم مرارًا على الله الأسئلة ذاتها: أين أنت يا إله الخروج يا إله الآباء يا إله العهد؟!، وكان الأنبياء يردّون مرارًا بل أين أمانتكم يا شعب الله؟ أين إخلاصكم، ما هو الإله الذي تعبدون أهو حقًا الله أم وثن؟، لذلك كان شعب الله في العهد القديم مدعوًا مع كلّ مأساة من سبيٍ وحروب، إلى أن يراجع إيمانه بالله وتاريخ علاقته به ويطوّر تجربته الروحيّة، وأن يتحرّر من صورٍ عن الله أثبتت عدم جدواها، لينطلق في نظرةٍ إيمانيّة أكثر رحابة، وإمكان انتظار حضورٍ مستقبليٍّ لله غير مقيَّد بالتصوّرات القديمة. شيئًا فشيئًا أيقن شعب العهد القديم أنّ الله لا ينتظر ذبيحةً من لحمٍ بل ينتظر روحًا منسحقة، وأنّ المسيح قد لا يكون إلّا عبدًا بارًا ومتألِّمًا.

أنا من مدينة حمص في سوريا المنكوبة، مدينة مرّت عليها رياح من سموم شرّ الإنسان وعنفه، شهدت واختبرت ورأيت كيف تختنق المدينة بضباب الكراهية ورائحة القتل، كيف يصبح الجميع خائفًا من الجميع، وكيف لا يبالي جسد المدينة بهلاك عضو من أعضائها أو حيّ من أحيائها، بل يظنّ بعضهم أنّ هذا الهلاك هو الحلّ، لقد مرّت بمدينتي كارثةٌ إنسانيّة، وما أصعب الكوارث الإنسانيّة إن قيست بالطبيعيّة. في الكوارث الطبيعيّة يتضامن البشر أمام الطبيعة، أمّا في الكوارث البشريّة ففقدان التضامن البشريّ هو لبّ الكارثة، ويسأل الناس الله أين أنت؟!، ويسألنا الله أين هما الاثنان باسمي لأصبح ثالثهما؟

اليوم خفتت نار الحرب والناس يعودون إلى بيوتهم تدريجيًّا يرمّمونها بمزيج من الحزن وإرادة الاستمرار، ولكن هل عاد الحبّ والدفء إلى القلوب؟ عادت حركة البيع والشراء، ولكن هل عاد الإيمان بالحياة؟ أزيلت الحواجز بين الشوارع، ولكن هل أزيلت بين الأرواح، وأين نرى الله في حمص اليوم؟

يخبرنا إنجيل الميلاد أنّ الله حين يولد سيولد في الظلّ متواضعًا وبصوت خافت معلنًا محبّة مجّانيّة ومنفتحًا على جميع الناس، وبالتالي من الصعب أن نرى الله في مؤسّسةٍ خيريّةٍ تساعد الناس وتتفاخر بذلك، أو تمزج مساعدة الناس بالفساد، أو بين أناس يجاهرون بمسيحيّتهم وينكرون أخلاق الإنجيل. لن يجد الله متّسعًا له ليولد في قلب إنسان انغلق على جرحه أو شرّه أو لامبالاته. الخوف من الآخر يعيق عمل الروح، والإعلام يعيق عمل الروح، وينقل لنا يوميًّا أخبارًا غير سارّة، عن عالمٍ ميؤوسٍ منه ولا يمكن الله أن يولد فيه.

مع هذا وبالرغم من ليل مدينتي المظلم، هناك بالتأكيد نجمٌ يدلّني على عمل الله، أراه بوجهٍ رئيسيٍّ في روح الشبيبة الذين عاشوا مراهقتهم في قلب الحرب وأهوالها، فأنا أعمل مع الآباء اليسوعيّين في نشاطٍ يهتمّ ببُعد المرحلة الجامعيّة الروحيّ، يسمّى اللقاءات الروحيّة للجامعيّين، ومن المدهش فعلًا كيف استطاع الله أن ينقذ هذه الأرواح الشابّة من التسمّم بسموم الحرب وحقدها، فلقد كنت على موعد مستمرّ في هذه اللقاءات مع بوح الشبيبة عن خبرتهم في الحرب، فبالرغم من الصعوبات والجراح واللااستقرار، ترى جيلًا يبشّر بعمقٍ نافذٍ وحساسيّةٍ روحيّةٍ ونضجٍ مبكّر وتفتّحٍ بالمواهب وانفتاحٍ غير مشروطٍ على الآخرين، وكأنّه كان ملقّحًا ضدّ سموم الحرب؛ إنّهم لا يتوهون في متاهات السياسة ولكنهّم يبحثون عن كيفيّة التمرّس في رؤيةٍ أعمق للحياة ولذواتهم، في اللقاءات الروحيّة. إستقبلنا مسلمين تأمّلوا أيضًا بالإنجيل، وشاركونا خبراتهم، واكتشفنا سويّة كيف يمكن خلق فضاءٍ خلّاقٍ في حرّية المحبّة مع اختلاف هويّاتنا، اكتشفنا الله الذي يريدنا معًا بالرغم من اختلافاتنا، ولقد بدأ هؤلاء الشبيبة بتنظيم مبادرات رسوليّة، فقد أقاموا لمدّة سنتين نشاطًا سمّي ميلادك سلام يهتمّ بزرع البسمة على وجوه الأطفال المسلمين الفقراء تحديدًا ممّن لم يتوقّعوا أنّ العيد يعنيهم بشيء.

هذا النشاط (لقاءات الجامعيّين الروحيّة) هو إرث من الأب فرانس فاندرلوخت اليسوعيّ مَن ابتكره قبل الحرب بثلاثين عامًا وظلّ مستمرًا فيه حتّى بداية حصار حمص الذي استشهد فيه، جاع فرانس في الحصار مع الجوعى وأكل طعامهم القليل الذي ربّما لم يكن إلّا حشائش الأرض، فرانس كان أمينًا على دعوته للمحبّة ورفقة يسوع حتّى النهاية، كان مِلحًا لم يفسد وسراجًا لم يوضع تحت المكيال، ولقد رأينا الله يعمل بوضوح في روح الأب فرانس.

أيضًا الرهبنة اليسوعيّة التي تابعت رسالتها وخاصّةً في غوث اللاجئين والاهتمام بالفقراء، كانت أمينةً على رفقتها ليسوع، وكذلك جميع أصحاب النوايا الخيّرة من جميع أطياف مجتمع المدينة الذين قدّموا بصمت وفعلوا الكثير من الخير مفضّلين أن يظلّوا مجهولين برفقة مذود يسوع في الظلّ.
يقدّم إلينا القدّيس إغناطيوس دي لويولا في كتابه الرياضات الروحيّة نصًّا جميلًا وفريدًا هو دعوة الملكين الزمنيّ والأزليّ، وفي النصّ نجد صورة الله معاكسةً تمامًا لإلهٍ ساحرٍ يغيّر الواقع بحركةٍ من عصاه، على العكس فالله بحسب دعوة الملك هو إله (يكدّ) من أجل أن يربح العالم ويحقّق الخلاص، ولنا أن نتأمّل ما تعنيه كلمة (كدٍّ) من تعبٍ و صبرٍ وتصميم ٍعلى تحقيق الهدف مهما كانت الصعوبات، والله هنا يدعونا (دعوة الملك) لنكون شركاء له في كدّه وتعبه، وقد نتساءل أيعقل أن يكون هناك أمام عمل الله عقبات؟ نعم، حرّيتنا أن نقول لا لمشيئته تعالى، ال (لا) الإنسانيّة التي نقولها لله هي صخور الأرض وأشواكها وطيور السماء، فلا تزهر ثمار كلمة الله ولا تعطي ثمرها.

أين هي خطوات الله؟! علينا أوّلًا أن نصمت لنصغي لصوت قرعه على الباب، فإن أخذنا قرار فتح الباب، سنسمع خطواته في الداخل، وقد نتعشّى سويّة عشاء الشراكة.

 

[1] طبيب أسنان من حمص، المنسّق العامّ لجماعة الحياة المسيحيّة في سوريا، طالب في الجامعة اليسوعيّة ببيروت لنيل دبلوم المرافقة الروحيّة DUAC.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق