لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

طريقة عمل النظام الطائفيّ في لبنان وعلاقتها بالفساد

مقدّمة

تعالت أصواتُ المنتفضين في ساحات لبنان وطرقاته يومَ 17 تشرين الأوّل 2019، مطالبةً بوضع حدٍّ للفساد ومحاسبة المسؤولين عن هدر المال العامّ، في وقت بلغت أوضاع البلاد الماليّة والنقديّة والاقتصاديّة حافّة الهاوية؛ غير أنّ مشكلة الفساد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بطريقة ممارسة الحكم في ظلّ النظام الطائفيّ. لذا، فإنّ محاربة الفساد تبدأ حتمًا بفهم تلك الممارسة.

بدايةً، من الضروريّ التوقّف على خلفيّة النظام الطائفيّ السياسيّ. يعكس الترتيب الطائفيّ الطريقة المألوفة التي اعتمدتها السلطاتُ العثمانيّة لحلّ الأزمات في جبل لبنان وغيره من مناطق الإمبراطوريّة، وقد فُهم الدِّين مكوِّنًا رئيسيًّا للمجتمعات، وتمّت قوننة الأديان غير المسلمة في ما سُمِّي بنظام "المِلّة". فأصبحت المرجعيّة الدينيّة تمثِّل رعاياها رسميًّا لدى السلطات السياسيّة. وبهذا المعنى، لم يختر النظام الطائفيّ أحدٌ، بل فرض نفسه بصفته ملازمًا طريقة التفكير التي تجعل من الدِّين مكوّن المجتمع الأساسيّ. لذا، ليس غريبًا أن نجد في الدستور اللبنانيّ الذي صيغ في ضوء الدستور الفرنسيّ الديموقراطيّ الليبراليّ، موادَّ توصي بترتيبات طائفيّة وإن بصفة مؤقّتة، بل وحتّى نجد أنّ ميثاق العام 1943 الوطنيّ، غير المدوّن، أصبح جزءًا لا يتجزَّأ من الممارسة السياسيّة اللبنانيّة، بل عمادها.

ولكن يجب ألاّ نتسرّع في الحكم سلبًا على هذه الصيغة الطائفيّة، وفي الوقت عينه، يجب أن نتحاشى اعتبارها أمرًا واقعًا لا يتغيّر. فثمّة مجتمعات كثيرة عرفت اختلافات دينيّة أو ثقافيّة أو عرقيّة توصَّلت إلى صيغ حلٍّ مماثلة في إطار ما يُسمَّى بالديموقراطيّة التوافقيّة. وتُبيِّن خبرات بعض البلدان أنّ هذه الديموقراطيّة تنجح في صهر مكوّنات المجتمع تدريجيًّا، والانتقال إلى الديموقراطيّة العدديّة، إذا حَسُنَ تطبيقها. ومبادئ هذا التطبيق معروفة، وتُمارس عندنا، ولكن بشكل ناقص وغالبًا منحرف. يمكن اختصار هذه المبادئ بأربعة:

أوَّلًا، تعاون قادة مختلف مكوّنات المجتمع كي يحكموا من خلال ائتلاف أو تكتّل كبير؛ وثانيًا، إمكان لجوء أعضاء التكتّل، حتّى الأقليّات فيه، إلى حقّ النقض (الڤيتو)، من دون أن يعني ذلك شلّ آليَّة الحكم؛ وثالثًا، التمثيل النسبيّ الذي يضمن مشاركة الجميع في الهيئات التنفيذيّة؛ ورابعًا، الاستقلال الذاتيّ الذي يمكن أن يتّخذ شكل اللّامركزيّة الإداريّة. في النمسا وهولندا، أدَّى العمل بالديموقراطيّة التوافقيّة التدريجيّ والواعي، أي طبقًا لخطط عملٍ وطنيّة وضعها سياسيّون ومفكّرون يتحلّون بروح وطنيّة جامعة، إلى تحرير المواطن الفرد من هيمنة المجموعة، وإلى تخفيف التوتّر الذي ساد مكوّنات المجتمعَين، وصولًا إلى تغليب المصلحة العامّة في فكر المواطنين وانتمائهم إلى وطنهم على كلّ أمر آخر. فالنهج السياسيّ المتَّبع في البلدَين المذكوريَن لم يسعَ إلى التوافق على الأمور الخلافيّة فحسب، بل التوافق أيضًا على خطوات عمليّة تنقل المواطنين من حالة العيش معًا كأمرٍ واقع، إلى العيش معًا كحالةٍ حيويّة يتكامل فيها الجميع ويجدون فيها خيرهم المشترك.

أوَّلًا - مشكلة العمل السياسيّ في لبنان

أمّا السؤال الذي يُطرح في إطارنا اللبنانيّ، فهو التالي: لماذا لم يسلك السياسيّون اللبنانيّون سبيل تجاوز الديموقراطيّة التوافقيّة؟ إنّ الأسباب، بلا شكّ، كثيرة؛ منها ما هو داخليّ، ومنها ما هو خارجيّ يتّصل بأزمات المنطقة، بدءًا بتأسيس دولة إسرائيل وما تبعها من تهجير الفلسطينيّين الذين استقبلهم لبنان بمئات الآلاف، مرورًا بالمدّ الناصريّ الآتي إلينا من الجمهوريّة العربيّة المتّحدة، ومن ثمّ العمل العسكريّ الفلسطينيّ انطلاقًا من جنوب لبنان، حتّى احتلال لبنان من قِبَل إسرائيل وسوريا لسنوات طوال، وانتهاءً بالمواجهة بين المملكة العربيّة السعوديّة وإيران التي تتّخذ شكل صراعٍ سنيّ – شيعيّ.

في ما خصّ السياسات الداخليّة، من الثابت أنّ تطوّر النظام في الاتّجاه السليم غائب منذ ما قبل اتّفاق الطائف، باستثناء الخبرة الشهابيّة التي كانت استثناءًا. فالتوافق اتّخذ شكل محاصصة ومحافظة على توازنات دقيقة بين زعامات الطوائف، ولم يجرِ التركيز على العناصر التي من شأنها أن تخلق عند اللبنانيّين وعيًا وطنيًّا واحدًا عابرًا المذهبيّة والطائفيّة والولاء التقليديّ للزعامات.

وفي أعقاب اتّفاق الطائف، ازداد المشهد تعقيدًا: ففي حين أنّ هذا الاتّفاق شدَّد على علّة وجود لبنان، والمقصود بها إرادة العيش معًا، وعلى استحالة تقسيمه، فقد فاقم من وهن الدولة في ممارسة حكم مركزيّ قويّ بسبب آليّة الحكم (الترويكا) التي أضعفت دور المؤسَّسات، وأزّمت طريقة اتّخاذ القرارات، وضاعفت من الزبائنيّة والمحاصصة، ومن حدّة المزاحمة على التمثيل الطائفيّ. وقد انعكست هذه المزاحمة تقسيمًا طائفيًّا ومذهبيًّا خطيرًا على مستوى الساحة السياسيّة اللبنانيّة عامّة، وصراعًا مريرًا داخل الطوائف نفسها بغية مصادرة تمثيلها.

والمشكلة الأخرى هي موقف العديد من المرجعيّات السياسيّة من اتّفاق الطائف نفسه. فتلك المرجعيّات لم تقتنع بهذا الاتّفاق، وقبلت به مرغمةً، إذ كان السبيل الوحيد لإيقاف الحرب. لذا، فهو لم يوفِّر أسس السلام والاستقرار والازدهار. لقد كان الطريقة الوحيدة المتاحة لتحاشي الأسوأ.

ولكن بالرغم من كلّ هذا، هل كان يمكن المسؤولين – وهل ما زال بوسعهم - أن ينتهجوا طريق الخروج التدريجيّ من الديموقراطيّة التوافقيّة؟ الجواب هو نعم بكلّ تأكيد؛ ولكن، ويا للأسف، ليس هذا ما حصل ويحصل. فمع بروز ظاهرة الترويكا، تفاقمت التسويات المكسبيّة المألوفة في السياسة اللبنانيّة، وأُخضع عمل مجلس الوزراء ومجلس النوّاب وسائر المؤسّسات الرسميّة لتفاهم الرؤساء الثلاثة، وأصبح عملُ الوزارات والمؤسّسات العامّة مرتبطًا مباشرة بمرجعيّات الموظّفين، وليس بالقانون. ولا عجب أن تعيش البلاد أزمةً شديدةً وتُشلّ مؤسَّساتُها في كلّ مرَّة يختلف فيها الرؤساء. وبالتالي، ستبقى الأوضاع في لبنان تراوح بين تسويات مكسبيّة ضيّقة أو محاصصات تشمل كلّ القطاعات من دون استثناء، وتوتّرات أو أزمات تعرّض البلاد للفوضى وتدخلها في المجهول.

ثانيًا - الفساد المتفاقم في لبنان

هذه هي نتائج امتهان السياسيّين في لبنان برغماتيّةً طائفيّةً مكسبيّة بعيدة كلَّ البُعد عن برغماتيّة وطنيّة تفتح آفاقًا للخروج من حلقة الطائفيّة المفرغة. وفاعلو الخير هم الذين يتقنون تدوير الزوايا وصولًا إلى صياغة مخارج للأزمات تتضمّن نقائصَ، بل وتجاوزات قانونيّة ودستوريّة. فالحلّ الوحيد الممكن يبقى تفاهميًّا، وبالتالي تهميش الدستور والقانون تهميشًا متواصلًا. وهذه البرغماتيّة السائدة تعني عمليًّا عدم تغيير أيّ شيء في الخلفيّات. فحالات الحذر تبقى قائمة بين المرجعيّات السياسيّة، تخرقها من حين إلى حين مصالحات ظرفيّة أو تفاهمات على محاصصات يفرضها تقاطع المصالح الضيّقة في استحقاقات معيّنة، وتمليها تقاطع الظروف الخارجيّة. ليست البرغماتيّة اللبنانيّة وسيلةً تهدف إلى تطوير النظام، بل باتت غاية بحدّ ذاتها.

إنّ نظام لبنان الطائفيّ يُضعف الشعور بالانتماء الوطنيّ الجامع، ويُسهّل استمرار الإقطاعيّة السياسيّة (بمعنى الكلمة التقليديّ وبمعنى القوى التي تفرض نفسها إيديولوجيًّا أو أمرًا واقعًا على بيئتها)؛ هذه الإقطاعيّة التي يبقى هدفها النهائيّ وربّما الأوحد خدمة المصلحة الشخصيّة أو الإيديولوجيّة التي تمثِّل في ذهن الإقطاعيّين، بوعي أو بلا وعي، المصلحة العامّة بل والخير العامّ، وتنطبع بالنزعة الفطريّة الشائعة في المجتمعات التقليديّة إلى إلغاء الآخر-الخصم. لذا، فلا عجب ألاّ يكون بيد اللبنانيّين حيلةٌ سوى انتظار نتائج سعي مرجعيّاتهم السياسيّة؛ فإذا توصّلت هذه المرجعيّات إلى اتّفاق يتنفّسون الصعداء، وإذا سلكت طريق المواجهة، ينجرّون بالرغم من أنفهم إلى التقاتل. وفي هذا الصدد، تمثّل انتفاضة 17 تشرين الأوّل تغييرًا هائلًا، إذ إنّها حقَّقت خرقَ هذا المنطق السائد، وإن لم تقضِ عليه بالكامل، لما أظهرته من رفضٍ كاملٍ للطائفيّة والسياسات التقليديّة. إذ إنّ أحدًا من تلك القيادات لم يجد مكانًا له في أوساط المنتفضين.

في ما خصّ الفساد، يمكن ملاحظة ممارساته، بدرجات متفاوتة وبأشكال متعدّدة، في جميع المجتمعات وفي مختلف الأزمنة. ولكنّه يكتسب في الإطار اللبنانيّ طابعًا متفاقمًا مزمنًا بسبب ارتباطه بالذهنيّة الطائفيّة التي تسود الوسط السياسيّ، والتي تخلقُ حكمًا جوًّا مؤاتيًا لانتشار الفساد. إذ إنّ عمل المؤسّسات الدستوريّة، كما سلف القول، يتوقّف على تسويات أو مساومات بين اللاعبين الأقوى على أساس التراضي أو المحاصصة، وليس على أساس احترام الدستور والقوانين. وعندما يصبح التراضي والمحاصصة وسيلةً إلى حلِّ النزاعات وسنّ القوانين الجديدة، تصبح البلادُ في حلقةِ فسادٍ مفرغة.

استنتاج

يتطلّب التخلّص من الفساد انتهاج سياسة تسير في البلاد على طريق تطوير النظام تطويرًا مستمرًّا وصولًا إلى قيام ديموقراطيّة ليبراليّة، يكون عمادُها المواطن الفرد المتحرِّر من كلّ ولاء طائفيّ أو مذهبيّ أو عائليّ، والمدرك واجباته وحقوقه في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات. وبلوغ هذا الهدف يفترض إنتاج طبقة سياسيّة جديدة مؤمنة به. لذا، تقع المسؤوليّة الأُولى على حسن اختيار المواطنين مسؤوليهم في الانتخابات التشريعيّة أيًّا كان شكل قانون الانتخاب. وممّا لا شكّ فيه أنّ شريحةً كبيرة من اللبنانيّين التي تجاوزت الانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة بطريقة مذهلة في 17 تشرين الأوّل، قادرة على المساهمة الفعّالة في هذا السياق.

ومن ثمّ، يمكن المجتمع المدنيّ الذي أظهر حيويّةً في الانتفاضة أن يدعم عمل القضاء، من خلال التشدّد في مطالبته بمحاسبة المسؤولين عن الفساد وهدر المال العامّ. ويمكن منظّمات المجتمع المذكور نفسه المتحرّرة من كلّ ولاءٍ طائفيّ أو زعيميّ أن تلجأ إلى رقابة الأداء الحكوميّ وسائر المؤسَّسات العامَّة رقابة فعَّالة وحثيثة، ويمكنها الإفادة من مساعدة منظّمات المجتمع الدوليّ وخبراته في هذا الخصوص. وأخيرًا، يمكن المجتمع المدنيّ أن يضغط بقوّة باتّجاه إقرار قانون أحوال شخصيّة واحدة لجميع اللبنانيّين، وإقرار قانون الزواج المدنيّ الاختياريّ.

مدير معهد الآداب الشرقيَّة في جامعة القدّيس يوسف، ومدير مجلّة المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق