لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب سميح رعد

ضجيج الصّمت والأمور غير الـمُقالة قراءة في رواية المهجّر لدوني لانغلوا عن الحرب اللبنانيَّة

مَنْ مِنْ أبناء جيلي، نحن الّذين ولدنا في الستّينيّات من القرن الماضي في لبنان، لم يعرف الحرب في طفولته وصباه؟

عشت في الحرب، عرفت الصّراع المسيحيّ-الإسلاميّ والمسيحيّ-الدرزيّ، كما عرفت الصّراع المسيحيّ-المسيحيّ. وكما كلّ أترابي، دفعت الثمن غاليًا من طفولتي وصباي. رأيت الدم أمامي مرّاتٍ ومرّات، وكنت شاهدًا على موت أناسٍ كُثُرٍ وعلى آلام غيرهم وأحلامهم المزهوقة...

عايشتُ الخوف منذ بدايات وعيي عندما كان أهلي يوصدون الأبواب بعِصيٍّ من حديدٍ في الليل، خوفًا من أن يأتي جيراننا ليعتدوا علينا أو ليقتلونا.

عانيت من التهجير الجماعيّ بعد مجزرتي بلدتنا كفرنبرخ الشوفيّة، في 1977 و1982، وجاورتُ الموتَ ونجوتُ منه محتّمًا في انفجارات سنّ الفيل والصالومي وأنطلياس... إجتزت المعابر تحت القنص... أُوْقِفت على الحواجز وأُهِنْت أكثر من مرّة.

إنتهى إطلاق النار، ولكنّ الحرب لم تنتهِ لأنّ أحدًا من الّذين أَوقفوا النّار لم يتكلَّم في بناء مُستقبل السلام... وبقيت الكلمات في الخبايا هي هي... وكأنّ الجمرَ ما زالَ في الموقد تحت الرّماد... ثمّة مكنوناتٌ وكلماتٌ كثيرةٌ جدًّا غير مُقالةٍ، تبيت في الخبايا، هي كضجيجٍ هائلٍ في كاتم صوت، في كلّ مفرق من مفترقات الحياة الجماعيّة اللبنانيّة تخرج وتستعيد صور ذكريات الحرب وويلاتها.

الحرب لم تنتهِ لأنّ الذاكرة لم تتطهّر بعد. لا بل لم يعمل أحدٌ على تطهيرها. الحرب مستعرةٌ، ولكنّها بعيدةٌ عن العيون والآذان، راكنةٌ صاخبةٌ بصمتٍ في الذكريات المرّة الحيَّة. لا تزال تطبع اللاوعي الفرديّ واللاوعي الجماعيّ.

وبناء السّلام لا بدّ له من أن يتحقّق بالكلام أوَّلًا. الكلام في الولادة والتحوّلات والوجع والأحلام والموت وما بعد الموت... لا بدّ من الكلام الذي يحرَّر ويؤسّس لمستقبلٍ مشتركٍ يجمع الناس في البناء الخيّر، بعيدًا عن الإدانة أو الانتقام.

إنّ دوني لانغلوا، في كتابه المهجَّر الذي ستُصدِرُه قريبًا دار المشرق، معرّبًا عن الفرنسيّة، عندما يصل إلى بيروت، يفتّش عن المكان الذي لجأ إليه المهجَّرون، للبحث عن إلياس قاسم ابن معاصر الشوف، بطل الرواية... وجد هذا المكان واكتشف أنّ أسماء كلّ المهجّرين كانت مكتوبةً في سجلٍّ مشتركٍ، ولكن اسم إلياس قاسم كان مختلفًا لأنَّه كان محاطًا بدائرةٍ حمراء... الدائرة الحمراء هي ضجيج صمتٍ كبير... الدائرة الحمراء ليست كلمةً بل هي أكبر من كلمة لأنَّها تخفي ما تخفيه من معانٍ...

إكتشف لانغلوا بعد فترةٍ قصيرةٍ أنّ إلياس قاسم شخصٌ مختلفٌ عن أترابه، شخصٌ رفض حمل السلاح والقتال مع الميليشيات التي كانت تفرض سيطرتها على تلك البقعة من لبنان. فاعتبرته رجلًا ناكرًا للجميل، وعليه ترك المكان...

اللامقال نراه في الإحراج عند كلّ مرَّةٍ كان المؤلِّف يستحضر اسم إلياس قاسم أمام أحد. في الخفية وفي الهمس، بعيدًا عن الآذان قد تعرّف الكاتب إلى إلياس قاسم شيئًا فشيئًا. ولكنّ اسمه كان يشبه هديرًا في مستنقعٍ من صمتٍ قاتل.

مرَّةً وحيدةً، يستعمل الكاتب كلمةً تصف الإشكاليّة العميقة التي يمكنها أن تقود إلى السلام إذا ما ظهرت إلى النور، هي الأمور غير الـمُقَالة... بالرغم من أنَّ كتاب المهجَّر جملةً مليءٌ بالأمور التي لا تُـحكى علانية في زمن السلم.

في الواقع، في الأمور غير الـمُقَالة، ثمّة غموضٌ كثيرٌ ورغبةٌ في استعادة عذريَّةٍ مفقودةٍ أو السكوت عن العيب الكبير في الانكسارات أو الانهزامات أو الخسارات الكبيرة أو الصغيرة وحتّى في الأفعال القبيحة والمشينة التي سبّبت ما سمِّي بالانتصار. مُغْتَصَبٌ يريد أن يشتري سكوت مُغْتَصَبِه ورضاه أو قلْ أقلّ ما يريده هو ألّا يُنظر إليه نظرة عيبٍ أو نظرة استعلاءٍ أو ازدراءٍ أو احتقار... نظرة مُهانٍ أو مُغتصبٍ... وحتّى الـمُغتصِب كان يريد شراء صمت ضحيّته، لأنّه يعرف في سرِّه أنّ ما فعله قبيح... يريد أن يخفي وجهه من عيني الضحيّة.

بعد الحرب كانت لدى الغالبيّة رغبةٌ في أن تُطْوَى الصفحة سريعًا، رغبةٌ في أن يسكت الجميع عمَّا جرى... كثيرون كانوا على استعدادٍ لدفع أيّ ثمنٍ لكيلا يتحدَّث أحدٌ عمّا حصل. كُرِّسَ جهدٌ كبيرٌ ومالٌ كثيرٌ من أجل ذلك؛ ذمم كثيرة اشتُرِيت بالمال من أجل السكوت، وأُرغِم أشخاصٌ على الصمت. لكن في الحقيقة لن يستطيع أيٌّ منَّا أن يطهّر الذاكرة الجماعيّة أو الفرديّة من الشوائب الكثيرة المتّصلة بالأمور الـمُبطَّنَة، الأمور غير الـمُقَالة، إلّا بالكلام والتعبير وتعزيز الرغبة بالسلام... وفي الواقع لم يُشْفَ أيّ جرحٍ ولم يُكَنّ أيّ ألمٍ، لأنّ الكلام غير مباحٍ.

في كتاب المهجَّر مشهد مصالحة أبناء معاصر الشوف... ضجيجٌ وصخبٌ ولكنّ الصمت سيّد الموقف في الأمور التي كان يجب أن يتكلّم الناس فيها. قيل إنَّ المصالحة كانت مسرحيّة؛ لا لم يكن احتفال المصالحة كذلك. طبعًا هناك رغبةٌ في المصالحة بين المسيحيّين والدروز، وهذا يستحقّ الثناء ولكنّ كيفيّة الوصول إلى الغاية ليست بهذا المشهد الكبير، بل ثمّة حاجةٍ إلى إحياء الوعي وفضّ الغشاء عن الأمور المبطّنة ووضعها أمامًا مرفقةً بإرادةٍ جبّارةٍ لشفاء الذاكرة الفرديّة والذاكرة الجماعيّة لتعزيز العيش معًا.

كان يوازي الصخب الكبير والتصفيق العظيم كثيرٌ من خفايا مستورة من كلام الماضي... من كلام الحرب.

خلف ذلك الصراخ اختفى الكَلام وكُبِّلَ ووُضِعَ بعيدًا ليتعب من محاولات الإفلات... ولكن عبثًا.

ما هو هذا الكلام الذي اختفى؟ هو الاعتراف بأسباب المجازر وقبحها، هو إحقاق العدل، هو البحث عن كيفيّة عدم تكرار ما جرى. الكلام الذي اختفى هو عن شجاعة بعض الذين تصدّوا لمنع المجازر بحقّ بعض المسيحيِّين الضعفاء المساكين، أو عن أولئك الذين رفضوا الحرب أصلًا وحمل السلاح والغرق في بؤر الدم... هؤلاء هم أيضًا بحاجةٍ إلى الاعتراف بهم وبجهودهم وبطولاتهم...

يجب أن يعيش سكّان الشوف معًا في مجتمع حيث سيتقابل الضحايا وجلّادوهم... ولكن بأيّ ثمن؟!

إنَّ العفو العامّ الذي جرى بعد الحرب كان عفوًا جماعيًّا، ولم يكن مطلقًا عفوًا فرديًّا لأنَّ أيّ أحدٍ لم يتكلّم عليه. إنَّ العفو لا يطال الأفراد بصفتهم أفرادًا إن كان عفوًا جماعيًّا. بالحقيقة إنَّ العفو والمسامحة والمصالحة فعلٌ فرديٌّ شخصيٌّ قبل أن يكون عملًا جماعيًّا. يجب أن يقابل الضحيّة الجلّاد وينظر في عينيه... يجب أن يتكلّما ويتسامحا ويتصالحا ويتفاهما على مستقبلٍ مشترك.

إنَّ تطهير الذاكرة لا يكون بطيّ صفحةٍ أو بتمزيق أخرى من كتاب الحياة وحسب. وإلَّا سيعيد التاريخ تحريك الآلام الراكدة مع مضاعفاتها إن لم تُعالج وتُشفَ. والأمور الآسنة الراكدة في تلك الذاكرة ستتحرّك يومًا ما كبركانٍ، وستعيد الكرَّة... وبدايات علاجها تكونُ بالكلام وكشف الحقائق.

والأمور المبطّنة، الأمور غير الـمُقَالة، لا تؤلِّفُ التاريخ العامّ، لا بل تطال فئةً كانت ضحيّة زوبعة الأحداث المأساويَّة في هذه الحرب... وبعضٌ من تلك الفئة لا يزال يحمل جراح الحرب في لحمه وعظمه، أو يعيش حالة يتمٍ أو ترمّلٍ أو انتظارٍ طويلٍ لعودة غائب... تلك الفئة مستمرّةٌ في اعتصار آلامها ومآسيها.

يجب التعبير عن هذه الأمور وتسليط الضوء عليها. لكلّ فردٍ الحقّ في رفع الستر عن مآسيه، ومن واجب الجميع أن يصغوا ويفهموا ويتفهّموا. إنَّها ليست مسألة مقاضاةٍ ولا محاكمة، بل هي مسألةٌ أخلاقيّةٌ وعدالةٌ أدبيّةٌ قبل أن تكون عدالة حقّ؛ هي مسألة اعترافٍ بالحقيقة، إذ لا حياة خارج الحقيقة.

يستحضر دوني لانغلوا هذه المرأة الستّينيّة، قبل صفحات من نهاية روايته، عندما دعته لتناول فنجان قهوةٍ في منزلها لتحدّثه عن مأساتها وكيف تفهم العفو. العفو لا يكون إلَّا بمواجهة الحقيقة في النور. العفو لا يكون بالنسيان. العفو في نظرها هو أن يضع الإنسان نفسه مكان الظالم إن كان مظلومًا ويفهمه، أو أن يضع نفسه مكان المظلوم إن كان ظالـمًا ويفهمه. وفي كلّ منّا ظالمٌ ومظلومٌ، كما قالت تلك السيّدة.

إزاء تلك المرأة هناك الجزّار الذي لا يقبل أن يضع نفسه مكان أيّ أحد. ودوني لانغلوا، في وصفه إيّاه، ينقل صور إنكار الواقع أو تغيير حجمه... نراه يضع الواقع في قالبٍ من صمتٍ صاخبٍ ببشاعته... نرى السفّاح يخترع قصّةً جديدةً ليستر الحقيقة من أجل تبرير سلوكه أو خلق ذريعةٍ لإضفاء شرعيّةٍ على جريمته. لكنّ جسده يتحدّث بوجهٍ مختلفٍ: مظهره استفزازيٌّ، وجهه متصلّبٌ، شفتاه مرتجفتان، إيماءاتٌ كبيرةٌ بيديه، عيناه السوداوان قادحتان مرعبتان، فمٌ ملتوٍ... وزبدٌ على الشفتين. الأمور المبطّنة، الأمور غير الـمُقَالة، تسجن هذا الرجل في شيءٍ شبيهٍ بالجنون. جسمه كوجهه يظهر كلَّ ما تخبّئه ذاكرته... يوجز ضجيج صمت قذارته.

يظهر لانغلوا في كتاب المهجَّر بوضوح أنّه، في ضجيج الصّمت، الأمور غير الـمُقَالة وفي الأمور المستور عليها تسود فوضى نائمة... على تلك الكلمات أن تعبر الشفاه وإلَّا ستتحوّل إلى أتون نار يحرق النفس ويخرج منها.

من المفارقات أن نرى أنّ الأمور المخبوءة تؤلّف قوّةً. ففي حين نريد السيطرة عليها لمنعها من الصعود إلى السطح، نراها تشبه الكرة التي تحاول البقاء في قاع الماء بكلّ الوسائل، ولكنّها ستفلت حتمًا وتظهر على سطح الماء ثانيةً. وفي النهاية، كلّ مكنونٍ خبيءٍ سيعبّر دائمًا عن نفسه.

في ضجيج الصّمت والأمور غير الـمُقالة يكمن سرّ رواية المهجّر... إنّ دوني لانغلوا يتركُ القارئ حائرًا مع مستقبل إلياس قاسم الصامت الكبير الذي اختصر في شخصه مأساة حروب الجبل.

في عيني الطفلة الصغيرة منى أمورٌ كثيرةٌ مبطَّنةٌ علّها تبصر النور يومًا، وتعيش في مستقبلٍ أفضل فيه أمورٌ كثيرةٌ فوّتناها على أنفسنا.

علّ صمت الضجيج يتحوَّل إلى تناغم وسلام.

علَّ منى تستعيد تلك الكلمات المقتولة أو تلك المسروقة... منى وكلّ الصبايا والصبية يستحقّون طفولةً هادئة في أرضٍ فاتنةٍ اسمُها لبنان.

 

*  دكتور في الفلسفة. مُجاز في اللاهوت والعلوم الإسلاميّة والعربيّة. أستاذ اللاهوت العقائديّ واللاهوت المقارن في معهد القدّيس نيقولاوس بفرنسا. معرّب كتاب المهجّر، منشورات دار المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق