لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

ماريان إيلي مفرّج

ثقافة العِلم الجنائيّ وأهميّتُها في السياسةِ العِقابيّة (تابع)

....... فإنّ للقانون الجنائيّ وظيفة اجتماعيّة لا ينفرد بتحقيقها العقاب وحده، وقد يكونُ العقاب بمعنى الإيذاء المقصود لذاته أدّى إلى عدم تحقيقها. فالمقصود بهذا التلازم، بين تطوّر فكرة العقاب ووظيفة القانون الجنائيّ الذي قام في الأصل على فكرة الجزاء وتطوّر مفهوم السياسة الجنائيّة وطابعها، هو أنّ القانون الجنائيّ والسياسة الجنائيّة أمرٌ واحد وهما متكاملان، وجهان لعملة واحدة؛ أحدهما نظريّ مجرّد، والآخر عمليّ تطبيقيّ.

ومن هنا يجب التمييز في السياسة الجنائيّة الشاملة بين شقَّين: فهناك الشقّ الذي لا يبدأ إلّا مع وقوع الجريمة، وهذا هو مجال القانون الجنائيّ تشريعًا وقضاءً ابتداءً من سنّ القوانين إلى البحث والتحقيق والمتابعة والمحاكمة. وهذا ما يُعرف بالسياسة الجنائيّة بالمعنى الضيّق.

 والشقّ الآخر يُعرف بالسياسة الجنائيّة الوقائيّة التي ترمي في جوهرها إلى تجنّب وقوع الجرائم بمحاولة القضاء على مصادرها كافّة سواء الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة... ومساعدة المجرم لاستعادة حياته وتغيير مسارها، وفي هذا السياق تدخل مساعي وزارة العدل والباحثين والدراسيّين والحقوقيّين بالعمل على دراسة أسباب الجريمة ودوافعها، بهدف وضع قوانين متلائمة وعمليّة تخفّف من وطأة هذه الظاهرة وتساعد على تقويم الجاني.

ومن أكثر الأمثلة الاجتماعيّة التي تتعرّض لها معظم المجتمعات هي مشكلة الأحداث المشرَّدين والجانحين التي لا تنفكّ تنتشر مع تكاثر الآفات والعلل الاجتماعيّة، وإنّ عدم إيجاد الحلول السليمة لها يمهّد للأحداث والأولاد اتّخاذ منحى إجراميّ خطير مثل عادة الإدمان على المخدِّرات، وهي التي من أجلها بالذات صدر قانون المخدِّرات والمؤثّرات العقليّة والسلائف رقم 673/98 وهو يعتبر خطوة متقدّمة في هذا المجال، فقد حاول المشرّع في هذا القانون أن يعامل متعاطي المخدّرات على نحو يميّزه من سواه، فاعتبره تارةً مريضًا بحاجة إلى تأهيل وتارةً أخرى مجرمًا وأنزل به العقاب. لذلك تعتبر هذه الخطوة جريئة وفريدة من نوعها في القانون اللبنانيّ كون المشترع أدخل على هذا القانون بعض مفاهيم السياسة الجنائيّة، غير أنّها تبقى ناقصة كون القانون جُرّد من محتواه لعدم وضع أيّ آليّة تطبيقيّة وعدم خلق المؤسّسات العامّة المختصّة لمعالجة هذه الآفة إضافةً إلى عدم إنشاء أيّ مراكز خاصّة للمدمنين ما يؤدّي في الوضع الحاليّ إلى إدخالهم السجن.

 فهذه هي المشاكل التي تكون السبب في ازدياد نسبة الإجرام وتدهور الأوضاع الاقتصاديّة المختلفة وظهور مشكلات الفقر والبؤس والهجرة والبطالة التي لا يمكن حلّها إلّا بالتخطيط للتنمية الاجتماعيّة وفتح مجالات العمل والإنتاج وتحقيق عدالة، كما والعمل على إعادة تأهيل المجرم ومساعدته للتآلف والمجتمع ثانيةً، ومن هنا على الوزارات المعنيّة كوزارة الشؤون الاجتماعيّة وغيرها التدخّل والعمل على تطبيق سياسة جنائيّة تعتمد في مبادئها على استحداث مؤسّسات عامّة تُعنى بتعليم المجرم القيام بالأعمال الحرفيّة، وتثقيفه... وذلك من أجل تحوير اهتمامه عن النشاط الإجراميّ تمهيدًا لإعادة انخراطه في مجتمعٍ سليم.

 فالسياسة الجنائيّة وفقًا للمفهوم العلميّ الحديث يتمّ التخطيط لها على أساس أنّ الجريمة ظاهرة اجتماعيّة لها أسبابها الذاتيّة والاجتماعيّة أو البيئيّة، ولها بالتالي وسائل مكافحتها التي لا تتقيّد حتمًا بفكرة إنزال العقاب، ويتناول هذا التخطيط بالضرورة قطاعات القانون الجنائيّ الثلاثة وهي:

- قطاع تشريع التجريم: حيث تحدّد أصناف الجرائم وما يقابلها من عقوبات وغيرها من التدابير، ويضمّ ذلك ما يسمّى القانون الجنائيّ ونسمّي التخطيط هنا السياسة التشريعيّة.

- وقطاع القضيّة الجنائيّة: إبتداءً من ضبط المجرم، إذ يجب فحص المجرم ذاتيًّا واجتماعيًّا للكشف عن حقيقة شخصيّته وواقعه الاجتماعيّ وظروفه الإجراميّة والنفسيّة ودوافعه الإجراميّة، تمهيدًا لتقديمه إلى القضاء لما يتلاءم وحالته من أوجه المعاملة الجنائيّة الرامية إلى العلاج أو التقويم والتأهيل، وهذا ما يُعرف باسم قانون المسطرة الجنائيّة.

- وقطاع السجون: وغيره من المؤسّسات العقابيّة وتنظّمه التشريعات الخاصّة بذلك وعلى رأسها قانون تنظيم السجون، ونسمّي التخطيط في هذا المجال السياسة السجنيّة.

فيتلخّص منطقُ السياسة الجنائيّة العلميّة أو الاجتماعيّة في أنّه ما دامت ظروف كلّ جريمة وكلّ مجرم تختلف من حالة إلى أخرى، فإنّ المواجهة الجنائيّة بالعقاب أو بغيره من الوسائل يجب أن تختلف أو تتفاوت، فيكون لكلّ حالة ما يلائمها بما يمنح الفرصة لتحقيق أكبر قدر من الغرض المنشود وهو الإصلاح وإعادة الإدماج مثلًا: فالشخص الذي يسرق لأوّل مرّة من أجل إطعام أولاده الصغار الجائعين، لا يدخل في دائرة المجرمين المحترفين، وكما يقول المثل الفرنسيّ: "مرّة واحدة ليست عادة"، ولقد ابتدع أحد الجنائيّين الفرنسيّين ما يسمّى التفريد “l’individualisation”  للتعبير عن هذا المنطق الذي هو في الحقيقة عصب السياسة الجنائيّة الواقعيّة وشعارها.

إذًا إنّ السياسة الجنائيّة هي ثقافة علميّة تبحث عن خلفيّة الجريمة وتُعنى بدراسة أسبابها بغية معالجة الجريمة والوقاية من الانحراف، عبر وضع إستراتيجيّة جنائيّة واعية محيطة بكلّ معطيات الظاهرة الإجراميّة والسلوك المنحرف. وهذا العلم مبنيّ على ثقافات عدّة، وهو يتناول حقولًا عدّة تُحقِّق الغاية المنشودة.

* ماستر في العلوم الجنائيَّة وناشطة حقوقيَّة.

* للقسم الأوّل من المقال: https://tinyurl.com/qssjeq9

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق