لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور عليّ خليفة

الإنسان والأديان: ماذا يخبّئ التاريخ وبِمَ تنبئ الفلسفة؟

ما كانت الديانة الأولى التي اهتدى إليها الإنسان؟ وكيف ظهرت فكرة الإله وتظهّرت صورة التضحية وانعقد الخلاص وأقيمت الصلاة وترهبن المتعبّدون؟ لماذا أصبح الإله مذكّرًا بعد أن كانت الآلهة إناثًا؟ وكيف عبرنا من تعدّد الآلهة إلى التوحيد بإله واحد؟ ولماذا يرتبط العنف بالمقدّس؟ ومَن مؤسّسو الديانات الكبرى وما كانت رسالاتهم وأين تقاطعت وأين اختلفت؟ عن هذه الأسئلة وغيرها يجيب كتاب المصنّف الوجيز في تاريخ الأديان لمؤلّفه المؤرّخ والفيلسوف الفرنسيّ فريديريك لونوار[1].

كالسفر في حقب التاريخ السحيق وعلى منعطفات الأسئلة القلقة تبدو قراءة هذا الكتاب الذي يقع في أربع مئة صفحة... ومع تقليب صفحات هذا الكتاب، تطلّ أحداث التاريخ بأسانيدها وموثوقيّتها وتترقّب الفلسفة جريان نهر الصفحات ومغزى العبور وعبور المعنى.

قد تقدّم الأديان (أو كلّ دين على حدة) إجابات متقطّعة عن أغلب الأسئلة المطروحة أعلاه، من ضمن السقف الإيمانيّ ومقتضيات ثبات العقيدة وما انعقد عليه الوفاق بالمنهجيّات والأدوات المتّصلة بعلوم كلّ دين. ولكنّ القيمة المُضافة إلى الكتاب تكمن في كونه يجمع بين حقلين: تاريخ الأديان وفلسفة الأديان. ويبحث بالتالي عن الأديان، لا للأديان. فيأخذ البحث منحًى علميًّا خارجًا على إلزامات الإيمان والعقيدة ولكن من دون أن يدحضهما. فماذا يخبّئ المنهج التاريخيّ وبمَ تنبئ السيرورة التاريخيّة للفكرة الدينيّة فلسفيًّا؟

نشأة الشعور الدينيّ من التوقّف عن الانشغال بالحياة والتفكير في الموت

كان ذلك منذ ما ينيف على مئة ألف عام، والمكان: فلسطين. هذا ما تثبته الحفريّات. لم يعد يترك البشر حينئذٍ أترابهم الموتى جثامين في العراء، شأنهم كباقي الثدييّات المشغولة باقتفاء أسباب الحياة والعيش. بل انشغلوا بدفن موتاهم وتحديد المراسم والطقوس. فنشأ الشعور الدينيّ من التوقّف عن الانشغال بالحياة والتفكير في الموت. وعلاوةً على مراسم الدفن وطقوسه، شمل الشعور الدينيّ مظاهر الطبيعة وقواها الخفيّة، فكانت الديانة الأولى التي عرفها الإنسان هي الطبيعة. ويقدّم لونوار حزمةً من الأسانيد التاريخيّة ليؤكّد أنّ مراسم الدفن وطقوسه لم تكن متواترة بحيث نقلها الإنسان معه، لا عبر توالي الحقب ولا اختلاف الأزمنة. بل إنّ المجموعات البشريّة على اختلاف الفترات ما قبل التاريخ وعلى اختلاف موطنها، اهتدت إلى الشعور الدينيّ ذاته الذي أيقظه التفكير في الموت. ولم تكن جداريّات المغاور سوى الكتابات المقدّسة للديانة الطبيعيّة والقوى الخارقة في الطبيعة.

عندما كان الإله أنثى: مشوار الكهف نحو المدينة

كان ذلك منذ خمسةَ عشرَ ألف سنة تقريبًا. كانت أوروبّا لا تزال جاثمة تحت الجليد، في حين كان الشرق يُغري أهل الكهوف بالخروج إلى خصوبة حوض النيل وسهول لبنان وحوران وأراضي دجلة والفرات... وتمثّلت الطبيعة – الإلهة، خصبةً ماطرةً معطاء بصورة أنثى. فحبل التاريخ الدينيّ وأنجب أجيالاً من الآلهة الإناث. ومع النماء والازدهار ووفرة الإنتاج الزراعيّ، تنظّمت التجمّعات البشريّة وقامت المدن. وبموازاة تجمّع الناس في السكن، تجمّعت الآلهة في الأبراج وفي المعابد، لا سيّما في مدن أريدو وأوروك. وأصبح مجتمع الآلهة مختلطًا من الجنسين، وتكاثرت الآلهة كالبشر، كما تصارعت علاقاتٌ تفاضليّة بينها وتحالفت وتعادت ونسجت. ويلاحظ لونوار أنّ الاصطفاء الجندريّ على قاعدة الأهميّة، سواء أكان في بلاد ما بين النهرين أم في بلاد اليونان، تزامن وتغيُّرًا في أدوات الإنتاج الاقتصاديّ وفي الأدوار الاجتماعيّة. وهكذا أصبح الإله مذكّرًا بعد أن كانت الآلهة إناثًا.

ثالوث الحكمة وثالوث الآلهة ووجه الماء

نشأ ثالوث الحكمة في الصين، يؤكّد لونوار بعد مرافعة متحرّرة نسبيًّا من إسقاطات عيون الفكر الدينيّ الغربيّ على تاريخ الشرق الأقصى وقراءته المتّسمة بنزعة التجزئة. فيستعيد بعد قراءة مقارنة موحّدة للطاويّة والكنفوشيوسيّة والبوذيّة خيطًا رابطًا لثالوث الحكمة الصينيّة المتمثّل بالديانات الثلاث المذكورة. ويضيف أنّ كلًّا منها ليست ديانة قائمة بحدّ ذاتها، بل هي ثلاث ديانات متكاملة متراصّة تكوّنُ اعتقادًا واحدًا في ثلاثة أقانيم.

ويُبرز لونوار بالمقابل خطًّا متمايزًا للانعطاف الهامّ في تاريخ الفكر الدينيّ المتمثّل بالهندوسيّة، تلك الديانة التي لم تنفصل عن ديانة الإنسان الأصليّة (أي الطبيعة)، ولم يثبت بالسند التاريخيّ وجود مؤسّس واحدٍ لها، بل جرت جريانًا كالنهر في أنفس المتعبّدين وأفئدتهم، وخرجت آلهتها على وجه الماء وتكاثرت، وفاضت طقوسها وتعدّدت وتعدّلت... إلّا أنّ الهندوسيّة قدّمت فكرة ثالوث الآلهة: شيفاShiva  وفيشنو Vishnou وبراهماBrahma ... أشكال الإله المتمثّل بـ Trimurti الثلاثة (الثلاثة في الواحد). براهما الخالق، ذو الوجوه الأربعة والموجود في الرياح الأربع التي تهبّ عند خلق الكون وقبل أن يكون الوجود؛ وفيشنو بتجسّده بين الناس على نحو عشر صور حيوانيّة أو بشريّة لإعادة الكون إلى نصابه إذا انتُقص والوجود إلى نظامه إذا اختلّ؛ وشيفا إله المفارقات، والذعر والطمأنينة، والكراهية والمحبّة، والغضب والسكينة... وكلّ ما تمرّ به البشريّة من ظروف.

وكوّنت الماء منبع طقوس حكماء الصين وآلهة الهند وشرق وجنوب آسيا... وممارساتهم.

عندما سئم الإنسان فصار إلهًا ووحّد الآلهة

يقول التاريخ إنّ الأمير سيدارتا غوتاما شاكياموني سئم القصر وملذّاته، حيث لا المرض يقترب ولا يطلّ البؤس. فخرج يكتشف المدينة خارج أسوار القصر. وكانت دربه مزروعة باللقاءات ومحفوفةً بالاكتشافات التي جعلت الأمير تائهًا يتوق إلى رؤيا الحقّ، على غرار من سبقوه من المعلّمين الهندوسيّين الذين هجروا الدنيا والمتاع والمظاهر لعلّهم يقتربون من الحقيقة والمطلق والكوامن. وبعد السأم والتشرّد والمرض والجوع والألم والكلم، أصبح سيدارتا هو البوذا، إلهًا يكلّم براهما. وشقّت البوذيّة طريقها من الهندوسيّة وبموازاتها، وحطّت رحالها في التيبيت، فاكتسبت معقلًا طبيعيًّا جعلها مختلفةً عن النسخة الأولى وتعرّفها الغرب بنسخة فلسفيّة جامحة للعودة إلى أواصر الطبيعة وتناغمها.

وعودًا على بدء، فقد شهدت بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين صيرورةً مماثلة للإنسان – الإله، بحيث أفرزت المانيّة والزرادشتيّة تباعًا اعتقادًا عن توحيد الآلهة. فكان الرسول زرادشت النبيّ المصطفى ومبعوث الإله الواحد إلى أبناء فارس. ويطرح لونوار تساؤلات جدّيّة حول موثوقيّة الأسانيد التاريخيّة بشأن وجود هذه الشخصيّة ويعتقد أنّها شخصيّة معنويّة حاكتها الأساطير من أساطير وكتابات سابقة مماثلة اخترعت الشخصيّة وألبستها لبوس البعثة والرسالة، مضيفةً بلا شكّ إلى التراث الإنسانيّ تأمّلاتٍ فلسفيّة في الطبيعة الخارجيّة والطبيعة البشريّة وصراع الخير والشرّ وما بعد هذا الصراع.

وكان إيل الإله الواحد الذي تحرّكت حمية ملوك بلاد ما بين النهرين للتوسّع تحت اسمه، وكذلك إله الشمس، بارقة توحيد مصر تحت لواء الفرعون المؤلّه، وكذلك حروب جبل الآلهة في اليونان للتوحيد.

وعلى أثر هذه الجردة، يقدّم لونوار رؤيته لقراءة التاريخ الدينيّ التكامليّة بموازاة التاريخَيْن السياسيّ والاجتماعيّ بحيث يصبح العبور من تعدّد الآلهة إلى توحيد الآلهة مشروعًا في السياسة والمجتمع، قادته شخصيّاتٌ أصبحت تجسّد في ذاتها الإله الواحد في فارس وما بين النهرين ومصر واليونان.

الديانات الإبراهيميّة     

في خضمّ معارك توحيد الإله والدولة، يتوقّف لونوار عند البابليّين وما قام به حمورابي لتشييد المملكة الموحّدة فوق حكم المدن الذاتيّ. ويشير إلى تفاصيل إخضاع مدينة أور وهروب بعض القبائل منها، حيث اتّجه أحد زعماء القبائل الهاربة نحو السواحل الشرقيّة في المتوسّط. كان اسمه برعام (أبراهام أو إبراهيم لاحقًا). وكان يصطحب معه أساطير البابليّين القدماء وملاحم الأوّلين. ويشير لونوار في هذا الصدد إلى أنّ برعام، قبل أن يصبح أبراهام، مكث في حرّان وعرّج على سيناء ونزل بأرض الكنعانيّين حيث كان يقدّم الأضاحي والقرابين مثلهم ويشيد المعابد ويقدّس بعض الأشجار. ولم يكن إله برعام والعبرانيّين بعد الإله الواحد الخالق الكون والأنام والنور والظلام. بل كان يهوه Yahve إله شعب إسرائيل وحدهم يخصّهم من دون غيرهم من آلهة الشعوب الأخرى. وجمعهم على العهد، بالرغم من ردّتهم وانتفاضاتهم وغضب الإله وعودته عن غضبه وتفضيله إيّاهم على غيرهم. ويدرس لونوار عدّة محطّات تاريخيّة ساهمت في اكتمال العهد القديم وقصصه على امتداد عدّة قرون، بعضها يرجعه إلى أساطير بلاد ما بين النهرين كأسطورة خلق الإنسان من الطين والعائدة إلى كتابات من ضفاف دجلة، وبعضها اللاحق يربطها بمراحل تاريخيّة تَلَت مكوث أبراهام وأبنائه في بلاد كنعان والسامرة، وصولًا إلى مملكة داوود وعرش سليمان وخراب الهيكل واضطهاد اليهود.

ويكتب لونوار عن يسوع الناصريّ، حيث لم تكتب الأناجيل الأربعة، أي يسوع ما قبل عمر الثلاثين. فيضع حياته في منتهى سياق رسل العهد القديم. ويقول لونوار: قبل أن يصبح يسوع هو المسيح، كان يهوديًّا ثائرًا على التوراه والحاخامين. وهو ليس كزرادشت، شخصيّة معنويّة، بل استقى، بنتيجة سيرته الثائرة وخروجه على إلزامات المؤسّسة الدينيّة ولقاءاته بالمعلّمين الآسيويّين القادمين من الهند والصين لا سيّما يوحنّا، أفكارًا عن الخلاص من الخطيئة (البوذيّة)، والتطهّر بالماء وثالوث الحكمة الصينيّة وفكرة ثالوث الآلهة العائدة إلى الهندوسيّة. وعلى عكس اليهوديّة، كانت الأناجيل شهادةً حيّة لسيرة يسوع المعلّم والثائر حتّى الرمق الأخير، حيث فدى البشريّة جمعاء (لا شعبًا محدّدًا) بالتضحية الأكبر على الصليب. ويرى لونوار أنّ سيرة يسوع التاريخيّة هذه ما كانت لتفضي إلى تأسيس ديانة كما فعلت الكنيسة لاحقًا، مقدّمًا تبريرات تاريخيّة للبروتستانتيّة.

ويفرد مساحةً لصراعات القرون الأولى من المسيحيّة، للإضاءة على هرب بعض الرهبان النساطرة المبعدين إلى الجزيرة. فيكتب لمحمّد، كما كتب ليسوع، عن السيرة التي بقيت محجوبة، أي ما قبل الأربعين عامًا، سنّ النبوّة عند محمّد. ويقدّم الأسانيد التاريخيّة عن نشأة محمّد في كنف الرهبان النساطرة الذين كانوا يؤمنون بطبيعة يسوع البشريّة وتأثير هذه التنشئة لاحقًا في ما يقدّمه الإسلام في هذا السياق. كما يعرض لونوار تفاصيل العمليّات التجاريّة التي كان يقيمها النبيّ مع يهود يثرب والعلاقات التي نسجها معهم والعادات التي دخلت لاحقًا في مشروع الإسلام لا سيّما في ما يخصّ الصيام، والأشهر الحرم، وبعض العادات الغذائيّة والطهور. ويتوقّف لونوار على القرآن وجمعه ومشروع الإسلام السياسيّ باعتبار الدولة التي أقامها النبيّ في المدينة وسيلة استخدمها محمّد لنشر الدين. وقد نشأ عن هذا التماهي، بعد موت محمّد، جدليّة الحاكميّة السياسيّة والحاكميّة الدينيّة. ويؤرّخ في هذا الصدد لنشوء صراع الخلافة والإمامة.

أخيرًا، ينتهي الكتاب ولا ينتهي، بحيث تحضر المنهجيّة الفلسفيّة بقوّة لتأخذ المبادرة بعدما أفضت المنهجيّة التاريخيّة إلى رسم خيط من الأحداث والأسئلة التي لا تبحث عن أجوبة نهائيّة ومثبَّتة، بل تستنبط أسئلة جديدة أو تستعيد أخرى مستجدّة. ماذا تخدم الأديان اجتماعيًّا وسياسيًّا وفرديًّا؟ بالإضافة إلى أسئلة أخرى من مباحث فلسفة الأديان ينهي بها المؤرّخ والفيلسوف فريديريك لونوار كتابه: عودٌ على بدء؟ عودة الشعور الدينيّ على أنقاض الجدلية المادية؟ إعادة اكتشاف الإله؟ الطبيعة ديانةً أصليّة؟ الصوفيّة والروحانيّة؟ الدين ظمأً وجوديًّا بديلًا؟ الكنائس الجديدة؟ عودة الآلهة الإناث؟ هل لهذه الأسئلة إجابات بقدر ما لتاريخ الأديان معنى؟

هنا لا بدّ من استعادة مؤلَّفات مرجعيّة أخرى في السياق نفسه، وأفكار سابقة لدايفيد هيوم مثلًا، حول المعنى والارتقاء، وفكّ توحيد الآلهة إلزامًا عقائديًّا عن صفة الحقيقة الدينيّة وقابليّة تمايزها أو نسبيّتها، بعيدًا عن أيّ نزعة تفاضليّة بين الأديان، بل بما هي في صميم وجود الإنسان وتوقه إلى المجرّد، لتخطّي ثنائيّة المقدّس والعنف التي أفصح عنها أيضًا ماكس فيبير، لعلّها تكون خادمةً إنسانيّةَ الإنسان فقط.

 

(*)  أستاذ في الجامعة اللبنانيّة – كلّيّة التربية. له أبحاث ودراسات في المواطنيّة والتعدُّديّة، وكُتُبٌ آخرها: المطران والشيطان. قراءات ومحطّات في تجربة غريغوار حدّاد.

[1]   الكتاب بالنسخة الفرنسيّة: Lenoir, Frederic, Petit traité d’histoire des religions, Essais, 1ère édition, Plon, 2008.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق