«أيقونة الثورة»: تصوير غرافيكيّ يرمز إلى المشاركة النسائيّة في ثورة تشرين، لبنان

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل

الانتفاضة النسائيَّة في زمن ثورة تشرين الأوّل 2019

لطالما عاشت المرأة في ظلّ إحدى أعظم الفضائل التي يدعونا الله إلى اعتناقها في حياة المجتمع اللبنانيّ ألا وهي فضيلة السلام في إطار النظام الإلهيّ الذي يقوم على مربّع الحقيقة والعدالة والمحبّة والحريّة، ويرسَّخ على صخرة إحلال الكرامة الإنسانيّة وحقوق الأفراد والجماعات كما يعلّم البابا الطوباويّ يوحنّا الثالث والعشرون.

إنّها حالة من السلام الذي هو أكثر بكثير من عدم النزاع.

إنّها عمليّة تربويّة طويلة ودؤوبة ترمي إلى إحقاق العدالة للأنثى كما للذكر في مجتمعنا، والتنمية بروح التضامن والمحبَّة في مناخ الحريّة خدمة لحقيقة وجود الإنسان على صورة الله وعلى مثاله.

"وعندما خلق الله الإنسان، مثنّى الإنس، على صورته... ذكرًا وأنثى خلقهما" (تك 1: 27).

أ - لفتات سلام

نعود في الذكرى إلى خطاب قداسة البابا بولس السادس في اليوم العالميّ للسلام 1970 (Chemins de la Paix) ونستشفّ من نصائحه الكريمة قوله "نحن في حاجة إلى تربية أيديولوجيّة جديدة، التربية على السلام الذي يبدأ في عمق أعماق القلوب... سنخبر عنه وسنطبعه في عادات البشريَّة المتجدّدة وفي فلسفتها وفي سوسيولوجيّتها وفي سياستها".

وعندما ننظر إلى التربية لا نغفل ثانيةً واحدة عن دور الأمّ الحنون الحكيمة والخبيرة بالفطرة غالبًا في شؤون السلام المجتمعيّ والروحيّ.

شدّد قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنّا بولس الثاني في رسالته في "الاحتفال باليوم العالميّ للسلام" على "أهميّة لفتات سلام Les gestes de paix لا تُحصى أدّاها رجال ونساء لم يفقدوا الأمل ولا استسلموا للإحباط".

تخلق هذه اللفتات تراث حقّ وعدالة وتجعل أصحابها الذين ربّوا في ذواتهم مسلكيّات دائمة للسلام صنّاعَ سلام.

فالنساء المربِّيات المؤتمنات على توجيه النشء الطالع من أبنائهنّ وبناتهنّ، هنّ مؤتمنات على نقش حسّ السلام في قلوب البشر توصّلًا إلى حضارة المحبّة؛ حيث هنّ بريئات من أبنائهنّ المبتلين بالطمع والجشع والتعدّي على حقوق الآخر واستباحة لقمة عيش الفقراء من إخوتهم في المجتمع الواحد.

إنّها المحرّمات المرفوضة إذ إنّ الله يَكِل أمر الإنسان إلى الكلّ وإلى كلِّ أحد.

إنّه القاسم المشترك الذي تمتلكه المرأة ألا وهو استعدادها الطبيعيّ للإصغاء إلى صوت الحياة الداخليّة لدى الآخرين، استعدادٌ يجعلها مؤهَّلة لتعذية القلوب ولاكتشاف ما في طيّاتها من كنوزٍ تُحسن استثمارها لخير الأشخاص والجماعة على حدٍّ سواء.

ب - خطر هيمنة البؤس المادّيّ

إنّها ظاهرة نتوقّفُ عليها بألم شديد ألّا وهي ظاهرة البؤس المادّيّ الذي يفتك بكثير من الأُسر اللبنانيّة فيرميها على هامش المجتمع وربّما على هامش الأخلاق الحميدة، ما يجعل الفرد اللبنانيّ يصارع لأجل البقاء والإسراف في النقص بالاحتشام في الكلام وفي اللباس والابتعاد عن الصلاة وعيش نظام الإنجيل والصلاة المستمرّة. ونتساءل أيضًا أين نحن اليوم من المجتمع اللبنانيّ النقيّ الخالي من الفجور والخيانات الزوجيَّة والجرائم العاطفيّة... لقد دقّ "دوركهايم"، الأب المؤسِّس عِلمَ الاجتماع، ناقوس الخطر حين حذّر من خطر تَفشّي الفوضى الاجتماعيّةL’anomie sociale  في أثر الصراعات المسلَّحة والأزمات الاقتصاديّة، ولقد دعا الى تخطّي البؤس المادّيّ بالتضامن والتعاضد والعودة إلى الحكمة وإلى الأسس التربويّة الحميدة. وتساهم هذه التربية بوجهٍ كبير في بناء الإنسان الحكيم والمتّزن الساعي إلى الالتزام الجدّيّ والمسؤول.

لذا فإنّ المرأة اللبنانيّة تعيش اليوم زوائل الأزمة السياسيّة والماليّة المستفحلة واهتزازاتها، وكذلك شركاؤها في الوطن من رجال وأطفال وشيوخ، وهي جديرة بالثقة إذ ألقت ثوب القشور والمظاهر الجماليّة البرّاقة جانبًا تلك العناية بجمالها القديمة العهد[1] وتأبّطت وثائق العلم والقيم والحريّة، وانتفضت... إنّها المرأة الواثقة من مؤهّلاتها ومن دورها في مجتمعها إلى جانب الرجل؛

نشكرها مردّدين مع الحبر الأعظم يوحنّا بولس الثاني بالقول: "شكرًا لكِ أيّتها المرأة الأمّ، إذ تحملين في أحشائك بخبرة فريدة من الفرح والألم، فتصبحين بسمة الله لذاك الجنين القادم إلى الحياة، وتقودين خطاه الأولى، وتعضدينه في نموّه، وتكوّنين مرجعه على دروب الحياة،

شكرًا لكِ أيّتها المرأة الزوجة التي وحّدت مصيرك بمصير رجل لا إلى فصام، عبر رباط من العطاء المتبادل، من أجل الاتّحاد والحياة...

شكرًا لكِ أيّتها المرأة لمجرّد أنّك امرأة! فبفضل إدراكك الخاصّ كونَكِ امرأة، أغنيت فهمنا العالمَ وساهمت في توطيد العلاقات الإنسانيّة في ملء الحقيقة".[2]

أجل لقد ملأتْ صيحاتُ النساء والفتيات شوارعَ عدّة من مدن لبنان وقراه، كما رفعت الأعلام اللبنانيّة بكلّ فخرٍ واعتزاز، وطالبت هؤلاء النساء بحقوقهنّ وحقوق إخوتهنّ في المواطنة بما يتضمّنه ذلك من عيشٍ كريم وعمل يليق بجدارتهنّ العلميّة وانفتاحهنّ على العلم والتكنولوجيا. لقد أزلن الحواجز وكسرن الحياء بكثير من القوّة والجرأة وتصدرّن المسيرات وقطعن الطرقات ودوّت أصواتهنّ عاليًا سعيًا إلى البقاء في وطنهنّ والتمتّع بالعيش الكريم.

أمّا وقد تأبّطنَ الحركيَّة المحقّة، فيظلّ الدور الأهمّ في عمليّة النهوض الوطنيّ يقع على الأمّهات اللواتي يستحوذن بواجب احترام حَقّ كلّ إنسان في الحياة منذ تكوينه، لأنّ انتهاكهنّ هذا الحقّ هو أساس سقوط أولادهنّ اللاحق في فخّ تبرير العنف والقتل والنزاعات المسلَّحة.

كما أنّ عيشَ المرأة مع زوجها فضائلَ التفاهم والتصابر والتغافر يمنحُ الأُسرة خبرةً أولى وحاسمة في فهم السلام الحقيقيّ.

كما أنّ السعي للالتفاتِ إلى المعوزين والمهمَّشين والعجزة والمهملين واليتامى والمعوَّقين يساهم في نسج مبادئ المحبّة والعدالة في قلوب أولاد المرأة بوجهٍ دائم، ويرسي أسس المحبّة الدائمة.

هنيئًا للبنان نساءه السائرات على درب بناء الوطن سَواسية مع شريكهنّ الرجل؛ فالرجل والمرأة معًا أقوى، إذ إنّ النساء يؤلِّفنّ خمسين بالمئة من الشعب اللبنانيّ ويتحلَّينَ بصفات القدرة على الالتزام المعنويّ والماديّ للوصول إلى الأفضل.

 

*  دكتوراه دولة في علم اجتماع التربية؛ أخصّائيّة في شؤون الأسرة والمرأة اللبنانيَّة.

[1]   Mireille Malavat_ Doniguian et Dr. Dounia Hocheimy-Bou Khalil, “Votre beauté en question”, Editions Desiris, Saint-Michel, 1991, p. 13.

Au IVe siècle avant J.C. … dans les fouilles de Byblos on a trouvé des bracelets en bronze; ils sont ouverts et les extrémités terminées par une tête d’animal. Des boucles d’oreilles en argent trouvées dans ces mêmes fouilles, sont les signes de la coquetterie poussée de la femme phénicienne (Byblos 1) dont parle “Pierre Hubac”: “La funique était coquette, recherchée pour son charme et sa beauté”.

[2]   يوحنّا بولس الثاني، خطابه في اليوم العالميّ للسلام 1995، عدد 2 .

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق