عالمنا لا يحبّ المفاجآت وهو عالم الذكاء البشريّ والاصطناعيّ، عالم البرمجة والعقلانيّة

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعي

موضوع الساعة! فيروس الكورونا أليس كذلك؟

بعض الأفكار:

أوّلًا: عالمنا لا يحبّ المفاجآت وهو عالم الذكاء البشريّ والاصطناعيّ، عالم البرمجة والعقلانيّة والتحكُّم بالمستقبل. إلّا أنّ المفاجأة حدثت، حيث إنّ جرثومة من جراثيم الدهر البائد ازدهرت من منطقة نائية في الصين لتصل إلى أقاصي الأرض من إنسان إلى إنسان. كشفت الجرثومة أنّ نظام الصحّة المحلّي والعالميّ هو على شيء من الهشاشة وأنّ ما تكرّسه الحكومات خصوصًا تلك الديموقراطيّة للأبحاث في الأوبئة ومكافحتها هو جدّ قليل بالنسبة إلى ما يخصّص لتعزيز القدرات التسليحيّة والحربيّة. إنسان القرن الواحد والعشرين لا يحبّ المفاجآت، إلّا أنّ المفاجأة حصلت وقد حصدت حتى اليوم عشرات الآلاف من الوفيات!

ثانيًا: اكتشفنا ثانية وثالثةً كم أنّ الطبّ لا بل عالم الطبّ كطبّ حديث هو "رسالة" مهمّته الدفاع عن الإنسان المهدّد في أعزّ أمر لديه أي حياته. نرى بوضوح أنّ هذه الرسالة التي هي رسالة قِيَم وأخلاقيّات وأنسانيّات حملها طويلًا ذلك الذي نسميّه "الحكيم" أي ذلك الذي يشخّص المرض ويحكم بعلمه ومعرفته وإنسانيّته على الحالة وعلى ما يداويها. ربّما راح الطبّ صوب المال وصوب شركات الأدوية الرأسماليّة فضاعت بعض الشيء الحكمة والإنسانيّة. فقلّ وجود الحكماء وكثر المتعاملون مع رأس المال وربّما سقط قَسَم أبقراط في النسيان. هذه الجرثومة هي مناسبة لإيقاظ الضمير فيعود علم الطبّ إلى نصاب قواعده ونظامه القائم على أخلاقيّات الطبّ الحديث الذي كان قد قضى على المعالجين بالأعشاب والتعزيم.

ثالثًا: لا شكّ في أنّ الطبّ تحوّل إلى صناعة وصناعة متقدّمة تعتمد على التكنولوجيات الحديثة وعلى شركات التأمين بتنوّعه، والهدف الأوّل هو تأمين أفضل الحماية لصحّة الإنسان، إلّا أنّ هذا التدخّل أصابه أمران: الأوّل أنّ إنسانيّة الطبيب تراجعت إلى الوراء لتصبح الوسيلة التكنولوجيّة هي الأساس. والثاني أنَّ تخصيص الموازنات الكبيرة جاءت لمعالجة الأمراض المعروفة فأصبحت المصلحة مرتفعة الثمن، في حين أنّ هذه الشركات وحتى مراكز البحث الجامعيّ والعلميّ فيها نسيت أنّ هنالك خطرًا خبيثًا كامنًا مُخبَّأً غير مرئيّ وهو موجود وبقوّة في لائحة الأوبئة التي حدثت منذ مئة سنة، منذ الإنفلونزا الإسبانيّة في السنة 1918 حتى جنون البقر والدجاج وغيرهما من فئة السارس SARS والكورونا سوى النذير للوباء الذي يجتاح عالمنا اليوم.

رابعًا: يدعونا قداسة البابا فرنسيس في رسالته الراعويّة "فليكن مُمجّدًا" إلى الاعتناء بـ"ببيتنا الداخليّ"، أي الأرض بمختلف قطاعاتها، وأن لا نجعل منـها مجرّد مادّة استهلاكيّة، فتصبح هيكلًا عظميًّا للأجيال اللاحقة. واضح للعديد من العلماء أنّ الاحتباس الحراريّ والتلوّث الكثيف هما الأرضيّة العالميّة لتفشّي الأوبئة وازدهارها. أمام هذا الواقع ومع الدمار البشريّ والاقتصاديّ الذي يسبّبه وباء الكورونا Covid-19 تكاثرت الدعوات لكي يُعاد النظر في مساحات الحياة الاقتصاديّة ونزعتها إلى تطوير الاستهلاك بطريقة يُحفظ بـها البيت الداخليّ لكي لا يُدمّر على ساكنيه. فعندما تقهر الطبيعة، فواضح أنّها "تنتقم" كما يقول المثل المأثور. كتاب بذور التدمير Seeds of destruction لمؤلّفه ف. ويليام انغدال (F. William Engdahl) حول أسرار التعديل الجينيّ البشريّ – الحيوانيّ – الزراعيّ للتحكّم بموارد القوّة العالميّة، يفضح الطريقة التي تمّ بـها إخضاع الطبيعة، وذلك للسيطرة على الاقتصاد العالميّ. نعرف اليوم أنّ كلّ هذا مضرّ للصحّة ولحياة الإنسان.

خامسًا وأخيرًا: الحداثة فلسفيًّا حصلت من الفرد المحور الأساسيّ للمجتمع البشريّ ومحطّ أنظار الإعلام والإعلان وحملات إستهلاك المنتوجات الصناعيّة التكنولوجيّة وغيرها. وهذه الحملات أسقطت باطنيّة الإنسان وروحانيّته لتجعله أسير استملاك الأشياء المتعدّدة بحيث أصبح مستعبدًا لـها. وباء الكورونا الشبيه بالكوليرا أوجد الإنسان كلّ إنسان أمام واقع تناساه أو تجاهله أنّ حياته البيولوجيّة هي سريعة العطب وأنّ الخوف الذي يعيشه اليوم أمام الموت المحدّق به. فالمأساة التي نعيشها اليوم، كما يقول قداسة البابا تدفعنا لكي نأخذ على محمل الجدّ ما هو جدّي، إذ إنّ الحياة لا تُقاس بما نملك أو بما هو مظهرنا أو مظاهرنا، بل بمقياس الحبّ الذي يقضي بأن نضحّي ونبذل ذواتنا من أجل الآخرين ومن أجل أنفسنا.

فيروس الكورونا وما يخلّفه من مأساة يجعلنا نقول إنّ الغدّ، وهذا ما نرجوه، لن يكون مثل الأمس، حيث إنّ رسالة الإنسان أكان طبيبًا أم لا، هو أن يخدم الحياة ويحميها. الخوف نعم، فهناك خوف وتخوّف من أن يكون المستقبل في نظر العلماء، هو مستقبل نرى فيه ما هو أقوى وأقسى من كورونا 2019. لذلك، المستقبل هو لرسالة المحبّة، محبّة الحياة والخدمة خدمة الحياة، لكي تكون أمينة وفيّة للروح الذي يقوّيها ويغذّيها.

ومع هذا الفيروس وآثاره المؤلمة هل تتغيّر نوعيّة الحياة؟ فلنقل إنّه حجرنا وحجزنا إلّا أنّ أيّام الحجر هي دعوة إلى التغيير وبناء الإنسان الجديد والحياة المتجدّدة، وألّا يكون الفيروس قد انتصر علينا. إلّا أنّ قوّة الروح هي ها هنا تساعدنا على الخروج من المحنة وتغليب حياة القِيَم فينا على كلّ ما يعطّل الحياة فينا.

 

* رئيس جامعة القدّيس يوسف، ورئيس تحرير المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق