لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

مذهب التحوّل الإنسانيّ ووباء فيروس كورونا: استخلاص العِبر

مقدّمة

سلك مذهب التحوّل الإنسانيّ (Transhumanisme) مسلكًا يهدف إلى تحسين قدرات الإنسان وإتقانها بمعزلٍ عن كلّ معتقدٍ دينيّ، وكلّ بُعدٍ اجتماعيّ وثقافيّ وسياسيّ، في ما يبدو تطرّفًا مبالغًا وخطيرًا لأهمّ مكتسبات عصر الأنوار، ألا وهو مركزيّة العقل ودوره في تطوّر البشريّة وتحقيق الحريّة والسعادة والازدهار. فجهود ذلك المذهب تصبّ بشكلٍ حصريّ في تحسين ذكاء الإنسان الفرد تحسينًا اصطناعيًّا، وإطالة حياته من خلال دمج الإنجازات التقنيّة - العلميّة وإنجازات البيولوجيا الطبيّة في صميم تكوينه البيولوجيّ والنفسيّ. لذا، يمثِّل مذهب التحوّل الإنسانيّ انقطاعًا لا سابق له عن الأنتروبولوجيا التقليديّة التي ساهمت مساهمة فعّالة في فهم الإنسان نفسه وموقعه وهدفه، وبوجه خاصّ الأنتروبولوجيا المسيحيّة التي أثَّرت في الغرب تأثيرًا كبيرًا. فتلك الأنتروبولوجيا ربطت بين طبيعة الإنسان وخلقه على صورة الله ومثاله. ولـمّا كشف اللهُ عن نفسه بـ «كلمته» التي بها خلق العالم، فُهِمَ الإنسان كائنًا يمتلك عقلًا يعكس في فنائه وميضًا من قدرة الخالق، ويسعى في إثر الحقيقة التي هي بالعمق دعوته الطبيعيّة، ولا تنفصل عن علاقته بخالقه الذي يمثّل غايته الأخيرة. وإذا كان عصر الأنوار قد أحدث ثمّة انقطاعًا عن هذه الأنتروبولوجيا، فإنّه لم يكن كاملًا، بل اتّخذ شكل انقطاعٍ تدريجيّ بدأ بإعلان انعتاق الإنسان المعاصر عن الدِّين الذي رُبط بالرجعيّة والظلاميّة. ولأنّه اتّخذ مسلك انقطاعٍ تدريجيّ، فقد ترك إمكانيّة انتعاش الأنتروبولوجيا التقليديّة، ولا سيّما من خلال التمييز بين الدِّين والله في ما يبدو تنقية الإيمان وإحياءه، وبوجهٍ خاصّ في أعقاب نتائج العولمة ونزعات تَعَلْمُن المجتمعات. فقد انتهت تلك العمليّة التي ظنّ الكثيرون أنّها عمليًّا تعني نهاية الأديان، إلى عودة الأديان إلى الساحة الدوليّة بصفتها المؤتمنة على الإيمان، في وقت وجد الإنسان نفسه يعيش فراغًا روحيًّا، واختبر أنّ الإنسان هو الخطر الأشدّ على الإنسان، وتحديدًا بسبب تسخير إنجازاته العلميّة والتقنيّة والبيولوجيّة في خدمة مصالحه الأنانيّة، وتدمير الطبيعة. وبهذا المعنى، يمثّل مذهب التحوّل الإنسانيّ تحدّيًا جديدًا للبشريّة، إذ يُضفي على الإنسان بُعدًا فرديًّا صِرفًا، ويفتح على تغيير تكوينه نفسه على نحوٍ يجعل من بوادر زمن «ما بعد الإنسانيّة» (Posthumanisme) تلوح بالأفق، والقصد بها إنكار الإنسانيّة السابقة إنكارًا كاملًا بأبعادها الروحيّة والاجتماعيّة والسياسيّة، وإنكار نموّ الإنسان الطبيعيّ.

في هذا الزمن المفصليّ، أطلّ وباء فيروس كورونا، بطريقة مفارقة، وبقدر ما أدَّى إلى إغلاق الناس على أنفسهم في حجر صحّيّ يجعل الإنسان يفكِّر في الحفاظ على حياته قبل كلّ شيء، فقد كشف أيضًا عن حقيقة تكوين البشر إنسانيّة واحدة لها مصير واحد، وفتح على إلزاميّة تعاون الجميع وتضامنهم لبلوغ شاطئ الأمان. وخير معبِّر عن هذا الواقع كان قرار الأمم المتّحدة التي اتُّخذ بالإجماع في 2 نيسان 2020، وفيه دعوة إلى التعاون الدوليّ، وتضافر جهود جميع الدول لمواجهة الوباء والأزمات الاقتصاديّة، والمحافظة على حقوق الإنسان[1]. غير أنّ هذا الواقع يمثِّل صحوة ضمير عالميّ له وقعه على مذهب التحوّل الإنسانيّ، إذ إنّ أبعاده الإنسانيّة التضامنيّة تعاكس مسار ذلك المذهب معاكسةً كاملة.

أوَّلًا - رهان مذهب التحوّل الإنسانيّ

   يعوّل أنصار مذهب التحوّل الإنسانيّ على التقدّم التقنيّ في بلوغ الإنسان الحياة الأبديّة؛ فيصير الإنسان، بدايةً، كائنًا هجينًا مركَّبًا من الآلات والمكوّنات البيولوجيّة، ويتمتّع بذكاء ينمو تقنيًّا وتلقائيًّا بحيث يتجاوز شيئًا فشيئًا حدود تطوّره البيولوجيّ. وبالتالي، فإنّ الإنسان المعاصر يعيش مرحلة انتقاليّة بين عمليّة تطوّره الطبيعيّ المرتبط بالأنتروبولوجيا التقليديّة، ومرحلة «ما بعد الإنسانيّة» المنقطعة عن تلك الأنتروبولوجيا، والمؤسَّسة على مبدأ تطوّر الإنسان اللامحدود بفضل العلوم والتقنيّات. فلا تعود الطبيعة تحرِّك تطوّر الإنسان، بل الإنسان مَن يطوّر نفسه بمعزلٍ عن الطبيعة. فهل الإنسانيّة بصدد التحوّل إلى «نوع إنسانيّ جديد»، إذ طبيعة الإنسان نفسها تتغيّر؟ الجواب هو نعم بكلّ تأكيد.

يمثّل هذا المذهب اللاسياسيّ والمتّصل بالفكر التكنو-رأسماليّ والمستقبليّ، بوجه رئيسيّ، الشركات الرقميّة العالميّة المستقرّة في «وادي سيليكون» بولاية كليفورنيا، وتحديدًا شركات غوغل وأبّل وفايسبوك وأمازون ومايكروسوفت (GAFAM). وثمّة مَن يدافع منذ الآن عمّا سمّاه ميشال فوكو «السياسة الحيويّة» (Biopolitique) لإعطاء «المواطنين المركّبين من أجزاء عضويّة وأجزاء مصطنعة» (Citoyens-cyborgs) حقوق المواطنين العاديّين نفسها[2].

غير أنّ الاعتراضات على هذا التطوّر المفرط كثيرة، لا سيّما وأنّه يحوّل طبيعة الإنسان نفسها على نحوٍ تبقى فيه قيم التحوّل مجهولة اجتماعيًّا وسياسيًّا وميتافيزيقيًّا، إضافة إلى أنّه سيسبّب بمظالم كثيرة، لأنّه سيبقى محصورًا بقلّة لديها القدرات الماليّة للاستفادة منه، أو لأنّها تمتلك المعرفة الخاصّة به. وفي نهاية الأمر، ألن تصبح المجتمعات البشريّة منقسمة بين «نوعَين» من البشر، بما أنّ «التحوّل الإنسانيّ» سيؤدّي إلى «ما بعد الإنسانيّة» مع ما يعنيه من انقطاع كامل عن التطوّر البيولوجيّ، وتعويل حصريّ على الذكاء الاصطناعيّ المنفتح على الذكاء المتفوّق الذي يتحكّم بتطوّر «الإنسان»؟ ومن ناحية أخرى، ألا يمكن استثمار هذا الذكاء الاصطناعيّ المستقلّ في الحقل العسكريّ، الأمر الذي يفتح على مخاطر «فناء» البشريّة على نحو ما تمثّله الأسلحة النوويّة؟

بالرغم من هذه الاعتراضات الوجوديّة والأساسيّة، يعرف مذهب التحوّل الإنسانيّ نجاحًا كبيرًا ومتسارعًا بسبب قوّة تسويق العالم الرقميّ الذي تسيطر عليه الشركات المعنيّة، بحيث يصبح المذهب أمرًا واقعًا. يُضاف إلى ذلك أنّ حكومات البلدان الغنيّة توظّف في غالبيّتها أموالًا طائلة لتطوير الذكاء الاصطناعيّ خدمةً لمصالحها، وهذا يصبّ، في نهاية الأمر، في صالح توجّهات مذهب التحوّل الإنسانيّ[3]. وفي كلّ حال، تبقى الإنسانيّة إزاء تحوّل خطير يتسبَّب به انحراف في فهم دور العلوم والتقنيّات، إذ عوض أن تكون هذه وسيلة تسمح للإنسان بأن يكون سعيدًا في طبيعته، تصبح هي نفسها عامل ولادة إنسانيّة جديدة تكوّن حدودها، وتتطوّر خارجًا عن القيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة بما فيها خدمة الخير العامّ التي رافقت نشأة المجتمعات البشريّة وتطوّرها.

ثانيًا - وجه الوباء الإيجابيّ

في خضمّ هذه التطوّرات المتسارعة والدراميّة، ألا يمكن رؤية وجهٍ إيجابيّ في وباء فيروس كورونا يؤدّي إلى يقظة الضمير العالميّ إزاء مخاطر مذهب التحوّل الإنسانيّ؟ يشير أمين عامّ الأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش إلى أنّ عمل الدول منفردة لمواجهة انتشار الوباء لن يُفلح، وأنّ جميع الدول مسؤولة عن تحمّل مسؤوليّاتها بهذا الصدد من أجل مستقبل البشريّة جمعاء. فنتائج الوباء ذكَّرت «بالثمن الذي ندفعه نتيجة نقاط الضعف في النظم الصحيّة والحماية الاجتماعيّة والخدمات العامّة». وفي إطار التضامن العالميّ الضروريّ، يذكِّر غوتيريش بضرورة تخفيف أعباء الديون عن الدول النامية، ويقول: «حان الوقت لمضاعفة جهودنا في بناء اقتصادات ومجتمعات أشدّ شمولًا واستدامة، تكون أكثر مرونة في مواجهة الأوبئة وتغيّر المناخ وتحدّيات عالميّة أخرى. يجب أن تؤدّي مرحلة التعافي إلى اقتصاد جديد. وتبقى خارطة الطريق الوحيدة تلك الخاصّة بالأمم المتّحدة، أي أجندة 2030 وأهداف التنمية المستدامة»[4].

يُلقي كلام أمين عامّ الأمم المتّحدة الضوء على أهميّة تضامن الدول والمجتمعات ليس من أجل التخلّص من الوباء المنتشر فحسب، بل لتوفير سبل التنمية المستدامة أيضًا. وهذا البُعد التضامنيّ العالميّ يلاقي ما جاء في قرار جمعيّة الأمم المتّحدة المشار إليه أعلاه، من أنّ وباء فيروس كورونا يتطلّب جوابًا عالميًّا قائمًا على الوحدة والتضامن والتعاون المشترك المتجدِّد. ومن جملة ما يتطلّبه هذا التعاون الوثيق تبادل المعلومات والمعرفة العلميّة والتطبيقات العمليّة في مجال الصحّة، وفقًا لما تنصح به منظّمة الصحّة العالميّة.

إنّ التشديد على التعاون الدوليّ في ظلّ أزمة الوباء، له وقع على طريق فهم الدول والمجتمعات نفسها، بقدر ما يؤدّي إلى تحسين الخدمات الصحيّة، وبالتالي توفير حياة أفضل للجميع. فالجميع مسؤولون عن توفير الدواء والطعام والماء وما يلزم من أجل مقاومة الوباء واستمرار الحياة، وبوجه خاصّ للفئات المحتاجة في أيّ بلدٍ في العالم. والجميع مسؤولون عن التخطيط للنهوض الاقتصاديّ، ولا سيّما في البلدان النامية التي تحتاج إلى تضامن استثنائيّ في هذا الزمن. فالأمن الصحّيّ والغذائيّ والاقتصاديّ مسألة دوليّة، وليست فرديّة تنحصر ببلدٍ واحد.

وبالتالي، يُثير الوباء أسئلة تهمَّشت مع ثورة مذهب التحوّل الإنسانيّ، وأهمّها تلك المتّصلة بعلاقة الأفراد بالمجتمعات، وعلاقة العلم بالسياسة، ومكانة الأخلاق والبُعد الإنسانيّ في علاقة الدول بعضها ببعض. فالمصير البشريّ يبدو أ+كثر من أيّ وقت مضى واحدًا يربط البشر والدول بعضهم ببعض على نحوٍ نادر. فليس من معنى لوجود فرد من دون باقي الأفراد، ولا معنى لوجود دولة من دون باقي الدول. لقد عاد بُعد الإنسان الاجتماعيّ والعلاقات الدوليّة لتشغل مكانتها الطبيعيّة، وعاد العلم والتقنيّات الحديثة لتشغل مكانها الطبيعيّ في حياة البشر.

خاتمة

ترد في الفصل الحادي عشر من سفر التكوين في العهد القديم رواية برج بابل، وخلاصتها أنّ بني آدم أرادوا أن يبنوا مدينة وبرجًا رأسه في السماء. تشير هذه الرواية إلى النزعة الإنسانيّة الدائمة إلى الظنّ أنّ البشر قادرون على اكتشاف الكون كلّه وإخضاعه ومعرفة أسرار الحياة؛ كما وقدرتهم على تنظيم عالمهم حسبما يروق لهم، والتحكّم بالطبيعة تبعًا لنزواتهم. ولكن ما إنْ خطّطوا لذلك حتّى نزل الله فبلبل لغتهم وفرّقهم على وجه الأرض كلّها. ولعلّ فيروس كورونا الذي لا تراه العين المجرّدة أتى ليبدِّد مقاصد مذهب التحوّل الإنسانيّ، فيذكِّر بضرورة تضامن البشر، ومكانة العلم الطبيعيّ، وهشاشة الحياة البشريّة، وسرّ الحياة نفسها التي تتجاوز فهم الإنسان وقدراته.

 

* مدير عامّ دار المشرق، ومدير مجلّة المشرق.

[1] راجع: https://news.un.org/fr/story/2020/04/1065812

[2] راجع: https://www.cairn.info/revue-futuribles-2018-4-page-61.htm

[3] راجع: https://www.unige.ch/collegetheologie/files/2215/6751/2217/TM_Maxime_Crettex.pdf

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق