لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور جوزف لبّس

يوميّات معلّم في زمن الكورونا

اليوميّة الأولى: الثأر (29/2/2020)

بعدَ أن فتكَ الإنسانُ بالحيوان، فأكلَ لحمَه، وشربَ لبنَه وعسلَه، وارتدى صوفَه وحريرَه، وتعطّرَ بمِسْكِه وعَنبرِه، وتزيّنَ بلؤلُئِه ومَرجانِه، وتداوى بسُمِّه وتِرياقِه، وتسلّى بقتلِه وتعذيبِه...

فتكَ الحيوانُ بالإنسان: نقلَ الجرذانُ والبراغيثُ إليه الطاعون، والذبابُ الكوليرا، والبعوضُ الملاريا، واستوطنتْ بعضُ أنواع الإنفلونزا الطيورَ والخنازير، وها هي خفافيشُ الليل (الفئران الطائرة) تحملُ إلينا تاجَ الجراثيم (الكورونا).

هل بدأ يستفحلُ ثأرُ الحيوان من الإنسان بعد أن ضاق الكوكبُ الأزرق بهما؟ وهل تكون الحربُ نفسُها شكلًا من أشكال انتقام الحيوانات التي قتلْناها؟

اليوميّة الثانية: التنّينان (13/3/2020)

اجتمعَ علينا ليلة أمس تنّينان: الكورونا الآتي من الصين (التنّين الأصفر)، والريح العاصفة التي تجاوزت سرعتُها 120 كيلومترًا في الساعة (منخفَض التنّين)؛ فباتت بيوتُنا على كفّ تنانين تعصفُ بها من كلّ حدَبٍ وصوب، وأمسَينا نتقلّبُ بين جنبَين: القلق والأرق.

رجاؤنا أن يداويَ التنّينُ الثاني (العاصفة) التنّينَ الأوّل (الكورونا)؛ فتقوم العواصف الترابيّة بقتل الجراثيم والحشرات الضارّة التي تلفظُها الأرضُ موسميًّا. ولا يغيبَنَّ عن بالِنا أنّ الخفافيش والتنانين يمكن أن تتحوّل إلى عرائس وأميرات !

اليوميّة الثالثة: سينيكا وكونفوشيوس (15/3/2020)

«نحنُ أمواجُ بحرٍ واحد، وأوراقُ شجرةٍ واحدة، وأزهارُ حديقةٍ واحدة».

بهذه الكلماتِ الإنسانيّة المنسوبة إلى الفيلسوف الرومانيّ سينيكا، قدّمت الصين مساعدتَها الطبيّة إلى إيطاليا، متجاوزةً سورَ الصين العظيم، هذا التنّين الحجريّ الهائل.

لقد هبَّ أحفادُ لاوتسو وكونفوشيوس إلى نجدةِ إخوتِهم، أحفادِ شَيْشَرون وفرجيليوس: الناسُ جميعًا من طينةٍ واحدة، والعالمُ وطنٌ واحد، ولا بدّ من بناء الجسور وإضاءة الشموع في حُلكةِ الظلُمات.

اليوميّة الرابعة: الكوكب الأزرق (26/3/2020)

مَثَلُ الأرض في هذه الأيّام مَثَلُ إنسان توقّفَ عن التدخين، فعادَ إليه الألق، وتورّدتْ وجنتاه. وقد انقلبت الأدوار: فإذا البشر في الأقفاص، والطيور حرّة طليقة. ولا شكّ في أنّ هذه الكائناتِ اللطيفة تُحسّ بأنّ شيئًا ما حدث، شيئًا ما تغيّر حتّى قلّ عددُ الناس، وسادَ هدوءٌ نسبيّ. والمحظوظ مِنّا مَن حطّ على نافذتِه عصفور.

غدًا، تتنفّسُ الأرضُ الصعداء، ويبزغ ربيعٌ عالميّ جديد، ويكونُ الناس على موعدٍ مع الطيب والضوء والندى... وتكونُ القرابين ضحايا حصدَها فيروسُ التاج.

 

اليوميّة الخامسة: التعليم مِن بُعد (28/3/2020)

وجدَ المعلّمون أنفسَهم، في أزمةِ فيروسِ التاج، أمامَ التعليم الافتراضيّ وجهًا لوجه. لا مفرّ منه، ولا غِنى لهم عنه. لا مَناص إذًا من بناء مِنصّة تكون واجهتَهم للتعليم من بُعد.

لم تعُدِ الكتب والأوراق وحدَها تفي بالهدف، ولم يعُد صوتُ المعلّم ضابطَ إيقاع، ولا حضورُه الوازن كافيًا. بات المعلّم بحاجة، بادئ ذي بَدء، إلى خيالٍ إبداعيّ، وإلى تمرُّسٍ بالتطبيقات والتقنيّات، وإلى التنويع والتجريب...

أكتبُ ما كتبتُ وأنا أعي أنّ التِّقانة لن تحلّ محلّ المعلّمين، ولن تؤدّيَ دورَهم، ما دام التعليم يعتمد على ما يستطيع المعلّمون وحدَهم فعلَه: إضرام جِذوة المعرفة في قلب الطالب، وأن يكونَ المعلّمُ القُدوة والمِثال.

اليوميّة السادسة: تحيّة (4/4/2020)

ليستِ الشجاعة مقصورة على خوض الحرب وحمْل السلاح، بل إنّ كثيرًا من الأعمال اليوميّة يحتاجُ إلى شجاعة تَفوقُ ما لدى جنديّ على خطّ النار.

ما يُثلِجُ الصدر ويُقِرُّ العين أن يبادرَ طلبةٌ من الجامعة اللبنانيّة إلى إغاثةِ مواطنيهم في ظروفٍ عصيبة يعيشُها الوطن، وأن يواجهوا الخطرَ والألمَ في عزمٍ وثبات، إنْ في ميدان الطبّ والتمريض، أو الهندسة، أو المعالجة النفسيّة...

شبّان وشابات من الجامعة الوطنيّة كُثرٌ يُلقّنوننا هذه الأيّام درسًا في البطولة والوطنيّة، ولطالما قيلَ فيهم إنّهم جيشُ لبنان الثاني؛ بل هم، في قاموسي، جيشُ لبنان الأوّل!

اليوميّة السابعة: الكوكب الأصفر (6/4/2020)

ثلاثة أقوال مأثورة لن يذهبَ بألَقِها الوباءُ الساري:

- كلّ الدروب تقود إلى روما.

- شيّدْ لك قصورًا في إسبانيا.

- اطلبِ العلمَ ولو في الصين.

يروي الكاتب الأرجنتينيّ الشهير خورخي لويس بورخِس (1899-1986) في نصّ يحملُ عنوان «السور والكتب» أنّ الإمبراطور الأوّل (شي هوانغ تي) الذي أمرَ ببناء سور الصين العظيم لِعزلِ مملكتِه هو نفسُه مَن أمرَ بإحراق الكتب فيها.

نتساءلُ اليوم: هل قالتِ الصين (هذا الكوكب الأصفر) الحقيقة، كلَّ الحقيقة، أم هل وراءَ السور ما وراءَه ؟

اليوميّة الثامنة: المدينة التي سكتتْ (14/4/2020)

وفجأةً سكتتْ مانهاتن، وأضحتْ شوارعُها الخالية بؤرة وباءٍ كان الرئيسُ الأميركيّ ينعتُه قبلَ شهر بـ«الصينيّ» ثمّ بـ«الأوروبيّ». ولكنّ ترامب، وقد ارتفعْتْ موجة العدوى، عدّلَ من لهجتِه؛ ففي أثناء 20 يومًا فقط، بلغ عددُ المصابين رقمًا مضروبًا بـ 57! ارتفاعٌ صاروخيّ هائل تجاوَزَ الصين وإيطاليا وإسبانيا، ولا شيءَ حتّى الآن قادرٌ على لجْمِه. أقوى دولة في العالم تعاني نقصًا حادًّا في أدوات التعقيم والحماية، وأجهزة التنفّس، والأسرّة... 23.605 حالة وفاة حتّى اللحظة، و10 ملايين أميركيّ عاطل عن العمل.

بعد 19 عامًا من 11 أيلول، قنبلة أصغر من 1 ميكرون تكشفُ مجدّدًا أنّ للعملاق الجبّار أقدامًا من طين.

اليوميّة التاسعة: أمُّنا الأرض (22/4/2020)

والأرضُ إذا تنفّستْ، غسلتْ وجوهَنا بالكَوْثر، وغمرتْ جراحَنا بالبلسم، وضَمَدَتْ ثقبَ الأوزون، ونقّتْ ذرّاتِ الأوكسيجين...

وخرجتِ الغزلان إلى لندن، ومشى البطّ في باريس، وتجوّلت القِرَدة في شوارع نيودلهي، وعادت الطيور المهاجرة إلى شواطئ أغوا دولسي (البيرو)، وتحت المياه الصافية في المدينة العائمة (البندقيّة)، بانتِ الأسماكُ الصغيرة، وظهرَ البجع...

هل تَعلّمْنا الدرس، أم نحن تلاميذ فاشلون وأنانيّون؟ ونعلّلُ النفسَ بأرضٍ أخرى نذهَبُ إليها ونعبَثُ بها !

اليوميّة العاشرة: القناع (26/4/2020)

مَعَ اقتراب رفْع التعبئة العامّة والحجْر المنزليّ، وبشائر العودة إلى حياتِنا الطبيعيّة الاجتماعيّة، يَبرزُ القناع / الكمّامة مُنقِذًا، حقيقةً ومَجازًا.

تقنّعْ تَسلمْ.

لا يَسلمُ إنسانٌ ذو وجهٍ واحد ولسانٍ واحد. لا يَسلمُ مَن يقولُ حقيقةً يراها. الإنسانُ السافر نهرٌ صافٍ يَفضحُ أسماكَه، ويَكثرُ عليه المتآمرون. ولذلك اختبأ كلّ امرِئ وراءَ قناعه.

 

*   أستاذ اللغة العربيّة وآدابها في الجامعة اللبنانيّة. درّسَ في جامعة القدّيس يوسف - بيروت. من مؤلّفاته: الحبّ والموت من منظور السيرة الذاتيّة (دار المشرق، 2009)، مطر من ورد - دراسة في ثنائيّة الدِّين والفنّ ونصوص مختارة (دار المشرق، 2012)، المفكّرة الباريسيّة (دار البَنان، 2012)، ترنيمة العندليب الثالثة - حوار الكلمة واللون (دار أوراق الزمن، 2018)...

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق