لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

البروفسور جورج لبكي

الأدب اللبنانيّ الناطق بالفرنسيَّة في مقاطعة كبيك La littérature libanaise d’expression française au Québec

مقدّمة

يعود تاريخ الأدب اللبنانيّ الناطق بالفرنسيّة إلى القسم الثاني من القرن التاسع عشر. ويعتبر كتاب "تاريخ الأمة المارونيّة "الذي نشره المطران نقولا مراد بمثابة أول كتاب صادر باللغة الفرنسية. إنتشرت بعد ذلك اللغة الفرنسيّة في لبنان بسرعة كبيرة. هاجر الكتّاب اللبنانيّون باللغة الفرنسية إلى فرنسا والأميركيّتين وأفريقيا. وقد نشأت في كندا وبالتحديد في مقاطعة كيبيك التي استقبلت - وما زالت تستقبل - مئات الآلاف من اللبنانيّين. فقد ظهرت حركة فكرية وثقافية ناشطة في ميادين الصحافة والإعلام والسينما والمسرح والأدب. ومن أبرز هؤلاء الكتّاب باللغة الفرنسيّة وجدي معوّض عبلى فرهود برنارد أنطون الذين انتشرت مؤلفاتهم في الكثير من البلدان الفرنكفونيّة.

الأدب اللبنانيّ بالفرنسيّة والهجرة

لعب معهد عينطورة في منطقة كسروان دورًا رائدًا في نشر اللغة الفرنسيَّة في لبنان ابتداءً من مطلع القرن التاسع عشر حيث أخذت اللغة الفرنسيَّة تحلّ تدريجيًا مكان اللغة الإيطاليَّة مع صعود وتنامي دور فرنسا في العالم. وقد تدخل الكاتب الفرنسي الشهير لامارتين Lamartine لدى وزير التربية الفرنسيَّة لإعطاء منح دراسية لطلّاب مدرسة عينطورة.

خرّجت هذه المدرسة الرعيل الأوَّل من الكتّاب اللبنانيّين باللغة الفرنسيّة. وقد تميّز من بين هؤلاء شكري غانم الذي غادر لبنان في سن الثامنة عشرة ولم يعد إلى وطنه الأصلي، بل توفي فـي فرنسا بعد مسيرة حافلة في مجاليّ السياسة والأدب. عاش معظم الكتّاب اللبنانيِّين بالفرنسية في باريس ومن بينهم خليل غانم شقيق شكري غانم وخيرلله خيرلله وجان بشاره داغر وغيرهم. أما الرعيل الثاني من الكتّاب اللبنانيّين بالفرنسيّة فقد ترعرع في ظلّ الانتداب الفرنسيّ وأبرزهم شارل قرم صاحب كتاب "الجبل الملهم" La montagne inspirée.

لم يتوقّف زخم الأدب اللبناني بالفرنسية مع انتهاء الإنتداب الفرنسيّ عام ١٩٤٣ وفي ذلك دلالة واضحة على أن الأدب اللبناني بالفرنسية له مصادره وأصوله وحيثيته التي ترتبط بالإبداع الأدبي وليس بالتقليد البالي.

ودلالة على ذلك تميّز عدد كبير من هؤلاء الكتاب وأبرزهم جورج شحادة الذي يعتبر "فرنسيًا" في كتب الأدب الفرنسيّ وأندريه شديد التي عاشت في لبنان ومصر قبل أن تستقر نهائيًّا في فرنسا والسفير صلاح ستيتية وغيرهم.

شكَّلت الحرب اللبنانيّة التي اندلعت عام ١٩٧٥ محطة مفصلية في تاريخ الأدب اللبناني بالفرنسيّة. فقد تسببت الحرب بتغيّر كبير في مصادر الإلهام والإبداع. تفاعل الكتاب اللبنانيّون بالفرنسيّة مع ويلات الحرب ومآسيها وتحدياتها التي عبّروا عنها في شعرهم وقصصهم ومسرحياتهم.

أمّا النتيجة الثانية للحرب فكانت رحيل عدد كبير من هؤلاء الكتاب إلى فرنسا و دول أخرى نذكر منهم جورج شحاده، وأندريه شديد، وأمين معلوف، وفينوس خوري غاتا ونهاد سلامة وغيرهم.

من جهة أخرى، شكلت مقاطعة كيبك في كندا أحد أبرز الدول التي قصدها اللبنانيون، وقد فاق عددهم مئات الآلاف. انخرط اللبنانيون في المجتمع الكندي وخاصة في مقاطعة "كيبك" بسبب معرفتهم الجيدة باللغة الفرنسيّة. والملاحظ أنّ هؤلاء المهاجرين الجدد منذ سبعينات القرن الماضي كانوا أكثر علمًا وثقافةً ومهنية من المهاجرين الذين قصدوا كندا في أواخر القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد انبثق الأدب اللبنانيّ باللغة الفرنسيَّة من رحم هذه الهجرة الحديثة العهد والتي كانت نتيجة للأوضاع في الوطن الأم وقد تفاعلت مع ارتداءات الأحداث في الوطن الجريح[1].

الحركة الثقافيَّة اللبنانيَّة في "كيبيك"

نشأت حركة ثقافيّة ناشطة بين المهاجرين اللبنانيِّين إلى مقاطعة “كيبك”. وقد انتشرت مقالاتهم ونشاطاتهم في كل وسائل الإعلام في المقاطعة. وقد تميّز المثقّفون اللبنانيّون في الصحافة، والإعلان، والسينما والمسرح، وقد أسّس بعضهم دورًا للنشر وكذلك انخرطوا في سلك التعليم الجامعيّ والثانويّ. ارتبطت هذه النشاطات بالأوضاع العامّة في لبنان حيث قام هؤلاء الكتّاب بالدفاع عن لبنان واستقلاله وديمومته. كذلك تأسّست عدد من الجمعيّات الثقافية نذكر منها نادي الكتّاب اللبنانيِّين في كيبيك Le Cercle des Ecrivains Libanais du Québec الذي أبصر النور في عام ٢٠١٥ ويضم عددًا كبيرًا من الكتاب اللبنانيِّين باللغتين الفرنسيَّة والإنكليزية. ومن هؤلاء الكتاب صلاح الأشقر، فريدا عنبر، جوزف شباط، سامي عون، جيزيل خياطة عيد، جاكلين معتوق، تانيا سابا، وماري جوال زهار وغيرهم. [2] ومن أبرز الكتاب باللغة الفرنسيّة من أصول لبنانية وجدي معوض، عبلى فرهود وبرنارد أنطون.

وجدي معوض

ولد الكاتب والمخرج وجدي معوض في لبنان، عام ١٩٦٨. غادر مع عائلته لبنان في عام ١٩٧٧ بسبب اندلاع الحرب إلى فرنسا. وقد اضطرّ إلى مغادرة فرنسا في عام ١٩٨٣ لأن الدولة الفرنسية لم تمنحه إقامة، فقصد مع عائلته كندا حيث أكمل دروسه الجامعيَّة. حصل في عام ١٩٩١ على إجازة في الآداء (interpretation) في المدرسة الوطنيَّة للمسرح في مونتريال. وهكذا أمضى وجدي معوض طفولته في لبنان، وسن المراهقة في فرنسا وشبابه في مقاطعة كيبيك في كندا. وقد كان لذلك تأثيرًا كبيرًا على حياته الفنية بالرغم من نفييه ذلك واعتباره أنَّ الأدب والمسرح لا هويَّة قوميَّة لهما.

عبلى فرهود والحلقة المفقودة

ولدت عبلى فرهود عام ١٩٤٥ في لبنان. هاجرت مع أهلها الى مقاطعة كيبيك عام ١٩٥١ حيث بدأت وهي في سن السابعة عشرة بالقيام بأدوار مسرحيَّة مع راديو كندا. ثم عادت الى لبنان مع أهلها حيث مكثت بين ١٩٦٥ و١٩٦٩. ثم غادرت مع أهلها إلى كيبيك في تلك السنة مع بداية تدهور الأوضاع الأمنية في لبنان. سافرت سنة ١٩٦٩ الى باريس لمتابعة دراستها في المسرح في جامعة "فانسان" في باريس .(Université de Vincennes) بدأت حياتها الفعلية في الكتابة في عام ١٩٨٠ وانخرطت بشكل كامل بالحياة الأدبيَّة وبخاصَّة المسرح في مقاطعة كيبيك.

قدمّت أولى مسرحيّاتها "عندما اصبحت كبيرة" Quand j'étais grande عام ١٩٨٣. أمّا مسرحياتها "فتيات الـ ٥ - ١٠ - ١٥ س" Les Filles du 5 - 10 – 15 فقد قدمتها في عام ١٩٩٢ على مسارح مدينة أفينيون Avignon المشهورة بنشاطاتها الأدبيَّة وخاصّة في مجال المسرح. وفي عام ١٩٩٤ قدمت مسرحيتها "ألعاب الصبر" Les jeux de patience في أبرز مسارح كيبيك.[3]

وقد تدرّجت عبلى فرهود في عالم الأدب، فكتبت أكثر من ستّة قصص وثمانية مسرحيات بالإضافة إلى بعض الكتابات النقديَّة حول الحياة المسرحيّة في مقاطعة كيبيك. تمّ إخراج وتقديم مسرحياتها في كيبيك، وفرنسا، وبلجيكا وساحل العاج. بالإضافة إلى ذلك ترجم بعضها الى اللغة الإنكليزية.

تميَّزت كتاباتها بالحزن والتمزّق الداخليّ، والحنين، والألم والوحدة في بلاد استقبلتها برحابة صدر ولكن لم تستطع بالرغم من برودتها - المناخية والمعنويَّة - أن تطفئ ما حملته معها من مشاعر وألم وجروح ما زالت مفتوحة من بلاد الأرز التي لم تستطع أن تنفصل فكريًا وعاطفيًا عنها.

برنار أنطون الحالم

ولد برنارد أنطون في لبنان عام ١٩٦١. يعيش في مقاطعة كيبيك منذ سنة ١٩٧٨. درس المسرح والتربية واللاهوت. برنار أنطون شاعر وناقد وكاتب مسرح. يتميّز أسلوبه بالدقّة والجماليّة وهو متمكّن باللغة الفرنسيّة. أمّا شعره فيجمع بين ما هو روحيّ وما هو ماديّ. حاول فقه علامات الوجود وإعطاء اسرار الحياة طابعًا كونيًا. يحاول برنار أنطون تأطير اللغة والعودة بها الى أصالتها الماضية. أما أبرز المواضيع التي تطرّق اليها برنار أنطون فهي: الوقت الذي يمرّ، الجمال، روعة الحياة، الغفران، البيئة، الطبيعة، الموت، الحرب، السلام الترقّي، والولوج صوب الأصول. بالإضافة الى كل ذلك، يمتهن برنار أنطون تعليم اللغة الفرنسية في مدارس مقاطعة كيبيك. أما شعره فغني بالصور الجمالية المتنافرة ظاهرًا، والتي تغوص في أعماق أسرار الكون وتحدّيات الحياة. وقد جاءت قصائده كما يظهر في المقتطف التالي تثير الكثير من التساؤلات والتحديّات والألم كما تفاجئنا به الحياة غالبًا.

إنّه القمر الساكن هذا المساء في محيط الجحيم

كالصدء على الغطاء الزاهر

أفقه الصمت كالصمت في نظراتك

فخفة الكون ظاهرة

من خلال سموات الغبار

أيّ مستقبل من

هذا الجمال المثقوب أكثر فأكثر؟

الإيمان بعمل الخالق بعكس كل أمل

العمل صعب وضروري للحماية

آخر خبر: تحطّم طائرة أخرى

انتشال حديد ولا راكب

صورة طفل وجدت في محفظة[4]

وهنا لا بدّ من ذكر بعض الكتّاب الآخرين كفريدة عنبر التي تخرج من المألوف في قصصها وتتمرّد على التقاليد العائلية وتترك العنان لأحاسيسها وأحلامها دون أي تردد أو ضبط نفس. ولدت فريدة عنبر في لبنان وهاجرت الى مقاطعة كيبيك عام ١٩٧٩. وعملت في مجال العلاقات العامَّة في جامعة مونتريال. تناولت في قصصها مواضيع الحب والتحديات والصراعات التي يولدّها والتي تدور حول تعدّد الثقافات وتحديدًا اللبنانية والكندية. تركت العنان لأهوائها دون تردد أو حذر مع إنها تقول انها تنتسب الى عائلة محافظة.

ومن جهة اخرى، كتبت العديد من قصص الأطفال لتعريفهم على لبنان وطنهم الأم. ومن هذه الكتب نذكر "بعد صيف في لبنان"، Après un été au Liban و"أخبرني عن لبنان يا جدّي" Jiddo Raconte-moi mon Liban وأخيرًا "مانوشي وبوتين" Manouché et Poutin الذي يسرد قصة لقاء ولدين للأول لبناني والثاني "كيبيكي" أصيل.

جيزال خياطة

جيزال خياطة كاتبة وصحفيّة ومدرّسة ناشطة على مدونات وسائل التواصل الإجتماعي. لها ثلاثة مؤلفات نقدية وقصة تحمل عنوان "حيث يبدأ الوقت ولا ينتهي" "Là où commence le temps et ne finit pas" تدور رُحاه بين كندا وأفريقيا. ومن الملفت أنّ أحد مؤلفاتها يحمل عنوان "كبارنا" وقد تناولت فيه موضوع القيم التي تلقّيناها من المعمرين في السنّ وتتساءل فيه عما بقى من هذه القيّم. يتألف الكتاب من حوارات مع أكثر من ثلاثين شخصيَّة لبنانيَّة تتناول العادات والتقاليد اللبنانية وأصول التعامل الإيجابي بين الناس.

معضلة الهويَّة

شكَّلت معضلة الهوية Identité وكذلك مشكلة الانتماء Appartenance تحدّيًا كبيرًا للكتّاب اللبنانيين باللغة الفرنسية في مقاطعة كيبيك التي تعاني أصلًا من مشكلة هويَّة في علاقاتها شبه العدائية مع كندا وتحاول الحفاظ على هويتها من خلال التمسّك باللغة الفرنسيّة في محيط أنكلوسكوني يضم إحدى أقوى بلدان العالم (الولايات المتّحدة الأميركية). لعب المهاجرون اللبنانيون دورًا مفصليًا في تعزيز اللغة الفرنسية وديمومتها في مقاطعة كيبيك وذلك باعتراف الدولة الكنديّة ومقاطعة كيبيك.

شكّلت اللغة الفرنسية مدخلًا ونقطة عبور للكتاب اللبنانيِّين في مقاطعة كيبيك، لكن هل كان ذلك عاملًا حاسمًا وكافيًا لاندماجهم الفعلي في مجتمع كيبيك الفرنسي الأصل؟ في الحقيقة، حاول الكتّاب اللبنانيون باللغة الفرنسية في مقاطعة كيبيك الإنخراط في أدب مقاطعة كيبيك الفرنكوفونيّ كباقي الكتاب المهاجرين الذين وفدوا من أفريقيا والمغرب العربي ودولة هايتي وغيرها.

كيف لا، وكندا بالأصل بلد هجرة من كل أصقاع الأرض وبشكل خاصّ من بريطانيا وفرنسا. وقد أصبحت اللغة عنصر تمايز وهوية بسبب الصراع الفرنسيّ - الإنكليزيّ على مرّ العصور للسيطرة على المستعمرات وثرواتها. والجدير ذكره أنّه كان لفرنسا حضورًا كبيرًا - أقوى من الحضور الإنكليزيّ - في الولايات المتحدة الأميركية وكندا حيث نشأت صداقة عميقة بين الفرنسيِّين والهنود سكان أميركا الأصليّين.

تقلّص النفوذ الفرنسيّ مع الوقت لصالح النفوذ الأنكلوسكسوني ولم يتبقَّ لفرنسا التي احتلها الإنكليز ولكنها حافظت على لغتها.

تمكّن المهاجرون الفرنسيون في مقاطعة كيبيك من الصمود بفعل تمسكّهم باللغة الفرنسيّة. ثمّ جاء المهاجرون الجدد في العقود الماضية لتعزيز حضور اللغة الفرنسيّة وانتشارها. مكّن ذلك مقاطعة كيبيك من الحصول على الاعتراف باللغة الفرنسيَّة كلغة رسميَّة في كندا وكذلك الحصول على استقلال ذاتي لمقاطعة كيبيك كاد يصل إلى حدّ الاستقلال الكامل.

بيد أنَّ انخراط الكتّاب اللبنانيِّين في أدب كيبيك La littérature Québécoise الناطق بالفرنسيَّة لم يكّن بنفس السهولة التي انخرط فيه الكتاب الوافدون من أفريقيا السوداء والقارَّة الاوروبيَّة وبعض البلدان الأخرى الناطقة بالفرنسيَّة. ونتيجةً لهذا الواقع، برزت مشكلة تصنيف أدب هؤلاء الكتّاب باستثناء وجدي معوض.

والسؤال المطروح هو: هل أن مؤلّفات الكتّاب اللبنانيِّين في كيبيك جزء من أدب كيبيك أم هو أدب مهجريّ؟ La littérature migratoire فهل يكون في هذه الحالة أدبًا أجنبيًا بنظر الى النُقاد وجمهور القراء والنخب الفكرية في كيبيك؟ وهل يقبل الكتاب اللبنانيَّون بالفرنسيَّة الذين يفاخرون بانتمائهم الى وطنهم الجديد بأن يكون نتاجهم الفكري لا يشكل بالنهاية جزءًا من أدب كيبيك الأصيل؟La littérature du terroir

لقد تسبّب هذا التعريف بمعضلة لهؤلاء الكتاب الذين عاشوا وترعرعوا في كيبيك وحملوا هويتها واصبحوا مواطنين بالكامل بالمعنى القانونيّ للكلمة. ولكن من جهة أخرى حملوا معهم مشاعرهم وذكرياتهم وأساطيرهم من البلدان التي ولدوا فيها وما زالوا يحتفظون بالكثيرين من الذكريات عن حياتهم فيها ولوعة وحنين ومعانات وأحباء لا يمكن نسيانهم بسهولة. كما عبّرعن ذلك الشاعر الكبير جورج شحاده:

"الى الذين يهاجرون لينسوا بيوتهم

والحائط المتألّف مع الظل

أبشّرهم بالسهل والمياه المجنزرة

لن يكون لهم أي نشيد

بل ندى البحر الحارق

والحزن الأبدي للينابيع"[5]

المرأة المهاجرة

تناولت عبلى فرهود واقع المرأة المتألّمة الناتج عن المنفى Exile وفقدان الهويّة. صوّرت عبلى فرهود هذا الألم بشكليه الماديّ والنفسيّ الذي يولّد الخوف واليأس والضياع. تناولت في مؤلّفاتها موضوع المرأة المهاجرة والأم والمرأة المبدعة حيث جمع بينهنّ البحث عن الهوية، الحنين إلى الماضي، الذكريات، والملل والرفض.

تعاني المرأة المهاجرة في قصص ومسرحيّات عبلى فرهود من الإضطهاد والعنف. ففي قصتها "لعبة الصبر" Jeux de patience تصف لنا صورة مريم بطلة القصة التي هربت من الحرب في لبنان، بعد أن فقدت ابنتها سميرة بقذيفة. تعيش مريم مأساة مزدوجة. فهي فقدت إبنتها من جهة ومن جهة أخرى تخشى أن تنسى من أين أتت. وبالإضافة الى ذلك، ترفض الاندماج ويقلقها ذوبان أحفادها بمجتمعهم الجديد في كيبيك ونسيان أهلهم ووطنهم وأجدادهم ولغتهم.

أما في قصتها "السعادة المنزلقة" Le bonheur à la queue glissante تعيش دنيا بطلة القصة أزمة هوية متشعبة الأطراف نتيجة للهجرة التي طبعت حياتها. فهي تركت قريتها لتعيش في قرية زوجها، ومن ثمّ هاجرت الى كيبيك. وبعد فترة من الزمن، دفعها الحنين الى الوطن الى العودة اليه، ولكن اندلاع الحرب مرّةً ثانية دفعها الى العودة الى كندا مجددًا. شكلت الهجرة الثانية من الوطن صدمة لها لإنها لم تستطع التأقلم في المهجر وبنفس الوقت لا تستطيع العودة الى لبنان، فأضحت إنسانة غريبة لا تنتمي الى أي وطن بالرغم من أنها تحاول التأقلم في مجتمها الجديد ولكنها تبقى عاجزة عن ذلك.

تقدم عبلى فرهود نفسها كإمرأة مهاجرة. ولكنها تسارع الى القول أنها ليست فقط امرأة مهاجرة بل امرأة تبحث عن الإنخراط في مجتمع جديد دون أن تفقد الجزء الأول من شخصيتها من خلال الكتابة. فهذه الأخيرة بنظرها هي تعبير عن ألم ينتج أدبًا وفكرًا انسانيًا خالصًا. بالرغم من أنها من جرح الفراق، فراق وطن يعيش في عقلها، وحواسها وخيالها.

إن وصف معاناة المرأة المهاجرة في أدب عبلى فرهود لا يهدف إلى الحصول على عاطفة المجتمع أو أي عرض فلكلوريّ لذكريات خاصّة تهدف إلى لفت نظر الجمهور بل على العكس تهدف إلى فتح نافذة في جدار الوجدة والخوف والألم من أجل أن تستمرّ الحياة ويكفّ الإنسان المتألّم عن إزعاج المجتمع بمشاكله الخاصَّة التي لا تهمّ أحدًا.

لذلك يجب على المرأة المهاجرة أن تنسى الماضي لأنَّ النسيان يسمح باستمرار الحياة. ولكن تضيف عبلى فرهود ليس كل الماضي. وللوصول الى هذا الهدف تلجأ عبلى فرهود إلى حكمة شعبية مشرقية ألا وهي الصبر على المآسي وفي ذلك فضيلة كبرى.

يطرح البحث عن الهويَّة موضوع اللغة التي هي أيضًا مستعارة ولا تستطيع بالتالي أن تعبّر عمّا يدور في ذهن المهاجرة المتألّمة.

وبالمقابل، تجد المرأة المبدعة حلًا لمسألة الهويّة بالكتابة لأن هذه الأخيرة تسمح بالتحرر واكمال الطريق عن طريق التخلص من الأحزان العميقة وإبدال اليأس بإرادة إكمال مسيرة الحياة، والإقتناع بأنّه لا مجال للعودة الى الماضي بنظرة مختلفة أحيانًا إلى بعض التقاليد والعادات في الوطن الأم خاصةً في ما يتعلّق بحقوق المرأة.

"أن ذلك الوالد كان يصل به الأمر الى حدّ إهانة ذكرى والدتي التي رزقت بابنة تسمح بشقّ شفتها، وقد علمتنا أن نحترمه، ونكرّمه وعلى احترام أشقاؤنا وزوجنا، وعلى الاتّكال على الرجال. ذلك أن هذا الوالد وكل جماعة الرجال والنساء ايضًا، قد علّمونا على الإنحناء، على الصمت، على عدم فضح أي أمر، على الخجل، وعلى تحمّل كل شيء. يحدث ذلك دون أن تنتبه الى أن رباطنا كان يكبر مع العمر...

أتركي كل شيء في قلبك وتألمي بصمت، فكشف الخطأ جرصة وخسارة شرف... كانت كلّ النساء غارقات بهذه الكلمات وكانت تردّدانها بصمت"[6]

أمَّا مؤلّفات برنار أنطون فتحمل في طياتها ولو بشكل غير مباشر أحيانًا بعدًا تراثيًا جاء به من لبنان وبقي حيًا في ذاكرته. يتجلى ذلك من خلال وصف الطبيعة والحكمة الشرقية العميقة التي تسمح لأنطون بالخروج من بؤس الحياة وتحدياتها والفراغ الذي يُغرق النفس بالملل والسأم. ويتجلى الحضور المشرقي ببعض القصص التي يسردها الكاتب ويقول صراحة أنها مستوحاة من الأساطير والتقاليد والعادات اللبنانية. ففي قصته "الهدية" Le Cadeau يقول أنطون أنها قصة لبنانية تجسد قيم العطاء حتى التضحية بالنفس، وكذلك تخطي العقبات ومصاعب الحياة مهما كان نرعها. تدور القصة حول عائلة ترزق أطفالًا ولكنها لم ترزق أولادًا ولكنها رزقت بنهاية المطاف بفتاة. ولما أصبح عمرها عشرون عامًا قرّر أهلها تزويجها من الذي يحضر أجمل هدية. بعد مرور سنة على هذا الإعلان، جاء طالبو القرب، فحمل أحدهم مرآة تظهر وجه الشخص الذي يُحب في كل مرة يأتي على باله، وحمل آخر سجادة تشبه بساط الريح. أما الشخص الثالث فحمل حامضة عجيبة تشفي من الأمراض. وكانت المفاجأة أن اختارت الفتاة حامل الحامضة العجائبيَّة لأنَّها كانت تشفي من الأمراض[7].

مسرح الغربة

تسرد عبلى فرهود في مسرحيّاتها قصّة "ألعاب الصبر" Jeux de patience قصة ثلاثة نساء جمعتهن تحديات الهجرة والانتماء والحرب والألم وشبه استحالة الخروج من تجارب الماضي.

الأولى مونيك كوكب - والإسم يعبّر بحد ذاته عن ثنائية الهويّة - هاجرت من لبنان الى كيبيك ولم تستطع بعد أكثر من ثلاثين سنة من الهجرة الذوبان في مجتمعها الجديد بالرغم من مستوى المعيشة المرتفع الذي وصلت اليه في بلاد الإغتراب بل على العكس كان هذا الغنى المادي مصدر عقدة ذنب اضافية لها لأن اهلها كانوا يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة في الوطن الأم. أما قريتها مريم فقد وصلت الى كيبيك بعد وفاة ابنتها سميرة التي كانت تبلغ خمسة عشر ربيعًا بإطلاق نار في لبنان.

حملت مريم الفاجعة التي ألمت بها معها دون أن تتمكن من التخلص منها أو تخطيها. في الواقع، كانت عزلتها مزدوجة لأنها تركت وطنها بصورة مأساوية وكذلك لم تستطع التأقلم في بلدها الجديد. رفضت مريم تعلّم اللغة الفرنسية، وكانت تتحدّث إلى قريبتها مونيك كوكب باللغة العربية وتشعر بالألم عند ما كانت تجيبها باللغة الفرنسيّة.

طيف سميرة كان مسيطرًا على كل المسرحيّة. ففي الحقيقة، مات وطن مريم مع موت إبنتها التي كانت تعيش في أعماق كيانها وفكرها وضميرها. لقد كانت سميرة حيّة في كلّ كلمة تنطق بها مريم: التي كانت تعاني من هجرة داخلية و هجرة جغرافية و هجرة نفسية. وقد نصحتها مونيك كوكب بالتسلّح بالصبر للخروج من حالة التخبّط التي تعيش فيها.

بالإضافة إلى ذلك، أضحت اللغة عائقًا إضافيًا للإنخراط في المجتمع الجديد. وهذه حالة دنيا بطلة مسرحيّة ”السعادة ذات الذنب المتحرك Le bonheur à la queue glissante التي لجأت الى الصمت في رفضٍ واضح للإنخراط بمجتمع جديد بسبب الجروح العميقة التي عانتها منذ طفولتها في وسط عائلة ذكورية مرورًا بزواجها من رجل في قرية غيرقريتها حيث اعتبرها أهل قرية زوجها غريبةً عنهم، بالإضافة الى شعورها بأنها لم تكن أمًا صالحة. وتستمرّ المسرحية وسط سكوت دنيا التي اعتبرت هذا السكوت وسيلة لمقاومة غربتها وعزلتها.

أمَّا المرحلة الأقسى في حياتها فكانت يوم وصولها إلى كندا حيث فقدت حريّتها وأصبحت حياتها مرتبطة بالآخرين فهي لا تعرف اللغة الفرنسيَّة ولا تستطيع الخروج من المنزل ولا التواصل مع الآخرين ولا حتى الإجابة على الهاتف. وفي إحدى المرّات القليلة التي حاولت فيها التواصل مع الآخرين لم يفهم أحد ما كانت تحاول التعبيرعنه بلغة أجنبية ألا وهي الفرنسيَّة وهذا ما عزّز شعورها بالوحدة وبالغربة وبالجروح العميقة التي طفت على السطح مع وصولها إلى المهجر.

"حينما بدأت أعيش بقرية زوجي رحت أقوم بمقارناتٍ، وأشاهد حياة العوز شعرت بميل لأن أكون في مكانٍ آخر دون أن أتمكن من الذهاب إليه لأني شعرت بأنني غريبة. كنت في بلدٍ آخر… وأما بالنسبة اليهم فكنت الغريبة… فلهجتي ليست لهجتهم. ولم أكن أحبّ ما يحبون والعكس صحيح، فالفاكهة والخضار لم يكن لها نفس الطعمة، وكاهن القرية لم يكن أبي، والطبيعة لم تكن التي عرفتها"[8]

إنّ هذه الجروح العميقة المتعددة والتي تمتد من الطفولة مرورًا بالزواج وبالعائلة تزيد من عزلة المرأة المهاجرة التي تفضل اللجوء إلى الصمت في مسرحيّات عبلى فرهود.

العلامة بالوطن الأم

يقول وجدي معوّض في مناسبة تكريميّة أقيمت له في لبنان: "لقد غادرت وطني منذ زمن طويل. والسؤال الذي أسأله لنفسي هو: لماذا أنا هنا؟ وما الذي جعلني أعود إلى هنا؟ في الحقيقة لم أحسب نفسي يومًا من أصول لبنانية بل أنا لبناني بالأساس. في هذه اللحظة أنا شديد التأثر بوجودي هنا. أنا متأثر كثيرًا لدعوتي… الى حدّ أن جُملي غير مكتملة ولا تعبر عن حقيقة مشاعري. هذا مؤثّر، مضحك، عنيف وجميل".[9]

إنّ مؤلّفات وجدي معوّض متأثرة بثقافته اللبنانيّة والفرنسيّة والكنديّة. وهي تنبع من هذا التنوع الثقافي بحيث أنه أصبح أحد أبرز اعلام المسرح في مقاطعة كيبيك، بالإضافة إلى ذلك تمكن وجدي معوض من اكتساب الإرث الثقافي الغربي انطلاقًا من الفلسفة اليونانيّة ومرورًا بمسرح شيكسبير والثورات وموليير، ومسرحيات القرون الوسطى الشعبية. لذلك فإن أعمال وجدي معوض المسرحية هي شبيهة بنمط حياته فهو الدائم الحركة والتنقل من بلدٍ إلى آخر.

ونستكشف كل هذه الأبعاد الفلسفيّة والفكريّة في مسرحيّات ومؤلّفات وجدي معوض. ففي مسرحيته "حرائق" Incendies يتناول مواضيع الإنتماء واللغة الأم، والأرث الثقافي من خلال لقاء يجمع في أحد فنادق مدينة أوتاوا بين جنفيف Genevieve وليلى. أما جنفيف فهي كندية الأصل وتعمل كمحامية ووسيطة لحل الخلافات في مناطق النزاع في العالم. بالمقابل تعمل ليلى كخبيرة في تقييم الأضرار في شركة تأمين. وقد تمكّنت ليلى اللبنانية الأصل والتي تعيش في كيبيك من ”لبننة“ جنفيف. تتميز المسرحية بلغة راقية وبصور جماليّة رائعة زاد من تألقّها الإخراج. والجدير ذكره أنَّ وجدي معوض يقوم بكتابة مسرحياته وبإخراجها. وفي الواقع فإن مسرح وجدي معوض قد تخطّى الألم والوحدة والمنفى ومسألة الهوية ليرتقي الى المصالحة مع الذات ومع الآخرين عن طريق المصالحة بواسطة الحقيقة (la réconciliation par la vérité). وبذلك أصبح وجدي معوض صاحب مدرسة في عالم المسرح لأنه ارتكز في كتاباته المسرحية على القيم الإنسانيّة الأصيلة التي تتخطى حدود الثقافة الغريبة لتصل إلى الإنسان في كينونته.

وأمَّا في مسرحية "الساحل" Le Littoral فيعود وجدي معوض الى موضوع الحرب اللبنانية والعنف والهجرة والألم من خلال قصّة شاب يدعى ويلفرد Wilfrid يعيش في كندا فقد والده. قرّر ويلفرد دفن والده في وطنه الأم. ولكن المشكلة الكبيرة كان تكمن في أن الوطن الأم كان يعاني من حرب أهلية طاحنة، الى حدّ أن المدافن كانت مملوءة بالضحايا. أضف الى ذلك رفض أقارب والد ويلفرد لفكرة دفن والده في بلادهم.

في الحقيقة، سمحت المسرحية لويلفرد بأن يكتشف المعنى الحقيقي للوجود، وهويته الأصلية، والحب، ومعنى الموت، والألم والحيرة أمام المستقبل.

"لقد أكدتم لي منذ وقت غير طويل أن الحرب أمر سيِّئ يجب أن يزول... واليوم، انتهت الحرب وأنا ما زلت في السجن. تقولون لي: لا تلعب، لا تتكلم، لا تحلم.

تقولون لي أصمت. أنتم منافقون…

كلنا بحاجة إلى أعجوبة. أنتم المسنين حصلتم على أعجوبتكم. كان ذلك منذ زمنٍ بعيد لأنّكم عرفتم الوطن قبل الحرب. أما أنا فقد ولدت بين القنابل. ولكنّني متأكّد بإن الحياة مختلفة عن القنابل، ويمكن أن تكون مختلفة".[10]

إنَّ مسيرة ويلفرد تقوده من خلال إخراج مبدع وجمالية الكلام الى اكتشاف الوجود والمشاعر الإنسانية النيلة بحيث نحملها في مكان إلى آخر.وبنظر وجدي معوض لا يجب على الألم أن يسكن في داخلنا ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا لأنَّ ذلك يمنع تقدم الإنسان نحو آفاق جديدة فحيث لا يمكن للإنسان أن يلعب في الوقت نفسه دور الضحيّة والجلاد والقاضي. حمل وجدي معوض كل هذه المشاعر الإنسانية على أكبر مسارح العالم ككاتب مسرحي ومخرج وممثل متألقًا في كل هذه الأدوار في باريس ومونتريال وموسكو وغيرها من المدن الكبرى.

أمَّا الكاتب الآن فرح، أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة ماك غيل الشهيرة ومُقدّم برنامج ثقافي على راديو كندا فيحمل لبنان كأيقونة على صدره. والملاحظ أنّ الآن فرح يقول أنه ينتمي الى ثلاثة هويات: لبنانيّة وكنديّة ومتوسطيّة مع الأرجحيّة لهويته الأولى. ويعطي مثالًا على ذلك، بأنه عندما كُلّف بالقيام بإخراج أحد الأفلام حول صراع الأمم الى مسرحية قام بإعطائها طابعًا مشرقيًا أضفى عليه الحكمة التي توارثها عن أهله. وعلى الرغم من ان الآن فرح وُلد في كندا وأمضى فيها حياته، فإن حب لبنان يطبع مؤلفاته وحتى شخصيته. وهو يعتز بهذه الهوية وتعله يشعر بأنه قادم من وسط الكون إلى عالم بعيد كل البعد عن هذه الحضارات[11].

يقول آلان فرح أنه لا يعرف لبنان جغرافيًا ولكنه يشعر بقوة الإنتماء اليه ويتمنى أن يقيم حوارًا مع أهل كل المشرق. وغالبًا ما يستشهد الآن فرح بأقوال جدّته غيدا التي تركت له إرثًا ثمينًا من قصص وأخبار وحكم وطريقة عيش جعلته يفكر جليًا في هذا الأرث ويحاول التعرّف عليه قدر الإمكان غلى الرغم من كل تعقيدات هذه المنطقة من العالم[12].

أمَّا الكاتبة ديما عبد الله فتسرد في كتابها "أعشاب سيئة" Mauvaises Herbes قصّة طفولتها المفجة أيام الحرب في لبنان والتي خفّفت من وطأتها العلاقة الأبوية المميّزة بوالدها وحبّه لها. تبدأ القصة في عام ١٩٨٣، تحت قصف المدافع التي لم تكن الفتاة الصغيرة تخشاها لأنها كانت تعتقد أنّها لن تتعرّض لأي مكروه طالما هي في حماية والدها[13].

ولكن في النهاية، اضطرت بطلة القصة الى مغادرة لبنان إلى فرنسا وهي في سن الثانية عشرة برفقة والدتها بينما بقي والدها في العاصمة اللبنانية بيروت. وعلى الرغم من تخرجها بنجاحٍ مميّز في مدرستها ومسيرتها الناجحة في الحياة، ظلّ الحزن، يسيطر عليها. حاولت أن تنسى همومها باللجوء إلى الطبيعة. احتوت القصة على حوار مستمر بين الأب وابنته. أما السؤال الأساسي فهو: من كان بحاجة إلى الآخر؟ الأب أم الابنة؟ في الواقع، كان كلٌ منهما بحاجة للآخر. وتنتهي القصة بقصيدة يوجهها الأب إلى ابنته، من الوطن الذي رفض مغادرته.

نجد الحبّ نفسه للوطن عند الشاعرة نادين لطيف التي مشت على الدرب نفسها الذي سار عليه معظم الكتاب اللبنانيين الناطقين بالفرنسيَّة في كندا. فقد غادرت لبنان وهي في سن الثالثة عشرة واستقرت في مدينة كيبيك عام ١٩٨٠. أما شعرها فيمتاز بحبها للبنان منذ أيام الفينيقيين وحتى اليوم. تناولت في شعرها عدة آلهة فينيقية من بينهم عشتروت التي يشكل اسمها عنوان أحد دواوينها الشعريّة.

يعود الحنين بنادين لطيف إلى مجد فينيقا لبنان إلى العودة إلى تراثه الأصيل المتجذر بالتاريخ منذ الفينيقيين حتى اليوم. ويترافق ذلك مع شعورها باليأس بسبب انقطاعها عن جذورها المشرقية.

"ها أنا نازلت إلى أعماق الأرض…

أنزل في دهليز

مثل الصفدة المعزولة

لن يعرف أحدًا قصّتي

من تحت الأرض

لن استسلم…

يضيع الكثير من الحب

فهو الانتقال المستمر

من مكانٍ إلى آخر يجعلني أبدأ كل شىء من جديد

كل صباح أواجه الاقتلاع من الجذور…[14]

لا تكتفي نادين لطيف بالوقوف وحيدة أمام إطلال ماضي بلادها بل تعود بالذاكرة إلى أيام طفولتها من خلال زيارة أحد شوارع بيروت الشهيرة والمعروف بشارع الحمرا والذي يحمل عنوان كتابها "شارع الحمرا بالصدفة" Hamra Comme par hazard[15] والذي تعود فيه الى الأيام الجميلة التي عاشها في لبنان قبل رحيلها الى كندا، وقد خرجت بزيارتها بحكمة تقول فيها: إن نقطة الفصل بين الحياة والذكريات هي الكلمة.

وأخيرًا لا بد من ذكر أن نادين لطيف تشارك بإصدار مجلة Mitra التي تصدرها الندوة الثقافية اللبنانية في مقاطعة كيبيك والتي تغطي النشاطات الثقافية في مختلف الفنون التي يقوم بها الكتاب والشعراء وكافة المبدعين اللبنانيين في مقاطعة كيبيك في مجالات النحت والتصوير والموسيقى والسينما وغيرها من الفنون.[16]

الخلاصة

اعطى لبنان الكثير للعالم منذ الفينيقيين حتى عصرنا الحاضر. وقد كان للكلمة مكان مميز في هذا العطاء منذ الأبجدية حتى يومنا هذا. لا يزال هذا الدفق الفكري مستمرًا في العديد من اللغات ومنها الفرنسية. إن مغامرة لبنان مع اللغة الفرنسية فريدة من نوعها لانها جاءت نتيجة خيار حرّ ولم تفرض كما حدث الأمر في الكثير من المستعمرات الفرنسية السابقة. فالمبدع اللبناني يكتب باللغة الفرنسية لأنه يجد في جماليتها ما يعبّر عمّا يختمر في صدره ومشاعزه وعمق كينونيته. لذلك إزدهرت هذه اللغة في لبنان، وفي الدول التي قصدها اللبنانيون في اوروبا وافريقيا والأميركييتين.

أما مغامرة الأدب اللبناني بالفرنسيّة في كندا وتحديدًا في مقاطعة كيبيك التي ترتبط اللغة الفرنسية فيها ارتباطًا وثيقًا بهويتها وباستقلالها الذاتي الفريد في قارة أميركا الشمالية الأنكلوسكسونية فقد ساهمت في تعزيز اللغة الفرنسية من خلال الكتابة والصحافة والإعلام والأعلان ومختلف أشكال الإبداع الأخرى. وقد تميّز عدد من هؤلاء الكتاب وأصبحوا اعلامًا في الأدب الفرنسي وخاصة وجدي معوض الذي تميز في عالم المسرح والتأليف ويتولى إدارة أحد أبرز مسارح باريس العريقة.

بيد أن هذه المساهمات طرحت اشكاليات فكرية ووجودية عميقة. فهل يعتبر الأدب اللبناني الناطق بالفرنسية في مقاطعة كيبيك في كندا ”أدبًا“ يشكل جزءأً من أدب كيبيك الناطق بالفرنسيَّة أم هو أدب مهجري آخر؟

يطرح هذا السؤال مشكلة الهوية بأبعادها المختلفة. وللإجابة عليه لا بدّ من الإشارة إلى مساههمة اللبنانيّين الوافدين إلى كندا ومعظهم يتكلم اللغة الفرنسيّة بتعزيز اللغة الفرنسيّة في تلك المقاطعة التي تناضل في سبيل الحفاظ على استقلالها وهويتها. وفي حال اعتبار الإنتاج الفكري للأدباء اللبنانيين في مقاطعة كيبيك أدبًا مهجريا في نظر البعض لا بدّ من الإشارة إلى أن هذا الأدب نقل إلى لغة أخرى عادات وتقاليد وقيّم وحكّم لبنانية راقية فأغنى مكتبات تلك البلاد بفكر إنساني خالص. وهنا لا بدّ من ذكر قصص ومسرحيات عبلى فرهود التي نقلت عادات وتقاليد وأمثال وقيّم لبنانية إلى ثقافة أخرى. ويمكن القول أن هذه القيّم تعيش في داخلها ولكنها أعطتها بعدًا إضافيًا حين طرحت مسألة الهوية والتثاقف والإنتماء. أمّا مؤلفات وجدي معوض فهي زاخرة بأبعادها الثقافية اللبنانية ولكنه أكسبها بعدًا من خلال المبنى والصور الجمالية والمقارنات لأن وجدي ملاط أراد الوصول الى أدب إنساني يحاكي الإنسان أينما كان كما فعل جورج شحادة من قبله.

ولا بدّ من الإشارة أيضًا الى برنار أنطون الحالم الذي حمل معه من لبنان صفاء السماء ونور شمسها الساطع والتي تجلت من جمالية شعره وقصصه التي ادخلت الدفىء والحرارة الى بلادٍ شاسعة وباردة تتلقف نور الشمس بشوق ولهف. ولا بدّ نهاية أن نذكر وجود مجموعة من الكتاب الواعدين الذي يعوّل عليهم لإكمال المسيرة.

وبالخاتمة، فإن الأدب اللبناني الناطق بالفرنسية في أميركا الشمالية هو امتداد للعطاء والإبداع اللبنانيِّين في جميع اللغات على مرّ العصور والأجيال.

المراجع

Abla Farhoud:

Jeux de patience, Editeur Vlb, 1997.

Quand j’étais grande, Montréal, Editions le bruit des autres, 1999.

Le bonheur a la queue glissante, Montréal, L'Hexagone, 2011.

Splendide Solitude, Montréal, L'Hexagone, 2001.

Le Fou d'Omar, Montréal, VLB éditeur, 2005.

Le Sourire de la Petite Juive, Montréal, VLB éditeur, 2011.

Au grand soleil cachez vos filles, Montréal, VLB éditeur, 2017.

Le Dernier des snoreaux, Montréal, VLB éditeur, 2019.

Les Filles du 5-10-15¢, Bruxelles ,Éditions Lansman, , 1993.

Quand le vautour danse, Bruxelles, Éditions Lansman, , 1997.

Maudite Machine, Montréal, Éditions Trois-Pistoles, Trois-Pistoles, 1999.

Les Rues de l'alligator, Montréal, VLB éditeur, 2003.

Toutes celles que j'étais (récit autobiographique), Montréal, VLB, 2015.

Couture Guindon, Noémi. Le personnage féminin dans le théâtre et le roman de Marie Laberge et Abla Farhoud". Mémoire. Montréal, Canada. Université du Québec à Montréal, Maitrise en études littéraires. 2009.

MacDougall, Jill. La voix de l’autre : réflexions sur le théâtre migrant, l’oeuvre d’Abla Farhoud et sa traduction anglo-américaine. Montréal, L’Annuaire théâtral, numéro 27, consulté le 3 décembre 2020.

Wajdi Mouawad

Les Mains d'Edwige au moment de la naissance, Montréal, Leméac, 1999.

Littoral, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 1999, 2009.

Pacamambo, France, Actes Sud-Papiers Junior, 2000

Rêves, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 2002

Incendies, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 2009.

Forêts, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 2006.

Assoiffés, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 2007.

Le soleil ni la mort ne peuvent se regarder en face, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud, 2008.

Seuls - Chemin, texte et peintures, Montréal, Leméac, 2008.

Ciels, France, Actes Sud, 2009.

Sœurs, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud-Papiers, 2015.

Inflammation du verbe vivre, Québec, Actes Sud-Papiers, 2016.

Les Larmes d’Œdipe, Montréal, Actes Sud-Papiers, 2016.

Victoires, Montréal, Actes Sud-Papiers, 2017.

Tous des oiseaux, France, Actes Sud-Papiers, 2018.

Visage retrouvé, Montréal, Coédition Leméac-Actes sud, 2002.

Un obus dans le Coeur, Montréal, Actes Sud Junior-Leméac, 2007.

Anima, France, Actes Sud, 2012.

Le poisson soi, Montréal, Editions du Boréal, 2011.

Bernard Anton:

Beauté perforée, l’Harmattan, 2007.

Le cadeau, tousles contes.com, Consulté le 3 décembre, 2020.

Alain Farah:

Quelques chose se détache du port, Montréal, Editeur Le Quartanier, 2018.2004.

Pourquoi Boulogne, Montréal, Editeur Le Quartanier, 2013.

Nadine Lteif:

Les Métamorphoses d’Ishtar, suivi de Entre les fleuves,Montréal, Editeur Noiroit, 2008.

Le Rire de l’eau, Montréal, Editeur Noiroit, 2004.

Ce que vous ne lirez pas,Montréal, Editeur Noiroit, 2010.

Georges Labaki, Anthologie de la littérature Libanaise d’expression française, Liban, Editions de la Pensée Libanaise, 2017.

Isabelle Paltroix, Identités et creation dans l’oeuvre de Wajdi Mouawad, Montréal, HAL Archives-Ouvertes, 2015.

Mitra, Revue d’Art et de Littérature, Montréal. Edition du Cénacle cutlurel Liban-Québec.

* أستاذ جامعي، رئيس مجلس إدارة المعهد الوطنيّ للإدارة.

[1] وقد تبعه في عام ١٨٨٣ كلٌ من سليم الياس الأشقر وجوزيف جباوي وبطرس تادي (الأخير من زحلة).

وكان معظم هؤلاء يجتمعون في وسط العاصمة مونتريال في الساحة أمام كاتدرائية المدينة. مقابلة مع مطران أبرشية كندا المارونية شاهين، مونتريال، عام ١٩٨٨.

[2] نشأ النادي بهمة سفير لبنان الحالي في كندا فادي زيادة يوم كان قنصلًا عامًا في مدينة منتريال.

[3] Théâtre la Licorne.

[4] Bernard Antoun, Beauté pérforée, l’Harmattan, 2007.

[5] Georges Schehadé, Les Poésies, Paris, Gallimard, 1952.

[6] Abla Ferhoud, Le Bonheur, à la queue glissante, Montréal, Edition l’Hexagone, 1998.

[7] Bernard Anton, le cadeau, touslescontes.com, consulté le 3 décembre, 2020.

[8] Abla Ferhoud, le bonheur à la queue glissante, Québec, Saint Jean éditeur, collection Foçus, 2011.

[9] Quand les mots de Wajdi Mouawad rencontrent la pensée de Samir Kassir, www.lorientlejour.com.article, consulté le 9 décembre 2020.

[10] Wajdi Mouawad, Littoral, Montréal, coédition Leméac/Actes Sud Papiers, 1999, 2009.

[11] من مؤلفاته نذكر:

Quelque choix se détache du port (2004), Matamore (2008) et Pourquoi Bologne (2013).

[12] هنا لا بد من الإشارة الى الكاتب راوي الحاج الذي يكتب باللغة الإنكليزية. وقد فاز بجوائز أدبية قيمة. ويشكل لبنان محور قصصه ومؤلفاته.

[13] ابنة الكاتبة القصصية باللغة الفرنسية هودا بركات والشاعر محمد عبد الله.

[14] Nadim Lteif, Le Livre des dunes, Edition du Noiroit, Québec 1999.

[15] Nadim Leif, Hamra comme par hazard, Editeur Le Noiroit, 2014.

[16] Majdi Mouawad, Littéral, Montréal, coédition Lemeac, Actes Sud, papiers, 1999.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق