رسم بعنوان "ساعد في نشر الحبّ" لسارة ناصح، من ألبوم "الفنّ والحجر الصحيّ: رسوماتكم في زمن وباء الكورونا" من موقع www.voicesofyouth.org

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة باسكال تابت

السعادة والزمان في زمن الكورونا

"كلّ بؤس الإنسان يأتي من شيءٍ واحدٍ هو عدم قُدرَتِه على البقاء هادئًا في غرفة"، يكتب بليز باسكال Blaise Pascal. وها هي البشريّة بأسرها اليوم قد أُجبِرَت على البقاء في مَنازِلِها وفي غُرفِها، بعيدةً عن الاجتماعيّات وعن ضجيج العالم، بعد أن كان العالمُ قد انفتح بعضُه على بعض وأصبحت الأشياء في متناول الإنسان بسهولة أكثر فأكثر حتّى اختُزِلَت سعادةُ الإنسان بما يَملك، وبنشاطاته الاجتماعيّة والترفيهيّة، وبلقاءاته، وببروزه في المجتمع واحتلاله فيه مكانةً بارزة. أصبحَ الإنسان يَجِدُ سعادَتَه في ما هو خارجيٌّ وماديٌّ وحِسّيّ: في التسوّق على سبيل المثال، وفي ارتياد المقاهي، وفي السفر، وفي اللباس، وفي المال، إلخ. لكن منذ أن حلَّ وباء الكورونا وَجَد الإنسانُ نفسَه في استحالة القيام بما كان يقوم به من نشاطات، مُرغَمًا على عَدَم الخروج من منزله إلّا لتلبية حاجاته الضروريّة أو لظروف استثنائيّة جدًّا. وبيّنت الدراسات والإحصاءات أنّ عَدَدَ الأشخاص الذين يعانون من أمراضٍ وعوارض نفسيّة وأعراضٍ نفسيّة جسديّة Psychosomatique قد ازداد جدًّا، وأنّ عدد الأشخاص الذين يعانون من المَلَل والوحدة والاكتئاب قد ازداد جدًّا أيضًا، فأخذ الناس بالتالي يحاولون قَتلَ الوقت. حَثَّني هذا الأمرُ على التساؤل حول معنى السعادة والزمان، إذ لاحظتُ أنّ سعادة الإنسان تفلتُ من يَدَيه أسيرةَ شروطٍ ماديّة وكـأنّها تنسيه الزمن وثقل الزمن.

يكتب سينيك Sénèque: "يَجِبُ أن نَمتَنِعَ عن هذا الثَوَران الشديد الذي يَقَعُ ضَحِيَّتَه معظم البشر الذين نراهم يلاحقون الحفلات الخاصّة، والمسارح والاجتماعات العامّة. وهُم يَبدون دائمًا شديدي الانشغال مُقدِّمين خدماتهم إلى الآخرين. ولكن إذا رأيتَ واحدًا منهم خارجًا من منزله ستسألُه: «أنتَ! إلى أين تذهب؟ ما الذي تنوي القيام به؟» سوف يُجيبك: «صدِّقني لا أعرِف ولكنّي سوف أرى أُناسًا، سوف أفعَلُ شيئًا ما»"[1]. كَتَب سينيك هذا النصّ في القرن الأوّل؛ فماذا نقول اليوم في زَمَنِنا المليء بكلّ ما يَشغَلُ به الإنسانُ وَقتَه فقط من أجل أن يَفعَلَ "شيئًا ما"؟ فنَراهُ يَروحُ ويَجيء وكأن لا هَدَفَ لديه إلّا أن يجعَلَ الوقتَ يَمُرّ من دون أن يَشعُرَ به، فتغيبُ عنه الحياة الحقيقيّة، أو ربّما هو من يغيبُ ويبتعد عنها ويخرُج منها. يُشبِّهُ سينيك هؤلاء الناس بالنَملِ الذي يتسلّق قِمَمَ الأشجار حتّى يعود وينزل إلى الأسفل وذلك في سبيل لا شيء. ويعتبر أنّهم يعيشون في "همودٍ مُضطرِب". يدلُّ هذا التناقض على أنّهم يَعيشون في همودٍ لأنّ جوهر الأشياء التي يقومون بها غائبٌ، لا أساس داخليًّا لها ولا دافعَ داخليًّا، ويَعيشون في اضطرابٍ لأنّهم يَبحَثون بحماس و"ثَوَران" عن ما يملأ فراغ أنفسهم، فيُصبِحون أسرى الخارجانيّة وأسرى الأشياء والموضوعات، وأسرى نظرة الآخرين إليهم. كلّ ذلك من أجل الهروب من داخلانيّتهم وعدم مواجهة ذواتهم. هكذا ينسى الإنسانُ ذاتَه خارِجَ ذاتِه فتضيع هذه الذات، وربّما هذا هو أسوأ سجنٍ يعيش فيه الإنسان وأشدّ السُجون ظلامًا مُتَنَكِّرًا بالنور. ويُضيفُ سينيك في الفصل العاشر من كتابه: "تتشارَكُ البشريّةُ كُلُّها السجنَ ذاتَه [...]. إنّ هذا قد كبّلَته التشريفات، وهذا الآخر الثَرَوات؛ إنّ بعضَهم دُهِسَ تحت ثقل شهرَتِه، وآخرين تحت ثقل ظلمَتِهِم"[2]. يَعتقدُ الإنسانُ أنّه يعيشُ سعادَتَه في ذلك، ولكنّه في الواقع يعيش وَهمَ السعادة وَوَهمَ الحريّة، غير مُدرِكٍ أنّه يمرُّ أمام السعادة الحقيقيّة من دون أن يراها وأن يَلمُسَها، وأنّه يَلتَمِسُها حيث لا يستطيع أن يجِدَها، فيعودَ فارغَ اليدين والقلب. يرجع من صخب العالم والمجتمع إلى ظُلمة نفسه التي غَرِقَت في عالم الأشياء، مُعتَقِدًا أنّ السعادة مرتبطة بهذه اللذّة أو تلك، بما يتعارف عليه المجتمع أنّه يؤمِّنُ السعادَة بل أنّه هو السعادة. أتأمّل هنا في ما يسمّيه باسكال "ترفيه" Divertissement، وهو يقصد بذلك كلَّ ما يقوم به الإنسان لِيَنسى أنّه مائتٌ ويَنسى هروبَ الزمن.

في الواقع، ليست السعادة مرتبطة بما هو خارجيّ ولا بتلبية الرغبات والغرائز التي ما أن يُشبعها الإنسان وما أن يكادُ ينالُ موضوعَ رغبته حتّى يملّ وتظهَر رغبةٌ أُخرى ثانيةً لتعودَ سعادتُه ترتبط بها. لا أقصد بذلك أنّ الإنسان لا يجب أن يَرغَب بشيءٍ ولا بأمور حسيّة أو ماديّة، فَـ "بؤسٌ لِمَن لَم يَعُد لديه شيء يَرغَبُ به" يقول روسّو Rousseau، ولكن ألّا تقتصِرَ سعادَتُهُ على ذلك. إنّ الرغبة في الأمور العميقة، في عيش الحياة بِملئها وبِكلّ معناها هي التي تُهيّئ السعادةَ إذ إنّ هذه الأخيرة حالةٌ داخليَّة État intérieur تَتَخَطّى موضوعات Objets العالم التي تبقى خارج الذات، غريبة عنها، دخيلَة. أن نكونَ أحياءً في قلب هذه الحياة التي لا تكفُّ عن إعطاء ذاتها وعن التدفُّق فهذه هي السعادة. يعتبر روسّو، في كتابه أحلام يقظة جوّال مُنفَرِد، أنّ السعادة تَكمُنُ في الشعور بالوجود عينه. فالإحساس بألوجود أسمى من كلّ الأحاسيس الأخرى – ونُضيفُ أنّها تشتَرِطُهُ؛ هذا الوُجود الذي شَغَل الفلسفة منذ بداياتها وشَغَل الميتافيزيقا والعلوم واللاهوت. يكتب روسّو: "إنّ الشعور بالوجود مجَرّدًا من كلّ انفعالٍ آخر هو في ذاته شعورٌ ثمينٌ بالرِضى والسلام، قد يكفي وَحدَه لِيَجعَلَ هذا الوُجود ثمينًا وعَذبًا لِمَن يعرِف أن يُبعِدَ عن ذاته كلَّ الانطباعات الحسيّة والأرضيّة التي تأتي باستمرار لتلهينا [عن هذا الإحساس بالوجود] وتُعَكِّرَ عذوبَتَه في هذا العالَم هنا"[3]. فالسعادة إذًا مُحايثة Immanente للوُجود وللإنسان. أن يعيش الإنسانُ اللحظة الحاضِرَة – ولا يُمكِنُ في الحقيقة أن نقوم بذلك إلّا بمجهود كبير لأنّ الإنسانَ مَطبوعٌ بالماضي ويَعيشُ في انتظار المُستَقبَل فَيُعاني من قَلَقٍ وجوديّ شاعِرًا بأنّ الزمن يفلِتُ منه وكذلك الوُجود. إنّ تعلُّقَنا بالأشياء التي تَعبُرُ مع مُرورِ الزَمَن يزيد قَلَقَنا هذا إذ نَشعُرُ بأنّ لا شيء في حَوذَتِنا وتحت سَيطرتنا، ويُضيفُ بؤسًا على بؤسٍ: بؤس عدم امتلاك الزمن والتحكُّم به وبؤس العَجزِ عن عَيش اللحظةِ الحاضِرَة التي هي وَحدها في تَصَرُّف الإنسان وهو يستطيع أن يجعلها جمالًا أو قبحًا أو حتّى عَدَمًا. إنّ ما نمرُّ به اليوم في ظلّ هذه الظروف القاسية إن على المستوى الصحّيّ أو على المستوى الاقتصاديّ يجعلُنا نُدرِكُ ذلك. إنّ أزمة اليوم فرصَةٌ لِيَرجعَ الإنسانُ إلى ذاته ويتأمّل معنى الحياة في حَرَكَتِها وصيرورَتِها ويميّز بينها بين البقاء Subsistance، بين نقاط ضعفه ونقاط قوَّتِه، ليستفيد من الثانية ويَتَمَتَّع بها ولِيَعمَلَ على نقاط ضعفه من أجل أن يحوِّلَ ضعفه إلى قوّة، خاصّةً عندما يقبَلُ ضعفَه أي بشرِيَّتَه. أزمة اليوم تَجعَلُنا نُعيدُ النَظَر في قِيَمِنا ونُحدِّدُ ما هو ضروريّ وما هو غير ضروريّ، ما هو جَوهريّ وما هو عَرَضيّ، تحُثُّنا على التساؤل حول دَورِنا في هذه الحياة تجاه ذاتنا وتجاه الآخرين. أزمة اليوم فرصةٌ لِنَقِفَ أمام أنفُسِنا، أمام مرآة النَفسِ لكي نَملأ فراغَها بالحياة والسعادة النابعة من الإحساس بهذه الحياة والاحتفال بها في كلّ لحظةٍ – حتّى في لَحَظات الألَم، لأنّ الألَمَ جزءٌ من الحياة بما هي تأثُّرٌ Pathos على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسيّ المُعاصِر ميشال هنري Michel Henry وتأثُّرٌ ذاتيّ، وهي تبقى داخِلَ ذاتها لا تَخرُجُ منها أبدًا، لامرئيّة. أعودُ إلى سينيك الذي يَقول إنّ الحياة [تبدو لنا] قصيرَة جدًّا لأنّنا عاجزون عن استخدام الوقت من أجل القِيام بأعمالٍ تَجعَلُنا سُعَداء: "ليس لدينا قليلٌ من الوقت ولكن لدينا الكثير [منه] ضائعٌ [...] نَعَم، قصيرةٌ هي الحياة ليست التي وُهِبَت لنا ولكن تلك التي صَنَعناها نحن. لسنا فُقَراءَ تجاهها ولكنّنا مُبَذِّرون [...]. يمتدُّ وجودُنا بعيدًا جدًّا بالنسبة لِمَن يعرف تنظيمه"[4]. ربّما ظروفنا اليوم فرصَةٌ لإعادَة تنظيم وجودِنا بحَسَب معايير مُختَلِفَة وإدراكنا لقيمَة الوجود في تَغذِيَة نفوسنا وليس أجسادنا وحدها. إنّ أزمة اليوم وبالرغم من صعوبتها فرصَةٌ لِتَلبِيَة حاجات عقولِنا وقُلوبِنا ومُخيِّلَتِنا، إنّها فرصة للسَفَر الداخليّ والتنزُّه داخِلَ الذات بما أنّنا شِبه عاجزين عن السفر والتنقُّل في المكان بأجسادِنا، إنّها فرصةٌ للتصالح مع الصَمت من أجل لقاء الذات ولقاء الآخر، والحضور من أجل الآخر لِذاتِه. نحن اليوم أمام اختبار يسمحُ لنا إدراكَ أنّ السعادَة الكُبرى تَكمُنُ في السعادات الصُغرى: في الصمت والتأمّل والقراءة والموسيقى ومشاهدة أفلام والجلوس مع مَن نُحبّ مُدرِكينَ أن لا شيء بإمكانه تَعويضَ هذه اللحظات، والحبّ، والاهتمام بالأمور الصغيرة التي ليس لدينا متّسَعٌ من الوقت للقِيام بها في ظلّ انشغالاتِنا وصَخب حياتنا اليوميّة. إنّ السعادة الحقيقيّة هي في تحقيق ذاتنا في هذا الوجود، مُدرِكين أنّ في كلّ واحدٍ منّا ما يميّزه من الآخرين ويجعله كائنًا فريدًا، في كلّ واحدٍ منّا نبعٌ يتدفَّقُ حياةً. إنّ السعادةَ واجبٌ يَجعَلنا نُلاحقها باستمرار وبِعَطَشٍ بالرغم من صعوبة ذلك. من أجمل ما قيلَ حولَ ذلك هو ما كَتَبَهُ ألان Alain: "إنّه من الصعب دائمًا أن نكون سعداء؛ إنّ هذا كِفاحٌ ضدّ الكثير من الأحداث وضدّ الكثير من البَشَر. يُمكِنُ أن نُغلَبَ [...] ولكن ربّما عَدَم القَولِ البتّة إنّنا غُلِبنا قبل أن نكون قد صارَعنا بِكُلّ قِوانا، هو الواجب الأوضح. وبوجهٍ خاصّ، إنّ ما يبدو لي بديهيًّا هو أنّه من المُستَحيل أن نكون سُعَداءَ إن لم نَكُن نُريدُ ذَلِك [...]. على كلّ رَجُلٍ وكُلِّ امرأة أن يفكِّروا باستمرار بذلك، وهو أنّ السعادة، وأَقصدُ بِذَلِكَ تِلكَ التي نَنتَصِرُ بها لذاتنا، هي أجمل وأكرم هديّة"[5]. بالتالي تُصبِحُ سعادَتُنا فرصَةً لِيُدرِكَ الآخرون أنّه من واجبهم أيضًا بلوغ سعادَتِهِم، وأنّ السعادة لا تُعطى من دون أن نَبحَث عنها – إنّ هذا ما يجاهِدُ في سبيله الإنسانُ الحَكيم والقدّيس والمتصوِّف والفنّان والفيلسوف والمُتأمِّل وغيرهم مِمَّن يناضلون في سبيل السعادة الحقيقيّة. هكذا نُعطي الزمانَ واقِعَهُ ويُعطي الزمان بِدَورهِ واقعَنا حقيقةً وحَياتَنا الداخليّة، هي التي يَصعُب على الإنسان دُخولُها أكثرَ ممّا يصعُب عليه الخُروجِ منها، كما يُغني اختباراتِنا في قَلب الحياة. هكذا نَعيشُ أيضًا حُرِّيَّتَنا التي هي في حقيقتها تَحَرُّرٌ شخصيُّ وداخليٌّ من الضجيج الداخليّ ومِن فَوضى نفوسِنا وحواسِّنا ومن صَخبِ العالم المُحيطِ بنا.

* متخصّصة بالفلسفة الغربيّة المعاصرة – الفينومينولوجيا. أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانيّة، وفي جامعة القدّيس يوسف، وجامعة الروح القدس – الكسليك، وفي الجامعة الأنطونيّة.

[1] Sénèque, De la tranquillité de l’âme, XII, trad. P. Miscevic, Flammarion, «GF», 2003، ترجمة شخصيّة.

[2] المرجع ذاته، X, 2-3. ترجمة شخصيّة.

[3]Jean-Jacques ROUSSEAU, Rêveries du promeneur solitaire, 5e promenade, Gallimard, «Pléiade», ترجمة شخصيّة.

[4] Sénèque, De la brièveté de la vie, trad. A. Flobert, Les Belles Lettres, 1995، ترجمة شخصيّة.

[5]Alain, Propos sur le Bonheur, Gallimard, Folio-Essais, 1989, p. 210، ترجمة شخصيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق