لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور عمران البدوي

الحريَّة الفكريَّة والدراسات القرآنيَّة

هل يجوز الحديث عن الحريَّة الفكريَّة من جهة، وهي قيمة إنسانيَّة نابعة من صميم العصر التنويريّ الأوروبيّ، ودراسة القرآن من جهة أخرى، وهو نصّ مقدّس عند المجتمعات الإسلاميَّة؟ بعبارة أخرى، هل يصح دراسة القرآن حسب المناهج العلميَّة النقديَّة الحديثة دون قيود عقَدِيّة؟ وألا يفتح ذلك المجال أمام التشكيك والكفر والفتنة؟ لو أجبنا على هذا السؤال بـ"لا" فهذا يعني أنه يجب على تلك المجتمعات فرض مفهوم جامد عن النص (أي العقيدة) ومحاكمة كل من يختلف معه، وهذه هي حالتنا المأسويَّة اليوم. في هذا الصدد، إذا بحثنا عبر الإنترنت في مسألة "الحريَّة" بالعربيَّة بصفة عامة مثلًا، ناهيكم عن الحريَّة في دراسة القرآن، فسنجد أن معظم الآراء والأقوال والمرئيات صادرة عن رجال الدين. ويُبدي لنا هذا الاختبار البسيط انحرافًا شديدًا لماهية الحرية في العالم العربيّ الإسلاميّ؛ إذ يلعب رجال الدين دورًا أكبر من حجمهم بكثير في تلك المجتمعات.

‏ذهب الكثير من رجال الدين إلى أنَّ حريَّة الفكر تؤدّي إلى حرية التعبير ثم حرية الاعتقاد، ‏وهذا صحيح. ‏وما يقصده هؤلاء ‏حقيقةً هو أنّ الحريَّة تفسد العقيدة والدِّين. ولكنّ هذا غير صحيح. ‏فالمشكلة في هذا الطرح هي نظام فرض العقيدة على عامة الناس من أجل خلق مجتمع مؤمن حسب رجال الدين، ‏وفي ذلك وهم كبير كما تثبت لنا مؤشِّرات عديدة. ‏فيما يتعلق بتلك المؤشرات، ‏نوجز ونقول إن كثيرًا من المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة تشهد انتشارًا للأصوليَّة الدينيَّة وتتعشش بؤر الإرهاب في نفس الوقت الذي ينتشر فيه الإلحاد ‏في ذات المجتمعات[1]. ‏يضاف إلى تلك الإحصائيَّات أنَّ العالم العربيّ والإسلاميّ هو الأكثر نشاطًا على شبكات ‏التواصل الاجتماعي مثل التويتر؛ وذلك بسبب القمع والكبت واسعي الانتشار، بما فيهما من انعدام لحريَّة الفكر[2]. ‏لقد صنع العرب المسلمون اليوم، وشبابهم بالأخص، ‏مجتمعًا رقميًّا مضادًّا لمجتمعاتهم القمعية، وهو مساحة تمنح لهم حرية السؤال والجواب دون اللجوء إلى المجتمع الخارجي أو رجال الدين. ولعلّ أخطر المسائل في هذا الصدد هي مسألة القرآن وفهمه فهمًا نقديًا حديثًا، ولا يكون ذلك إلا من خلال الدراسات القرآنيَّة الحديثة.

دعونا إذن ننظر في إمكانيَّة الحريَّة الفكريَّة والدراسات القرآنيَّة، وهذا ما يقصده هذا المقال في أربعة أجزاء: (1) مبادئ الحريَّة والتفكَّر في القرآن (2) مشكلة قمع حريَّة الفكر وهجرة العقول (3) انتقال دراسة القرآن الحرّة من الساحة العامَّة إلى الإنترنت والفضائيَّات، وأخيرًا (4) أهميَّة القرآن باعتباره تراثًا إنسانيًّا مشتركًا وضرورة دراسته حسب المناهج النقديَّة الحديثة.

1 ً- مبادئ الحريَّة والتفكَّر في القرآن

إن سياق القرآن التاريخيّ، وبشهادة آياته، غني بالفئات الدينية والأحزاب العقائدية بما فيها اليهود والنصارى والمجوس والصابئون وغيرهم من طوائف القدماء (البقرة 62؛ المائدة 69؛ الحج 17). لا عجب إذن أن النص ينافس هؤلاء الأوّلين ويناشد إحساسهم بالفكر المتألّق إلى رؤية جديدة للإيمان. ولا يستقر الإيمان إلا بعد التفكّر في خلق السماوات والأرض وتدبير آياتها. من سؤاله "أفلا يتدبّرون القرآن؟" (النساء 82) إلى توثيقه "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الجاثية 13) لا يخلو النصّ من عشرات الآيات اِلتي تدعو القارئ إلى تقييم رسالته. رغم ذلك يفيد النص، وبعد منح مستمعيه كامل الحرية وإعطائهم العديد من البراهين والحجج، "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" (يوسف 103). ليس هناك آية واحدة بين أكثر من 6000 آية تدلّ على أن المجتمع القرآنيّ كان مجتمعًا مؤمنًا. بل ترد آيات عديدة وفيها رسول القرآن محبط ومنكسر بسبب عدم إيمان المجتمع الذي كان يدعو فيه. هل كان ردّ القرآن قمعُ حريّةِ ذلك المجتمع وفرض عقيدته الحنفيَّة عليهم؟ كلا، بل العكس تمامًا.

ليس هناك نقص في أدلة الحريَّة الفكريَّة وتعدد العقائد بين آيات النص، وعلى الله الحساب. فالآيات واضحة جلية: "وقل الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنّا اعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها" (الكهف 29)، "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي" (البقرة 256)، "وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون" (يونس 19)، "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتّى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين" (الأعراف 87). حتى إنّ إعلان "دين الإسلام" في النصّ مقرون بالاختلاف، "إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلَّا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم" (آل عمران 19). فما كان أمر إله القرآن لرسوله والناس يستهزؤون به؟ في هذا الصدد نقرأ: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" (الحجر 97-98)،"نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد" (قاف 45)، "إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحقّ فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل" (الزمر 41)، "فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر" (الغاشية 21-24)، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس 99).

وماذا عن آيات القرآن عن قتل الكفار، ألا تتناقض مع حريَّة الفكر؟ كلا، فكل تلك الآيات منغمسة في حالة حرب كما يظهر لنا من التاريخ ومن آيات النصّ نفسها. أو بعبارة أخرى ما علاقة "التهجير والفتنة" (البقرة 191، النساء 89-92) و"عهود" القبائل في "أشهر الحرم" (التوبة 1-5) بقضيتنا؟ المشكلة هنا تكمن في التأجّج السياسيّ المستمرّ وموجات من الحروب المحليَّة والعالميَّة وعدم الاستقرار في مجتمعات عربيَّة وإسلاميَّة اليوم. والمشكلة تكمن في الإحساس بأن الإسلام نفسه تحت التهديد مما يشيع الفكر الجهادي وتنظيمات إرهابيَّة واشتباكات عسكريَّة وقتل الأبرياء من مسلمين ومن غيرهم. لا عجب أن هذه المجتمعات تعيش في حالة خوف وتقوقع وتقديس الماضي على واقعنا المر. وتحولت تلك المجتمعات، إذا جاز التعبير، إلى قوم "حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون؟" (المائدة 104). وآخر ما نذكره في هذا الصدد هو أن التاريخ نفسه يثبت لنا أن العلم والفكر والحرية تبدو كفرًا في مجتمع يسود فيه الظلام[3].

2 ً- مشكلة قمع حريَّة الفكر وهجرة العقول

لقد أدّى قمع الحريَّة في كثير من المجتمعات العربيَّة الإسلاميَّة إلى اضطهاد المفكرين ونفيهم بعيدًا عن موطنهم الأصلي، ومنهم مفكّرون يعملون ويكتبون في مجال الدراسات القرآنية. في هذا السياق نذكر المفكر المصري اللامع المرحوم د. نصر حامد أبا زيد الذي حُكم بالتفريق بينه وبين زوجته من قِبَل المؤسَّسة الدينية الرسميّة. وحوكم أبو زيد على أساس أنه أصبح كافرًا بعد نشر أبحاث علمية عن القرآن وقت ترقيته في جامعة القاهرة. يبقى كتاب أبي زيد عن "مفهوم النص" فريدًا من نوعه حيث يقدم "أدوات النص" القرآني و"مدلولاته" بمنتهى البساطة العلميّة والتألق[4]. ويبقى نفيه بصمة سوداء على المجتمع الذي اشتعل بمعارك طاحنة بين الإرهاب والجيش بعده. ومن قبله، نُبِذ الأزهري د. أحمد صبحي منصور، مؤسّس حركة أهل القرآن (القرآنيون) التي ترفض كتب التراث الإسلامي وخاصةً كتب الحديث. وفي إيران هوجم المفكر الكبير د. عبد الكريم سروش ووُصِمَ بالخيانة بسب محاضراته في الخارج و بسببآرائه البحثية التي تعيد النظر في العلاقة بين النصوص الدينيَّة والفلسفة، وغيرهم كثير.

ومن لم يُنفَ من موطنه، ظلّ في صراع مع فئات دينيَّة وحكوميَّة إلى الأبد. نذكر في هذا السياق باحثين وأساتذة جامعة متألقين كثر، منهم د. سيد القمني، وقد كتب عن التطور البشري للقرآن والنبيّ محمّد، الذي نجا من محاولات اغتياله ولكن لم ينجُ من الضرب واللكمات على شاشة التلفاز. منهم كذلك أدباء مصريين كبار مثل د. طه حسين و د. أمين الخولي و د. محمد أبو زيد الذين درسوا القرآن من جهة اعتباره نصًّا أدبيًّا يرتقي إلى مستوى الدراسة النقديّة العلميّة. إلا أنَّ ذلك المجتمع لم يرتقِ إلى نفس المستوى، بل واعتبرت المؤسَّسة الدينيَّة الدراسات النقديَّة، خاصةً في مجال القرآن والإسلام، كفرًا من الغرب، فطاردوهم في المحاكم والإعلام والندوات على هذا الأساس.

ومنهم مَنْ لم ينجُ من أسوأ مصير، حيث اغتيل المفكّر الكبير د. فرج فودة من قبل الجماعة الإسلاميَّة بعد مناظرته وكتاباته النقديَّة الحادَّة، ومن بينها انتقاده عدم ضبط المفاهيم بين النصّ القرآنيّ والثراث الإسلامي، منتقدًا مثلًا حد الرجم الذي لا وجود له في القرآن. (وقد شُوّهّت كتابات وسمعة الكاتبة والطبيبة النفسيَّة نوال السعداوي، وكانت زميلة فودة في العمل التنويريّ، حتّى غادرت البلد تجاه الغرب، وهذا موضوع آخر). وفي السودان ناشد د. محمّد محمود طه المجتمع إلى الحريّة والمساواة من خلال صفحات القرآن، حيث عكس الأهميَّة الشرعيَّة لما يُعرف بالآيات المكّيَّة والمدنيَّة. وما كان مصيره إلا الاتّهام بالكفر وإقامة عليه حدّ الردّة، أيْ القتل.

ليس معنى قمع حريَّة الفكر وهجرة العقول أن المجتمعات العربيَّة الإسلامية تخلَّت تمامًا عن المفكّرين الذين أدلوا بصوتهم في مجال الدراسات القرآنيَّة، إلَّا أنَّهم قلة. في مصر توفي د. علي مبروك، وقد كان زميل وصديق لأبي زيد، بعد أن طرح من خلال التراث الإسلاميّ أن النبي محمّد ترك القرآن خطابًا مفتوحًا. وفي تونس بقيت المساحة الفكريَّة أوسع قليلًا حيث طرحت د. ألفة يوسف تعدد المعاني في المدلولات القرآنيَّة. كما بحث المفكر الكبير د. هشام جعيط العوامل التاريخيَّة والبشريَّة على شخص محمَّد النبيّ وتبلور النصّ القرآنيّ، بما فيها تأثير التراث السرياني المسيحيّ. وحتّى في السعودية والكويت بقيت شرارات الفكر النقدي حول القرآن في أعمال د. إبراهيم بليهي ود. إبتهال الخطيب. لكن في الحقيقة إن جل من يدرس القرآن دراسة نقدية لا يعيش في العالم العربيّ ولا الإسلاميّ، بل في شتى أنحاء الغرب حيث تتوفر الحرية الفكرية وفرص العمل.

نكمل حديثنا في هذا الموضوع بالإشارة إلى "ازدراء الأديان" وما شابه ذلك من قوانين جائرة نحو مواطني كثير من المجتمعات العربيَّة الإسلاميَّة. فهذه العقليَّة الإقصائيَّة، بل والتكفيريَّة، هي نفسها التي أحرقت هذه المجتمعات بالحروب والطائفيَّة. إن كان الله فعلًا غني عن العالمين سواءً آمن الناس أو كفروا (الزمر 7) وإن كان "سيتم نوره" (التوبة 32) فالمجتمع أولى بقانون يحاكم "ازدراء الإنسان."

3 ً- انتقال دراسة القرآن الحرّة إلى الإنترنت والفضائيات

كما ذكرنا سلفًا، لم يجعل القمع السياسي وفرض العقيدة المجتمعَ مؤمنًا، بل دفع النّاس في أبعد الأحوال إلى الأصولية أو الإلحاد. فماذا عن دراسة القرآن والحريَّة الفكريَّة في مجتمعات مثل هذه؟ الإجابة تكمن في طبيعة البشر، فما لا يستطيع فعله الإنسان علنًا يفعله سرًا، أو بالأحرى على الإنترنت. نذكر في هذا الصدد بعض البرامج المستقلَّة التي تفحص بحريَّة مسائل دينيَّة بما فيها القرآن، وهي برامج خارجة عن سيطرة الرقابة الدينية الحكوميَّة. تلك البرامج ازدهرت في العقد الأخير ولها شعبية عالمية واسعة على موقع اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعيّ. وفي هذا الإطار، تشتهر بعض الشخصيَّات التي مرت بمعاناة القمع في مجتمعات عربيَّة إسلامية حتى أصبحوا مسيحيِّين أو لا دينيِّين أو غير ذلك. منهم الأخ رشي وهو مغربيّ الأصل تنصّر بعد ترك الإسلام ويعد برنامجًا شهيرًا جدًا باسم "سؤال جريء." وهو جريء بالفعل حيث يتطرّق إلى نقد (والطعن) في النصّ القرآنيّ ونبيّ الإسلام. وقد ازدادت حدوديَّة برنامجه وغيره بعد ظهور تنظيم داعش الذي يبقى في خلفيَّة كلّ مسألة مطروحة. من تلك البرامج أيضًا "صندوق الإسلام" وهو من نوع أكاديميّ بعد الشيء. هذا البرنامج لحامد عبد الصمد وهو مصريّ الأصل يقيم في ألمانيا وترك الإسلام بعد تعليم دينيّ محافظ. يتّسم صندوق الإسلام بعدّة حلقات حول "مصادر القرآن" وعلاقة النصّ بالمسيحيّة واليهوديّة حسب نظريات أكاديميّة حديثة في الغرب.

لكن ليس كلّ البرامج في هذا السياق من قبل أطراف خارج النطاق الإسلاميّ، بل هناك من يريد "الإصلاح الدينيّ" وأكبر مثال على هذا إسلام بحيري الذي تفرغ لبرنامجه الجديد "الخريطة" في شهر رمضان بعد سنوات من الصراع مع الأزهر، المؤسَّسة الدينيَّة الرسميَّة في مصر. وبعد قضاء عام في السجن خرج منه بعفو رئاسيّ. يبني بحيري نهجه على إصلاحيِّين مثل محمّد عبده ومحمود شلتوت رافضًا الكثير من الأحاديث المسيئة والمتناقضة، ويطرح سيرة نبوية قرآنيَّة بدلًا من سيرته في التراث. قبول بحيري من قبل التلفاز المصري لم يأت إلّا بعد توجّه الحكومة نحو الإصلاح الدينيّ في ظل أزمة الإرهاب بعد داعش. وفي مجال اللسانيّات إشتهر لؤي الشريف على اليوتيوب حيث طرح قراءة المقطعات القرآنيّة (الم، الر، كهيعص...إلخ) بالآرامية بدلًا من العربية لفك لغزها، بدلًا من الاعتماد الأعمى على المفسِّرين، وهذا أيضًا نتاج نظريات أكاديمية حديثة في الغرب.

البرامج والمقاطع المرئيَّة والمواقع لا تحصى وليس بوسعنا الإشارة إلى كلها في مقال قصير. نوجز إذن أن المغزى هو أن كبت الحريَّة الفكريَّة في تلك المجتمعات، وخاصّة في القرن الحادي والعشرين، لم يمنع الفكر بل جعله يتفشّى بين شبكات الاتّصالات والإنترنت والتواصل الاجتماعيّ حيث نعيش كلنا اليوم. وخطورة هذه الظاهرة هي أنّها غير منظَّمة وفوضوية، فتزدهر تارة مجموعة مثل "الليبراليّون السعوديّون" وتارة أخرى تخرج علينا داعش. وبالتالي لا بدّ من تعزيز مؤسّسات مستقلّة مثل الجامعات وفتح المجال أمام الحريَّة الفكريَّة خاصةً بين المفكرين لكي تغرس السلامة والاستقرار.

4 ً- القرآن تراثٌ إنسانيّ مشترك والدراسة النقديَّة للقرآن ضرورة

لا يعد اليوم ترديد التراث الإسلاميّ حول القرآن (نحو التفسير وأسباب النزول وعلوم القرآن) حقلًا دراسيًّا نقدي المنهج ولا منضبط المفاهيم. ونصرّح بشكل أوضح، شتان ما بين ترديد التراث المنقضي بحجّة تعليم القرآن (وهو في الواقع لا يعزّز إلّا سلطة رجال الدين على حساب العامة)، وبين تأسيس مجال علميّ حديث ينبني على أدوات نقديّة حديثة، تتمعّن في محتوى النصّ والتاريخ وحسب معايير علمية ثابتة. ولِمَ نجعل من القرآن علمًا حديثًا؟ لأنَّه مثل سائر الكتب المقدَّسة أصبحت ملكًا لكل من يقرؤه في مشارق الأرض ومغاربها. القرآن جزءٌ لا يتجزأ من الأدب والتاريخ العالميَّين، ولا يليق بكتاب جليل مثله ألّا يدرس بالأساليب العلميَّة الأكثر تقدّمًا. وهذا ما يحدث اليوم في هيوستن حيث "الجمعيَّة الدوليَّة للدراسات القرآنية،" وبرلين حيث مشروع "الكوربس كورانكوم" وغيرها من المدن العالميَّة المعنية بدراسة القرآن دراسة نقديَّة محترمة. فالدراسات القرآنيَّة الحديثة متعدَّدة التخصّصات وتفحص النص من خلال الأدب والتاريخ والمخطوطات والعلوم الاجتماعيَّة وعلم الآثار وعلم العملات وغيرها من العلوم الإنسانية الكلاسيكية والرقميَّة[5].

في الختام، نربط بين أهداف التراث الإسلاميّ القديم والدراسات القرآنيَّة الحديثة رغم الفجوة المنهجيَّة بينهما. إذا اتفقنا أن غاية الدراسات القرآنية الحديثة هي فهم النصّ، دون الطعن في أو الدفاع عن عقيدة ما، فذلك يعيد ممارسة الاجتهاد بصياغة جديدة، و"لكل مجتهد نصيب،" وإن أخطأ. تحترم الدراسات القرآنيَّة الحديثة التفاوت في آراء المفكّرين والاختلاف المحتوم بين البشر وفي ما يؤمنون، أي أنها تستعيد "أدب الاختلاف" ورحمته في وقت نحن بحاجة ماسّة إليهما. وأخيرًا وليس آخرًا، لا حرج في تنقيح الخطأ وتحديث القديم على نحو كلمات أبو حنيفة الأثيرة "هم رجال ونحن رجال"، بل نحن رجال وسيِّدات اليوم. قضيّة الحريّة الفكريّة والدراسات القرآنيّة ليست قضيَّة الإيمان والكفر، بل هي قضيَّة تقدير القرآن والإنسان في آن لقوم يتفكّرون[6].

* أستاذ مشارك ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة هيوستر بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، كما أنّه يشغل منصب الموجّه التنفيذي للجمعيّة الدوليّة للدراسات القرآنيّة. تشمل كتبه "القرآن الكريم وكتابات البشارة الآرامية" و"جماهير القرآن: الحوار والجدال والإختلاف في القرن الحادي والعشرين" وهو الآن في المراحل الأخيرة من كتاب عن سلطة المرأة وتأثّرها على ظاهرة النبوّة بين العرب قبيل الإسلام بعده مباشرة. ترجمت كتاباته من الإنكليزيّة إلى عدّة لغات، وهو ينشر آرائه في الصحف والمجلّات الأمريكيّة.

[1] Gilgamesh Nabeel, “Athiests in the Muslim world: Silent, resentful and growing in number”, The Washington Times, August 1, 2017; N.A. Hussein, “How Egypt's religious institutions are trying to curb atheism”, Al-Monitor, March 23, 2017.

[2] "تويتر.. منبر السعوديّين وسلاحهم،" الجزيرة. ( مطلع عليه أكتوبر ٦، ٢٠١٧)

[3] ممدوه دسوقي، "الدكتور خالد منتصر الباحث والمفكر المصرى لـ«الوفد»: تهمة ازدراء الأديان سيف على رقاب المبدعين،" الوفد، أكتوبر ٤، ٢٠١٧.

[4] نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ: دراسة في علوم القرآن، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ٢٠٠٨.

[5] عمران البدوي، "البحث عن سياق القرآن التاريخي – نبذة عن الدراسات القرآنية الحديثة،" المشرق الرقميَّة، العدد الخامس، كانون الأول، ٢٠١٤.

[6] جزيل الشكر للزميلة الفاضلة خديجة جعفر، كاتبة وباحثة مستقلّة في الفلسفة والدراسات الإسلامية، على مراجعة نص هذا المقال.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق