اللوحة لجبران خليل جبران

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

أنا الجسد فاسمعوني

رِجلان حافيتان ترقصان على رمال الشاطئ بفرحٍ وبقوَّة... لم تغبِ الشمس بعدُ، لكنَّ الراقصَ غابَ عمَّا حوله... لا صوتَ غير عزف الأمواج وأنفاس الشابّ الراقص... فجأةً ظهر رجلٌ اقترب من الشابّ وحيَّاه. دار بينهما حديثٌ طويل. قال الرجل للشابّ: سمعتُ عن غرابة تصرُّفات الفلاسفة، لكنَّها المرَّة الأولى الَّتي ألتقي فيها بفيلسوف. ثمَّ أضاف مازحًا: أنتَ طبيبُ العقول وأنا طبيبُ الأجسام.

الفيلسوف: ما نحن إلَّا أجسادٌ تتخاطب. أنا أحاور الأجساد وأنتَ تطبِّبها.

الطبيب: والنفس والعقل؟

الفيلسوف: هما مظهران من مظاهر الجسد وتجلِّيَّاته. لقد هدم العلمُ المعاصر ثنائيَّة النفس والجسد اليونانيَّة الأصل الَّتي سيطرت على الإنسان وخدعته قرونًا طويلة. العقل من مكوِّنات الجسد، أي هو جزءٌ منه أو قوَّةٌ عاقلةٌ فيه. وكذلك النفس. والنفس والعقل يفنيان بفناء الجسد فناءً دائمًا، لا عودة تتبَعه ولا حياة بعدَه.

الطبيب: نظرتك إلى الحياة سوداويَّة تفتقد الرجاء والأمل.

الفيلسوف: الأمل موجودٌ، لكنْ في الحياة الدنيا لا خارجها. لا شيء أزليّ ولا شيء أبديّ...

الطبيب: يا لتعقيد الفلسفة! لو لم أدرس شيئًا منها لما فهمتُ تعابيرك.

الفيلسوف: وأنتَ أين تجد الأمل؟

الطبيب: أنا أمنح الأمل كلَّ يومٍ لإنسانٍ مريض. أحارب معه لمداواة جسده وحفظ حياته. نعيش حياتنا منذ الولادة حتَّى الموت في معركتنا من أجل الحياة. يعتني الإنسان بجسده ويقاوم المرض ليحفظ صحَّته وقواه. الجسد هو الأداة للحياة.

الفيلسوف: الجسد ليس أداة. الجسد هو الإنسان. عندما يتعطَّل الجسد ويصبح غير قادرٍ على ممارسة دوره يستحيل الوقت كابوسًا، ويتشوَّه العالم حول الجسد لأنَّه لا يستطيع عيش تجارب الحياة بحسنها وقبحها، تجارب الحياة بما هي تجسيدٌ لوعي الإنسان الحرِّ المريد الطامح المحبِّ الغيور الحاقد....

الطبيب: هنا يأتي دور الطِّبّ. فالطِّبُّ مكَّن الإنسان من محاربة المرض وتحسين نوعيَّة حياته والعيش فترةً أطول.

الفيلسوف: وهل في العيش زمنًا طويلًا متعةٌ وفرح؟ لا أظنّ ذلك... لا يهمُّ في نظري كمْ سنةً أحيا بل كيف أحيا.

الطبيب: وكيف تحيا؟

الفيلسوف: أحيا الجسد بكلِّيَّته والحياة بملئها. أدرك ماهيَّتي كجسدٍ مفكِّرٍ فانٍ، أحيا به ومن أجله. كلُّ إنسانٍ بنظري مدعوٌّ إلى التعرُّف على جسده وفهم تكوينه ووظائفه ليعرف كيف يجب أنْ يعيش، وكيف يمكن أنْ يعيش. ليس الجسد النافذة الَّتي نطلُّ من خلالها إلى العالم، ولا هو الأداة الَّتي نحيا بواسطتها في العالم، بل هو العالم، العالم بذاته وبكلِّيَّته. ووظيفة الفلسفة برأيي هي أنْ تحرِّر العقول من الأفكار البالية الَّتي سادت زمنًا طويلًا وما تزال سائدةً في مجتمعاتٍ كثيرةٍ في وعي الناس أو لاوعيهم، وهي تتعلَّق بثنائيَّة النفس والبدن وما يلزم عنها من مفاهيم خاطئة، مثل اعتبار النفس أرقى من الجسد، وبالتالي اعتبار كلّ ما يتَّصل بها من انفعالاتٍ وأفعالٍ أفضل. فالجسد هو أوَّلًا وآخرًا، والنفس جزءٌ منه. والإنسان هو هذا الجسد المرئيُّ في تكوينه ومصيره... أنا لا أستعمل جسدي، أنا أعيشه.

الطبيب: وما معنى أنْ تكونَ جسدًا وأنْ تعيشَه؟

الفيلسوف: أنا جسدي وجسدي أنا. لأنَّ الجسد وجوده شرطٌ ضروريٌّ لتحقيق تجلِّيَّات الذات ومشاعرها وأفعالها. فشهوتي لا يمكنني إشباعها بدون الجسد، وأفكاري وطموحاتي وآمالي كذلك يرتبط تحقيقها بالجسد... وما يتصوَّره كلُّ صاحب دعوى أنَّه حقيقة فهو يسعى إلى تحقيقه من خلال الجسد. فمثلًا الأيديولوجيات السياسيَّة عندما تدَّعي امتلاك حقيقة ما فهي تبلورها من خلال الناس، أي الأجساد. أمَّا الفكرة الَّتي لا تتجسَّد فليس لها وجودٌ حقيقيّ.

الطبيب: كالمسيح عندما أراد إيضاح حقيقة الإله وتبيانها تجسَّد.

الفيلسوف: تمامًا إنْ كنتَ مؤمنًا به.

نسَمتِ الريح واهتزَّت أغصان الشجر، ولاح طيف امرأةٍ من بعيدٍ شعرها طويلٌ يتمايل مع النسمات...

قال الفيلسوف: تبدو جميلةً كالحياة وهاربةً كالزمان.

الطبيب: وما معنى تشبيهها بالحياة والزمان؟

الفيلسوف: المرأة هي الموجود الَّذي يجسِّد الجمال بأرقى صوره. الكون مليءٌ بالأشياء الجميلة: السماء والنجوم والفراشات والأزهار... لكنَّ المرأة أجمل الموجودات لأنَّ جمالها لا يخاطب الحواسّ فحسب بل الجسد كلَّه. إنَّها تشبه الزمن في تحوُّلها، هي كالآن لا دوام للعلاقة معها... أنظر المرأة-الجسد أمامنا. لعلَّها تقترب بعد قليلٍ فأكلِّمها أو.... أنظر لقد نزعت ملابسها لتسبح. إنَّها فعلًا جميلة!

الطبيب: إذًا أنتَ لا تؤمن بثبات علاقات الحبِّ واستمرارها. أظنُّ أنَّك غير متزوِّج.

الفيلسوف: فضَّلتُ الحرِّيَّة على الزواج. ثمَّة منازل أربع للعلاقة بالمرأة: الزواج والحبّ والجنس والصداقة، والحبُّ بالطبع أجملها.

الطبيب: وهل تُخلص للمرأة في علاقتك معها؟

الفيلسوف: إذا رغبتُ بالحبِّ مع امرأةٍ لا أتردَّد. فأنا أصغي لجسدي ورغباته.

الطبيب: أنتَ بذلك تخالف المجتمع ومبادئه وقيمه.

الفيلسوف: أنا فيلسوف، والفيلسوف عقله حرٌّ لا يلتفت إلى المجتمع وأفكاره. تأثَّرتُ في سنِّ العشرين بالفيلسوف كانط وبقانون الواجب عنده، لكنِّي بدَّلتُ رأيي بعد حين. أظنُّ أنَّنا نحتاج من وقتٍ إلى آخر إلى رمي بعض مبادئنا وتغيير سلَّم القيم عندنا. وأنت؟

الطبيب: أنا أعطي جسدي حقَّه، لكنَّ هذا الحقَّ يخضع للعامل الأخلاقيّ. أفضِّل الالتزام لأنَّ هذا ما يميِّزنا عن الحيوانات. علاقتي بالمرأة يدخل فيها الرغبة والحبّ والإعجاب، وهذه مشاعر لا تقبل التعدُّد.

الفيلسوف: يجب أنْ نميِّز بين الجسد من حيث طبيعته والإسقاطات الَّتي نرميها عليه وهو بريء منها. فمقولات الأخلاق والمبادئ والقيم كلُّها أشياء مضافة إلى الجسد ليست من طبيعته ولا من ماهيَّته. فهي من إنتاج العقل الَّذي يخترعها باعتباره جزءًا من الجسد يفكِّر بواسطته ويفعل من خلاله. فالجسد يشعر ويتحرَّك ويفكِّر. ولمَّا كانت الأحكام الَّتي يصدرها العقل ليست حرَّةً تمامًا لأنَّها محكومةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ بالآخر والمجتمع والكون، فإنَّها تتعارض أحيانًا كثيرة مع ميول الجسد ورغباته وخيالاته.

الطبيب: وإلى أيِّ مدى تستطيع أنْ تكون حرًّا؟ هل تقبل التعرِّي مثلًا؟

الفيلسوف: التعرِّي ليس أمرًا سلبيًّا. كثيرون يرغبون به حتَّى المرأة، فلباسها يعكس رغبتها في إبراز مفاتنها، وهي إذا استطاعت أنْ تتعرَّى فهي تتعرَّى. العري لا يناقضنا، فنحن قبل عيش تجربة الحبّ نرى جسد الآخر عاريًا بالخيال والعقل. وبناءً على صورة الجسد الَّذي عرَّيناه نخوض التجربة. أمَّا الثياب فهي تكبِّلنا، أو هي تكبِّلني أنا كي لا أشمل الناس كلَّهم، فمعظمهم لن يعترف بصواب ما أقول. أمَّا أنا فأرى في عري الحبّ تحرُّرًا من الثياب، فالعري يحرِّرني ممَّا لا يشبهني، ممَّا هو مغاير لطبيعتي، ويرجعني طفلًا في حضن الطبيعة أمِّي... فجسدي العاري في حبِّ المرأة أو العاري في فضاء البحر الواسع هو الجسد الحرُّ الَّذي يحيا وجوده وحرِّيَّته.

الطبيب: لن يوافق أحدٌ على قولك. فلا بدَّ من تغطية بعض أماكن الجسم لأنَّها خاصَّة ويجب المحافظة على نظافتها. أنتَ ماديٌّ ومنغمسٌ في اللذَّة.

الفيلسوف: اللذَّة حقٌّ طبيعيٌّ لنا.

الطبيب: صحيح. والخالق الحكيم قد وضعها فينا لحكمةٍ. فهو عندما صنع الكائنات الحيَّة ومنحها وسيلةً للتناسل، ابتكر طريقةً لاستمرار الجنس البشريّ. وتتضمَّن هذه الطريقة ثلاثة عناصر: أعضاء تناسليَّة ورغبة ومتعة.

الفيلسوف: سواء أكان ذلك ناتجًا عن إلهٍ حكيمٍ أم عن الطبيعة فإنَّنا كبشر أحرارٌ في اختيار الإنجاب أو الامتناع عنه، وأحرارٌ في عيش أجسادنا وحياتنا ولذَّاتنا.

الطبيب: نعم. لكن ثمَّة أشخاصٌ يختارون ترك اللذَّات الجسديَّة، وهم سعيدون في حياتهم.

الفيلسوف: وهل هم حقًّا أحياء؟! أحترم اختيارهم لكنْ أحزن لأجلهم...فأنا إنْ لم أحيَ جسدي وفقًا للطبيعة، لطبيعته، أكون صنمًا أو شبحًا، أي شبه جسد، شبه إنسان... ما الزهَّاد والمتصوِّفة والمتعفِّفون إلَّا أصنامٌ تمشي.

الطبيب: أستغرب أنْ تكون أنتَ مَنْ وضع عشرات المؤلَّفات المنتشرة بين الناس. أشعر باختلافٍ بين ما قرأتُ وبين ما أرى.

الفيلسوف: ليس في الأمر اختلافٌ بل تكامل. يبدو من المفيد أنْ أكتبَ عن مذهبي في الجسد. فما ذكرتُه لك أعيشه كلَّ يوم، لكنْ لم أكتب عنه بعد.

الطبيب: وما يمكن أنْ يكون الموضوع الأوَّل في مذهبك؟

الفيلسوف: اللذَّة. سأكتب عن اللذَّة.

الطبيب: أخبرني بإيجازٍ عن مفهومك في اللذَّة.

الفيلسوف: اللذَّة بُعدٌ من أبعاد الجسد. أنشِدها لأنَّني جسدٌ حيٌّ يحيا العمر على امتداده وضيقه... أبحث عن لحظاتٍ، هي اللحظات الَّتي يتوهَّج فيها جسدي باللذَّة وفي اللذَّة... عندها أكون بريئًا من عبء الثياب وثقلها، متطهِّرًا من علائق الموجودات وقذارات البشر، متَّحدًا بالآخر اتِّحادًا يكرِّس ماهيَّتنا، ويعتقنا من قيود الزمان والمكان. هي اللحظات الَّتي أحيا فيها حرِّيَّتي بامتلاء وحركة.

الطبيب: وإذا كبرتَ وشختَ وفقدتَ شبابك وقوَّتك؟

الفيلسوف: أفقد عندها جزءًا من ماهيَّتي وشيئًا من حرِّيَّتي.

الطبيب: والناس الَّذين يخالفونك الرأي، ماذا تقول لهم؟

الفيلسوف: أقول لهم: أنا الجسد فاسمعوني.

إرتعشتِ الريحُ مرَّةً أخرى، وظهر رجلٌ وامرأةٌ يمشيان بين الأشجار، لم ينتبها إلى وجود الفيلسوف والطبيب. دنا الرَّجلُ من المرأة وحاول أن يمسحَ شفتيها بمنديله. فقالت له: ماذا تفعل؟ أجاب: أمسح الأحمر عن شفاهك. فضحكت وقالت: هذا لونُ شفاهي. ثمَّ صمتا لأنَّ الكلام كان للقبلة...

قال الفيلسوف للطبيب: أما عرفتَهما؟ هزَّ الطبيب رأسه نافيًا. فقال له: هي فيلسوفةٌ معروفة وهو كاتبٌ مشهور. وأضاف: أتساءل عن لون الحبِّ الّذي يجمعهما، وأحاول تخيُّل بريق كلامهما واتِّساع أفقه...[1]



*   رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس پوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

[1]  في العدد المقبل من مجلَّة المشرق الرقميَّة مقالٌ عن الكاتب والفيلسوفة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق