لوحة تصوّر الهمذاني من الفنّ الإسلاميّ

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

موريس بومرانتز ، بلال الأرفه لي

القاضي لا يسمع ما يكره: النساء، والبلاغة، وشعريّة الكناية في المقامة الشاميّة للهمذاني





نبذة

غَفَلَ الباحثون طويلًا عن المقامة الشاميّة لبديع الزمان الهمذانيّ (ت 398ه/1008م)؛ والسبب في ذلك القرار الذي اتّخذه محمّد عبده في إسقاط هذه المقامة من أُوَل الطبعات الحديثة للمقامات. ويقدِّم هذا المقال أوّل تحقيقٍ علميّ للمقامة الشاميّة، مع دراسةٍ لها تطاول بلاغة الكناية ودورها في إظهار سلطة اللغة والأداء الأدبيّ.

الكلمات المفاتيح

بديع الزمان الهمذانيّ – المقامة الشاميّة – الكناية

المقدّمة[1]

على نحوٍ مشابهٍ للدراما التلفزيونيّة الحديثة، كشفَ الأدباء المسلمون الأوائل عن ملامح نظامهم التشريعيّ عَبْرَ قصصٍ جرت أحداثها في مجالس القضاء. ولم تكن هذه الأعمال الأدبيّة تكوِّن جزءًا من مَحاضر الجلسات القضائيّة، إلّا أنّها تلقي الضوء على الوجوه المختلِفة التي تلقّى فيها المسلمون الأوائل الشريعة والنظام التشريعيّ وتفاعلوا معهما. وإنّ هذه القصص – كما برهنت مقالةٌ سابقة – تُظهر ملامحَ للنظام التشريعيّ لا تردُ في مصادر أخرى تُعنى مباشرة بالفقه والشريعة.[2]

اختار بديع الزمان الهمذانيّ (ت 398ه/1008م) – مبتكِر فنّ المقامة – مجلسَ القضاء ليكون مسرحًا لإحدى مقاماته. لكنّ هذه المقامة المعنوَنة بالشاميّة لم تُدرس بوجهٍ كاف؛ وذلك أنّ محمّد عبده – وهو المحقّق الأوّل لمقامات الهمذانيّ – عدَّ موضوعَ المقامة الشاميّة معارضًا مع معايير زمانه ومثيرًا للحساسيَّة، فاختار إقصاءها عن الطبعات الحديثة للمقامات.[3]

ويمكن القول إنّ الرقابة التي فرضها عبده على هذا العمل قد قلّلت من تقدير بعض خصائص مجموعات مقامات الهمذانيّ. ثمَّ  إنَّها منعت الباحثين من تتبّع أثر هذا العمل على ما أُلّف من مقاماتٍ بعده. فالحريريّ (ت 516ه/1122م) ضمّن مجموعته أربع مقاماتٍ تتناول أمورًا قضائيّة: المقامةَ التاسعة الإسكندريّة، المقامة العاشرة الرحبيّة، المقامة الأربعين التبريزيّة، والمقامة الخامسة والأربعين الرمليّة. ومن بين هذه الأربع، تُعدّ المقامة الرمليّة محاكاةً للمقامة الشاميّة، وتبيّن الطريقة التي كان الحريريّ يستقي فيها من نماذج الهمذانيّ ثمّ يبني عليها ويتوسّع.[4]

ويقدّم هذا المقال تحقيقًا جديدًا للمقامة الشاميّة استنادًا إلى المخطوطات الأقدم التي وصلتنا. ثمّ يخوض في الأبعاد التاريخيّة والاجتماعيّة والشرعيّة التي تثيرها هذه المقامة، لوضعها ضمن الخلفيّة التي تلقّاها فيها قرّاؤها. ونفترض أنّ الهمذانيّ قد استند في ثيمات هذه المقامة إلى أخبارٍ تاريخيّة سابقة، وبخاصّةٍ خبرٌ واحد يتقاطع بوجهٍ كبيرٍ مع نصّ المقامة.

نصّ المقامة الشاميّة

يرتكز تحقيق المقامة الشاميَّة هذا على خمس مخطوطاتٍ أساسيّة: [5]

1. ف      استنبول فاتح 4097 (520ه/1126م)

2. ب      جامعة يال (Yale)، بينيكي (Beinecke) 63 (603ه/1206م)

3. ر       طبعة حجريّة إيرانيّة (1296ه/1879م)

4.         ج      طبعة الجوائب (1298ه/1881م)

5. استنبول أسعد أفندي 3542 (20 رجب 1016/10 تشرين الثاني 1607)

لقد أشرنا في مقالٍ سابقٍ إلى أنّ الباحثين لم يوفُّوا مخطوطات مقامات الهمذانيّ حقّها من الدراسة. ويستند التحقيق الذي نقدّمه هنا إلى مخطوطَيْن قديمَيْن (فاتح ويال) وطبعة حجريّة إيرانيّة وطبعة الجوائب، وقد اعتمدنا على مخطوطة فاتح كأساسٍ للتحقيق. وكذلك نقدّم تحقيقًا ثانيًا يعتمد على مخطوطة متأخّرة وهي أسعد أفندي 3542 والتي نُسخت بتاريخ 1016ه/1607م وهي تُظهر إلى أيّ مدًى يمكن التغييرات والتدخّلات أن تطرأ على نصّ مقامة.

ولعلّ أكثر ما يَلفت الانتباه هو الإشارة إلى الموضع (مُلْتان) في السطر الأوّل من المقامة. ونعتقد أنّه أُضيف إلى نصّ المقامة بغرض التسجيع مع الاسم المثنّى "امرأتان" وهما زوجتا بطل المقامة. والجدير بالذكر أنّ موضع مُلْتان في السِّند كان معلومًا للهمذانيّ ومعاصريه. ونظرًا إلى طبيعة مخطوطات المقامات المجزَّأة، فإنّه يصعب تعيين سبب هذه الزيادة أو تاريخ إضافتها. وتكثر الأمثلة المشابهة لذلك، فالألفاظ التي تحملُ قراءاتٍ مختلفة كثيرةٌ في أعمال الهمذانيّ وما زالت تنتظر مَنْ يكتشفها.

التحقيق العلميّ للمقامة الشاميّة

المقامة الثانية والثلاثون[6]

حدّثنا عيسى بن هشام قال[7] لـمّا وُلّيت الحكم بديار الشام[8] اختصم إليَّ رجلٌ وامرأتان إحداهما تدَّعي صداقًا. والأخرى تلتمِسُ طلاقًا وإنفاقًا.

فقلت[9] ما تقولُ في الملتمسة صداقها؟

قال[10] أعزَّ الله القاضي صداق عن ماذا؟ وأنا غريب[11] من أهل الإسكندريَّة فوالله ما أثقلَتْ لي وتدًا. ولا أشبعَتْ لي كبدًا. ولا عمَّرَتْ لي[12] خرابًا. ولا ملأتْ[13] جرابًا.

قلت[14] قد تبطّنتَها؟

قال نعم. ولكنْ[15] فمًا غيرَ بارد. وثديًا غيرَ ناهد. وبطنًا غيرَ والد. وعيبًا غير واحد[16]. وريقًا غيرَ ريِّق. وطريقًا غير ضيِّق.

فعدلتُ إلى المرأة وقلت[17] ما تقولين؟

قالت[18] أيّد الله القاضي هو أكذب من أمله. وأسمج من عمله. وأكثر في اللؤم من حيله. وأشدّ في الشؤم من دغله[19]. وأفسد عِشرةً من أسفله[20]. والله لقد صادفت[21] من فمه صقرًا. ومن يده صخرًا. ومن صدره سَمَّ خياط. لا يرشح بقيراط. ولقد زُففتُ إليه بدنًا كالديباج. ووجهًا كالسراج. وعينًا كعين النعاج. وثديًا كحُقِّ العاجّ. وبطنًا كظهر الهملاج. وخصرًا[22] ضيّق الرِّتاج. خشن[23] المِنهاج. حارّ المِزاج. صعب العِلاج. ولكن كيف ألد[24] ولا ينجز ما يعد. وهو يجدّ ويجتهد[25]. لو لم يخنه الوتد؟

فقلت للرجل قد رَمَتْكَ بالعُنَّة. ونسبتْكَ إلى الأُبنة.

فمال إليها وقال استُ البائن[26] أعلم ألم أجعل تسعينك[27] ثلاثين. ألم أغزك[28] في ليلة عشرين. حتّى أسقطتِ الجنين؟

فقالت اشهد أيّها القاضي على هذا الإقرار. فقال خدعتِني يا دفار[29].

وقالت الثانية أصلح الله القاضي أسأل إمساكًا بالمعروف أو تسريحًا بإحسان.

فقال الإسكندري كم نفقتها[30] في الشهر حتّى أقدِّمَه سلفًا؟

فقلت مائة في الشهر. تعينها على صروف[31] الدهر.

فقال لعلّك قستَ شهري بشهرك. إنّ أمري دون أمرك.

فقلت لا أنقصها عن هذا القدر.

فقال هي طالق[32] إن لم تعطها[33] نفقة شهرين[34] دون الأجل تضربه[35]. وقبل الماء تشربه[36].

فقالت المرأة اتّقِ الله أيّها القاضي في بناتٍ صغار ليس لهُنَّ كادحٌ سِواه. ولا كادٌّ إلّا إيّاه[37].

فأمرتُ بتوفير ذلك على المرأة وعادا[38] بعد شهرين[39] يلتمسان[40] في النفقة فضلًا.

فقلت الطلاق يلزم القاضي إن نظر بينكما فغيبا غيّبكما الله[41].

وأنشأ[42] الإسكندري يقول [من مجزوء الخفيف]:

رُبَّ قاضٍ على الوَرَى               جائرِ الحُكْمِ نافذِه

سامَني بذلَ مُعْوِزٍ[43]         ونضَا عن نواجِذِه

دَقْنَ[44] مُعطيه بعدما         سامَني في اسْتِ[45] آخِذِه

فقلت القاضي لا يسمع ما يكره ولأن[46] أحتمل هذا خير من أن أزن ذاك[47]. فانصرفا وخرجا وأتبعتهما من يعرف خبرهما فرجع فقال سألته عن اسمه[48] فقال[49] أبو الفتح الإسكندري.[50]

***

تحقيق المقامة الشاميّة وفقًا لمخطوط أسعد أفندي

مقامة أخرى

حدّثنا عيسى بن هشام قال لـمّا وُلّيت القضاء ببلدة[51] الملتان اختصم إليَّ رجلٌ وامرأتان ادّعت إحداهما صداقًا. والتمست الأخرى طلاقًا أو إنفاقًا.

قلت فما تقولُ في الملتمسة صداقها؟

فقال أيّها القاضي صداق عمّاذا؟ والله ما عمّرتْ خرابًا. ولا ملأتْ جرابًا. ولا أثقلتْ وتدًا. ولا أشبعَتْ لي كبدًا.

قلت قد تبطّنتَها؟

قال نعم. لكنْ فمًا غيرَ بارد. وثديًا غيرَ ناهد. وبطنًا غيرَ والد. وعيبًا غير واحد. وريقًا غيرَ ريِّق. وطريقًا غير ضيِّق.

قال قلت فما تقولين؟

قالت أيّها القاضي هو أكذب من أمله. وأسمج من عمله. وأكثر في اللؤم من حيله. وأشدّ في البخل من دَخَله. وأقبح عشرةً من أسفله. والله لقد عاشرت من يده صخرًا. ومن فمه صقرًا. ومن صدره سَمَّ خياط. لا يرشح بقيراط. ولقد زُففتُ إليه بدنًا كالديباج. ووجهًا كضوء السراج. وعينًا كعين النعاج. وبطنًا كظهر الهملاج. وثديًا كحقّ العاج. وحضنًا ضيّق الرِّتاج. ليّن المِنهاج. صعب العِلاج. حارّ المِزاج. ولكن كيف ألد. وهو لا ينجز ما يعد. وكيف ينجز وهو لا يجد، وهو يجتهد. لو لم يخنه الوتد؟

فقلت يا هذا قد نسبتك إلى العُنّة وقذفتك بالأُبنة.

فالتفت إليها وقال استُ البائن أعلم. ألم أجعل تسعينك ثلاثين. ألم أمخرك في ليلةٍ عشرين. حتّى أسقطتِ الجنين؟

فقالت أيّها القاضي اشهد على هذا الإقرار. فقال خدعتِني يا دفار.

ثمّ قلت فما تقول في الملتمسة النفقة؟

فقال كم تفرض لها عقدًا حتّى أعجّله نقدًا؟

فقلت مائة في الشهر. تعينها على صروف الدهر.

فقال أيّها القاضي لعلّك قستَ شهري بشهرك. إنّ أمري دون أمرك.

قلت لا أنقصها من المائة حبّة واحدة.

قال فهي طالق ثلاثًا إن لم تزن لها أنت نفقة شهرين دون الأجل تضربه. وقبل الماء تشربه.

فقالت المرأة الله الله أيّها القاضي في بناتٍ أطفال ليس لهُنَّ كادّ[52] سِواه. ولا كادح إلّاه.

فقلت يا غلام عليّ بالكيس فوزنت مائتين فمضيا وعادا بعد شهرين يتخاصمان في النفقة.

فقلت الطلاق يلزم القاضي إن حكم بينكما فغيّبا عينكما.

فأنشأ يقول [من مجزوء الخفيف]:

رُبَّ قاضٍ على الوَرَى               جائرِ الحُكْمِ نافذِه

سامَني بذلَ مُعْوِزٍ                   ونضَا عن نواجِذِه

دَقْن مُعطيه بعدما                   سامَني في اسْتِ آخِذِه

فقلت القاضي لا يسمع ما يكره ولأن أسمع أحبّ إليّ من أودتي[53] فانصرفا فخرجا وأتبعتهما من يتعرّف خبرهما فرجع وقال سألت عن اسمه فقال أبو الفتح الإسكندري.

المقامة

تتألّف المقامة الشاميّة من واقعة طويلة لامرأتين تشتكيان زوجهما إلى القاضي. ويمكن تقسيم هذه الواقعة إلى جزأين رئيسين، في كلٍّ منهما تحكي زوجةٌ قصّتها لعيسى بن هشام.

تطالب الزوجة الأولى بأن يُردّ إليها مهرها، فيتّهمها الزوج بالكذب وينعتها بأبشع الصفات الجسديّة. لكنّه لا يتردّد في الإقرار أمام القاضي بأنّه قد "افترشها" أي جامعها.[54]

وتتعقّد الأمور أكثر بشهادة الزوجة، فهي تدّعي أنّها كانت فائقة الجمال حين تزوّج بها، وتتّهمه بسوء معاملتها وإيذائها. وتضيف أنّه أفسد عقد الزواج لكونه عِنِّينًا من جهة، وشريكًا سلبيًّا في علاقةٍ مثليّة من جهةٍ أخرى. وبدافعٍ من غضبه، أخبر الرجلُ القاضيَ عن عظيم فحولته لدرجة أنّه جامع زوجته في ليلةٍ واحدةٍ عشرين مرّة، فأجهضت مِن جرّاء ذلك. وهذا يؤكّد أنّ الزوجة لم تكن عاقرًا بعكس ما ادّعاه الزوج في البداية. وتغتنم الزوجة هذا التناقض الذي ظهر في أقوال زوجها لتؤكّد أنّ جميع ما قالته كان صحيحًا. أمّا زوجها فيتّهمها بأنّها قد خدعته ويهينها أمام القاضي.[55] وينتهي المشهد دون أن يُصدر عيسى بن هشام حكمه.

ثمّ تبدأ الزوجة الثانية شكواها، وبعكس الزوجة الأولى، تطلب من القاضي إمّا النفقة أو الطلاق. فيسأل الزوج عن مقدار النفقة ليبادر إلى دفعها، فيحدّدها القاضي عيسى بن هشام بمئة درهمٍ في كلّ شهر. فيجيب الزوج أنّ القاضي لم يلحظ فقره، وقد ظلمه بمطالبته بمبلغٍ كبيرٍ من النفقة. لكنّ الزوجة تصرّ على حاجتها للمال للإنفاق على بناتها. فيقوم القاضي حينها بدفع النفقة بنفسه. وبعد مرور شهرين، يعود الزوجان ليطالبا القاضي بمزيدٍ من المال، فيقوم بطردهما ويهدّدهما بإصدار حكم طلاقهما من عنده ويمتنع عن الحكم في قضيّتهما.

وبعد أن يخرج الرجل مطرودًا، ينشد أبياتًا تكشف أنّ المشهد السابق بكامله كان مجموعةً من الحيل أُريد بها خداع القاضي وتحصيل أموالٍ منه. وتشير كذلك إلى أنّ الفقر الذي ألصقه الرجل بنفسه قد مكّنه مرارًا من سرقة المال من قضاةٍ متفاخرين. وتتضمّن أبياته أيضًا قلبًا للاتّهام الجنسيّ الذي صوّر الرجلَ شريكًا جنسيًّا ضعيفًا وسلبيًّا. وهو بهذا القلب ينفي التهمة التي وجّهتها إليه زوجته واصفةً إيّاه بأنّه رجلٌ "مفعولٌ به".

ويجيب عيسى بن هشام بعد سماعه الأبياتَ بقاعدة شرعيّة مفادها: "القاضي لا يسمع ما يكره." ففي نظره، يبقى تحمّل نفقة الزوجة وانصراف الزوجين عن مجلسه أفضل من سماع خطابهما غير الجائز.

وتُختتم المقامة بأن يرسِل القاضي رجلًا لتقصّي هُويّة الزوج فيعرف أنّه المخادع الشهير أبو الفتح الإسكندريّ. لقد مكّنته بلاغته "البذيئة" من القاضي عيسى بن هشام، وكتبت له أن يعيش يومًا آخر.

الحقائق الشرعيّة ودراما مجالس القضاء

على طرافة هذه المقالة لا يخفى أنّ المثول أمام القاضي هو بذاته مشهدٌ مهيبٌ. ومن مسؤوليّات القاضي الأخلاقيّة أن يستمع إلى المتخاصمين ويجمع الأدلّة من المدّعي والمدّعى عليه.[56] لقد كانت شهادة النساء أمام القضاة – كما يرى ماثيو تيلييه (Mathieu Tillier) – محفوفةً بالصعاب.[57] فقد كان على القضاة والمتخاصمين أن يواجهوا مسائل تتعلّق بطبيعة مجالس القضاء شبه العلنيّة، هذا إلى جانب وجود احتمالٍ كبير بالكشف عن تفاصيل حميمةٍ وفاضحة للزواج.

وبالنظر في موضوعات فقه الأسرة، فإنّ ظهور المرأة في مجالس القضاء ارتبط عادةً بمسألتَيْن أساسيّتَيْن هما: المال، والجنس. ويشير تيلييه إلى قضيّتين كانتا ضمن اهتمامات المرأة، وهما سداد الزوج للمهر بعد الزواج، وحصولها منه على النفقة. وكانت المطالبة بالمهر أحيانًا وسيلةً لاستفزاز الزوج ودفعه إلى الطلاق.[58] ومن المسائل الشائعة أيضًا قصور الزوج عن تقديم الدعم الزوجيّ لامرأته. بالنسبة ليوسف ربابورت (Yossef Rapaport) فإنّ النفقة قبل القرن الثالث عشر كانت تُعطى كمقابلٍ عينيٍّ للسلع، كالطعام الذي يشكّل القوت اليوميّ للمرء. والزوجات عادةً – كما في هذه المقامة – يطلبن المساعدة من القاضي، ويضعنه مقام الوصيّ على أموال الزوج المطالَب بتحديد مسؤوليّاته تجاه امرأته.[59] وتسلطُ هذه المقامة الضوء على الأسئلة الموجَّهة إلى القاضي، وعلى علاقة الأخير بها.

ويمكن القول إنّ احتمال وقوع الفضيحة يزداد بمجرّد حضور الزوجة إلى مجلس القضاء وحديثها فيه، مع إمكانيّة كشفها عن أمور جنسيّة. ويذكر تيلييه أنّ القاضي الخصّاف قد بذل جهدًا في وصف كيفيّة كشف المرأة عن وجهها في مجالس القضاء؛ إذ إنّ القاضي يتوجّب عليه رؤيتها، ولكن كلّما كان عدد الأشخاص الذين يرونها أقلّ كان ذلك أفضل.[60] ويُضاف إلى ذلك أمرٌ أساسيّ وهو قدرة المرأة على مغادرة بيتها من أجل تقديم شكوى إلى القاضي. وتنصّ كتب الفقه بوضوح على أنّ النساء اللواتي يُسمح لهنّ بزيارة القاضي هنّ فقط اللواتي يحظين بمكانةٍ اجتماعيّة عالية، وإنّ هذه الحقيقة قد تؤثّر بوجهٍ ما في تأويل هذه المقامة.[61]

يُعَدّ الباحثون في الشريعة الإسلاميّة محظوظين؛ لا لأنّهم يعرفون أدلّة التحريم من كتب الفقه فحسب، ولكن أيضًا لتمكّنهم من مراجعة محاضر جلسات القضاء الموجودة في جنيزة القاهرة. وقد كان الاتّجاه التقليديّ في الدراسات المتعلّقة بالجنيزة يشير إلى أنّ حضور النساء الشائع في مجالس القضاء دليلٌ على مكانتهنّ المرموقة، لكنّ دراسةً حديثة لأودد زنجر (Oded Zinger) اقترحت العكس؛ وهو أنّ النساء واجهن صعوباتٍ كبيرة عند مطالبتهنّ بالعدالة في مجالس القضاء العامّة.[62] وعلى نحو ما طُرِح سابقًا، يؤكّد زنجر أنّ طبيعة الأسئلة الشرعيّة ووجود المرأة في مجلس القضاء كانا مصدرينِ محتملينِ للخزي والفضيحة.

يقدّم الأدب معلوماتٍ إضافيّة عن أبعادٍ أخرى للدراما القضائيّة في مجالس القضاء الإسلاميّة؛ إذ تصوّر القصص مخاوف الزوج وقلقه حول ظهور زوجته – أو زوجاته – وشكواها في مجلس القضاء وتداعيات ذلك. فعلى سبيل المثال، تشير أكثر من قصّة إلى امرأةٍ تشتكي سوء معاملة زوجها إلى القاضي الشعبيّ. وبعد أن يعلم الزوج بحكم القاضي لصالح الزوجة، يتّهمه بأنّه قد أجحف في حكمه بإغراءٍ منها.[63]  وتُظهر قصص الأدب أنّ الخلافات الزوجيّة التي تُعرض أمام القاضي غالبًا ما تتضمّن شهادةً غامضة أو غير مباشِرة (بسبب مضمونها الإباحيّ أحيانًا) وتجعل القضاة في حيرةٍ من أمرهم حول كيفيّة إصدار الحكم.[64]

وعلى العكس من ذلك، يظهر كلام المتخاصمين في المقامة الشاميّة أحيانًا صريحًا ومباشرًا لدرجةٍ مفاجئة، وقد يعكس هذا واقعيّة الشرع. على سبيل المثال، تدّعي الزوجة الأولى في هذه المقامة أنّ زوجها لا يُتمّ واجباته الزوجيّة، وأنّه مسيء ودنيء. والعجز الجنسيّ عند الزوج (العُنّة) سببٌ محتملٌ للطلاق، ولكن يصعب على الزوجة إثباته.[65] وكذلك إخصاء الرجل مثلًا، فهو في المذهب الحنفيّ سببٌ موجبٌ للطلاق. أمّا في حالات العجز، فكان القضاة عادةً يحدّدون مهلةً زمنيّةً طويلة (قد تصل إلى عام) يُمنح فيها الزوج فرصةً لاستعادة فحولته. [66]وقريبًا من هذا، تُذكر مسألة الإيلاء وهي أن يقسم الزوج عمدًا بألّا يمسَّ زوجته فترةً من الزمن. ففي مثل هذه الحالِ، يَعُدُّ القضاة أنّ تصرّفه ذلك يسبّب المضرّة لزوجته ويبيح وقوع الطلاق. [67]

إنّ الأعمال الأدبيّة التي عرفها القرن الهجريّ الرابع/الميلاديّ العاشر توجِدُ للرجال الذين فقدوا الرغبة في زوجاتهم أسبابًا أخرى. فالميل إلى الغلمان على سبيل المثال يُعدّ سببًا من أسباب العجز الجنسيّ؛ لأنّ الزوج على الأرجح لم يعد يرغب في زوجته أو لأنّها لم تعد تثيره. وهذا يفسّر ما جاء في حديث الزوجة من علاقةٍ ضمنيّة بين عجزه الجنسيّ (العُنّة) ورغبته في أن يُفعل به (الأُبْنة). ويشير خالد الرويهب (Khaled El-Rouayheb) إلى أنّ الأُبْنة كانت تُعدُّ مرضًا في الرجال البالغين وتُعامَلُ على هذا الأساس. والأُبْنة في علوم الطبّ كانت تُصنَّف رغبةً مرضيّة، والمبتلى بها يقصِّر حتمًا في واجباته الزوجيّة.[68]

يورد الراغب الإصفهانيّ العديد من القصص التي توضح علاقة العُنّة بالأُبْنة.[69] وفي إحداها يصرّح الزوج نفسُه أنّه عِنِّين ويطلب وساطة القاضي الذي بدوره يُخضع الزوج للاختبار، ويجد أنّه ليس عاجزًا جنسيًّا وإنّما يُثار فقط من قبل غلمان القاضي. ثمّ يأمر القاضي الزوجَ أن يتابع واجباته الزوجيّة وأن يتوقّف عن ملاحقة الغلمان.[70]

تُظهر المقامة الشاميّة كيف أوقعت المرأة بزوجها عبرَ اتّهامه بالعجز؛ إذ دفعته للردّ على ذلك عبرَ ادّعاء فحولةٍ استثنائيّة تسبّبت لها بإجهاض الجنين. وهذا يتنافى طبعًا مع ادّعاء الزوج السابق أنّها عاقر. إنّ المتخاصمَينِ لم يتركا أمرًا مخزيًا إلّا ذكراه، حيّرا القاضي بكلامهما الدراميّ. ويبدو هذا أحدَ المحاور المركزيّة التي تقوم عليها دراما مجالس القضاء.

الخوف من المرأة البليغة

إلى جانب المخاوف والأوهام التي صحبت وجود المرأة في مجالس القضاء وترافقت مع حديثها فيه قلقٌ ممّا سيتضمّنه ذلك الحديث؛ كان هناك خوفٌ شائع من بلاغة النساء عامّة. وقد تضمّنت المقامة الشاميّة امرأتين بليغتَيْن لا امرأةً واحدة، وبدا كأنّ قدراتهما الخطابيّة تهدّد الزوج بإحراجٍ عامّ أو أسوأِ من ذلك.

وإنّ الخوف من المرأة البليغة _التي تفضح زوجها أو تتفوّق في ميدانٍ يُحسب عادةً للرجال_ يظهر في غير عملٍ أدبيّ من الأعمال المعاصرة للهمذانيّ. ويتضمّن كتاب الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان لعبّاس بن بكّار الضبّي (ت 222/836-837) قصّة تدور حول امرأةٍ غايةٍ في البلاغة، وهي زوجة العالم الشهير (والبليغ) أبي الأسود الدؤليّ. تقول القصّة إنّه فيما كان الدؤليُّ يعِظ معاوية في أمورٍ تتعلّق بالعلوم الدينيّة، ظهرت امرأةٌ بَرْزَةٌ – تكشف وجهها – تطالب الخليفة بإنصافها من زوجها الذي ظلمها بطلاقه إيّاها.[71] فيسأل الخليفة عن هُويّة الزوج فتشير المرأة إلى أبي الأسود. ثمّ يتبادل الاثنان الإهانات بلغةٍ بليغةٍ تتفوّق فيها المرأة، فتهزم زوجها باستعراض براعتها في الخطاب، وتتّهمه بالدناءة والجهل وتخزيه أمام الخليفة. ويُفتتن الأخير ببلاغة المرأة فيدعوها لتحضر مجدّدًا وقت صلاة العشاء. ويدور الخلاف بينها وبين زوجها حول حضانة ولدهما، وتقدّم المرأة حجّةً قويّةً تجعل معاوية يقف في صفّها. ولا يكون بمقدور أبي الأسود رغم علمه وبلاغته أن ينافس زوجته.

وتتضمّن المقامة الشاميّة على نحوٍ مماثلٍ حربًا في البلاغة بين الرجل وزوجتيه. بالنسبة للزوجة الأولى، فقد كان كلامها كفيلًا بهزيمة الزوج وإهانته أمام الملأ. وكذلك الأمر في القسم الثاني من المقامة، فقد ظهرت الزوجة الثانية في موقعٍ أفضل من الزوج، واستغلّت خطابها المسموع لمطالبته بالمال مع حاجته وفقره. وفي كلتا الحالتين، لم تظهر الحقيقة جليّةً للقاضي عيسى بن هشام.

ما قبل التورية: غَواية الكلام الخفيّ

تنبّه دارسو المقامة إلى الدور المركزيّ الذي تؤدّيه التورية والكناية فيها. وكان عبد الفتّاح كيليطو قد أشار بدايةً إلى مركزيّة التورية في مقامات كلٍّ من الهمذانيّ والحريريّ، حيث تُسَلِّم شخصيّةٌ ما بـ"المعنى القريب" للكلام (sens proche) ويكون هذا تضليلًا لها؛ لأنّ المعنى البعيد (sens lontain) هو في الحقيقة المقصود. ويرى كيليطو أنّ البطل أبا الفتح في اختبائه خلف شخصيّة رجلٍ أعمى أو آخرَ عجوزٍ يكوِّنُ بذلك تجسيدًا للتورية كصورةٍ بلاغيّة.[72] ويستشهد مونرو (Monroe) بما قاله كيليطو ويتابعه في رأيه النافذ قائلًا:

ما هي التورية إن لم تكن صورةً للكلام تمحو الفارق بين (الزائف) المعنى السطحيّ للكلمة، و(الحقيقيّ) المعنى الخفيّ لها؟ وبما أنّ المشادّة بين القشرة والجوهر تظهر على الدوام في المقامة وتكوِّنُ أحد أبرز ملامحها، فإنّ العلاقة بين التورية والمقامة كما وصفها كيليطو تبقى نابضة.[73]

ثمّ يشير مونرو إلى أنّ المواضع الفعليّة للتورية هي في الواقع قليلةٌ في المقامات، وأنّ كيليطو إنّما قصد التشبيه لا غير.[74] وكتبتْ بعده أنجليكا نويورث (Angelika Neuwirth) عن أهمّيّة التورية في مقامات الحريريّ.[75] بالنسبة لها، فإنّ صورة المرأة مرتبطةٌ بالتورية، وأحداث المقامة تقوم على ما هو خطاب عن خطاب (ميتا خطاب)، ومقامات الحريريّ القضائيّة تدعو قارئها إلى أن يحُلّ محلّ القاضي.

إنّ مصطلح "التورية" لم يكن يدلّ على صورةٍ بلاغيّة لدى نقّاد القرنين العاشر والحادي عشر، ولكن تَظهر رواسبُ لدلالته تلك في الأعمال الأدبيّة من مختلِف الحقب الزمنيّة. ويشير بونباكر (Bonebakker) إلى أنّ مصطلح "التورية" بدلالته البلاغيّة ظهر للمرّة الأولى على يد أسامة بن منقذ (ت 584ه/1188م).[76] إنّ هذه المقامة – كما يظهر لاحقًا – لا تقوم على مجرّد حيلةٍ أُريد بها إثبات براعةٍ أدبيّة، وإنّما الحيلة جزءٌ من ثيمةٍ أكبر تدور حول أهمّيّة تورية الخطاب وتقنيعه لمداراة سياقٍ اجتماعيّ.

لقد كان الهمذانيّ يستعرض في هذه المقامة مفهوم الكناية الشائع. فقد كانت أداة الكناية رائجةً في الثقافة الأدبيّة التي كتب لها الهمذانيّ، وهي ثقافة القرنين الرابع والخامس/العاشر والحادي عشر. وقد استفاض مقالٌ حديث لإريز نعمان (Erez Naaman) في معالجة مصطلح الكناية، وأكّد فيه الأبعادَ الاجتماعيّة-اللغويّة لتورية الكلام؛ وذلك أنّها تجنّب الخوض في الموضوعات المحظورة (taboo)، ووصف كذلك الاختلافات الدلاليّة بين التورية والكناية.[77]

الإظهار والإخفاء في المقامة: الكناية

إنّ الكناية كانت شائعة الاستعمال بين كتّاب القرن الرابع/العاشر، وخصّص أصحاب المجاميع الأدبيّة والنقّاد مباحث للحديث عنها عبرَ حياة الهمذانيّ وبعدها بفترةٍ قصيرة. وكما يذكر نعمان (Naaman) فإنّ كتاب أبي منصور الثعالبيّ (ت 429/1037-1038) الكناية والتعريض هو من أهمّ الكتب المصنّفة في موضوع الكناية. ويُضاف إليه كتابٌ مهمٌّ أيضًا وهو لأبي عبّاس أحمد بن محمّد الجرجانيّ (ت 482/1089-1090) بعنوان كنايات الأدباء وإشارات البلغاء. [78]

عملت الكناية على منح بعض الألفاظ في المقامة الشاميّة دَلالةً أبعد من معناها المباشِر، وذلك لإخفاء ما قد يبدو مخزيًا في كلام المتخاصمين أمام القاضي. وتبدأ المقامة بتعابير مجازيّة تَرِد على لسان الزوج، وينتظم كلامه في مقاطع متوازنةٍ ومسجَّعة، يقول فيها إنّه غريبٌ قادمٌ من الإسكندريّة، وهذا بذاته تصريحٌ بهُويّته، لكنّ القاضي عيسى بن هشام لم يلتفت إلى ذلك. ثمّ يعمد الزوج إلى مجموعةٍ من الأوصاف التجريديّة التي تقارب من بعيدٍ الإجابة عن سؤال القاضي، وكأنّه ينفي أيّ علاقةٍ جسديّة بينه وبين زوجته: "ما أثقلَتْ لي وتدًا. ولا أشبعَتْ لي كبدًا. ولا عمَّرَتْ لي خرابًا. ولا ملأتْ جرابًا" ويبدو أنّ الزوج قد أراد من بلاغته أن تُبعده عن التصريح عن هذه المسألة باستخدام أسلوب التعريض.

لكنّ القاضي عيسى بن هشام يقاطعه ويسأله بشكلٍ مباشر (وإن كان عن طريق الكناية): "هل تبطّنتَها؟"  فيجيب الزوج ببساطةٍ: نعم.

ثمّ يعمد الزوج إلى الكناية مجدّدًا عندما يجد نفسه مرغمًا على معالجة أمورٍ واقعيّة. وبدلًا من أن يتحدّث عن زوجته ككلّ، قسّمها أجزاءً مجزّأة. وتناول وصفُه مجموعةً من الصفات السلبيّة "فمًا غيرَ بارد. وثديًا غيرَ ناهد. وبطنًا غيرَ والد. وعيبًا غير واحد. وريقًا غيرَ ريِّق. وطريقًا غير ضيِّق" لكنّ أسلوبه ظلّ تعريضًا لا تصريحًا؛ فهو لا ينصّ في كلامه على صفةٍ معيّنة للزوجة، لكنّه يتّكل على قدرة السامع/القارئ على الاستنتاج.

لم يكن القاضي عيسى بن هشام راضيًا بشهادة الزوج، فالتفت إلى زوجته ليعرف صحّة ما ذهب إليه زوجها. وتسلُك الزوجة طريقًا معاكسًا لطريق الزوج، وبدلًا من أن تتوسّل بالتعابيرِ المجازيّة للمداراة والإخفاء، تستعمل الكناية للفضح والكشف: "هو أكذبُ من أمله. وأسمج من عمله. وأكثر في اللؤم من حيله. وأشدّ في الشؤم من دغله. وأفسد عِشرةً من أسفله" وفي كلٍّ من هذه العبارات، تسخر الزوجة من زوجها وتدفع السامع/القارئ إلى الاعتقاد أنَّ ما ظهر من سلوكه أقلّ سوءًا من باطنه المَهين. وتغدو الكناية في كلامها أداةً مؤثرةً للدلالة على فساد الزوج، لا سيّما في اللفظ الأخير "أسفله" حيث أظهرت بوجهٍ غير مباشر المصدرَ الأساس لهذا الفساد.

ثمّ أَعقبتْ الزوجة ذلك كلامًا يصف حالها وقتَ كانت عروسًا، فاستعارت ألفاظًا تجري عادةً على ألسنة الرجال في وصف النساء الحسان. وردّت على اتّهاماته لها بتعابيرَ مجازيّة تصف قدرتها الجنسيّة. وهي في ذلك تتّخذ الشعر مصدرًا، فتشبيه الثدي بحُقّ العاج يرد في معلّقة عمرو بن كلثوم،[79] وكذلك تشبيه العين بعين النعاج يرد في معلّقة عَبيد بن الأبرص.[80] ويطال وصفُها أعضاءها الخاصّة، ولكن بتلميحٍ يؤكّد قدرتها الجنسيّة.

 أمّا الردّ الأخير للزوجة فيرمي الزوجَ بتهمةٍ جديدة، تقول: "ولكن كيف ألد ولا ينجز ما يعد. وهو يجدّ ويجتهد. لو لم يخنه الوتد؟" لقد ألمحت إلى عجزه بلفظٍ أخذته من كلامه وهو "الوتد" فقامت على نحوٍ مجازيٍّ بإخصائه. ورغم لجوئها المستمرّ إلى التعريض كان اتّهامها غايةً في الوضوح؛ إذ كيف يتّهمها بالعقم وهو عاجز؟ بعدها يحاول القاضي أن يفهم معنى ما أدليا به، فيوجّه إلى الزوج سؤالًا يختصر _حسب ظنّه_ جوهرَ ادّعاء الزوجة؛ أي عجزَه الجنسيّ. ثمَّ إنَّه يربط بين ذلك والفكرة التي سبق أن أشارت إليها الزوجة؛ وهي أنّ زوجها يشتهي أن يفعل به الرجال. فيحاول عيسى بن هشام أن يفهم مجدّدًا الدلالة الحقيقيّة التي تقف خلف الكناية التي يوظّفها الزوجان.

فيردّ الزوج على اتّهام زوجته مستخدمًا المثل القائل: "است البائن أعلم" والبائن هو الذي يحلب الناقة من جانبها الأيسر. ويشير الميدانيّ في مجمع الأمثال إلى أنّ هذا المثل جرى للمرّة الأولى على لسان الحارث بن ظالم. وذلك أنّ الجُميح (المعروف بمنقذ بن طمّاح) خرج يومًا في طلب إبلٍ له. فوجد أنّها شردت إلى أرض قبيلة مُرّة. فطلب مساعدة الحارث بن ظالم لكونه من تلك القبيلة. فنادى الحارث رجال قبيلته أنّ من كان عنده شيءٌ من تلك الإبل فليردّها إلى صاحبها. فعادت جميعها باستثناء ناقةٍ واحدةٍ يُقال لها اللِفاع. فبحث عنها مطوّلًا إلى أن وجدها عند رجلَيْن يحلبانها. فقال لهما: "خلّيا عنها فليست لكما" وأهوى إليهما بسيفه، فضرط البائن فيما قال المعلّي (الذي يحلب الناقة من الجانب الآخر): "والله ما هي لك." فردّ الحارث بعبارةٍ أُرسلت بعدها مثلًا: "است البائن أعلم."[81] وفي المقامة الشاميّة، قد يكون لفظ "است" كنايةً عن الأعضاء التناسليّة للمرأة. والزوج في قول ذلك يحاول مجدّدًا أن يثبت فحولته عبر دفع القاضي إلى الاسترسال أكثر في هذا السؤال.[82]

ويجد الزوج نفسه مضطرًّا إلى إثبات رجولته فيقول: "ألم أجعل تسعينك ثلاثين. ألم أغزك في ليلة عشرين. حتّى أسقطتِ الجنين؟" وكلامه هذا تحديدًا يُعدّ فظًّا. العبارة الأولى غير مفهومة، وقد يكون الزوج قد تعمّد أن تكون كذلك. وحديثه عن "الغزو" يبدو كنايةً عن الجماع. إنّ التعابير المجازيّة التي جاء بها الزوج غريبةٌ بعض الشيء، فهو يقرّ أنّ زوجته كانت حاملًا ويناقض نفسه. وتفشل مساعيه في الاحتماء بالكناية، فتستغلّ الزوجة عثرته.

أمّا النقاش الذي دار بين القاضي والزوجة الثانية فيبدو أكثر وضوحًا ومباشرة، معَ أنّ التضمين والاستدلال يؤدّيان فيه دورًا أساسيًّا.  وتؤكّد الزوجة الثانية منذ البداية أنّها تريد إمساكًا بالمعروف أو تسريحًا بإحسان. ويَظهر أنّ الزوج كان يأمل تخفيض النفقة بالإشارة إلى فقره، فيما كانت تأمُل الزوجة رفعها عبرَ ذكر بناتها. وفي النهاية يدّعي الإسكندريّ عدم استطاعته تحمّل ذلك المبلغ من النفقة، ويهدّد بطلاقها فيتدخّل القاضي ليحُلّ المسألة ويدفع النفقة بنفسه. ولكن عندما يعودان بعد شهرين ليطالبا بالمزيد، يرفض القاضي أن يدفع شيئًا، ويأمرهما بالانصراف وإلّا أصدر حكمًا بطلاقهما. لقد ختم القاضي هذا المشهد بحنكته مهدّدًا إيّاهما بالطلاق.

يردّ الزوج بإنشاد مجموعةٍ من الأبيات لمَّحت إلى أنّ القاضي ليس أوّلَ من يتّهمه ظلمًا بالعجز والفقر. فيستشهد القاضي بقاعدةٍ فقهيّة "القاضي لا يسمع ما يكره" ثمّ يؤكّد أنّ امتناعه عن الخوض في هذه القضيّة وانصراف الزوجين عنه مع النفقة يبقى خيرًا من كلامهما البذيء. إنّ بلاغة أبي الفتح التي تتّسم بالفحش قد مكّنته مِن أن يعيش يومًا آخر.

الخلاصة: ما لا يجدر بالقاضي سماعه

إنّ التركيز على سلطة الكلام يُعدّ أساسًا مركزيًّا في الكثير من مقامات الهمذانيّ. وتتوسّل المقامة الشاميّة بدراما مجالس القضاء للتنبيه على وظائف اللغة. وهي بذلك توفّر أبعادًا جديدة للعلاقة بين البلاغة والحقيقة والسلطة.

لقد نقلت المقامة الشاميّة مهارة اللعب بالكلام إلى مجلس القاضي، وأظهرت كيف يمكن للّغة أن تخفي الحقائق في مواجهة السلطة. لقد وجد المتخاصمون أنفسهم مجبرين على اللجوء إلى الكناية لوصف أفعالٍ وأحوالٍ مرفوضةٍ اجتماعيًّا. فكانت الكناية في هذه المقامة وسيلةً لإخفاء الحقائق في مواجهة السلطة من أجل الحفاظ على ماء الوجه.

والمقامة الشاميّة مثل سائر مقامات الهمذانيّ، تعكس غير وجهٍ من وجوه سلطة اللغة. فعندما يتحدّث المتخاصمون بتعابيرَ مجازيّة بلاغيّة لا تخلو من التعقيد فإنّ القاضي يندفع للتفكير والبحث عن جذور المعاني قبل أن يتفوّه بكلماتٍ فظّة أو بذيئة. وفي النهاية، وبعد سماع أبيات الإسكندريّ، يلاحظ كلٌّ من القاضي وقارئ المقامة أنّ المتخاصمين ليسوا كما ظهروا عليه في البداية.

لقد ذكر القاضي قاعدةً شرعيّة: "القاضي لا يسمع ما يكره" وهو بذلك يقرّ بتعرّضه للخداع. لقد أُخذ منه مبلغٌ من المال لأنّه رفض أن يتثبّت في حقيقةِ المتخاصمين درءًا لفضيحةٍ اجتماعيّة. إنّ الأخلاقيّات المتعارف عليها للقاضي عيسى بن هشام أخفقت في فهم كلمات المحتال الماكرة.

قد يشعر قرّاء هذه المقامة اليوم بالمفارقة من إبعاد محمّد عبده لها، وهي تحوي ما تحويه من قضايا تتعلّق بالكناية والأعراف الاجتماعيّة والحقيقة. وبعد قراءةٍ واعيةٍ للمقامة، تَبيّن أنّ الهمذانيّ لم يكن يسخر من الأخلاق المتعارف عليها للقضاة فحسب، ولم تكن مقامته مجرّد حيلة كذلك.

تتحدّى المقامة الشاميّة – كسائر مقامات الهمذانيّ – القارئ ليدرك قدرة اللغة على توليد الحقيقة وإظهارها. وقد يكون العهد الذي بين الكاتب والقارئ مبنيًّا على افتراضٍ كاذب تمامًا كما العهد في الزواجات المؤقّتة التي ادّعاها الإسكندريّ في هذه المقامة. ولكن يبقى النقاش حول هذه المناظرات مفيدًا وممتعًا. وهاتان - المتعة والفائدة - هما في نهاية المطاف جوهر الأدب.






طبعة حجريّة إيرانيّة (1296ه/1879م)




جامعة يال (Yale)، بينيكي (Beinecke) 63 (603ه/1206م)



استنبول أسعد أفندي 3542 (20 رجب 1016/ 10 تشرين الثاني 1607)




استنبول فاتح 4097 (520ه/1126م)



[1]   يَشكر المؤلّفان للدكتورة (لينا جمّال) ترجمتها هذه المقالة التي نُشرت سابقًا في مجلّة أرابيكا (2020)، والشكر موصولٌ لمجلس البحوث في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وللمكتبة العربيّة في جامعة نيويورك أبوظبي، ولجامعة برلين الحرّة (المؤسّسة الألمانيَّة للبحث العلميّ) لدعمها العمل والترجمة.

Funded by the Deutsche Forschungsgemeinschaft (DFG, German Research Foundation) under Germany's Excellence Strategy in the context of the Cluster of Excellence Temporal Communities: Doing Literature in a Global Perspective – EXC 2020 – Project ID 3900608380.

[2]   Intisār A. Rabb and Bilal Orfali, “Islamic Law in Literature: The Importance of Procedure in Tanūkhī’s al-Faraj baʿda l-shidda”, in Tradition and Reception in Arabic Literature: Essays Dedicated to Andras Hamori, ed. Margaret Larkin and Jocelyn Sharlet, Wiesbaden, Harrassowitz, 2019, p. 189-205 esp. 189.

[3]     See Badīʿ al-Zamān al-Hamaḏānī, Maqāmāt, Beirut, Imprimerie Catholique, 1889, p. 7.

شرح عبده في مقدّمته للطبعة تخوّفه من شرح بعض عبارات المقامات، يقول: "وههنا ما ينبغي التنبيه عليه وهو أنّ في هذا المؤلّف من مقامات البديع رحمه الله افتتانًا في أنواعٍ من الكلام كثيرة ربّما كان منها ما يستحي الأديب من قراءته ويخجل مثلي من شرح عبارته. ولا يجمل بالسذّج أن يستشعروا معناه أو تنساق أذهانهم إلى مغزاه. وأعوذ بالله أن أرمي صاحب المقامات بلائمةٍ تُنقص مِن قدره، أو أعيبَه بما يحطّ مِن أمره. ولكن لكلّ زمانٍ مقال، ولكلّ خيالٍ مجال."

[4]   لم تذكر أنجليكا نويورث (Angelika Neuwirth) في مقالاتها الثلاث عن المقامة الرمليّة مواطنَ الشبه بينها وبين المقامة الشاميّة، والسبب على الأرجح أنّ الأخيرة غيرُ مذكورة في أيٍّ من الطبعات الحديثة للمقامات. انظر:

Angelika Neuwirth, “Women’s Wit and Juridical Discourse: A ‘Forensic maqāma’ by the Classical Arabic Scholar al-Ḥarīrī”, Figurationen: Gender - Literatur - Kultur 1, (2005), p. 23-36, Idem, “The double entendre (tawriya) as a Hermeneutical Stratagem: A ‘Forensic Maqāma’ by Abū Muḥammad al-Qāsim b. ʿAlī al-Ḥarīrī”, in The Weaving of Words: Approaches to Arabic, Wiesbaden, Ergon, 2012, p. 203-216 and Idem, “Adab standing trial - whose norms should rule society? The case of al-Ḥarīrī’s ‘al-Maqāmah al-Ramlīyah’”, in Myths, Historical Archetypes and Symbolic Figures in Arabic Literature: Towards a New Hermeneutic Approach, ed. Angelika Neuwirth, Beirut and Stuttgart, Franz Steiner, 1999, p. 205-224.

[5]   لمزيدٍ من التفاصيل عن هذه المخطوطات بالإضافة إلى مراجعةٍ لأعمال الهمذانيّ، انظر:

Bilal W. Orfali and Maurice A. Pomerantz, “Assembling an Author: On the Making of al-Hamadhānī’s Maqāmāt”, in Concepts of Authorship in Pre-Modern Arabic Texts, eds. Lale Behzadi and Jaakko Hämeen-Anttila, Bamberg, University of Bamberg, 2016, p. 107-127.

[6]   (المقامة الثانية والثلاثون): ف، ب؛ المقامة الثانية والثلاثون في محاكمة الزوج والزوجة: ر؛ المقامة السادسة والعشرون الشاميّة: ج.

[7]     (قال): سقطت من ب.

[8]   (الحكم بديار الشام): ف، ر؛ الحكم ببلاد الشام: ب، ج.

[9]   (فقلت): ف، ب، ر؛ فقلت للرجل: ج.

[10]  (قال): ف؛ فقال: ب، ر، ج.

[11]  (وأنا غريب): ر، ج؛ وأنت غريب: ف؛ وأنا رجلٌ: ب.

[12]   (عمّرت لي): ف، ر؛ أعمرت منّي: ب؛ عمّرت: ج.

[13]  (ملأت): ف، ر، ج؛ ملأت منّي: ب.

[14]  (قلت): ف، ب؛ فقلت: ر، ج.

[15]  (ولكن): ف؛ لكن: ب، ر، ج.

[16]  (وعيبًا غير واحد): ف، ب، ر؛ وعينًا عين واجد: ج.

[17]  (فعدلتُ إلى المرأة وقلت): ب، ر؛ فقلت للمرأة: ف؛ فعدلت للمرأة: ج.

[18]  (قالت): ف، ج؛ فقالت: ب، ر.

[19]  (وأشدّ في الشؤم من دغله): ر؛ وأشدّ من دغله: ف؛ وأشدّ في الشؤم: ج.

[20]  (أسفله): ف، ج؛ سفله: ر.

[21]  (من دغله... صادفت): سقطت من ب.

[22]  (وخصرًا): ف؛ وحضنًا: ب؛ وحصنًا: ر؛ وحشًى: ج.

[23]  (     خشن): ب، ر، ج؛ حسن: ف.

[24]  (ألد): ب، ر، ج؛ ألذّ: ف.

[25]  (ولا ينجز ما يعد. وهو يجدّ ويجتهد): ف؛ وهو لا ينجز ما يعد وكيف ينجز وهو لا يجد وهو يجتهد: ب؛ وهو لا ينجز ما يعد وكيف ينجز ما يعد وهو لا يجد ويجهد: ر؛ وهو لا ينجز ما يعد وكيف ينجز ولا يجد وهو يجتهد: ج.

[26]  (فمال إليها وقال استُ البائن): ب، ر، ج؛ فقال است الناس: ف.

[27]  (تسعينك): ف، ب، ر، ج؛ لتسعينك: ر.

[28]  (أغزك): ف، ب؛ أعرك: ر، ج.

[29]  (دفار): ب، ر، ج؛ مكار: ف.

[30]  (نفقتها): ف؛ يقيمها: ب، ر، ج.

[31]  (صروف): ف، ب، ر؛ صرف: ج.

[32]  (طالق): ف؛ طالق ثلاثًا: ر، ج.

[33]  (تعطها): ر، ج؛ تعطيها: ف.

[34]  (عن هذا القدر... شهرين): سقطت من ب.

[35]  (تضربه): ف، ب، ر؛ بضربه: ج.

[36]  (تشربه): ف، ب، ر؛ بشربه: ج.

[37]   (إيّاه): ف، ر، ج؛ هو: ب.

[38]  (وعادا): ف، ب، ج؛ فعادتا: ر.

[39]  (شهرين): ف، ر؛ الشهرين: ب، ج.

[40]  (يلتمسان): ف، ب، ج؛ تلتمسان: ر.

[41]  (فغيبا غيّبكما الله): ف؛ فغيّبا عيناكما: ب؛ فغيّبا عينكما: ج.

[42]  (وأنشأ): ف؛ قال: ب؛ ثمّ أنشأ: ر؛ فأنشأ: ج.

[43]  (معوز): ف، ب، ر؛ معجز: ج.

[44]   (دقن): ف؛ ذَقَن: ر؛ ذقن: ج.

[45]  (في است): ر، ج؛ فست: ف؛ في: ب.

[46]  (ولأن): ف؛ لأن: ب، ر، ج.

[47]  (ازن ذاك): ر، ج؛ ازن ذا: ف؛ اذن ذاك: ب.

[48]  (فرجع... اسمه): سقطت من ف.

[49]  (فقال): ب، ر؛ فقيل: ف.

[50]   (فانصرفا... الإسكندريّ): سقطت من ج.

[51]  (بلدة): في الأصل مدينة وصوابه أعلى الكلمة.

[52]  (كادّ): في الأصل كاسب وصوابه أعلى الكلمة.

[53]  (أودتي): كذا في الاصل.

[54]  إن لم يكن الرجل قد جامعها فسيكون مطالَبًا بدفع نصف المهر فحسب. لكنّ السؤال في هذه المقامة يتمحور على قدرته على إتمام هذا الجماع.

[55]  Edward William Lane, An English-Arabic Lexicon, London, Williams & Norgate, 1874, p. 890b.

لاحظ هذا المرجعُ أنّ هذه الإهانة تُوجَّه عادةً إلى الأمَة وتعني: "أنت كريهة الرائحة."

[56] See Wael B. Hallaq, Sharīʻa: Theory, Practice, Transformations, Cambridge, Cambridge University Press, 2009, p. 342 and following.

[57]  Mathieu Tillier, “Women before the Qāḍī under the Abbasids”, Islamic Law and Society 16, 3/4, (2009), p. 280-301.

[58]  Yossef Rapaport, Marriage, Money and Divorce in Medieval Islamic Society, Cambridge, Cambridge University Press, 2007, p. 73.

[59]  Tillier, “Women before the Qāḍī under the Abbasids, p. 282.

[60]  Ibid., 295.

[61]  Ibid., 296.

[62]  Oded Zinger, “Women, Gender and Law: Marital Disputes According to Documents of the Cairo Geniza”, Near Eastern Studies Phd. (2014), p. 68.

[63]  انظر: محمّد بن خلف بن حيّان وكيع، أخبار القضاة، بيروت، عالم الكتب، دون تاريخ، ج 3، ص 416.

[64]  أبو عليّ المحسّن بن عليّ التنوخيّ، نشوار المحاضرة، تحقيق عبّود الشالجي، بيروت، دار صادر، 1995، ج 3، 227. تصف إحدى القصص التي يرويها الأديب والقاضي التنّوخيّ قضيّةً عُرضت على أبي سعد الداوديّ، وفيها أنّ امرأةً صوفيّة طلبت مساعدة القاضي ضدّ زوجها. وعند حضور الزوجَيْن أمام القاضي، قالت الزوجة: "هذا زوجي يريد أن يطلّقني وليس له ذلك، فإنْ رأيتَ أن تمنعه." فتعجّب القاضي من كلامها ورغب في معرفة مذاهب الصوفيّة في هذا الأمر فسأل الزوجة عن السبب. فأجابت: "لأنّه تزوّج بي ومعناه قائم، والآن يذكر أنّ معناه قد انقضى منّي، وأنّ معناي قائمٌ فيه ما انقضى، فيجب أن يصبر إلى أن ينقضي معناي فيه كما انقضى معناه منّي." فعجب القاضي من تعابير المتصوّفة الغامضة، ولعلّ المقصود من الرواية انتقاد ذلك. ويمكن القول إنّ استعمال لفظ "قائم"، والذي يعني أيضًا "منتصب"، يشير إلى أنّ لغة المرأة الغامضة تحتمل التعريض لأمورٍ أخرى. انظر:

Florian Sobieroj, “The Muʿtazila and Sufism”, in Islamic Mysticism Contested: Thirteen Centuries of Controversies and Polemics, Leiden, Brill, 1999, p. 68-92, esp. 79-80.

يرى هذا المصدر أنّ الغاية من لغة المرأة المتصوّفة هي السخريَّة من مفهوم الفناء في الله والمصطلحات المرتبطة به، أو أنّ الفناء في الزوج أو الشريك هو إعدادٌ تربويّ تمهيدًا للوصول إلى الهدف الأسمى.

[65]   وتختلف هذه الحال عن أحوالٍ أخرى لا يكون بمقدور الرجل فيها الدخول بزوجته.

Kecia Ali, Sexual Ethics and Islam: Feminist Reflections on Qur’ān, Hadith, and Jurisprudence, Oxford, Oneworld, 2006, p. 12.

يؤكّد هذا المرجع أنّ المدارس الفقهيّة كلّها أقرّت أنّ الزواج قد يَبطُل بسبب العجز الجنسيّ، أي عدم قدرة الزوج على الدخول بزوجته، ولكنّه يضيف (ص 13) أنّ الغالبيّة العظمى للقضاة يرون أنّ الزوجة لا يحقّ لها أن تشتكي عجز الزوج الجنسيّ بعد دخوله بها.

[66]  Tillier, “Women before the qāḍī under the Abbasids”, p. 280-301.

[67]  لنموذجٍ مماثلٍ حول الإيلاء، انظر:

David S. Powers, “Four Cases Relating to Women and Divorce in al-Andalus and the Maghrib, 1100-1500”, in Dispensing Justice in Islam: Qadis and their Judgements, Leiden, Brill, 2006, p.383-409, esp. p. 395.

[68]  See Khaled El-Rouayheb, Before Homosexuality in the Arab-Islamic World, 1500-1800, Chicago, University of Chicago Press, 2005, p. 19-21.

يناقش هذا المرجع الجانب المَرَضِيّ من الأُبْنة الذي يَحتمل أن يشتّت الزوج عن أداء واجباته الزوجيّة.

[69]  الراغب الإصفهاني، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، بيروت، دار صادر، 2012، ج 3، ص 523-525.

[70]   Ibid., 3:523. See also Ibid., 3:496.

يصف هذا المرجع ادّعاء زوجةٍ بأنّ الرجل المفعول به يغدو عاجزًا (المأبون عِنِّين).

[71]  See Lane, Lexicon, v. 1, p. 187a.

[72]  Abdelfattah Kilito, “Le genre ‘Séance’”: Une Introduction”, Studia Islamica 43 (1976), p. 25-51, p. 33.

[73]  James T. Monroe, The Art of Badīʿ az-Zamān al-Hamadhānī as Picaresque Narrative, Beirut, American University of Beirut Press, 1983, p. 97; Philip F. Kennedy, “The Maqāmāt as a Nexus of Interests: Reflections on Abdelfattah Kilito’s Les Séances in Writing and Representation in Medieval Islam: Muslim Horizons, ed. Julia Bray, Routledge, 2006, p. 196 n209.

[74]  المرجع نفسه. ويشيد كينيدي (Kennedy) كذلك برأي كيليطو ومونرو، ويتوقّف مجدّدًا عند تلاعب الهمذانيّ اللافت وتحدّيه القارئ في كشف التلميحات إلى كنية أبي الفتح. ويضيف أنّ مونرو في حديثه عن الهمذانيّ قد حدّ الأخيرَ وألزمه بأجندة صلبة وجامدة.

[75]  Neuwirth, The double entendre (tawriya) as a Hermeneutical Stratagem: A ‘Forensic Maqāma’ by Abū Muḥammad al-Qāsim b. ʿAlī al-Ḥarīrī”, p. 203-216.

[76]  See Bonebakker, S.A., “Tawriya”, EI2. See also Seeger Adrianus Bonebakker, Some Early Definitions of the tawriya and Ṣafadī’s Faḍḍ al-Xitām ʿan at-Tawriya wa-‘l-Istixdām, The Hague, Paris, Moulton & Co., 1966, p. 24 and following.

[77]  Erez Naaman, “Women Who Cough and Men Who Hunt: Taboo and Euphemism (kināya) in the Medieval Islamic World”, Journal of the American Oriental Society, 133/3, (2013), p. 467-493.

[78]  انظر: عبد الملك بن محمّد الثعالبيّ، كتاب الكناية والتعريض، تحقيق أسامة بحيري، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1997، أحمد بن محمّد جرجاني، المنتخب من كنايات الأدباء وإشارات البلغاء، بيروت، دار صعب، 1980.

[79]  التبريزيّ، شرح القصائد العشر، تحقيق محمّد محيي الدِّين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمّد علي صبيح، 1962، ص 487.

[80]  al-ʻAbīd b. al-Abraṣ and ʻĀmir b. al-Ṭufail, The Dīwāns of ʻAbīd ibn al-Abraṣ, of Asad, and ʻĀmir ibn aṭ-Ṭufail, of ʻĀmir ibn Ṣaʻṣaʻah, ed. Charles James Lyall, Leiden and London, E.J. Brill; Luzac & co., 1913, 20.

[81]   الميدانيّ، مجمع الأمثال، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1988، ج2، ص 421-422.

[82]   يقول الميدانيّ إنّ المثل "يُضرب لمن ولّى أمرًا وصَلِيَ به فهو أعلم به ممّن لم يمارسه ولم يَصْلَ به."

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق