لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور مشير عون

المسؤوليّة الأخلاقيّة الكونيّة بين المُمْكن والمرتجى

يضطرّنا فيروس الكورونا إلى النظر في الاختلال الأخلاقيّ الذي يضرب الأرض كلَّها من مشارقها إلى مغاربها. فالإنسان كائنُ الخير والشرّ يتساكنان في كيانه على تفاوتٍ في الغلبة. والتساكن عينُه تختبره المجتمعات والشعوب والأمم. فالإنسان الصالح فردًا ينشئ مجتمعًا صالحًا بائتلاف الصالحين، والإنسان الشرّير فردًا ينشئ مجتمعًا شرّيرًا بتواطؤ الأشرار. فما السبيل إلى ردع الشرّ وتعزيز الخير في الفرد وفي الجماعة؟ وهل تستقيم الأمور في العلاقات بين الشعوب إذا ما انحرفت الأخلاق في وعي الأفراد عن صراط الحقّ؟ وما الذي يضمن للأفراد أن يثابروا على صون القيَم الأخلاقيّة حين يعاينون الشرَّ، وقد اجتاح السلطات السياسيّة المحلّيّة، وأفسد العلاقات بين الشعوب، وأنهك المجتمعات الإنسانيّة؟ هل يستطيعُ الإنسان الفرد أن يتخلّق بأخلاق السموّ والرفعة حين يدرك جسامة الانحراف الأخلاقيّ من حوله، أي في بيئته ومجتمعه ووطنه، وفي المحيط السياسيّ الأدنى والأوسط والأبعد؟ أمّا السؤال الأخطر، فهو الذي ينظر في أخلاقيّات الفرد، وقد تنوّعت مراتبُها بحسب نشاطه الإنسانيّ، إذ تستقيم بعض الاستقامة في حضن أسرته ودائرة خلّانه، وتضطرب في مسؤوليّاته الإداريّة والتقنيّة في المجتمع الأوسع، وتفسد فسادًا مقيتًا في أفعاله السياسيّة المحلّيّة الوطنيّة والخارجيّة الإقليميّة والعالميّة. فهل يكون صونُ المصالح القوميّة، ومسعى التكسّب والتصوّن والتوسّع، ومنطق المغالبة والتفوّق، سببًا في تسويغ الفساد الأخلاقيّ في علاقات الناس بعضهم ببعض؟ وما السبيل إلى إنقاذ المجتمعات والشعوب والأمم من غلواء ادّعاءاتها الإيديولوجيّة ومَنازعها الفوقيّة ومَطامحها الاستعلائيّة؟

في ظنّي أنّ انتشار الأوبئة الجرثوميّة مظهرٌ من مظاهر الاختلال البنيويّ في إدارة الشأن العامّ، وهو اختلالٌ يفضح الانحلال الأخلاقيّ المتفشّي في الأفراد وفي الجماعات، شأنُه في ذلك شأنُ المشادّات والصراعات والاقتتالات والحروب التي تفتك بالمجتمعات الإنسانيّة، ولاسيّما الصغيرة الواهنة منها، حتّى لقد استقرّ في وعي الناس أنّ المجتمعات الصغيرة، خصوصًا في قرائن العالم الثالث النامي، يجب أن تخضع خضوعًا حتميًّا لإرادة القوى الإقليميّة. أمّا في قرائن العالم الغربيّ المتحضِّر داخلَ أسواره، فإنّ مراتب الوعي الحضاريّة والتوازنات الجيوسياسيّة تضمن للمجتمعات الصغيرة بعضًا من الكرامة والاستقلال والسيادة والمِنْعة.

ومن ثمّ، ينبغي النظر في مقام الأخلاقيّات في حياة الأفراد والشعوب لأنّ الحلول القصيّة لا تُبنى على حسن التدبير التقنيّ فحسب، بل يعوزها سندٌ معنويٌّ فكريٌّ أخلاقيٌّ رفيع. لكنّ الوعي الأخلاقيّ عند الشعوب يتفاوت بتفاوت الوضعيّات المادّيّة، والأحوال السياسيّة، والذهنيّات الاجتماعيّة، والعمارات الفكريّة، والتصوّرات الغيبيّة الماورائيّة. ولكلّ حدٍّ أخلاقيّاتُه الملائمة. حدُّ الاقتصاد يحتمل نِسَبًا معيّنة من التطلّب الأخلاقيّ، شأنه في ذلك شأن حدّ السياسة، فيما حدُّ الاجتماعيّات والفكريّات والماورائيّات ينعم بقسط وافر من الاقتضاء الأخلاقيّ الذاتيّ. في هذا السياق، يضع الفيلسوف اللبنانيّ بولس الخوري (1921-....) الأخلاق في صلب الأنظومة الثقافيّة التي تنطوي على مجموع النشاط الإنسانيّ، راسمةً هيئة الوعي الثقافيّ الأشمل الذي يشتمل على التقنية والعلم والفنّ والأخلاق والاجتماع والدِّين. في كلّ مجالٍ من مجالات الأنظومة الثقافيّة الشاملة (التقنية، العلم، الفنّ، الأخلاق، الاجتماع، الدِّين) ترتسم ثلاثُ دوائر من الاستقطاب تسوّغ انعقاد المجال على خصوصيّة ينفرد بها، ألا وهي القيَم الهادية، والنشاطات والمواقف، والقدرات والكفايات. يوجز بولس الخوري القيمة الهادية في الأخلاق بالخير، ويرسم أنّ مجال الأخلاق (أنماط السلوك والعادات والقواعد والنواميس) يقتضي فعلَ الخير والقدرةَ على الحكم في الخير والشرّ، ويفترض في الإنسان الإرادةَ الحرّة والضميرَ السويّ. اليقين في هذا كلّه أنّ الأخلاق مقترنة بالمكوِّنات الثقافيّة الأخرى.

لا بدّ إذًا من السؤال عن المسؤوليّة الأخلاقيّة التي ينبغي أن يضطلع بها البشرُ في صونهم الحياة الإنسانيّة على رحابة امتداد المسكونة قاطبة. لذلك كان وعي المسؤوليّة مقترنًا اقترانًا وثيقًا بالأخلاقيّات. فلا يجوز أن تساس أمورُ الناس في الشرق والغرب من غير أن يزدان المسؤولون بمثل هذا الوعي. يُسعفنا في هذا المقام عالم الاجتماع والاقتصاد والفيلسوف ورجل القانون الألمانيّ ماكس فيبِر (1864-1920) حين يميّز تمييزًا حصيفًا أخلاقيّات المسؤوليّة (Verantwortungsethik) من أخلاقيّات الاقتناع (Gesinnungsethik). في أخلاقيّات المسؤوليّة يتبصّر المرء في عواقب فعله، ويتحمّل المسؤوليّة الكاملة عن الآثار التي قد تنجم عن قراراته وأفعاله وأعماله، في حين أنّ أخلاقيّات الاقتناع تجعل الإنسان، في حال الإخفاق، يلقي اللوم على انعطاب العالم وشروره، وتعقّدات الواقع وانسداداته، ومعاصي الناس وابتلاءاتهم. ويقينه الأصلب أنّ الخلل لا يكمن في اقتناعه، بل في امتناع العالم عن اعتناق مثل هذا الاقتناع والامتثال لأحكامه ومقتضياته.

من الأمثولات التي يستخرجها المرء من مثل هذا التمييز أنّ السياسات الكونيّة يجب عليها اليوم أن تتبصّر في عواقب قراراتها التدبيريّة، فلا تتصرّف تصرّف الإيديولوجيات القوميّة والدِّينيّة والانتفاعيّة التي تفعل فعلها في التاريخ، وتنسب إلى الآخرين أسباب الإخفاق والهدم والتدمير والانحلال. أخلاقيّات المسؤوليّة تدرك أنّ الإنسان ليس كائنًا كاملَ القوام، وأنّ الاجتماع الإنسانيّ ليس موضعًا لتحقّق المثُل العليا، وأنّ التاريخ ليس مسرحًا لتجلّي التناغم والانسجام والهناء. أخلاقيّات الاقتناع تظلّ أسيرة الشعلة الوجدانيّة التي تُلهب العقيدة الفكريّة، فلا تكترث لمآلات القرار التدبيريّ في تضاعيف الواقع التاريخيّ. جلُّ همِّها صونُ الاقتناع الذاتيّ الوجدانيّ في إشعاعه الملتهب واستنهاضه المتّقد. أمّا أقصى ما يمكن أن تضطلع به، فهو التحسّر والإعراض والتزهّد وتسويغ العجز عن تغيير الواقع. والحال أنّ أخلاقيّات الاقتناع تأسر الواقع في حدود التصوّر الإيديولوجيّ الذي ينطوي عليه الاقتناع نفسُه. فالواقع إمّا أن يلائم مفترضات الاقتناع ومضامينه، وإمّا أن يسقط في الخطيئة والضلال والانحلال بحيث يكفّ عن أن يكون واقعًا.

يبدو لي أنّ أزمة المسؤوليّة الأخلاقيّة في المجتمعات المعاصرة ترتبط بالتحوّلات التي طرأت على أخلاقيّات الاقتناع، خصوصًا في نطاق الأنظمة السياسيّة الحاكمة، بمعزل عن انتماءاتها ومبايعاتها. كثيرٌ من القرارات التي ترسم مصير الناس ينبثق من إحساس الاقتناع الذاتيّ في وعي الحاكم السياسيّ أو الصفّ السياسيّ المهيمن. حيئنذ تبطل المناقشة العقلانيّة الحرّة ببطلان الإحالة على الأسباب العلميّة التي تسوِّغ مثل هذه القرارات. فتُضطرّ المجتمعاتُ الدِّموقراطيّة إلى التصبّر والتعزّي الآنيّ ريثما تدور دورة الحياة السياسيّة، وتنتقل السلطة من يدٍ إلى أخرى ومن فئة إلى أخرى. وليس من المضمون أن يأتي البدلاء بمسلك آخر يضع أخلاقيّات الاقتناع تحت مجهر أخلاقيّات المسؤوليّة. أمّا في المجتمعات الثيوقراطيّة والاستبداديّة، فإنّ المداولة مستحيلةٌ باستحالة التغيير السلميّ وباستحالة التحوّل الجوهريّ في طبيعة الاقتناع الاستعلائيّ الذي يملي على المستبدّين المجاهرة بنبوغهم المنقطع النظير.

في جميع الأحوال، تدور الأمور في دائرة التعثّر الأخلاقيّ، وتُفضي في كثير من الأوضاع إلى توتّرات جسيمة في علاقات الناس بعضهم ببعض، وعلاقات الشعوب بعضها ببعض. وعليه، يسأل المرء كيف يمكن الانعتاق من الدائرة المغقلة هذه، وقد أطبقت على القرارات السياسيّة والاقتصاديّة التي غدت تُعيّن في وجهٍ من الوجوه مستقبلَ البشريّة جمعاء؟ هل ثمّة من أنوار هادية يُطلّ منها الإنسان على آفاق تحرّريّة واعدة؟ في ثلاثيّة الرجاء المبدأ (Das Prinzip Hoffnung) يجتهد الفيلسوف الألمانيّ إرنست بلوخ (1885-1977) في تسويغ الطاقة الاستشرافيّة التي يمتلكها الوعي الإنسانيّ، ويستخدمها في تخيّل عوالم وأوضاع وأنظمة مثاليّة متحرّرة من أثقال التواطؤات الرخيصة والمساومات الضيّقة. ذلك بأنّ الأُطوبيا أو الاستشراف الطوبَويّ يجعل الإنسان يتخيّل عالمًا أفضل من العالم القائم، سندُه في ذلك المسعى انفطارُ كيانه على الرغبة المتوهّجة التي تُلهب مخيِّلته، فتدفعها دفعًا إلى الحلم الليليّ والتخيّل النهاريّ. في كليهما ينتفض الوعي الإنسانيّ، ويثور على الواقع القائم، مغترفًا من أعماق وعيه الناهض رويدًا رويدًا من سباته إمكاناتٍ وقابليّاتٍ واستعداداتٍ لا تحصى، تخوّله أن يتصوّر الوجود في هيئاتٍ جديدة وإقبالات فذّة.

في حال الوعي المقبل إلى ذاته يختبر الإنسانُ صوَرًا مبتكرة لم تألفها الحياة من حوله في حقول من الثقافة شتّى، ولاسيّما في الفنّ والأدب والروحانيّات والصوفيّات والإيمانيّات. فالزمن يحمل في المقبِل من انبساطاته إمكاناتٍ جليلة لن يقوى على استطلاعها سوى العباقرة من النساء والرجال الذين يمتلكون القدرة على النفاذ إلى أعماق وعيهم حيث ينهلون نهلَ الإبداع، فيركّبون العالم تركيبًا طوبَويًّا مثاليًّا يمنح الأعمال الفنّيّة، على سبيل المثال، صفة الخلود والديمومة الإلهاميّة. ما من صنيع فنّيّ أو أدبيّ أو إنجاز اجتماعيّ وسياسيّ واقتصاديّ أجمع الناس على فرادته وتفوّقه وسويّته وخصوبته الحضاريّة إلّا وقد اعتجن في معمل الوعي العبقريّ الأعمق، أي في وظيفة الوعي الطوبَويّة. الأُطوبيا ممكنةٌ لأنّ الوقائع تنطوي على قابليّات مشرّعة على المطلق. إمكانها مستلٌّ من الجدليّة التي تنشط بين الواقع والمرتجى، أي بين العيش الملموس والتطلّع التخيّليّ المثاليّ. فالإنسان الطوبَويّ المثاليّ لا يرضى بأن تظلّ مشاريعُه الإصلاحيّة التحسينيّة التجويديّة التغييريّة أسيرة التصوّر الواهم، بل يقف نفسه من أجل تحقيق مقاصده الصالحة، مستعينًا بالإدراك العقلانيّ التجريبيّ الذي يبيّن له مرامي التحوّلات المادّيّة الفعليّة الناشطة في ميدان الوجود الإنسانيّ التاريخيّ.

من خصائص الطوبَويّة المثاليّة، بحسب بلوخ، الانعتاقُ من الآجال الزمنيّة والاستحقاقات الإغلاقيّة، إذ إنّ التاريخ في عرفها لا يستقرّ على حال، بل ينتقل من طور إلى آخر، منعتقًا انعتاقًا صريحًا من حتميّات الضرورات القاهرة، تؤازره الطاقاتُ الابتكاريّة الخلّاقة التي يزخر بها الوعي الإنسانيّ في مطاويه الأشدّ عصيانًا على الأخذ الحسّاب والاستنباء الضابط. لذلك تنخرط طوبَويّة إرنست بلوخ في المسعى الماركسيّ الذي يجعل الفكر مهمازًا أساسيًّا في تحوّل التاريخ، ويحوّل مهمّة الفلسفة من التأمّل الأثيريّ والتأويل النظريّ إلى الفعل التغييريّ والإنجاز الإصلاحيّ. في هذا المقام، تنبري الفلسفة تستجمع قوى البراكسيس (الممارسة التغييريّة) والأُطوبيا (الاستشراف المثاليّ) والفعل الناجز، لكي تحوِّل الوجود الشخصيّ عاملًا حاسمًا في تغيير البنى التحتيّة والفوقيّة، والمؤسّسات المرئيّة والمحجوبة، والأنظومات الضاغطة المهيمنة. وعليه، ينقلب الرجاء تحريضًا على التحرّر وحثًّا على الرقيّ الإنسانيّ الحضاريّ.

إذا كان الأمر كذلك، انفتحت أمام الإنسان آفاقُ الانعتاق من انعطابات الفعل السياسيّ المبنيّ على أخلاقيّات الاقتناع الضيّق. وأضحى في الإمكان الانتقال من وعي التغرّب إلى وعي الأصالة، وذلك بمقتضى الطاقة الرجائيّة التي تزخر بها النفسُ الإنسانيّة التوّاقة. جمال هذا المرتقى لم يمنع الفيلسوف الألمانيّ هانس يوناس (1903-1993) من انتقاد طوبَويّة بلوخ المثاليّة. فإذا به يعيب على رجائيّته مثاليّتها البريئة وصوفيّتها المنزّهة، فيضعها في مصافّ المحاولات العَلمانيّة الرامية إلى وراثة الاختبار الدينيّ، والاستعاضة عنه بتصوّر أخرويّ يُعتق العالم من نهاياتٍ مقفلة أثبتتها الأديانُ محكمةَ تمييزٍ ودينونةٍ، وسلطةَ فرزٍ وإقصاءٍ، ومحفلَ اصطفاء وإكرام.

عوضًا من الرجاء الطوبَويّ، يؤثِر هانس يوناس المسؤوليّة المبدأ (Das Prinzip Verantwortung) يبيّن بها جسامة الرسالة الملقاة على عاتق هذا الجيل من أجل إعداد بيئة نظيفة، وأرض مخضوضرة، واجتماع سليم، وائتلاف سياسيّ عالميّ منصف ناظم، ورقيّ أخلاقيّ كونيّ واعد. فتتآزر سياسات التنمية المستدامة وسياسات التضامن الإنسانيّ العابر الحدود، وتنفتح القوميّات الضيّقة على آفاق البُعد الإنسانيّ الواحد. ينطلق يوناس في بناء فكره من الاستفسار عن جدوى وجود البشريّة في رحابة الكون. وقد تفاقمت حدّة الاستفسار من بعد أن أدرك الجميع أنّ التقنيات المتفلّتة، والغرائز القوميّة الجامحة، والإيديولوجيات المنفعيّة الجارفة، توشك أن تفضي إلى إزهاق النفس البشريّة ومحوها من على وجه البسيطة.

في خلفيّة هذا المبدأ أنّ الإنسان قيمةٌ بحدّ ذاته، يجب الحفاظ عليها في أنظومة الكون الفسيح. ولا يمكن صون هذه القيمة إلّا بصون الطبيعة عينها التي ارتضت أن تغامر مغامرةً قصوى حين أتاحت للإنسان أن ينشأ في أحضانها. فالإنسان هو الخطر الأعظم الرابض دومًا على الطبيعة وعلى نفسه. وبما أنّ التقنيات المتفلّته يمكنها أن ترتكب حماقة الحماقات، فتبطل الوجود الإنسانيّ برمّته، فإنّ الحكمة تقتضي أن يعتصم العقل بمبدأ التحوّط الأقصى الذي استثمره هانس يوناس في عبارته اللاتينيّة (in dubio pro mal). معنى هذه القولة المأثورة أنّ الإنسان يجب عليه أن يفترض في كلّ فعل أو نشاط أو مسعًى أشدَّ الآثار إنهاكًا وتدميرًا وإفناء. فالتكنولوجيا المعاصرة تنطوي على إمكانات تغييريّة خطيرة الشأن. لذلك ينبغي للإنسان أن يتحرّى عن الإمكان الأخطر والأشدّ فتكًا، فيقرّر مسلكَه الاستثماريّ بالتبصّر في مثل هذا الإمكان. حينئذ يتسنّى له أن يتخيّر الخطّة التي تنطوي على أقلّ الأخطار والأضرار. أمّا إذا اكتفى بتبسيط الأمور وتهوين الآثار وتسخيف المخاطر، فإنّ استثماره سيُفضي حتمًا إلى هلاك البشريّة.

لا ريب في أنّ أخلاقيّات المسؤوليّة الجامعة تناسب الوضعيّة الكونيّة المهدَّدة لأنّها تنظر إلى المستقبل وإلى إمكانات البقاء والاستمرار في الحياة والوجود. أمّا الأخلاقيّات القديمة التي نشأت في المدينة الإغريقيّة، فإنّها تأسّست على أصول التعامل الإنسانيّ في داخل أسوار المدينة، واعتمدت مبدأ خير الجماعة العامّ، واحتكمت إلى قواعد المحافظة على مصلحة الأفراد في معيتّهم الحاضرة. خلافًا للأخلاقيّات الفرديّة المنتظمة في راهن المدينة الإنسانيّة الواحدة، تضطرّنا التقنياتُ المعاصرة إلى استنباط ضرب آخر من الأخلاقيّات ينعتق من أسر الحاضر ومن سور المدينة الذاتيّة، فيشرّع أحكامه على آفاق صون الحياة في المقبل من الأجيال. من المعلوم في هذا السياق أنّ البشريّة، منذ أن وُجدت، لم تختبر إمكان فنائها بمثل ما طفقت تختبره اليوم في مختتم القرن العشرين ومُستهلّ القرن الحادي والعشرين. ذلك بأنّ مصير الإنسان كفَّ اليوم عن أن يكون منفصلًا عن مصير الطبيعة، إذ إنّ ارتباط الإنسان بالطبيعة أضحى ارتباطًا أخلاقيًّا به يتقرّر مصيرُ الوجود الإنسانيّ برمّته. ما من أخلاقيّات معاصرة جديرة بصون كرامة الإنسان إلّا تلك التي تحرص على صون وجوده الفعليّ وكيانه التاريخيّ. وعليه، يستثمر يوناس المبادئ الأخلاقيّة الشاملة التي وضعها كانط، فيوجزها في المبدأ التالي: إفعل فعلًا تستجيب آثارهُ ونتائجُه لمقتضيات صون الحياة الإنسانيّة الأصيلة على الأرض.

قد يكون مبدأ المسؤوليّة هذا السند الأقوى في إعتاق الأخلاقيّات من مأزق القرارات التدبيريّة المبنيّة على الاقتناع الذاتيّ المقترن بالذهنيّات السائدة لدى الطبقات السياسيّة وفي مراكز النفوذ العالميّ. وقد يتحوّل السندُ العقلانيّ هذا إلى معيارِ تمييز ومقياسِ استقامة يحثّ الجميع على فضح عيوب الإيديولوجيات القوميّة والدِّينيّة والنفعيّة التي تفتك فتكًا بالمجتمعات الإنسانيّة المعاصرة. ذلك بأنّ الوعي الأخلاقيّ المتطلّب يمتلك من القدرة النقديّة ما يؤهّله للتنديد بقبائح استغلال المشاعر الانتمائيّة والتضامنيّة في بناء الوعي القوميّ أو الدِّينيّ أو الاقتصاديّ الانتفاعيّ. من جرّاء مثل هذا التنديد، تسقط جميع الاعتبارات التي تنتهك القيَم الأخلاقيّة الكونيّة. هنا يسأل المرء كيف يمكن أن تبني المجتمعات المعاصرة أخلاقيّات كونيّة تضبط غلواء الاقتناعات الإيديولوجيّة القوميّة والدِّينيّة والاقتصاديّة الانتفاعيّة؟ من النافع في هذا المقام أن نستحضر عالم الأديان ومُنظِّر الحوار بين الحضارات اللاهوتيّ السويسريّ الكاثوليكيّ هانس كُنْغ (1928-....) في مشروعه الفكريّ الكونيّ الرامي إلى صوغ شرعة أخلاقيّة كونيّة.

يستعين هانس كُنْغ بالبعد الروحيّ الذي تزخر به الأديان لكي يستخرج منه حسًّا أخلاقيًّا كونيًّا يجعل الناس يتضامنون ويتآزرون على صون الحياة وتعزيز الكرامة وترسيخ الحرّيّات، وذلك على الرغم من اختلافاتهم الثقافيّة. فالحسّ الأخلاقيّ الكونيّ لا يفترض، في عرفه، نشوء عقيدة أخلاقيّة تتضمّن مجموعةً من المبادئ والأحكام والنواميس والقواعد، بل يقوم على الوعي الأخلاقيّ، والاقتناع الذاتيّ الأخلاقيّ، والقرار الحرّ الأخلاقيّ. لا ريب في أنّ كلّ مجتمع يمكنه أن يحظى بتصوّره الأخلاقيّ ومبادئه وأحكامه. غير أنّ البشريّة قاطبةً ينبغي لها أن تُجمع على ضمّةٍ من المبادئ الجوهريّة التي لا يستقيم الوجود إلّا بها، وفي طليعتها حماية الحياة وصون الحقيقة وتعزيز العدالة. مثل هذه الأخلاقيّات الأساسيّة يجب أن تعتنقها وتلتزمها كلُّ المجتمعات الإنسانيّة، على اختلاف مشاربها ومذاهبها وعقائدها، وإلّا اضطربت أحوال الأرض، وتنازعت الأمم، واحترب الجميع ذئابًا ينهش بعضُها بعضًا.

أمّا المسائل الأخلاقيّة الأخرى، ومنها اختيار الأنظمة السياسيّة، وترتيب مسائل الحياة الجنسيّة، وسواها من الحالات الإنسانيّة الجزئيّة، كالموت الرحيم والإخصاب الاصطناعيّ والإجهاض والإنجاب، فإنّها قد تختلف من ثقافة إلى أخرى. غير أنّ جميع الأنظومات الأخلاقيّة في مختلف الحضارات تدين القتل والسرقة والكذب والعدوان والزنى. الثابت في هذا كلّه أنّ الإنسان، إذ يستنير بأنوار العقل الطبيعيّ، يمكنه أن يستنبط معايير التمييز بين الحقّ والباطل، بين الخير والشرّ، بين النفع والضرر.

بيد أنّ المشكلة الأخطر تنشأ من تعقّد أوضاع البشريّة في مطالع القرن الحادي والعشرين بحيث أضحى الإجماع على المسائل الحيويّة شبه مستحيل من دون تناصر الإرادات الطيّبة في جميع المجتمعات. لذلك يوصي هانس كُنْغ باستنهاض جميع الناس، المؤمنين وغير المؤمنين، من أجل الخروج بشرعة أخلاقيّة حضاريّة مبنيّة على تحسُّس مخاطر الإفناء الذاتيّ التي تتربّص بالمسكونة جمعاء. يقينه أنّ التراثات الروحيّة التي تزخر بها الإنسانيّة ينبغي لها أن تسهم إسهامًا فاعلًا في إغناء الحسّ الأخلاقيّ الكونيّ المبنيّ أصلًا على مسلّمات التفكّر العقليّ السليم. لا غرابة، من ثمّ، أن يُحسّ المرء التشتّت والخواء والضياع من بعد أن أبطلت مجتمعاتُ الاستهلاك الاستنفاديّ من داخل التراثات الروحيّة الكونيّة مفاعيلَ المعنى الإنسانيّ الأشمل، والقيمة الوجوديّة الأرحب، والبصيرة الجوّانيّة الأسمى.

ليس المطلوب، والحال هذه، أن تعود الفلسفة واللاهوت إلى عتيق تحالفهما وقديم تواطئهما، بل أن يعترف الجميع بأنّ الأنظومات الروحيّة الكبرى ألهمت الناس في جميع الحضارات رقيَّ الحسّ الإنسانيّ وسموَّ الاختبار التضامنيّ، فتجلّت مناراتِ هداية عصمت الإنسان من غلوّه، وردعته عن عدوانه، وزوّدته وسائل الاستبصار الأخلاقيّ النزيه. وحده الحسُّ الأخلاقيُّ المستند إلى تضامن الأنظومات الفكريّة والروحيّة الكونيّة يستطيع أن يحثّ الجميع على بناء حضارة اللاعنف واحترام الحياة، وتعزيز روابط التضامن وترسيخ سبُل الاقتصاد العادل، وتنمية طاقات الاعتصام بالحقيقة والتحلّي بروح الانفتاح واستثمار الاختلاف والاغتناء به، وابتكار أنماط ثقافيّة راقية في ضمان المساواة بين الحقوق وتدعيم الشراكة التكامليّة بين المرأة والرجل.

يبقى أنّ السؤال الجوهريّ يجب أن يتحرّى عن إمكانات الجمع الأخلاقيّ الحصيف بين التنمية الاقتصاديّة السليمة والنموّ الشخصيّ المستقيم والنماء القوميّ السياسيّ المتحضّر المهذّب الراقي. كيف يمكن الناس، على اختلاف مجتمعاتهم وثقافاتهم ومذاهبهم ومعتقداتهم وتصوّراتهم، أن ينعموا بتكامليّة حضاريّة تضع في صدارة اعتناءاتها الحسَّ الأخلاقيّ الذي يضمن وعيَ الأفراد والجماعات المسؤوليّةَ التاريخيّة الملقاة على عاتق الإنسان المعاصر؟ وهل يستطيع الناس أن يوفّقوا بين ضرورات صون الذات الفرديّة والجماعيّة، ومقتضيات التضامن التنمويّ في المجتمعات المتحاورة، ومتطلّبات الحفاظ على سلامة البيئة الحاضنة، ومستلزمات الإعداد الفطن لحياة تليق بالأجيال القادمة؟ وكيف يمكن أن تُصاغ تلك الأخلاقيّات الناظمة، المثاليّة في واقعيّتها النقديّة، التي تستطيع أن تستنهض جميع الناس إلى التخلّق بأخلاق الإنسان الحضاريّ الراقي الذي اقتنع بوحدة المصير، مصير الأرض ومصير الشعوب ومصير المجتمعات، وسلك مسلك التسويات العقلانيّة المنصفة والترفّعات الوجدانيّة التصالحيّة البنّاءة؟

الجواب الشافي يستخرجه المرء من اجتهادات أهل الحكمة والفلسفة الذين ينبغي لهم أن يخرجوا بتصوّر أخلاقيّ قيميّ مشترك يستصفي أبهى ما تختزنه التراثاتُ الإنسانيّة من مثُل روحيّة سنيّة ومبادئ أخلاقيّة رفيعة، ويستحثّ الجميع على تعزيز أربعة ضروب من الوعي النقديّ المتطلّب البنّاء. الضرب الأوّل يستوي في مقام الأنتروبولوجيا التكامليّة التي تتصوّر التعدّدَ الثقافيَّ في هيئة الوحدة المبنيّة على التنوّع. والضرب الثاني ينشط في مستوى الحرص البيئيّ الكونيّ الذي ينظر إلى الطبيعة حاضنةً أموميّةً ترعى المائتين المجاهدين المناضلين الأنقياء من أهل المسكونة في دائرة الإحياء الأشمل والانغلال الهنيّ في رحابة الكون. ينطوي الضرب الثالث على إحساس رقيق بمسؤوليّة التضامن الإنسانيّ بين جميع سكّان الأرض يدفع بهم إلى صون الحياة والأرض في كلّ قرار وكلّ تدبير وكلّ فعل. أمّا الضرب الرابع من الوعي المتطلّب، فيجري جريًا حرًّا في مسالك الرقيّ الروحيّ الذي يليق بالجوهر الإنسانيّ المتفكّر، المتبصّر، المدرك، المبتكر، الخلّاق.

حين يتعزّز الوعي في ضروبه الأربعة هذه تنجلي أمام الإنسان صورةُ المسؤوليّة الأخلاقيّة الصحيحة الشاملة التي ينبغي أن يعتصم بها الناس في مجتمعاتهم المتنوّعة، في كلّ خطوة من خطوات التدبير الفرديّ والجماعيّ، الداخليّ والخارجيّ، الوطنيّ والعالميّ. وإذا ثبت أنّ جائحة الكورونا اضطرّت العقل الاقتصاديّ إلى ترتيب مقام الصدارة في المهَن الإنسانيّة الأساسيّة، فاقتصر معظمُها على علم البيانات، وكفاءات التواصل والاستماع والفهم والتكيّف، ومهارات الإبداع في إدارة الموارد البشريّة أو رأس المال البشريّ، وتطوير طاقات الذكاء الاصطناعيّ، فإنّي أقترح أن تضيف المجتمعاتُ المعاصرة مهنةً أخرى أساسيّة، عنيتُ بها مهنة التنشئة على إعادة تكوين الحسّ الأخلاقيّ الكونيّ وتهذيبه وصقله وتفعيله. في اقتناعي أنّ مثل الحسّ الأخلاقيّ هذا هو الوحيد الخليق بترميم صورة الإنسان التي شوّهتها الإيديولوجيات القوميّة والدِّينيّة والاقتصاديّة النفعيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق