لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمه

دور النظام التربويّ في تكوين الشخصية الاجتماعيّة



 المقدِّمة

"العلم في الصغر كالنقش في الحجر"

يعبّر هذا المَثَل السائر عن مقتضيات إنسانيَّة لازمت وجود الفرد في المجتمعات كافَّة، فسعى إلى وضع نظم تربويَّة مبنيَّة على التهذيب والتأديب Discipline pédagogique.

ينطلق النظام التربويّ من مجموعة قوانين وأنظمة من شأنها إرساء قواعد المؤسَّستَيْن التربويتَيْن الأساسيَّتَيْن المخوَّلتَيْن السهر والحفاظ على تكوين كرامة النشء الشخصيَّة ومنع التقصير والتخاذل لدى قيامه بواجباته التأهيليَّة، أسريَّةً كانت أم مدرسيَّة.

يرى عالم الاجتماع هنري مندراس[1] "أنَّه لمن الضروريّ دراسة العائلة والمدرسة والتمعّن في التقنيّات التربويَّة منذ فترة تغذية الرضيع وحتَّى طرق عقاب وثواب الأطفال، والتوقّف خاصّةً عند شخصيَّة الرجل والمرأة، الكائنين اللذَيْن يفرضان على النشء الجديد النموذج المثاليّ".

ونتساءل حول معنى مفهوم الشخصيَّة الاجتماعيَّة، هل هو المخزون المرسّخ في أعماق شخصيّة الإنسان الفرديَّة منذ الصغر بشكل فريد ومميّز، أم أنَّها عملية تكوين نماذج مشابهة ومطابقة، وما هي المؤثّرات الفاعلة في تكوين بنية المجتمع الأساسيَّة.

ما هي الشخصية الاجتماعيَّة؟

يهتمّ عالم الاجتماع بالدرجة الأولى بما هو مرسّخ في أعماق الشخصيَّة منذ الصغر كالسمات الأساسيَّة المميَّزة والمواقف الأساسيَّة المكوَّنة لها والتي على أساسها تُبنى النظم العليا. فإنَّ الاستمراريَّة بين النماذج والمناهج التربويَّة منذ الطفولة وحتّى سنّ المراهقة، تُشكّل عملية أساسيَّة في تكوين الشخصيَّة، أما وجود تناقضات بين تلك المرحلتَيْن من حياة الإنسان، فهو يؤدّي إلى ظهور نزاع شخصيّ تتوقّف طريقة حلّه على شخصيَّة الفرد المميَّزة.

ونتساءل عن العوامل التي تؤثِّر في البنية الأساسيَّة للمجتمع فنبحث عن الجواب في مجالَيْن:

1- مجال الاقتصاد السياسيّ:

"يتناول هذا الاقتصاد كيفيَّة تكوين وتوزيع الثروات[2] ما يجعل الاقتصاديِّين الكلاسيكيِّين يضعون القوانين التي تسيّر النشاط الاقتصاديّ وتتحكّم بعمليّات تكوّن وتوزيع استهلاك الثروات".

ينطلق هذا الاتّجاه من المبدأ القائل إنَّ دليل الناس في نشاطهم الاقتصاديّ هو مصلحتهم الخاصَّة وأنَّ الحافز الرئيسيّ في عملية الإنتاج هو استقصاء أكبر قدر ممكن من الربح بأقلّ قدر ممكن من الجهد.

لقد تناول "ألفريد مارشال" (مدرسة كمبريدج) النشاط الاقتصاديّ على صعيد المؤسَّسة الاقتصاديَّة بمفردها، أي المنشأة أو المشروع La Firme ou l’entreprise، وبحث انعكاسات العرض والطلب على حياة وتطوّر المؤسَّسة الاقتصاديّة، متوقّفًا عند أهميّة التوازن الجزئيّ l’équilibre partiel، وطريقة تحديد وتكوين الأسعار من خلال حركة العرض والطلب في السوق، وما ينتج عنها من نتائج تتعلّق بنمو المشاريع الاقتصاديّة وتوسيعها. تجري هذه العمليّة في إطار عامّ من الحريَّة الاقتصاديَّة المطلقة في إطار النظام الليبراليّ، حيث يُستبعد أيّ دور للدولة وللمؤسَّسات الاجتماعيَّة الأخرى، كما يستبعد أيّ تدخّل في سير هذه العمليَّة التلقائيّ.

يُشكّل الحقل اللبنانيّ مكانًا نموذجيًّا تتضامن فيه جهود الجسم التربويّ وكفاءة وتبصّر المشرّع اللبنانيّ والقيمين على سير الدولة اللبنانيَّة، إذ أنَّ القانون المستحدث أجاز للمرأة المتزوّجة مثلًا ممارسة التجارة دون الحصول على إذن من زوجها، كما أنَّ النشء الصاعد من الإناث والذكور يتمتع بحرية اقتصاديَّة مطلقة، توظّف قدراتهم دون تمييز، في المجالات كافَّة، في ظل النظام البرلماني الديمقراطيّ اللبناني.

أما الشروط الواجب توفرها في ظلّ هذا النظام الاقتصاديّ كي تأخذ القوانين الإقتصادية مداها العملي، فيمكن تلخيصها كالآتي:

‌أ. ذريّة السوق L’atomicité du marché أي التوازن بين العرض والطلب في إطار المشاريع الاقتصاديَّة المتوازية الحجم والتأثير في السوق بما يتعلق بالكميّات المعروضة والمطلوبة.

‌ب. تجانس المنتجات L’homogénéité du produit حيث تتساوى جميع المنتجات المعروضة في السوق على مستوى الصنع والجودة.

‌ج. حرية الدخول في الصناعة والوصول إلى السوقLa liberté d’entrée à l’industrie et d’accès au marché حيث بإمكان أيّ فرد أن يكون منتجًا لأي سلعة يشاء  شرط ألا تُسيء للخير العامّ.

‌د. شفافيَّة السوق La transparence du marché المجسَّدة بوجود علانية تامة في السوق، تسمح لكلّ عارض وكل طالب عمل، العلم بجميع أحوال وتقلّبات الكميَّات المعروضة والمطلوبة.

‌ه. حرية تنقّل عوامل الإنتاج L’entière mobilité des facteurs de production المجسَّدة باليد العاملة والرساميل والموادّ الأوليَّة، فلا يحول عائق أمام حركتها وتنقّلها بين مختلف الصناعات والقطاعات والمناطق.

2- المجال السياسي:

تجمع المواطنيَّة الإناث والذكور في بوتقة واحدة في إطار دورهما السياسيّ الذي يخولّهما المشاركة بحكم وإدارة الشؤون العامة كما وأنَّ حقّهما السياسيّ هو حق المواطنين في المشاركة في الحكم على صعيد الدولة.

نتكلّم في هذا الإطار عن تركيبة سياسيَّة انطلاقًا من البنية المجتمعيَّة، وضع أسسها "غبريال المون"[3]  الباحث المعاصر في العلوم السياسيَّة: "إنَّها مجموعة العلاقات السائدة في المجتمعات المستقلّة، تقوم بوظائف التكامل intégration والتكيّف adaptation، وذلك باللجوء أو التهديد باللجوء الى إكراه ماديّ وشرعيّ".

من شأن الشرعيَّة النسبية ضمّ تركيبات سياسيَّة دكتاتوريّة غالبًا ما تكون شرعيتها موضع استفهام، أو تركيبات ثورية حيث تكون أسس الشرعية متجهة نحو التغيير، أو تركيبات شرقية عربيَّة تتضمن عدة أنظمة شرعيَّة. نعتبر أن الإكراه الماديّ La contrainte physique يشكل الطابع الوحيد الذي يمييز التركيبة السياسية عن البنى الاجتماعية الأخرى.

لما الإكراه الماديّ؟

حين يتمرّس المرء على هذا الإكراه، يصبح حرًا وقادرًا على التضحية بالذات حين يقتضي الواجب الوطني بذلك، لذا تجهد سياسات الدول الساعية الى توازن اجتماعيّ سياسي، إلى تربية النشء على التمرّس في الرياضة والكشفيّة والخدمة العسكرية والتربية المدنية المبنية على أن صوت الحق وميزان العدل لا ينتصران إلا بشعور متبادل بين الحكام وشعبهم وبتفاعلهم مع قضاياه وصولًا الى التفاني والتضحية بالذات.

3- المجال التربويّ:

كيف تساعد التربية المدرسيّة وما تتضمّن من تقنيات تربوية حديثة، على تكوين شخصية الفرد الاجتماعية المتوازنة؟

نتكلّم بداية عن النظام التربويّ ونقول إنه التهذيب والتأديب discipline pédagogique بناءً على مجموعة قوانين وأنظمة متساهلة حينًا وصارمة أحيانأ أخرى منعًا للتخاذل وإرساءً للمبادئ وللقيم السويّتين، كما أن هذه القوانين تلحظ التهنئة والتشجيع للأفراد المنضبطين الفاعلين في إطاره.

لقد حدد دوركهايم، عالم الاجتماع القدوة، عمل التريبة بكونه "مسعى أجيال الراشدين لتوجيه تلك التي لا تملك النضوج اللازم للقيام بعملية التأقلم الاجتماعي"، كما وضع مفاهيم أساسية مختارة هي بمثابة إرث مُعدّ للانتقال الى الأجيال الجديدة يُسمى الثقافة المدرسية الممثلة بوجهين: وجه الثقافة الشاملة والعالمية، ووجه المعارف المرسّخة ضمن إطار اجتماعي واقتصادي وسياسي محدد.

المفاهيم هي التالية:

إنتقال المعارف، إنتقال الإختصاص، إنتقال القدرات، إنتقال المواقف والاتجاهات، إنتقال العادات، إنتقال القيم.

يتضح لنا مما تقدم، أن تلك المفاهيم تضعنا في إطار الممارسات والنشاطات الاجتماعية المختلفة، وفي إطار الأبحاث أو الإنتاج أو النشاطات المنزلية والثقافية التي تشكل مرجعًا للنشاطات المدرسية أو بتعبير آخر تشكل الإطار التجريبي وحقل الاختبار الطبيعي أو الرمزي لكل عمل تعليميّ يقوم به ذوي الاختصاص أو المعلّمين المتخرجين من الجامعة، مالكي "معرفة العلماء"Les détenteurs du savoir savant حيث يعود تعليم المعرفة الى الأصول Les ascendants في إطار معرفة العلماءLe savoir savant والى الممارسات الاجتماعية المرجع Les pratiques sociales de référence

ونقترح استطرادًا هذا الرسم التصويري المجسد لعملية تقويم المعرفة المدرسية


أما كيفيّة التطور التعليمي لإنتقال المعرفة المستوعبة فنقترحها كالآتي:

‌أ. تعميم المحتوى.

‌ب. تعميم أهميَّة الفصول الواردة في البرنامج.

‌ج. المتغيّرات الممكنة.

تجسّد هذه المحتويات في إطار مراحل متتالية ومترابطة تكوّن في مجملها ظاهرة الإنتقال التعليمي الإرشادي L’enseignement didactique كالآتي:





نتوقف لحظة لنشرح أهمية التماثل والتطور الدوري بين التعلّم L’apprentissage والفهمLa
comprehension حسب الباحث والمربي "سميث" الذي أورد ما يلي:



يضيف عالم النفس Piaget ان العاطفة ضرورية لتنشيط عمل العقل. ويمتلك المتعلّم القدرة على بناء الهيكليات إنطلاقًا من المبدأ القائل إن مصدر المعرفة هو العالم الخارجي والخبرة الشخصية التي من شأنها تغيير الأفكار الموروثة.

تؤدي النظرية التعليمية القائمة على بناء الهيكليات الى نظرية هيمنة الأشياء الخارجية والى وجود التربية المبنية على جدلية الفرد بالنسبة وبالتواصل مع الشيء بمساعدة المعلّم المدرّب Le professeur entraineur والموجه للكفاءات المزدوجة، التنظيمية منها والإصطحابية L’organisation et l’accompagnement.

هكذا يصبح بمقدور طالب العلم، الاستعانة بالمدرب وبتقنيات المعلوماتية، كتقنية "التيس" حيث يحضّر التلميذ درسًا متكاملًا في التعليم الأساسي، مستعينًا بالحاسوب الألكتروني، متممًا وضع أصول تحديد المحاور التعليمية بحسب مبادئ النظرية التجريبية العقلية.

يتّضح مما تقدم أن عملية الفهم وإعطاء معنى جديد للعالم المحيط بالمتعلّم، تساهم في تكوين شخصية الفرد الملتزم في مجتمعه والساعي الى العطاء والتغيير في المجالات العلمية والتخصصية عامة حسب شخصية إجتماعية متوازنة: المهندس، الكاتب، المعلم، الطبيب، المهني...

كيف تساعد التربية الأسرية على تكوين شخصية الفرد الاجتماعية المتوازنة؟

تبنى المجتمعات على إيجابيات القبول بالآخر وإرادة التواصل معه والعمل سويًا وليس العكس. فمَن هو الآخر؟

إنه بداية أبي وأمي وأخي وأختي، أي أفراد الأسرة النواتية الواحدة، نواة المجتمع الأساسيّة. فالمنزل الأبويّ هو المكان الأول الذي يعيش فيه الطفل ومنه يستمد المكونات الأولى لشخصيته، عبر تواصله مع والديه، اللذان يرعيانه ويوجهان سلوكه في إطار عملية التأقلم الاجتماعي.

يظهر الرسم التوضيحي التالي كيفية التواصل بين الأبوين وطفلهما.




يجري التواصل بين الأبوين وأولادهم، على امتداد مراحل تطورهم العمري في إطار ما يدعى "تصرف الأبوين أمام مشكلة معينة" حين يتخذان موقفًا، ويعبران عنه "بحواجز" إثني عشر غالبًا ما تحدّ من التواصل بين المُرْسل والمتلقي:

الجواب الأبوي على مشكلة مطروحة

الحاجز

1- لا أسمح أن تتخلّى عن التزامك المدرسي!

صفة الأمر والطلب

2- إذا تخلّيت عن التزامك المدرسي، أمنع عنك سبل العيش

صفة التهديد والإنذار

3- الاختيار العلميّ هو الأغنى

صفة الوعظ والخطبة

4- لما لا تضع مخطّطًا واضحًا لواجباتك المدرسيَّة؟

صفة النصح وإعطاء الحلول

5- عرفتك تلميذًا قديرًا

صفة المدح والتهنئة

6- تتكلّم على طريقة أولاد الشارع

صفة الإذلال والإهانة

7- تؤمّن الشهادة الجامعيّة ضعف ما سوف تدخله في عملك اللامتخصص مستقبلًا.

صفة إقامة الحجّة المنطقيّة والوعظ

8- ينقصك النضج لذى فإنك لا ترى بعيدًا

صفة إعلان الحكم والنقد والتوبيخ

9- ترفض المدرسة لأنك تخاف القيام بالمجهود اللازم

صفة التفسير النفسيّ والشخصيّ المرضيّ

10- لن نتحدّث عن مشاكلك على المائدة، فهلاّ حدثتنا عن نشاطاتك الرياضيّة؟

صفة الخروج عن الموضوع والاجتناب Esquiver

11- كيف ستؤمن معيشتك إذا لم تحصل على شهادة تخصصية؟

صفة التساؤل

12- أفهم إحساسك الرفضي للمدرسة، لكنك سوف ترتاح في النهاية.

صفة الاطمئنان والتعزية

يبدأ التوجيه التربوي برسائل تدعى رسائل "الأنت" ذات نتائج سوف نتطرق لها لاحقًا، ذلك أن الأبوين يتّخذان موقفًا، غالبًا ما يولّد ردة فعل لدى الأطفال والأحداث والمراهقين والشباب، تختلف من حالة الى أخرى، بين اللجوء الى التوقف عن الكلام والتزام الدفاع عن النفس، أو النقاش والهجوم المضاض، بين الشعور بالإحباط والغضب والشعور بالذنب وعدم الرضى والشعور بإهمال الوالدين لهم.

تتقابل هذه العلاقات التوجيهيّة الصارمة مع أخرى أكثر نقاوة حيث تضمحل المشكلة لدى الأهل ولدى الولد ويستطيع المربّون إصدار أي رسالة باتجاه أولادهم دون خوف من توتير العلاقة بينهما ويظل هؤلاء في خانة اللامشكلة ما يخولّ الأبوين تمرير رسالتهما التربويّة وتوجّهاتهما الآنية دون الخوف من إتلاف التواصل الإيجابيّ مع أبنائهما إنطلاقًا من نتائج رسائل "الأنت":

* يقاوم الأولاد ويعارضون الأهل حين يصدرون الأمر المرفق بالوعيد والمجسّد بدروس وعبر، فيبتعدون عنهم معبرين عن اضمحلال الثقة وفشلهم في تأمين المساعدة.

* يفقد الأولاد الثقة بنفسهم ويهملوا حاجات الوالدين أمام رسائل "الأنت" الموجّهة إليهم من قبل هؤلاء، كما يغرقون في أتون الشعور بالذنب المهدم للشعور بتقدير الذات.

* يشعر الأولاد بكره الأهل وإهمالهم لهم حين تتوالى الشتائم المعبّر عنها بتعابير "أنت شرير"، "أنت خبيث"، "أنت أحمق"، "أنت طائش"، "أنت غير مكترث"، وغالبًا ما يجيب الأولاد على "رسائل الأنت" السلبية الموجهة إليهم من قبل الوالدين، بأجوبة ذات طابع مذلّ ومهين في آن كالقول: "أنت أيضًا دائمًا تشكو من التعب والإعياء!" "أنت أيضًا مهمل ولا ترتب أغراضك!" "أنت أيضًا دائم الانتقاد ولا شيء يرضيك!"

أين يكمن الحلّ؟

أن يهتم الأهل بردّة فعل أولادهم على رسالة تربوية محدّدة تصدر عنهم، يجعل الأولاد يغيرون تصرّفهم الخاطئ أمام تفهّم والديهم للصعوبات المترتبة على فلذة أكبادهم. يرتاح الأولاد حين ينصت لهم أبواهم بطريقة بنّاءة ويحاورونهم حول مشاكلهم، ما يساعد الولد على إضعاف ردّات فعله الانفعالية ومحاولة إرضاء حاجاتهم الملحة. إن من شأن هكذا منحى تربوي مرتكز على تفسير سبب وجود مشكلة لدى الأهل، يجعل من الأولاد عنصرًا مساعدًا لوالديهم بعيدًا عن استعمال القوة الجسدية أو الضرب أو التهديد والعقاب السلبي.

النشاط اللاصفي شغل الوالدين الشغال:

يجري هذا النشاط خارج الأسرة وخارج المؤسسة التربوية أي في الصف تحديدًا. إنّه كل نشاط يتعدى الموادّ الدراسية المنصوص عنها في منهج التعليم ضمن توزيع الجدول الأسبوعي الدراسي المقرّر، فلا يكون الطالب مسؤولًا عن تقديم امتحان يقرر على ضوء نتائجه ترفيعًا الى صف أعلى أو إعادة للصف ذاته، ولقد اكتسب هذا النشاط أهمية بالغة بالنسبة للدور الفاعل الذي يلعبه في تنمية شخصية الطفل والكشف عن ميوله وتعزيز قدراته وقواه الكامنة، لذا أخذت معظم الأنظمة التعليمية تتعاون مع الأهل لتنسيق هذه النشاطات وتطورها وتوليها كل عناية واهتمام:

أ - نشاطات علمية وثقافية:

تتجسد هذه النشاطات بنادي الطبيعة، نادي العلوم بما في ذلك العلوم الإجتماعية والتاريخ والجغرافية، نادي اللغات، نادي الكتاب والمطالعة، نادي جمع الطوابع، نادي النشاطات .

ب - نشاطات فنية:

نادي الموسيقى، نادي الرقص، نادي المسرح والتمثيل، نادي الرقص الفلكلوري.

ج - نشاطات إعلامية:

مجلة المدرسة، صحيفة الصف، بريد إلكتروني خاص بالمجموعة.

د - ندوات إعلامية:

محاضرات، لقاءات، عرض أفلام.

ه - نشاطات وريادة اجتماعية:

نادي الكشفيّة، نادي الخدمة الاجتماعيّة، نادي الدفاع المدني، نادي القرية، ندوة الإسعافات الأولية.

و - نشاط رياضي:

نادي ألعاب الفرق ككرة الطاولة، نادي الألعاب الداخلية Intramural، نادي الهواء الطلق، نادي السباحة، نادي النشاط الرياضي الحر (المشي وتسلق الجبال وصيد الأسماك)

تشكل هذه النشاطات نموذجًا يفسح المجال أمام الطلاب والتلاميذ، للاشتراك بأعمال قيادية ضمن النادي الواحد، كما تُجرى مباريات إنتخاب وتمثيل من شأنها تشكيل مجالس إدارية تتوزّع في طياتها المسؤوليات المختلفة على غرار الجمعيات والمنظّمات الاجتماعية العاملة رسميًا في إطار المجتمع المدني.

ز - نادي تعليم المعلوماتية وإستعمالاتها في مجالات تعليمية عدة:

نستخلص مما تقدم المعادلة التي تجمع بين نظام تربوي حرّ وشخصية إجتماعية حرّة أي مسؤولة. تدخل هذه المعادلة في إطار تطبيق المادة العاشرة الواردة في الدستور اللبناني: التعليم حرّ ما لم يخلّ بالنظام العام أو ينافي الآدب أو يتعرّض لكرامة أحد الأديان أو المذاهب.

فالنظام التربوي هو "القيمة الدالة" التي ارتكز عليها "مارسيل موس" البحاثة في علم تكوين المجتمعات، والذي وضع الدراسات الأحادية الأنتولوجية حول السلوك الجسدي في المجتمعات القديمة.

قال في كتابه "علم الإجتماع والإناسة"[4] "أن بنية الجسد الاجتماعية تتكيف مع ما هو أقرب الى حاضر الطبيعة من النشاط والحركة والاتصال والانفصال والتأقلم، يحصل ذلك عن طريق الثقافة والتقليد والتكيف. تمثّل تقنيات الجسد مختلف الطرق التي يتقنها البشر في استخدام جسدهم بصورة تقليدية أو حديثة متطورة، لإنها أداة الإنسان الأولى الأقرب الى الطبيعة والمجتمع، على مستوى المواقف المستجدة أو الحركات اليومية أو أي تقنية تخدم حاجاته وطموحاته".

أختم هذا البحث باقتراح شرعة تعليمية توضح أن أطفالنا وشبابنا يتعلمون ما يعيشونه من أجواء نفسية وتنظيمية، تلقنهم قيمًا ومواقف سوية وبناءة لتكوين شخصية إجتماعية مميزة:

أ -  التصرّف الرديء الواجب الإقلاع عنه:

عندما يتعلم الطفل الانتقاد، يتعلم الإدانة.

عندما يعيش العداء، يتعلم المقاتلة.

عندما يعيش السخرية، يتعلّم الخجل.

عندما يعيش التخجيل، يتعلّم الإحساس بالإثم.

ب - التصرف السويّ الواجب وجوده:

عندما يعيش التسامح، يتعلم الصبر.

عندما يعيش الثناء، يتعلم الذوق.

عندما يعيش المساواة، يتعلم العدالة.

عندما يعيش الطمأنينة، يتعلم الإيمان والثقة بالنفس.

عندما يعيش الموافقة، يتعلم تقبّل الذات.

عندما يعيش التقبّل والصداقة، يتعلم حبّ الناس.



* باحثة اجتماعيّة وأستاذة في علم الاجتماع وفي الأنثروبولوجيا؛ حائزة شهادة دكتوراه دولة في علم الاجتماع التربويّ.

[1]   Henri Mendras, “Elements de sociologie”, Armand colin, Paris 1967. p. 31.

[2]   د. نجيب عيسى، "مرشد لمادَّة علم الاجتماع الاقتصاديّ"، السنة الثالثة الجامعة اللبنانيَّة، معهد العلوم الاجتماعية 1974-1975، ص 62.

[3]   Gabriel Alman “the politics of the developing areas”, Princeton  university press, 1970.

[4]   مارسيل موس، "علم الإجتماع والأناسة"، المطابع الجامعية الفرنسية، 1966.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق