اللّوحة زيتيّة على قماش بريشة الفنّانة التّشكيليّة اللّبنانيّة لمياء لبّان جمّول عضو جمعيّة تراث بيروت

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

سهيل منيمنة

المواطنة بين الحنين والنّوستالجيا :علاقة المواطَنة بالموروث المكانيّ - بيروت مثالًا

في العام 1831 دخل إبراهيم باشا المصريّ بجيشه إلى بيروت، ولكنّ الأنباء الواردة كانت تتحدَّث عن كثرة الوفيَات بين الجنود المصريّين في بلاد الشّام، لأسباب غير معروفة، فكلّف والده محمّد علي باشا الدّكتور كلوت -Clot  باشا،  مؤسّس مستشفى قصر العينيّ في القاهرة بدراسة هذه الظّاهرة، فوضع تقريرًا أوضح فيه أنّ سبب الوفيَات يعود الى حنين الجنود المفرط إلى موطنهم في مرض يُعرف بالنّوستالجيا. هذا المرض تمّ تشخيصه في القرن السّابع عشر من الطّبيب السّويسريّ يوهانس هوفر Johannes Hofer، وهو يصيب مَن يعانون من اشتياق شديد للوطن، وما ينتج عنه من أعراض.

الحنين من منظور المواطنة التّراثيّ المكانيّ هو الحالة التي يتحرّك فيها الشّخص بين مكان الإقامة ومكان المنشأ، الأمر الّذي يخلق إحساسًا متخيّلًا أنّ مكان الإقامة هو ليس "المنزل" حقًّا، ويصبح الحنين أكثر من مجرد شوق إلى الألفة والرّاحة في المنزل، بل يتحوّل إلى شعور بفقدان العلاقات مع الهويّة[1].

 شاهد من الأيام البيروتيّة

"حنين" حيّ الطّمليس

كانت بيروت القديمة مؤلّفة من عدّة محلّات (جمع محلّة)، منها محلّة الدّركاه، وكان موضعها ما بين شارع المعرض وجنوبيّ شارع المصارف اليوم. وكانت تلك المحلّة تحتوي على عدّة أزقّة (جمع زقاق) وزواريب (جمع زاروب)، وهو عند العامّة زقاق طويل ضيّق. ومن ضمن زواريب محلّة الدّركاه، كان هناك واحد عرف باسم "زاروب الطّمليس" وكان ضيّقًا ومعتمًا لأنّه كان مغطّى بالقناطر، وفيه كثير من البيوت التي كانت تقطنها عائلات بيروتيّة معروفة مثل آل الفاخوري، وطبّارة، وبدر، وجدايل وغيرهم، ولذلك لم تكن أشعّة الشّمس تصل إليه، بل كان النّور فيه ضعيفًا، فلا يكاد مَن يمرّ فيه يرى أمامه إلّا بصعوبة. ومن هنا تسميته بالطّمليس.[2]

بعد هدم بيروت القديمة أثناء الحرب العالميّة الأولى، انتقل السّكّان الذين كانوا في المحلّات القديمة من البلدة إلى أماكن جديدة. وكان منهم مَن سكن في زاروب ضيّق، يبدأ في كورنيش المزرعة الحاليّ قبل جامع عبد النّاصر، وينتهي في ساحة أبو شاكر، فسمّوا الزّاروب المذكور بزاروب الطّمليس تيمّنًا بالزّاروب السّالف الذكر.

وهناك شواهد أخرى كثيرة مماثلة لقصّة هذا الحيّ البيروتيّ، تعكس "حنين" المواطن لموروثه المكانيّ الأصيل، من خلال إصراره على الاحتفاظ باسم الموقع الذي ثبت في ذاكرته.

العلاقة الإنسانيّة

إنّ علاقة المواطن بموروثه المكانيّ والمكان الذي يعيش فيه ظاهرة ليست وليدة الحداثة والتّطوّر العمرانيّ، بل هي موغلة في القدم. إنّ علاقة الإنسان بالبناء كانت إحدى نقاط مناقشات مجالس الفلاسفة اليونان قديمًا، وممّا وصلنا منها، مقولة أبقراط وقد ذكر فيها أنّ "انتقال النّاس من منطقة إلى منطقة لم يكن في صالح الفرد من النّاحية الصّحيّة والنّفسيّة، وربّما أدّى ذلك إلى تدميره. تمّ ربط هذه الظّاهرة بعدم تحمّل الإنسان لبيئته الجديدة، إنْ كان من خلال ما يراه ببصره، أو من خلال مأكله ومشربه وطريقة عيشه."[3] ويمكننا القول إنّ هذه المراقبة استمرّت عند المتخصّصين إلى نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين.

نستنتج من ذلك، أنّ هناك علاقة عضويّة بين الإنسان في كلّ رمز من الرّموز الشّائعة والمعمّمة باللّاوعي عند الجماعة، حيث تنبثق عن هذا الرّمز الشّخصيّة الشّعبيّة وتراكمها تراثيًّا، ويشكّل هذا التّراكم نوعًا من نموذج أو قالب يستطيع المواطن التّماهي معه، فيميل إلى إعطاء نفسه جذورًا، تختصر عددًا من الخطوط المعقّدة، لتعمل على حلّها. منها ما وصلنا من الذّاكرة البيروتيّة كصفات وأخبار من أُطلقت عليهم ألقابًا تدلّ على الشّخصيّة الشّعبيّة.[4] 

علاقة المواطَنة بالعمران

من الملاحظ أن العمران التّقليديّ كان يتناسب مع البيئة الاقتصاديّة والاجتماعيّة عند أيّ شعب من الشّعوب، فالرّومان على سبيل المثال كانوا يعكسون في عمارتهم منطق القوّة ورغد العيش، بينما اتّجه اليونانيّون إلى إظهار الأناقة والتّرتيب. وقد وصلت الدّراسات المتعمّقة في هذه النّاحية إلى خلاصة مفادها أنّ علاقة الإنسان بالبناء تشبه إلى حدّ بعيد العلاقة بين الإنسان والإنسان. بمعنى أنّ الفرد عندما ينظر إلى البناء يستشعر ويرى مكانه في المجتمع المحيط به، من خلال تواصله الدّائم مع ما يراه، ويشعر به.

تقول الباحثة المهندسة د. ماريّا أ. الحلو: "هناك نوعان من التّواصل: الأوّل "من... إلى" (من الدّاخل إلى الخارج)، والثّاني "إلى... من" (من الخارج إلى الدّاخل). أمّا النّوع الأوّل (من الدّاخل إلى الخارج) فتتدخّل فيه العواطف إلى حدّ بعيد، وهنا يجب عدم الخلط بين العواطف والأحاسيس أو الشّعور، فعند الإنسان أربع عواطف طبيعيّة تولد معه هي الفرح، والحزن، والخوف، والغضب. أمّا المكتسبة فتشمل الحياء والشّعور بالذّنب على سبيل المثال. أمّا التّواصل (من الخارج إلى الدّاخل) فيتجلّى أكثر ما يتجلّى في رغبة الإنسان بأن يقبله مجتمعه كما هو."[5]

لتوضيح هذا الأمر أكثر يمكننا دراسة ومتابعة انتقال الرّيفيّ مثلًا من بلدته إلى بيروت بهدف تحسين أحواله الاجتماعيّة التي لم تكن لتوجد أصلًا، إلّا نتيجة نوع مكتسب من الفراغ، ربّما بسبب نوع من العزلة على الرّغم من تفوّق المرتحِل في عمله وتجارته، كما هي الحال مع أكثر مَن استقرّ في العاصمة. والكلام في هذا الباب يطول. انظر[6].

وفي المجتمعات الشّرقيّة عامّة يكون ارتباط المواطَنة بالبيئة المكانيّة غالبًا من خلال المعالم الدّينيّة. يقول الكاتب الفرنسيّ الشّهير غوستاف لوبون Gustave Lebon في كتابه "حضارة العرب" ما يلي: "المسجد هو مركز الحياة الحقيقيّ عند العرب... لم يكن الباعث على بناء المساجد في صدر الإسلام مقصورًا على الأغراض الدّينيّة وحدها، بل كان يرجع إلى أسباب سياسيّة واجتماعيّة... تُستخدم منذ ظهور الإسلام لاجتماع المسلمين فيها... ولمّا لم يكن الفصل بين السّياسة والدّين ممكنًا، أصبح المسجد المكان الذي تذاع منه الأخبار الهامّة التي تتعلّق بالصّالح العامّ".[7]

يقول صديقنا المؤرّخ عبد اللّطيف فاخوري عن المواطَنة المكانيّة إنّها: ".. تكون إمّا فرديّة أو جماعيّة بطبيعة الحال. فالفرديّة داخل البيت تتجلّى بما يحفظ حرمته وخصوصيّة ساكنيه، والجماعيّة خارجه، من حيث الانسجام مع الأبنية المجاورة والملاصقة. ويمكن ملاحظة التّناسق بين العائلة والبيت والمدينة، فبيروت القديمة كان يحدّها سور تقفل أبوابه مساءً، والبيت مقفل على الخارج لا ينبئ مظهره بداخله، فالعائلة تتوزّع غرفه، وتشترك في منافعه العامّة بعيدًا عن أعين الغرباء، ويتحرّك أفراد البيت، ويتنقّلون ويمشون فيه بكلّ راحة وطمأنينة. إذا أمطرت جلسوا تحت القسم المسقوف من أرض الدّار، الفسحة السّماويّة، وإذا اعتدل الحرّ جلسوا حول البركة في وسط الفسحة المذكورة، وإذا اشتدّ الحرّ صيفًا صعدوا إلى العليّات، وسهروا وتمتّعوا بالهواء الغربيّ الذي وصفوه بالحنون، وغنّوا له: يا رب يدوّر غربي تيرجع حبيب قلبي."[8]

"الحنين" في تسميات مناطق بيروتيّة

تكثر في بيروت مناطق تُنسب إلى أشجار،على سبيل المثال، بحيث تصبح الشّجرة مع الزّمن من معالم منطقة معيّنة وإحدى رموزها، أو أن ترتبط شجرة بواقعة محدّدة تحفظها الذّاكرة الشّعبيّة، أو تنسب إلى شخصيّة تتسمّى بها. قديمًا سمّيت عدّة مناطق، نسبة إلى شجرة الخرّوب، منها ما كان في منطقة المصيطبة، وعين المريسة، وميناء الحصن، وخرّوبة المعقصة في رأس بيروت، وخرّوبة التّنير في محلّة شوران.

هناك أيضًا محلّة الدّراقن التي كانت تقع أمام باب كنيسة الرّوم في باطن بيروت (ساحة النّجمة اليوم)، ومحلّة السّنطيّة (نسبة إلى شجرة السّنط) في ميناء الحصن، ومحلّة الزّيتونة المعروفة فيها أيضًا، وكرم الزّيتون في منطقتين هما: النّويري والأشرفيّة، ومحلّة الصّنوبرة في رأس بيروت، وعدّة مناطق منسوبة لأشجار النّخل والتّين.

أمّا عن المناطق المنسوبة إلى شجرة الجمّيز فحدّث ولا حرج. لقد كان في بيروت ما يقارب اثنتي عشرة محلّة منسوبة إلى هذه الشّجرة، لم يبق منها اليوم سوى محلّة الجمّيزة المعروفة، وقد تكلّمنا عن ذلك مطوّلًا في مقالة سابقة.[9]

خلاصة

إنّ ارتباط الفرد ببيئته المكانيّة من أهمّ العوامل التي تشكّل المفهوم العامّ للمواطنة. يلاحظ المهندس الأمريكيّ الشّهير لينش أنّ الخرائط الذّهنيّة التي يُنشئها النّاس فريدة لكلّ فرد، وهناك عناصر من كلّ صورة عقليّة نادرًا ما يتمّ وصلها بأشخاص آخرين أو ربّما لا يتمّ ذلك أبدًا. إنّ الذّكريات أو الرّوابط العاطفيّة أو التّاريخ الشّخصيّ يخلقون معالم عاطفيّة خاصّة قد لا تتمّ مشاركتها مع أشخاص آخرين[10].

يمكن القول إنّ المواطّنة المتجذّرة في الموروثَين المادّيّ والاجتماعيّ في لبنان بخير، على الرّغم من كلّ الظّروف القاسية التي يمرّ بها الوطن. خير دليل على ذلك "الحنين" البنّاء الذي شاهدناه في جمعيّة تراث بيروت من خلال عملنا على الأرض بعد تفجير مرفأ بيروت الإجراميّ، والذي تجلّى بإصرار السّكّان في المناطق المتضرّرة في المحافظة على النّسيج الاجتماعيّ، وصدّ الأهالي الرّائع للمصطادين في الماء العكر ممّن أرادوا استغلال الظّرف المؤلم لشراء العقارات، خاصّة في محلتَيّ الجمّيزة ومار مخايل.

إنّ الحنين، برأيي، صفة بشريّة يمكن تطويعها حضاريًّا، لإثبات المواطنة الحقّة، على عكس النّوستالجيا التي غالبًا ما تكون هدّامة، فإذا كان إحياء التّراث والحفاظ عليه مطلوبًا فلا يجب أن يتحوّل الحنين إليه إلى... نوستالجيا.



* رئيس جمعيّة تراث بيروت.

[1]   Boym, Svetlana. The Future of Nostalgia. New York: Basic Books, 2001.  

[2]   عبد اللّطيف فاخوري. منزول بيروت، ط.1، بيروت: خاص - عبد اللطيف مصطفى فاخوري، 2003.

[3]   Hippocrates. Great Books of the Western World. Vol. 9. Encyclopaedia Britannica. Third Printing, 1992.

[4]   رمزي النّجار. "الشّخصيّة المدينيّة بالمفهوم الدّيموغرافيّ". ندوة "تراث بيروت في الحفظ والصّون" المنعقدة في أوتيل البريستول في بيروت بتاريخ 20 آذار/ مارس 2009؛ مطبوعة من إعداد د. نادر سراج، ط.1، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، 2010.

[5]   ماريا الحلو. محاضرة لجمعيّة تراث بيروت في نقابة المهندسين في بيروت بعنوان "بيوت بيروت بين التّراث والاستمراريّة"، 12 كانون الأوّل/ ديسمبر، 2017.

[6]   سهيل منيمنة. "استعادة وجه بيروت التّراثيّ"، النّدوة التّواصليّة التّاسعة لمركز التّراث اللّبنانيّ في الجامعة اللّبنانيّة الأمريكيّة من إعداد وإدارة الشّاعر هنري زغيب، 17 آب/ أغسطس 2020.

[7]   Le Bon, Gustave: La civilisation des Arabes. Editions de la Fontaine au Roy, 1990.  

[8]    عبد اللّطيف فاخوري. البيارتة: حكايات أمثالهم ووثائق أيّامهم، ط.1، بيروت: دار الرّيحانيّ.

[9]    سهيل منيمنة. "جمّيزات بيروت: رحلة في الذّاكرة المكانيّة". اللّواء، (20 آذار/ مارس 2020).

[10] Lynch, Kevin. The Image of the City. Cambridge: MIT press, MA. 1st ed. 1960, 9th printing 1988.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق