هل الشّفافيّة في لبنان وهم أم تطبيقها ممكن؟

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ

الشّفافيّة في القطاع العامّ في لبنان: بين الضّرورة وتعقيدات الواقع

مقدّمة

إنّ أحد الأسباب الأساسيّة التي تجعل من الفساد إشكاليّة مستعصية في لبنان، في الحقلَين العامّ والخاصّ على السّواء، تحوّل السّلوك المنحرف عن متطلّبات الأخلاق المهنيّة الملازمة الوظيفة أو العمل إلى سلوكٍ طبيعيّ تأصّل مع مرور الزّمن، بل تراه أصبح "شطارة" كما يسمّيه جورج قرم. إذ أصبح الاحتيال على القانون أو إهماله أو تسخيفه بغية نهب الدّولة أو سرقة المال العامّ ثقافة شائعة، تعزّزها بطريقة متواصلة سياسة المحسوبيّات والضّغوطات التي تمارسها المرجعيّات الطّائفيّة في التّوظيف وتسيير الأعمال على نحوٍ يخدم مصالحها السّياسيّة أو الاقتصاديّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ انتهاك القوانين والقواعد الأخلاقيّة، وسوء استخدام الوظائف العامّة، وسهولة قبول الرّشوة أو المكافآت الماليّة أو الوظيفيّة تحوّل القطاع العامّ بل والخاصّ أيضًا إلى فسحتَين تسودهما شريعة الغاب. فأعمال الرّقابة الحكوميّة غير فعّالة إن لم نقل مَسْخرَة، شأن سائر مشاريع محاربة الفساد وإصلاح الإدارات العامّة والقطاعات الماليّة والاقتصاديّة التي يجري الكلام عليها من حينٍ إلى آخر. إذ لا يمكن تحقيق شيء من كلّ هذا ما دامت إمكانيّة المحاسبة معدومة في وقت يبدو  القضاء نفسه، كما نرى في الوقت الرّاهن، شبه مشلول وخاضعًا للضّغوطات السّياسيّة. وفي مقابل مشهد الفساد المريع هذا، الآخذِ بالتّفاقم تبعًا لمؤشّر منظّمة الشّفافيّة الدّوليّة، تبرز حاجة ماسّة إلى الكلام على أهميّة الشّفافيّة بصفتها طريق خلاص، والبحث عن سبل تطبيقها.

ما هي الشّفافيّة، وما هي نتائجها؟

في البلدان الدّيموقراطيّة العريقة تُعتبر الشّفافيّة في القطاع العامّ حقًّا من حقوق المواطنين، وتعني إمكانيّة كلّ مواطن في الحصول على المعلومات التي يريدها في ما خصّ تفاصيل عمل الإدارات العامّة، والقرارات التي تتّخذها تلك الإدارات وطرق تنفيذها. وبكلام آخر، تُعطي الشّفافيّة المواطنَ حقّ الولوج إلى المعلومات التي يريدها في الإدارات العامّة؛ وهذا يفترض، إذًا، أن تكون تلك الإدارات مجهزّة بكلّ ما يلزم تقنيًّا لحفظ المعلومات، وتسهيل الاطّلاع عليها. بالطّبع، ثمّة اختلاف من بلدٍ إلى آخر في ما خصّ القوانين المتّبعة التي تسمح بالحصول على المعلومات وشروط التصرّف فيها، ولكنّ مبدأ الشّفافيّة يبقى القاسم المشترك، لا سيّما أنّه يُبيِّن بتزايد دوره الرّائد في تحسين أداء الوظائف العامّة بل وتحسين الأنظمة الدّيموقراطيّة نفسها.

ففي ما خصّ الوقع الإيجابيّ على الممارسة الديموقراطيّة، فإنّ الشّفافيّة تؤدّي إلى ازدياد مشاركة المواطنين في النّقاش واتّخاذ القرارات العامّة، وتنامي القدرة على محاسبة المسؤولين.

بحسب وثائق الأمم المتّحدة، تكتسب المحاسبة ثلاثة أبعاد على صلة بواجب مَن يشغلون السّلطة في تحمّل مسؤوليّة أعمالهم، وإعطاء المواطنين تفسيرات عن القوانين التي يتّخذونها، وتؤثِّر في حياة المواطنين وخضوعهم للعقوبات القانونيّة، في حال اتّضح انحراف سلوكهم أو أجوبتهم عمّا هو مطلوب. أمّا البعد الأوّل فهو المسؤوليّة التي تفترض أن يكون لـمَن يشغلون مناصب السّلطة واجباتٌ واضحة، ومعايير أداء محدّدة بحيث يمكن تقييم سلوكهم بشفافيّة وموضوعيّة. وأمّا البعد الثّاني فهو المساءلة التي تتطلّب من مسؤولي الوظائف العامّة ومؤسّساتها أن يقدّموا التّبريرات المنطقيّة إلى المواطنين الذين تأثّروا بقراراتهم، وإلى المنظّمات التي تراقب أعمالهم والهيئات النّاخبة وجميع المواطنين. وأمّا البعد الثّالث فهو قوّة الإنفاذ التي تتطلّب اعتماد آليّات تحدِّد درجة امتثال موظّفي القطاع العامّ والمؤسّسات العامّة للمعايير الوظيفيّة والقانونيّة المعمول بها، والتأكّد من حسن تطبيق الإجراءات التّصحيحيّة والعلاجيّة المناسبة.

وفي الاتّجاه عينه، ترتبط المحاسبة ارتباطًا متينًا بحقوق الإنسان، إذ تتّصل تلك الحقوق مباشرة بالعلاقة القائمة بين الممسكين بالسّلطة والوظائف العامّة والمواطنين أصحاب تلك الحقوق. فبقدر ما تهدف هذه الحقوق إلى تنمية الإنسان، وليس مجرّد الدّفاع عمّا هو حقّ له فحسب، فإنّها تُعطي ممارسة السّلطة وجهةً واضحة، ألا وهي خدمة هذه التّنمية. لذا، فالمحاسبة تشمل حكمًا وقانونًا درجة تحقيق أهداف التّنمية من المسؤولين. وفي الواقع، بقدر ما تتحوّل حقوق الإنسان إلى قناعات راسخة عند المواطنين، تصبح معايير تطبيقها مدرجة بديهيًّا في عمليّة المساءلة، ثمّ في التّأثير في اتّخاذ القرارات. فضلاً عن ذلك، تؤلِّف منظّمات حقوق الإنسان المحليّة والعالميّة عاملًا إيجابيًّا في تعزيز عمل الرّقابة والمحاسبة، ذلك أنّ حقوق الإنسان معترف بها رسميًّا، وهي مدرجة في دساتير العديد من الدّول. يمكن تلك المنظّمات إذًا أن تضطّلع بدورٍ فعّالٍ جدًّا في هذا المضمار. وعمليًّا، يتّضح في العديد من المجتمعات أنّ الشّفافيّة التي تسعى تلك المنظّمات إلى تطبيقها، تساهم بفعّاليّة في تحقيق حقوق فرديّة أساسيّة مثل التّعلّم والأمن الغذائيّ والصّحّيّ، فضلًا عن ضمان حريّتَي التّعبير والضّمير. ولا تأتي هذه النّتائج من خلال رقابة أداء مؤسّسات القطاع العامّ فحسب، بل لأنّ الشّفافيّة نفسها تحدّ من السّياسات التّفضيليّة ومخاطر تدخّل الحكومات غير القانونيّ أو المرجعيّات غير الحكوميّة التي تسعى إلى الهيمنة على حريّة الأفراد.

إضافة إلى ما تقدّم، من شأن الشّفافيّة أن تقوّي شرعيّة مؤسّسات الدّولة، إذ إنّها تزيد من ثقة المواطنين فيها. فثمّة علاقة وطيدة تنشأ بين دور المواطنين في تطبيق الشّفافيّة، ومؤسّسات القطاع العامّ التي تتجاوب ومتطلّبات تلك الشّفافيّة، وتحسين الأداء الوظيفيّ. وعلى مستوى أوسع، تساهم الشّفافيّة في الارتقاء بنوعيّة الحوكمة (governance)، من خلال تحسين تنظيم العمل في مختلف القطاعات العامّة والخاصّة، والتّشدّد في سيادة القانون من دون تحيّز. وفي الواقع، فإنّ حثّ المسؤولين في القطاع العامّ على القيام بمهمّاتهم بطريقة شفّافة على نحوٍ يمكن الاطّلاع عليه، يساهم في زيادة تحقيق معايير  النّزاهة، ومعها تتطوّر نوعيّة أداء موظّفي القطاع العامّ. وفي الوقت عينه، فإنّ الشفافيّة التي تُبادر إليها منظّمات المجتمع المدنيّ والمواطنون عامّة، ستنعكس إيجابًا، وبسرعة، على أجهزة الرّقابة في الدّولة والقضاء نفسه، إذ إنّ ذلك يخلق حلقة حميدة مثمرة (cercle vertueux). وبالتّوازي مع تحسين الحوكمة تتطوّر المواطنة أيضًا، فالمواطن الفرد يرتبط ارتباطًا أشدّ بالحياة العامّة، وينفتح بتزايد على ما يخدم خيره وخير الآخرين، مختبرًا أهميّة رأيه في اتّخاذ القوانين، ومقدِّرًا قدرته على التّفكير الشّخصيّ.

وعلى المستوى الاقتصاديّ، تزيد الشّفافيّة من ازدهار السّوق وتحسين مستوى الحياة، ليس بفضل الرّقابة على طرق التّصرّف بالمال العامّ فحسب، بل لأنّ القرارات المتّخذة تصبح مبنيّة على أسس واضحة وقانونيّة، وتشجّع على الاستثمارات والمنافسات، ولذا، فهي تؤدّي إلى انخفاض أسعار السّلع وتحسين نوعيّة الخدمات، مع تراجع إمكانيّة الاحتكار أو سنّ القوانين التي تخدم مصالح خاصّة.

كيف يمكن تطبيق الشّفافيّة؟

في الإطار اللّبنانيّ الذي تسوده غالبًا السّرّيّة والمساومات في صياغة السّياسات والقوانين التي تؤثِّر في حياة المواطنين، وترافقها انقسامات شرائح واسعة من المجتمع على أسس طائفيّة ومذهبيّة، وفي ظلّ شبه غيابٍ لعمل القضاء والهيئات الرّقابيّة الحكوميّة، يبدو تطبيق الشّفافيّة وهمًا. فأسس "المواطنة" التي تؤمِّن حسن تطبيق الشّفافيّة غائبة عن الثّقافة العامّة، ومؤسّسات القطاع العامّ غير جاهزة لتفتح سجلاّتها ليطّلع عليها المواطنون أو المنظّمات غير الحكوميّة. وفي الواقع، يحتاج تطبيق الشّفافيّة إلى جهد استثنائيّ موجّه، ليس إلى خرق "حصون" المؤسّسات العامّة، بغية الوصول إلى معلوماتها فحسب، بل إلى المواطنين أيضًا بهدف تنمية ثقافة المواطنة لديهم، وجعلهم يدركون أهميّة تطبيق مبدأ الشّفافيّة.

وفي هذا السّياق، يكتسب عمل المنظّمات غير الطّائفيّة والحكوميّة على أنواعها أهميّة خاصّة، وسيكون للمبادرات التي ترمي إلى تأسيس مثل تلك المنظّمات في مختلف الحقول الإداريّة والقانونيّة والحقوقيّة والتّربويّة دور رائد في نشر ثقافة الشّفافيّة وتحقيقها تدريجيًّا، وتشجيع المواطنين على التّعبير عن خبراتهم في الإدارات العامّة، وتقديم الشّكاوى المتّصلة بالفساد والمحسوبيّات. ومن المهمّ أيضًا أن تنسّق تلك المنظّمات عملها فيما بينها، وتعمل للحصول على دعم المنظّمات الدّوليّة المماثلة ماليًّا ومعنويًّا وقانونيًّا. ومن الضّروريّ أيضًا، على الصّعيد التّربويّ، تشجيع البحوث في ميدان الشّفافيّة ومختلف إشكاليّاتها المحليّة وطرق تطبيقها، وعقد مؤتمرات علميّة محليّة ودوليّة بشأنها.

من الثّابت أنّ كلّ جهد يهدف إلى تأصيل الشّفافيّة في المجتمع سيساهم مباشرةً في تعزيز ثقافة المواطنة الدّيموقراطيّة، لأنّه يشجّع على مشاركة المواطنين في النّقاش العامّ في ضوء ما يخدم خيرهم الشّخصيّ والمشترك على السّواء، كما يحسِّن أداء الإدارات العامّة بفضل خلق فرص المساءلة والمحاسبة؛ وعلى هذا، تزداد الثّقة بالدّولة ومؤسّساتها، وبسلامة القرارات التي تُتّخذ في مختلف الحقول.

المراجع

- BARKER Thomas and CARTER David, Police Deviance, 3rd Edition, London: Routledge,1994.

- CORM Georges, Liban: les guerres de l’Europe et de l’Orient 1840-1992, Paris: Gallimard,1992.

- www.transparency.org/en/cpi/2020/index/lbn

- www.ohchr.org/Documents/Publications/WhoWillBeAccountable_summary_en.pdf



*    نائب رئيس جامعة القدّيس يوسف وأستاذ فيها، ومدير معهد الآداب الشرقيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق