" كلّن يعني كلّن " نجم شعارات ثورة 17ت1 اللّبنانيّة، بلاغة الشّارع الشّبابيّة تحاكي روح العصر

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

إيمان ريدان

الثّورات اللّغويّة والاجتماعيّة في لبنان والعالم العربيّ: نهضة عربيّة ثانية؟


عنوان جذّاب ومثير للاهتمام، لندوة نظّمها (افتراضيًّا) المعهد الفرنسيّ للشّرق الأدنى في بيروت أواخر كانون الثّاني المنصرم، وكان المتحدّث الرّئيسيّ فيها الدّكتور نادر سراج أستاذ مادّة اللّسانيّات (في رصيده أكثر من خمسة عشر كتابًا باللّغتين العربيّة والفرنسيّة، ودراسات استقصائيّة وتحليليّة وتفكيكيّة)، وقد" شغلته مفاهيم المبيت والسّكن والإسكان ودلالاتها ومجازاتها البليغة، إذّ إنّها تجسيد لروح الإنسانيّة الحضاريّة" كما عرّفه الباحث الأكاديميّ د. بلال الأرفه لي.

اختصرت هذه النّدوة الخلاصة التي خرج بها المحاضرُ - الكاتب عن معايشته الثّورات ميدانيًّا عن كثب في مصر وتونس ولبنان، مقاربًا شعاراتها كرسمة بليغة؛ "رسالة مكثّفة الدّلالة، ومكتفية بذاتها، ومنسوجة بشكل محكم". عمِل الباحث على اليوميّ ورفعه إلى العلميّ، وهذه هي وظيفة الدّراسة اللّسانيّة التّطبيقيّة، ومختصرها: "يسأل اللّسانيّون إلى أين، يراقبون، يفكّكون، يحلّلون، ويستنتجون". كان همّه، كباحث لسانيّ، كشف الخطابات المسكوت عنها، إذّ إنّ القراءة لما بين السّطور تُعين الباحث فهي "أداة من أدوات البحث العلميّ".

تمحورت الإشكاليّات المطروحة في النّدوة على:

1.  نوعيّة الأثر الذي تركته الشّعارات المرفوعة، وإمكانيّة انتقالها "من وسيلة تعبير إلى وسيلة تغيير"، خاصّة في زمن التّحولات أو على الأقلّ هذا ما يتمنّاه رافعوها، حيث لا تكون "الهتافات هي بس اللّي بقيت من الثّورة" حسب ناشط مصريّ.

2.  شكل هذه الشّعارات وبيئتها. وقد أشار إليها د.سراج بأنّها "نواتج قوليّة للظّواهر الاحتجاجيّة الشّعبيّة العربيّة، انطوت على أفكار إصلاحيّة لمّاحة ووجهات نظر تغييريّة، مستلهمة مجازاتها من البيئة الثقافيّة". في الشّكل، ظهر ابتكار لمنظومة شعارات وهتافات جريئة، إذ إنّ "لحظات الصّدع الاجتماعيّ كانت لها إيجابيّاتها على النّتاج الاعتراضيّ الشّبابيّ، ممّا شكّل أداة تحريض وتحفيز للجمهور"، وإن أخذت أحيانًا مظهرًا بذيئًا (هيلا-هيلا ) في لبنان، أو ( ارحل) في مصر وتونس...

3.  جِدّة الخطاب:

3. أ. في اللّغة: اعتمد على رموز وصور واستعارات تستخدم البلاغة الشّعبيّة، فتبدَّل الأسلوب من خشبيّ يابس إلى بلاغة جماهيريّة متّقدة على متن كلمات حادّةِ الحواس.

3. ب. في الاتّجاه والمفهوم: شكّلت الشّعارات رافعة لمشاريع التّغيير وأحلامها. طُرح العديد منها للمرّة الأولى معبّرًا عن ثقافة الاحتجاج والانقسام، فبرزت ثقافة "لا" على ثقافة "نعم". كان فعلًا سياسيًّا يحمل بذور التّغيير. ومن أبرز الأمثلة أغاني الشّيخ إمام التي ساهمت سابقًا في ترجمة نبض الشّارع، إذ كان "يعبّر عن الحرب الأيديولوجيّة والفكر العقائديّ والتيّارات المهمّة"، فهل ساهم الشّباب اليوم في رفع شعاراته الخاصّة؟ نعم، لقد أصبح الشّعار أداة منزليّة "شغل بيت"، فتحوّل من مجرّد متداول الى منتج ومعدّل.

4. مدى إسهام البيئتين؛ الميادين ووسائل التّواصل الاجتماعيّ في تظهير الاحتجاجات الشّعبيّة. 

انطلقت النّدوة من مستويات اللّغة، وفرضيّة أنّ الغضب هو فرصة لتجديد النّظر إلى وظائفها، فـ"المستويات التّداولية للساننا العربيّ تآزرت لترجمة خطابات الشّارع العربيّ المعترض". المحكيّات العربيّة هنا من أغان وأهازيج وشعارات وكتابات جداريّة خدمت كلُّها الجمهور الشّاب لرفع الصّوت وصوغ المطالب.


أدوات البحث

استَخدم المحاضِر من أجل تفكيك الخطاب تراكيبَ الشّعارات ودراستها كنتاج لغويّ حيّ، وقد أعانت الدّراسة اللّسانيّة التّطبيقيّة على استقراء الأمزجة، وكشف الخطابات المسكوت عنها، فاستنتج أنّ بلاغة الشّارع الشّبابيّة الجديدة والواعدة حاكت بمضامينها وأساليبها ومفرداتها روح العصر وتطلّعاته، من خلال ظهور الفصيح الميسّر في عبارات مكثّفة وموجزة تتتناول موضوعات جديّة وحسّاسة.

في جعبة أدوات البحث تساؤلات عديدة ومتدرّجة: ما هي علاقة اللّغة بالصّدع الاجتماعيّ في لحظات الانقسام العامّ؟ وهل شكّلت الثّنائيّات التّداوليّة (الفصيح والمحكيّ) مجتمعةً عاملًا إيجابيًّا، يسَّر صوغَ الخطابات الاحتجاجيّة؟ ولماذا كان اللّجوء الى أسلوب الشّتم والتّجريح الذي استقطب الجمهور الشّاب، فوظّف البذاءة أداة للمقاومة السياسيّة، ولإدانة مَواطن الفساد والفاسدين؟ وهل فعلًا أفلحت هذه اللّغة في كسر المنظومة السّلطويّة، أم كانت مجرّد "تفاؤل ثوريّ مصطنع"؟ وكيف أسهمت البيئتان؛ أماكن الاحتشاد والميادين، والمسرح التّفاعليّ على الشّبكة أو الفضاء البلاغيّ، بتظهير معالم ذكاء احتجاجيّ شعبيّ من خلال تفاعلهما لحشد الجمهور، وهل أدّت وظائفها الإبلاغيّة والإقناعيّة والتّأثيريّة المرتجاة؟

لا شكّ في أنّ الشّعار الذي هو بنية لغويّة مرنة وصيغة بلاغيّة مبتكرة ساعد في معرفة وجهات نظر منتجيه وتطلّعاتهم، حتّى أنّ تعدّد الموضوعات والسّياقات لم يقف حائلًا أمام التّواصل الافتراضيّ والميدانيّ. وقد تعدّد التّداول به بين الفصحى والعاميّة، واللّغات الأجنبيّة، ونسق العربيزيّة الهجين. صحيح أنّه عبّر عن أسلوب الشّباب ولكنّه "لم يطَل الّلغة" إنّما شكّل شرعيّة لانتظام النّاس.

بدورها، فإنّ اللّغة العربيّة - يستنتج د. سراج - لم تقف أبدًا حائلًا دون إيصال الرّسائل طبيعيّة، مرنة، وسهلة التّفسير تشبه أهلها. هذه الرّاحة التي أفضت إلى التّغيير في الأسلوب، استندت إلى ما أسماه فواتحَ شهيّة، وإلى مخزون ثقافيّ للجماعة نهَل من التّراث والأصالة فطال حتّى كلمات النّشيد الوطنيّ اللّبنانيّ الذي أصبح يتضمّن "منبتًا للرّجال والنّساء "على السّواء، لأنّ الحضور الطّاغي للنّساء كان في كلّ انتفاضات العالم العربيّ ولا سيّما لبنان، وعندما تمرّد الشّارع تمرّدت لغته، وثارت على المفاهيم الجامدة والتّقليديّة، فـ(الثورة أنثى) و(انتايي مش مسبّة) صارا شعار الحاضر.

الشّعارات ودلالاتها

إذا استعرضنا الشّعارات فقد كان بعضها شديد الدّلالة؛ مثلًا: (اللي خرّبها ما بعمرها). وبعضها اتّكأ على عبارات شعبيّة: (مين جرّب المجرّب كان عقلو مخرّب). وأخرى كانت شغل بيت، وليس مطبوعة في الجامعة أو مظلّلة بالأيديولوجيا (فلان مكورن). وعندما خالف أحد النّواب تدابير الوقاية، كتبوا: (على عينك يا كورونا). وعن كيفيّة تعامل الشّارع والإعلام مع مفهوم تسطيح المنحى الوبائيّ، وتحذير السّلطة من التّشاطر في تطبيق تدابير الوقاية منه، كان الشّعار (الكورونا على همّة الأجاويد). ولا يُغفل د. سراج التّهكّم الذي انتشر بشأن إضراب الأفران (إزا ما في خبز مناكل كرواسان). وكانت الشّعارات ترافق المستجدّات منذ الأيّام الأولى للثّورة وما تلاها: (لبّيك يا واتساب، تسقط الهندسات المصرفيّة). وكان هناك المقترضات (Winter is coming for Lebanese politicians)، وبفرنسية معربزة هذا الوسم (Je suis Hayawan.)، وكان نجم هذه الشّعارات (كلّن يعني كلّن)، وله وزنه في ميزان البلاغة، فهو جملة خبريّة قطعيّة، ثلاثيّة الألفاظ، تنطوي على دلالَتي الشّموليّة والإطلاقيّة، وكأنّها مسكوكة نستخدمها بلحظة. وقد حتّمت رمزّيته ونجاحه على الآخر (أي السّلطة) استعماله، فحاولت توظيفه أيضًا، كما أنّه عرف طريقه إلى التّسليع التّجاريّ. وحين أراد الشّارع فرض قواعد الاشتباكات اللّفظيّة  لمقارعة الآخر نادى بـ(الشّعب يريد إسقاط النّظام) وهي جملة سحريّة أيضًا . وكانت عودة إلى أيقونة التّيتانيك حيث إنّ السّاحة نهلت من شيفرتَي: الفنّ السينمائيّ والنّقل البحريّ، فكلّنا بمركب واحد مشرف على الغرق (نحن بالـ Titanic وبعدكن بتتخانقوا على الطّوائف). حتّى أنّ وزير الخارجية الفرنسيّة  لودريان  Le Drian نسج على منوالهم، ووصف وضع لبنان بغرق التّيتانيك من دون موسيقى.

في معرض تعداده شعارات الثّورات من العالم العربيّ كانت صيغة "ارحل" الموجّهة إلى الرّؤساء في مستويات متعدّدة من عاميّة إلى الفصحى، فالإنكليزيّة والفرنسيّة، وقد انطلقت من  مصر (حسّ على دمك، اطّلع برّه). وفي اليمن (تراجع، تنحّ، برّع). وهكذا فإنّ" أغاني الغضب انتقدت الواقع الاجتماعيّ وواكبت الزّمان الاستثنائيّ".

الخاتمة:

إنّ البلاغة الوظيفيّة في شعارات الحراك الشّبابيّ أكّدت أنّ الكلمة والعبارة الواحدة تعطي جديد المعاني متى استُخدمت في سياقات مستحدثة طارئة وخارجة عن مألوف الجماعة. وقد خلُصت النّدوة إلى نتائج وملاحظات وتوصيّات مهمّة تقول:

أوّلًا:  بديمقراطيّة السّاحات التي احتضنت كلّ شرائح المجتمع العربيّ.

ثانيًا: تراجع اللّغات الأجنبيّة والعربيزي والدّوارج لدى النّقاش الجدّيّ للمسائل والقضايا الأساسيّة المطروحة في السّاحات، وبرامج التّلفزيون، وحرم الجامعات، والمحتويات الرّقميّة.

ثالثًا: اكتشاف جيل شابّ ثوريّ متمكّن من حصيلتَيه المعرفيّة والسّياسيّة، وقادر على صوغ مطالبه ومحاججة الآخر بشأنها. وهو  يتقن أصول تكنولوجيا المعلومات.

رابعًا: شكّلت الحراكات والانتفاضات الشّعبيّة عاملًا مساعدًا في ردّ الرّوح إلى اللّغة الأم، وتجديد النّظر إلى المكوّن اللّغويّ كمرتكز أساسيّ في مفاهيم الهويّة والانتماء والتّمسّك بالجذور.

صحيح أنّ الشّعار قد لا يكون "أداة تغيير بقدر ما هو وسيلة مقاومة شعبيّة" ولكنّه "فعل لاعنفيّ، بالغ التّأثير في مدارك مطلقيه ومردّديه، وواحد من أفتك أسلحة المواجهة التي يشهرها الشّارع في وجه الظّالم"، وفي المحصّلة فإنّ "دراسة خطاب الغضب والاعتراض المشوب بالجرأة التّعبيريّة والانتقاد السّاخر شاهد ثقة على امتزاج الثّقافيّات باللّسانيّات وتواشح السّياسيّ باللّغويّ والثّقافيّ والاجتماعيّ".



*  طالبة دكتوراه، اختصاص لغة عربيّة وآدابها، معهد الآداب الشّرقيّة، جامعة القدّيس يوسف - طرابلس.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق