لم نستطع بعد بناء دولة حديثة تعتمد المؤسّسات وتحوّلُ انتماء النّاس من الزّعيم والطّائفة إلى الدّولة (الصّورة من موقع Beirut Today)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور نمر فريحه

هل الفدراليّة هي الحلّ لأزمة الحكم ومعاناة الشّعب في لبنان؟


الفدراليّة هي إحدى أشكال تنظيم الدّولة، حيث هناك الدّولة المركزيّة، والدّولة الفدراليّة التي تتشكّل من ولايات شبه مستقلّة بعضها عن بعضها الآخر، وهناك الكونفدراليّة حيث تكون استقلاليّة كلّ ولاية أكثر شموليّة من الفدراليّة. وفي كلّ واحدة من هذه الحالات يبقى تعريف الدّولة والعناصر التي تقوم عليها ذاتها، وهي: الأرض، والشّعب، والحكومة، والسّيادة. كما أنّ بنية الدّولة الأساسيّة بغضّ النظر عن نوعها هي المؤسّسات الفاعلة وليس الاسميّة.

تقوم الدّولة اللبنانيّة على مؤسّسات ضعيفة وهشّة بسبب تّركيبة النّظام السّياسيّ السّائد، الطّائفيّة منها والعشائريّة والإقطاعيّة، حيث تبدو هذه التّشكيلات المجتمعيّة أقوى من مؤسّسات الدّولة جميعها. يظهر ذلك خاصّة عندما تتدخّل  تلك التّشكيلات بشؤون الدّولة، فتثبت أنّ الأخيرة شبح أمام قوّة الطّوائف ونفوذها، والزّعماء وسطوتهم الميليشياويّة.

أمّا من النّاحية المواطنيّة التي يفترض وجودها بوضوح في الدّولة الحديثة، دولة المؤسّسات، فلا تتوافر بشكل قويّ في لبنان الحاليّ. إذ إنّنا ما زلنا في حالة المجتمع الشّخصانيّ الذي يفضّل أعضاؤه الانتماء والتّبعيّة إلى شخص، أو مؤسّسة غير حكوميّة، مع ما ترمز إليه. فكيف يمكن تصوّر أن ينتقل مجتمع كهذا من دولة رعايا إلى دولة مواطنين؟  خاصّة وأنّ القاسم المشترك بين سكّانه هو الحذر والحقد بعضهم تجاه بعضهم الآخر. لذلك من الصّعب الادّعاء بأنّنا نحاول بناء دولة مدنيّة أو علمانيّة، متجاوزين الواقع الطّائفيّ بكلّ تبعاته السّلبيّة. وقد أثبتت المئة سنة المنصرمة منذ بداية إنشاء دولة لبنان الكبير حتّى اليوم أنّنا لم نستطع بناء دولة حديثة تعتمد المؤسّسات وتحوّلُ انتماء النّاس من الزّعيم والطّائفة إلى الانتماء الطّبيعيّ إلى الدّولة، لذلك على مجتمعنا التّعدّديّ إيجاد حلّ حضاريّ لخلافات المجموعات التي تشكّله، بواسطة الحوار، والتّفاهم، والتّنازل عن جزء من مصالحها لأجل المصلحة العامّة.

وكي أدعم مبرّرات طرح تغيير واقع الدّولة اللبنانيّة، سأستعرض وقائع تاريخيّة بشكل مختصر جدًّا، لأبيّن أنّ هذا البلد قد بُني على تناقضات وأخطاء. وكلّ ما بني على خطأ لن يستمرّ لأنّه سيصل إلى وقت فينهار. إنّنا عندما نبحث في السّياسة، ونتكلّم فيها، ننطلق فعليًّا  من واقع  معاش وملموس وليس متخيّلًا  أو متوهّمًا، فالسّياسة  فنّ العمل في الواقع.

أ - الأسباب اللّبنانيّة لطرح الفدراليّة

إذا استعرضنا الجزء القريب من تاريخنا المعاصر منذ قيام دولة لبنان الكبير، نكتشف أنّ بنية المجتمع التّعدّديّ تمّ استغلالها لزرع التّفرقة بين النّاس، بدلًا من العمل على إرساء أسس متينة لعيش مشترك، تتجلّى فيه المواطنيّة بحلّتها القانونيّة المبنيّة على حقّ التّساوي بين الجميع. ومن البديهيّ القول إنّ الأمور المرتبطة ببنية الدّولة ورؤية الوطن، منذ استقلال لبنان عام 1943 إلى اليوم، ما زالت ضعيفة وضبابيّة  في غالب الأحيان.

1 - الانتداب

بعد رحيل الأتراك واحتلال الحلفاء البلد، طرح بعض اللّبنانيّين أمثال يوسف السّودا، وأنطون الجميّل، وعباس بجاّني وغيرهم فكرة لبنان السّابق، بواسطة الجمعيّات السّياسيّة التي أنشأوها، أي لبنان الإمارة ككيان جغرافيّ وبشَريّ، وذلك قبل أن يطرح البطريرك الحويّك الأمر في مؤتمر الصّلح في باريس، حيث حصلت مداولات كثيرة بشأن مصير لبنان كضمّه إلى سوريا، أو استقلاله التّام عن أيّ دولة.

2- المؤتمر السّوريّ العامّ في 2 تمّوز 1919

اتّخذ هذا المؤئمر قرارات عدّة، ومنها:

المطالبة بعدم فصل القسم الجنوبيّ المعروف بفلسطين، والمنطقة الغربيّة السّاحليّة، المقصود بها لبنان، عن القطر السّوريّ، وإلغاء كلّ معاهدة تقضي بتجزئة البلاد.

3 - مؤتمر سان ريمو في إيطاليا، نيسان 1920

وضَع المؤتمر سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسيّ، ورحب اللّبنانيّون بالقرار معتبرين إيّاه خطوة نحو الاستقلال، وتظاهروا تأييدًا له، في حين اعترض عليه السّوريّون فتظاهروا ضدّه مع مؤيديهم في لبنان، إذ عدّوا الانتداب استعمارًا.

4 - إنشاء دولة لبنان الكبير 1920

تمّ إعلان دولة لبنان الكبير في الأوّل من أيلول عام 1920، إثر مؤتمر الصّلح في باريس (1919). أعلن ذلك الجنرال غورو من أمام قصر الصّنوبر بوجود معظم القيادات اللّبنانيّة. لكنّ الولادة لم تكن عاديّة لأنّ قسمًا من السّكّان الذين تمّ ضمّهم إلى الدّولة الجديدة، ظلّوا يعتبرون أنفسهم سوريّين وليس لبنانيّين، الأمر الذي أوجد إشكالات كثيرة، ما لبثت أن تلاشت مع الوقت.

5 - معاهدة 1936

وقّعت فرنسا هذه الاتفاقيّة مع الحكومة السّوريّة عام 1936، وقد نصّت على انسحابها من سوريا. واعترض المطالبون، بالانضمام إلى سوريا، على محاولة الحكومة اللّبنانيّة التّوصّل إلى معاهدة مماثلة، لكنّ القادة السّوريّين نصحوهم بقبول اتفاقيّة حكومتهم مع الفرنسيّين.

كما طرح بعض اللّبنانيّين الفاعلين عام 1936 فكرة حكومة كونفدراليّة بين لبنان وسوريا تحت مسمّى "الجمهوريّة السّوريّة اللّبنانيّة"، غير أنّ الفكرة ماتت في المهد.

6 - ميثاق 1943، والاستقلال، والأحداث اللّاحقة

من المعروف أنّ هذا الميثاق هو تسوية بين ممثّلين للمسيحيّين والمسلمين قياسًا على توجّهاتهم السّياسيّة بين العرب والغرب. وبعد تسع سنوات تغيَّر النّظامُ في مصر، فانقسم اللّبنانيّون بشأن ما دعا إليه عبد النّاصر من وحدة عربيّة ورفع شأن القوميّة العربيّة. وولّد الوضع أحلافًا وتحالفات، ثمّ حدثت فتنة عام 1958 حيث أظهرت أنّ اللّبنانيّين منقسمون في كلّ الأمور السّياسيّة.


7 - كارثة 1967 وحربا الـ 75، و1982

لم تكن نتائج حرب 1967 كارثة على مصر وسوريا والأردُنّ فقط، بل على لبنان لاحقًا لأنّه تحمّل وحده وِزر المقاومة الفلسطينيّة التي انطلقت  بقوّة بعد خسارة الحرب، وقد سبّب وجودُها ونشاطُها خلافًا بين اللّبنانيّين المؤيّدين لها بالمطلق، واللّبنانيّين المعارضين لوجودها المتفلّت من أيّ قيد أو قانون. انتهى الأمر بحرب أهليّة عام 1975، ثمّ ما لبثت إسرائيل عام (1982) أن غزت لبنان بالتّفاهم مع قيادات مسيحيّة، بهدف التّخلّص من منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، ولكنّ العلاقات الوديّة بين إسرائيل وهذه القيادات انقلبت إلى شبه عدائيّة، خصوصًا بعد أن تراجع الرّئيس أمين الجميّل عن وعوده لهم بعد اجتماعه بهم في "بيت المستقبل" ليلة انتخابه رئيسًا، وما لبث أن رفض توقيع اتّفاق 17 أيّار الذي كان ثمرة مباحثات بين وفدين لبنانيّ وإسرائيليّ، برعاية الولايات المتحدة، أمّا الثّمن فكان تهجير أهالي الجبل.

8 - الوجود السّوريّ

كانت سوريا قد تدخّلت في لبنان عسكريًّا عام 1976 لوقف الحرب الدّاخليّة، ثم راح السّوريّون يعيّنون من يشاؤون في الحكومة، بدءًا برئيس الجمهوريّة ومرورًا بالنّواب جميعهم، فأتت الانتخابات صوريّة. وبالمقابل كان يصرّ هؤلاء المسؤولون اللّبنانيّون على بقاء سوريا لأنّهم رأوَا فيها حماية للسّلم الأهليّ!! وهو ما سهّل لها الاستمرار في السّيطرة على الوضع اللّبنانيّ بكلّ مفاصله.

9 - حرب التّحرير واتّفاق الطّائف:

حدثت حرب التّحرير عام 1989 وقد أعلنها الجنرال ميشال عون ضدّ الوجود السّوريّ، وحصل إثرها التّوقيع على اتّفاق الطّائف وتعديل الدّستور. تمّ ذلك في ظلّ الوجود السّوريّ الذي دعم لاحقًا حرب الإلغاء ضد القوات اللّبنانيّة، وانحاز إلى جانب عون في قتاله القوات!

في اتّفاق الطّائف حلّ الحاضرون خلافاتهم بشأن المحاصصة عن طريق المحاصصة أيضًا. وانتقلت معظم صلاحيّات رئيس الجمهوريّة إلى مجلس الوزراء، ولكنّها فعليًّا أعطيت إلى رئيس الوزراء. لقد كان بمستطاع المسؤولين الذين التقوا في الطّائف أن يمهدوا الطّريق بأسلوب سلميّ وصادق، لصالح كلّ المجموعات اللّبنانيّة، لكنّهم ذهبوا إلى هناك، وفي نيّتهم إحياء الدّولة التي تترنّح على حافّة الموت. وبالرّغم من ذلك لم يتمّ تطبيق الطّائف بمعظم نصوصه استنادًا إلى قوّة كلّ طائفة وقربها من سوريا. وقد تضمّن الاتّفاق بندًا عن اللّامركزيّة الإداريّة، ناقضه المسؤولون اللّبنانيّون في السّطر الذي يلي العنوان بالقول: "الدّولة اللبنانيّة دولة واحدة موحّدة ذات سلطة مركزيّة قويّة"، ولا حاجة لذكر ما ورد بعد ذلك، وبقي السّؤال من دون إجابة: أين اللّامركزيّة، وأين الإنماء؟

لقد تحوّل الدّستور الجديد إلى ألعوبة بيد المشرّعين، يعدّلونه ساعة يشاؤون، ويفسّرونه كما يحلو لهم، ولكنّهم يتمظهرون بزيّ القداسة، ويريدون من الشّعب أن يعاملهم على هذا الأساس.

10 - الانسحاب السّوريّ

بقي الوجود السّوريّ في لبنان حتّى عام 2005، لينسحب إثر الضّغط الأمريكيّ، بسبب مقتل الرّئيس رفيق الحريري. ولم يتفق اللّبنانيّون فيما بينهم إلّا بعد تدخّل قطر، والوصول إلى اتّفاق الدّوحة الذي هو تسوية ومحاصصة بين أهل السّلطة. أمّا الوطن والشّعب فكانا أكبر الغائبين، إذ لم يكونا ضمن اهتمام المجتمعين. 

شكّلت هذه الأحداث سلسلة أخطاء قاتلة بحقّ الشّعب والدّولة بعناصرها الجغرافيّة والبشريّة والسّياسيّة والمعنويّة، ومنعتهما تاليًا من الوجود الفعّال. احتار الزّعماء اللّبنانيّون في كيفيّة جلب الدّعم الخارجيّ لطوائفهم، سعيًا للانتقام وتدمير مناطق الطّوائف الأخرى، فأسقطوا حتّى مقولة العيش المشترك في ظلّ واقع مصطنع مبنيّ على الحقد والخوف معًا.

في المئة سنة المنصرمة من إنشاء الدّولة، عرف لبنان صراعات عدّة ذات طابع طائفيّ، حدثت أوّلًا عند دخول الفرنسيّين أراضيه بين مؤيدين ومعارضين من أهالي الجنوب، وحصلت صدامات مسلحة فيما بينهم... أمّا بعد الاستقلال، فحدثت حربان عامَي 1958 و1975، وتلتهما حرب الجبل عام 1983 إثر تداعيات غزو إسرائيل لبنان عام 1982، كما اشتعلت حرب الإلغاء بين القوات اللّبنانيّة والجنرال عون، وأسفرت أحداث 2007 عن احتلال جزء من بيروت، وقد نفّذها حزب الله. اتّسم معظم هذه الصّراعات بصبغة طائفيّة، لأنّ ذهنيّة الشّعب وتربيته باتت مبرمجة على الطّائفيّة في كلّ تفاصيل حياته استنادًا إلى الموروثات الثّقافيّة-السّياسيّة. ولا بدّ من القول إنّه حتّى عند قيام ثورة 17 تشرين كانت نسبة كبيرة من الثّوّار تعبّر بطريقة أو بأخرى عن نظافة كفّ زعيمها السّياسيّ-الطّائفيّ، فحصرت ارتكابات المخالفات والطّائفيّة بالآخرين، مطالبة بعزلهم ومحاكمتهم. وفي ظلّ معضلة الطّائفيّة هذه ظهر عامل مدمّر آخر، ولا سيّما بعد اتّفاق الطّائف ألا وهو الفساد، فأصبحنا أمام مشكلتين على صعيد الوطن: الطّائفيّة، وفساد المسؤولين الذين يلبسون عباءتها. ومن المعلوم أنّ إحدى هاتين الآفتين كافية لإعاقة قيام الدّولة، أو التّسبّب بانهيارها، فكيف إذا أصيبت بالاثنتين؟!! وهنا يحضرني قول شهير لزعيم جنوبي أفريقيا نلسون مانديلا: "الفاسدون لن يبنوا وطنًا، إنّما هم يبنون ذواتهم، ويفسدون أوطانهم".

أفقدت ممارسات الطّبقة الحاكمة الدّولة هيبتها، وجعلتها بناء فارغًا وهزيلًا أمام تلاحم وجبروت كلّ طائفة. ومع سيادة الطّائفيّة على مؤسّسات الدّولة والحياة الاجتماعيّة، تحوّل لبنان إلى بلد هشٍّ وكرتونيّ ذي نظام سّياسيّ مهترئ. ومن هنا يتوجّب علينا طرح سؤال أساسيّ: أليس من الأفضل استبدال هذا النّظام وتركيبته السّياسيّة، بأخرى قابلة للحياة تؤسّس لسلام اجتماعيّ بين أبنائه؟

ب - الدّولة الفدراليّة هي الحلّ بسبب تعذّر إنشاء الدّولة المدنيّة أو العلمانيّة:

1 - ما المقصود بالفدراليّة اللّبنانيّة؟

- ليست تقسيمًا للبنان، ولا اقتتالًا بين أبنائه.

- ليست فرزًا ديمغرافيًّا مستندًا إلى الدّين.

- ليست عداء قسمٍ من المواطنين قسمًا آخر.

- ليست مركزيّة القرار السّياسيّ الذي أثبت فشله خلال 100 سنة.

إلّا أنّ السّؤال الملحّ الذي يسبق استعراضنا الموضوع، هو:

هل لبنان دولة مؤسّسات؟ أو دولة-أمّة؟ أم دولة قوميّة؟ وهل يعدّ لبنان وطنًا؟

بيّنت الوقائع التّاريخيّة غياب دولة المؤسّسات، واليوم ما زالت هذه الدّولة تثبت فشلها بشكل صارخ. أمّا عن مفهوم لبنان "الوطن"، فيجب أن يتضمّن عناصر الدّولة بالإضافة إلى هويّة مشتركة يقتنع بها الجميع، والاتّفاق على تاريخ مشترك، ولدى شعبه الذّاكرة الجماعيّة، والرّؤية المشتركة للمستقبل. هذه العناصر غير متوافرة. فلا يوجد اتّفاق على الهويّة، باستثناء ما ورد في اتّفاق الطّائف. كلّ هذه السّلبيّات لا تسمح بتسمية لبنان وطنًا، بل هو مشروع وطن.

وإذا تساءلنا هل لبنان أمّة؟ إنّ شكل الأمّة يمكن أن يكون في دولة واحدة كالأمّة الفرنسيّة، أو عدّة دول كالأمّة العربيّة. لكن هل نستطيع القول إنّه لدينا أمّة لبنانيّة؟ عندما يكون الشّعب منقسمًا في كلّ شيء، ولا تجمع أفراده رابطةُ دم واحدة، وثقافة واحدة، فمجتمعه لا يشكل أمّة.

كذلك الأمر إذا تناولنا الدّولة القوميّة. بعض مفكّرينا أمثال كمال الحاج، ومي المرّ، وسعيد عقل وغيرهم آمنوا بالقوميّة اللّبنانيّة، ونظّروا لها. لكنّ كلّ عناصرها غير موجودة. فإلى جانب اللّغة المشتركة كعنصر متوافر، فإنّ باقي العناصر غائبة كوحدة الشّعب، والهويّة القوميّة، والرّؤية حول القضايا المشتركة. إنّ شعبًا ينقسم حول تركيا، وفرنسا، وسوريا، والنّاصريّة، والمقاومة الفلسطينيّة، وإسرائيل، وسوريا مجدّدًا، وإيران، والسّعوديّة، لا يمكنه إطلاقًا أن يشكّل أمّة أو، يكون صاحب قوميّة في الماضي أو في المستقبل.

2 - ما هو البديل؟

عندما يكون هذا هو وضع لبنان، فلماذا لا نفكّر في حالة أخرى ننقله إليها، ألا وهي الدّولة الفدراليّة التي تضمّ المجتمع اللّبنانيّ بأطيافه المتنوّعة الدّينيّة والمذهبيّة وحتّى الإثنيّة. ناهيك عن أنّ الفدراليّة هي الحلّ الوحيد للآفتين اللّتين ابتلينا بهما: الطّائفية والفساد، وهما لن يسمحا لنا بالنّهوض ممّا نحن فيه، في حال تشبّثنا بالدّولة الحاليّة، وتجربتها الفاشلة على مدى أربعة أجيال.

ليس من السّهل أو السّرعة تحقيق طرح كالفيدراليّة الذي يستدعي إنجازه قرارات سياسيّة. وهذا الاحتمال قد يحدث في حال الانهيار السّريع للدّولة، وهناك الكثير من المؤشّرات على ذلك؛ أو في حال اتّفاق من ينتخبهم الشّعب لاحقًا على تغيير هذا النّظام الهشّ. عندما يحدث ذلك يستطيع سكّان كلّ ولاية ممارسة حقوقهم في فضاءٍ من حرّيّة الرّأي والاعتقاد والاختيار، وتكون "شرعة حقوق الإنسان" هي الأساس للدّستور والقوانين التي يتمّ وضعها، ومع الوقت تنشأ أجيال تطوّر الدّولة الفدراليّة نحو الأفضل. إذ من الجريمة بحقّ الأجيال الحاليّة والمقبلة أن نحافظ على هذه التّركيبة للدّولة كما هي الآن. هذا خطأ فادح ارتكبه مَن هندس اتّفاق الطّائف، وقد كان هدفهم إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب الأهليّة، أي أنّهم تعامَوا عن واقع غيّر كلّ شيء في البلد، وعادوا لبنائه كما كان، أو ترميمه بشكل أو بآخر.

عند الانهيار العظيم ، وهو متوقّع في كلّ الأحوال، تكون هناك جريمة أخرى يرتكبها أصحاب القرار إذا أعادوا هذه الدّولة-الجثّة إلى ما كانت عليه. يجب تحويل الانهيار إلى فرصة تاريخيّة لتأسيس دولة للجميع، للأبناء والأحفاد. وبالرّغم من أنّ اتّفاق الطّائف يضمن موضوع اللّامركزيّة، إلّا أنّ أصحاب القرار الأساسيّين ما زالوا يقبضون وبإصرار على شؤون البلد بمركزيّة مطلقة.

3 - الولايات

هذا ما يدفعنا إلى التّفكير بالواقع الجغرافيّ للدّولة الفدراليّة. فلنأخذ على سبيل المثال المحافظات التي يتشكّل منها لبنان، ونقول إنّنا سنحوّل كلّ محافظة إلى ولاية، ولا حدود فيما بينها سوى تلك المرسومة على الخريطة. ويستطيع المواطن عندها التّنقّل بين الولايات من دون أي عراقيل أو إشكالات، كما يحقّ له بمسكن في ولاية أخرى غير التي يقيم فيها، إذ إنّ حرية التّنقل والملكيّة الفرديّة مصونة في سائر الولايات.

ولكنّ الجديد المختلف هنا سيكون في استقلاليّة كلّ ولاية من النّواحي الإداريّة والماليّة والانتخابيّة. وبدل أن تعيّن الحكومة المركزيّة محافظًا للولاية (كما يحصل في المحافظة، حيث يتمّ الأخذ بتابعيّته الحزبيّة، وانتمائه لأحد الزّعماء، وحسابات من يوافقون على تعيينه خدمة لمصالحهم وليس لكفاءة إدارة المحافظة وشؤونها)، سيكون الأمر مختلفًا تمامًا في الولاية.

في هذا الطّرح لن يكون هناك مركزيّة للحكم. والحاكم يُنتخب من شعب حرّ لا يفكّر بطائفة المرشّح، بل ببرنامجه الانتخابيّ مع مجموعة محدودة العدد، تشكّل الهيئة الإجرائيّة أو الحكومة التّنفيذيّة. والأمر ذاته في السّلطة التّشريعيّة المحليّة، حيث ينتخب مواطنو الولاية الأحرار مجموعة محدّدة من المشرّعين، غير المتورّطين بأي عمليّة فساد، ومعها لا يستطيع أي مسؤول تجميد مشاريع القوانين في جارور مكتبه، لأنّ الشّعب سيسائله عن التّأخير، ويطرده من مجلسٍ لم يعد ملكًا له.

4 - السّلطة العامّة

يبقى أن نَصِفَ شكل السّلطة العليا أو الحكومة العامّة: هي حكومة رمزيّة، أو مركزيّة - من حيث الاسم فقط - متواجدة في بيروت، ومؤلّفة من مجلس حكماء، وليس من مجلس محاصصين، ويمثل كلَّ ولاية عضوان اثنان. ويقوم المجلس في الوقت ذاته بمسؤوليّات وزارات الخارجيّة، والماليّة، والدّفاع، والعدل، ويكون بمثابة الحَكَم في تسيير أمور الولايات، كي لا يتمّ في أي وقت خرق للعيش المشترك بين أبناء أي ولاية، أو بين أبناء ولاية وأخرى. عندها سيتحقّق التّعايش السّلميّ بين اللّبنانيّين، حيث لا وجود لعامل خلافيّ، ومفجّر للصّراع.

هذا من حيث بنية السّلطات وتشكيلها في الولاية، أمّا من حيث بنية المجتمع وطريقة التّعامل بين فئاته، فمن الطّبيعيّ أن يكون في كلّ ولاية أقليّات دينيّة. لذا يتمّ احترام حقوقها دستوريًّا مثل أغلبيّة السّكّان من المنتمين إلى الدّين الآخر. إذ إنّه من أُسسِ بناء هذا النّظام هو المواطنة التي تساوي بين الجميع، وتحافظ على حقوق كلّ المجموعات بغضّ النّظر عن حجمها، وتضع الفروقات الدّينيّة جانبًا. قد تكون أكثريّة النّاس مسيحيّة في ولاية ما، فهذا لا يمنع أبدًا انتخاب حاكم مسلم، طالما أنّهم ينتخبون برنامجه. في أمريكا ذات الأكثرية البيضاء، انتخبت هذه الأكثرية أوباما رئيسًا.

5 - ولاية المواطنة

في "ولاية" المواطنة لن يكون هناك فساد، لأنّ المسؤول تتمّ مساءلته عند التّشّكيك بتصرّفه الإداريّ أو الماليّ من الشّعب والقضاء معًا. أمّا مصير الجيش وقوى الأمن وغيرها من المؤسّسات التي لا بدّ من وجودها، فيتعيّن على الجيش أن يبقى واحدًا موحّدًا لحماية الوطن - هنا يصبح لدينا وطن - من أي اعتداء خارجيّ، بينما تُنشئ كلّ ولاية  نظام شرطة خاصّ بها، وتبقى وحدة النّقد ذاتها، أمّا ماليّة كلّ ولاية فتكون مستقلّة، حيث تذهب الضّرائب التي تُجمع من المواطنين إلى شؤون تلك الولاية وخدمة سكّانها، على أن يقتطع جزء من الضّريبة لصالح الحكومة المركزيّة الرّمزيّة.

أمّا كيف نصل إلى تنفيذ هذا الاقتراح، فقد نحتاج إلى التّفكير بحسناته أوّلًا، كي ينضج في أذهان النّاس حيث لا يفرض فرضًا. ويمكن أن يترشّح عدد من المقتنعين بهذا الطّرح إلى منصب نائب في الانتخابات المقبلة، تحت شعار إنشاء دولة لبنان الفدراليّة، وعندما يصل العدد المؤثّر إلى البرلمان، يقدّمون مشروع قانون ليصبح قانونًا، وتصبح الفدراليّة واقعًا شرعيًّا. وبعد ذلك يتمّ تعديل الدّستور وتصدر المراسيم التّطبيقيّة...

هذه أفكار عامّة عن الدّولة اللبنانيّة الفدراليّة التي أراها حلًّا إيجابيًّا وعقلانيًّا لواقعنا السّياسيّ قبل انفراط مؤسّسات البلد بأجمعها، والوصول إلى المصير المجهول.

أمّا إذا كنّا نفضّل واقع الدّولة الحاليّة المصاب بالفساد والحقد والطّائفية، والذي يؤدّي إلى حرب أهليّة كلّ عقدين، فلنحافظ عليه إذًا ولو على حساب دماء أبنائنا وأحفادنا ومصيرهم ومستقبلهم.



*   حاصل على ماجستير في العلوم السّياسيّة من جامعة "ستانفورد" الأميركيّة، ثمّ دكتوراه في التّربية، وهو أستاذ مشرف على أطاريح الدّكتوراه في الجامعة اليسوعيّة في بيروت. له عدّة مؤلفات في التّربية والسّياسة والأدب، وقد تولّى سابقًا رئاسة المركز التّربويّ للبحوث والإنماء.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق