الزّبائنيّة والعصبيّة وتسلّط الحاكم على كلّ شاردة وواردة عقبات في وجه الدّيموقراطيّة والمواطنيّة

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

البروفسور الأب سليم دكّاش اليسوعي

إليكم أعداء المواطنيّة!

في هذا العدد من مجلّة المشرق الإلكترونيّة ملفّ من عدّة مقالات عن المواطنيّة، وهو يأتي في وقت مهمّ وصعب، نحن فيه بأشدّ الحاجة لنتذكّر أنّ نظام المواطنيّة السّياسيّ والاجتماعيّ والقضائيّ هو الحلّ لكثير من مصاعبنا وشدائدنا. فهذا النّظام يقوم على توازن الحقوق والواجبات على صعيد الالتزامات المدنيّة ومبادئ المساواة والعدالة للجميع، مع ضمان حريّة الرّأي والتّفكير والاختيار. هذه هي المنطلقات بالاختصار التي تؤمّن الحدّ الأدنى من السّلام والأمن والاستقرار لبلدٍ مثل بلدنا لبنان. والسّؤال الذي يُطرح هو التّالي: ما هي العقوبات والموانع التي تحدّ من إحقاق هذه المواطنيّة، وما هي المواقف والأفعال التي تُعطي البُعد العمليّ لهذه المواطنيّة؟

باعتقادي هناك ثلاث عقبات رئيسيّة:

الأولى تكمن في تحوّل النّظام السّياسيّ من نظام المساواة والحقوق والواجبات والمحاسبة إلى نظام يعتمد على الزّبائنيّة، بحيث يتحوّل السّياسيّ المسؤول إلى زعيم أو مولى يدير مجموعة من الأفراد، يرتهنون لأوامره ويعتاشون ممّا يوفّره لهم من دون أي رقابة أو محاسبة، أو الأخذ بعين الاعتبار الأهليّة أو الكفاءة أو الجدارة. يحصل ذلك خصوصًا في الإدارات العامّة عندما يتمّ تعيين الأصحاب والمقرّبين الذين، حتّى ولو كانت لديهم الكفاءة، لا يعتبرون الجدارة مقياسًا لهم ولعملهم، بل ولاءهم لذلك الزّعيم الذي عمل على تعيينيهم.

إنّ هذا النّظام الزّبائنيّ يتجاوز القوانين وقواعد المحاسبة بحيث يصبح نظام تبادل الخدمات بين الأفراد على قاعدة مصلحة الزّعيم الذي يترأس ويستفيد، والمولّى عليه الذي يستفيد بدوره من حكم علاقته بالزّعيم ليس إلّا. ومن المقاييس الظّاهرة في مجال الزّبائنيّة النّزعة إلى طلب "الواسطة" للقيام بأي عمل ممكن. 

العقبة الثّانية تكمن في ما نسمّيه العصبيّة التي نعرفها من سلوك الأشخاص بحكم علاقتهم وانتمائهم إلى مجموعة إثنيّة أو دينيّة أو سياسيّة أو أيديولوجيّة معيّنة. ففي مختلف هذه الأحوال، يبدو أنّ الرّابط بين فرد وآخر يقوم على الولاء والطّاعة لمرشد أو زعيم أو جماعة معيّنة يعلو صوتها فوق صوت القانون والدّستور ومبادئ الدّيموقراطيّة. إنّه التّعصّب الأعمى الذي يؤدّي أحيانًا إلى استخدام العنف للوصول إلى مآله، وإلى الدّيماغوجيّة والكلام النّابي ورفض الحوار والتّراشق بالتّهم. ولا ننكر أنّ البعض يبرّر قيام العصبيّة مكان المواطنيّة إذ إنّهم يقولون إنّ ما يجعل الجماعة جماعة قويّة هو الولاء القبليّ أو الحسّ المجتمعيّ الواحد. فالشّعور الجماعيّ ليس بين فرد وآخر بل بين فرد وجماعة أو بين الفرد والجماعة نفسها. في المواطنيّة، يكبر الفرد وينضج ليصبح حرًّا سيّدًا مستقلًّا قادرًا على إبراز خياراته. في العصبيّة، يفقد الإنسان شخصيّته المميّزة ويذوب في الجماعة التي تتحوّل إلى وعي عصبيّ يشدّ أفراد العصبة بعضهم إلى بعض. في هذه الحال يكون المقياس هو في الانتماء إلى الجماعة لا في احترام القانون والحقوق والواجبات، وبالتّالي نعي المواطن الحرّ.

الثّالثة تكمن في النّظر إلى موقع السّياسة كمجرّد وصول انتهازيّ إلى السّلطة للتّحكّم بها، وليس من أجل السّعي الوافي إلى تجديد مفهوم السّياسة كفنّ لخدمة المدينة ومواطنيها بالعدل والتّساوي على أساس الانتماء الواعي إلى الوطن الواحد. فمن العقبات أمام إحلال الدّيموقراطيّة والمواطنيّة هو أن يصبح الحاكم متسلّطًا على كلّ شاردة وواردة وعلى الأفكار والعقول، فتتعطّل لغة الحوار والعقل والإبداع، ويصير أفراد الجماعة مجموعة من المقلّدين ليس إلّا.

أمام الانحرافات في الأنظمة السّياسيّة اليوم في أكثر من بلد، وتحوّلها إلى الشّعبويّة والآراء الأحاديّة، واستعمال الدّين في أيّ شيء، واشتداد العصبيّات وتنامي الزّبائنيّة، تبقى المواطنيّة الطّريق الأصحّ لشعوبنا للسّير في طريق بلورة النّظام السّياسيّ الخادم لكلّ أفراد الشّعب من دون تمييز في اللّون والعشيرة والعصبة والإمرة.



* رئيس جامعة القدّيس يوسف، ورئيس تحرير مجلّة المشرق المحكّمة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق