دافنِس وكلُوي فرانسوا جيرار (فرانسوا پاسكال سيمون) - 1824 - (متحف اللّوڤر، باريس - فرنسا).

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

فلسفة الحياة بين الكاتب والفيلسوفة

وجهان متَّحدان غافلان عن آنات الزّمان والمكان تحتضن حبَّهما شجراتٌ راقصاتٌ على شاطئ البحر. ترتعش الرّيحُ وتهزُّ الحبيبَين فيتنبَّهان. تهدأ القبلة ويبدأ الكلام. هي فيلسوفةٌ وجوديَّةٌ، وهو كاتبٌ واقعيّ. يتحاوران حول الحبِّ والزّمان والحياة... يسمع الكونُ حديثهما لكنَّه لا يحفظه، فالكلام كقائله فانٍ.

الفيلسوفة: تشبه البحر في سحرك. فمنذ عرفتُه وعرفتُكَ لا أمَلُّ النّظر إليكما ولا أكتفي، لكنَّ وجهكَ عندي أجمل. أشتاقك لكنَّني لا أجد غيرَ أوراقك ورواياتك وكتبك.

الكاتب: لمَ تحتجِّين؟ لولا كتاباتي لما قرأتِني والتقيتِني وأحببتِني...

الفيلسوفة: لأنَّني أريد الحبَّ لا الأفكار والعقل فحسب.

الكاتب: فيلسوفةٌ تنكر أهمِّيَّة الفكر! العقلُ خالدٌ، والأفكار تتوارثها الأجيال. أوَ ليس هذا قولَ صديقك أرسطو؟

الفيلسوفة: العقل ليس خالدًا. كلُّ شيءٍ فاسدٌ فانٍ. العقل في جسمنا وكجسمنا محدودٌ بمكان الجسم وزمانه. له بداية ونهاية، يولد بولادتنا ويفنى بموتنا. لا يعنيني ما يقوله النّاس عنِّي بعد موتي. ما فائدة الشّهرة بعد زوالي؟ سأكون لا شيء، ولن أشعر بشيء. لو لم أوجد، لو لم أكن، لما كان وجودٌ ولا كونٌ. أنا الفيلسوفة أرسم بعقلي وجه الكون وملامحه. أحدِّدُ وجود إلهٍ أو عدم وجوده، أقرِّر إنْ كان ثمَّة خلقٌ أو فيضٌ أو حلول. وعندما أموت يسكن الكون حولي، ويغفو الإله، وتبرد الموجودات، وتفنى الكلِّيَّات.

الكاتب: الكون عمره ملايين السّنين، والإله موجود. ما أنتِ إلَّا زائرة. الوجود والكائنات كانت قبلَك وستبقى بعدك، وهي موجودةٌ سواء أدركتِها أم لا. أعمالك وحدها لها دوامٌ وبقاء.

الفيلسوفة: لا أنكر الوجود ولا أدَّعي أنَّه متعلِّقٌ بي، لكنَّني أرى أنْ لا قيمة للكون ولا لأشيائه إلَّا من خلال عيوني فما غاب عنها سقط عن عرش الوجود.

الكاتب: لمن كتبتِ عشرات المقالات والكتب إذًا؟ ولمَ فكَّرتِ وكتبتِ أساسًا ما دمتِ لا تؤمنين بأيِّ شكلٍ من أشكال الاستمرار والدّوام؟

الفيلسوفة: كتبتُ لأنَّ الواجب يقتضي منِّي ذلك. وإنْ مللتُ يومًا سأتوقَّف عن الكتابة. سأعتزل النّاس وأعيش مع الحيوانات والأزهار باعتبارها كائنات أرقى من الإنسان وأفضل.

الكاتب: الإنسان العاقل برأيك أدنى الكائنات؟ كيف تقولين هذا وأنتِ الفيلسوفة التي تحترمين العقل وتستعملين المنطق وأقيسته؟

الفيلسوفة: نعم. الصّخرة والنّبات والحشرة والحيوان كائنات أرفع من الإنسان لأنَّها لا ترتكب الشّرَّ ولا تعرفه.

الكاتب: ولمَ تكتبين للإنسان ما دام شرِّيرًا؟

الفيلسوفة: صحيحٌ أنَّ الشرَّ غالبٌ على الإنسان، لكنَّ نور الخير أقوى وأبهى. ولو لم يكن الخير موجودًا لفنيتِ الدّنيا. للخير أكتب، يدفعني إلى ذلك الواجب في القيام بما أعتقد أنَّه حسنٌ وخيِّر. وإنْ تعبتُ يومًا فقد أنهي حياتي...

الكاتب: عن أيِّ واجبٍ تتحدَّثين؟ الواجب الكانطيّ؟ كانط يعتبر الفعل أخلاقيًّا إذا كان يصلح أنْ يكون قانونًا كلِّيًّا للطّبيعة. وقانونك أنتِ أنانيٌّ يتعارض مع الطّبيعة التي تستوجب أنْ يحافظ الإنسان على حياته من أجل البقاء وتنمية الحياة.

الفيلسوفة: ثمَّة كتّاب وروائيّون انتحروا عندما فقدوا الرّغبة في الحياة، مثل الرّوائيّ الأميركيّ إرنست همنغواي الحائز على جائزة نوبل للآداب، والكاتب الفرنسيّ رومان غاري الذي اختار أن ينهي حياته قبل أنْ تهينه الشّيخوخة والهرم.

الكاتب: وثمَّة فلاسفة مثل سقراط نهَوا الإنسان عن الانتحار واعتبروه فعلًا غير مشروع. لا شيءَ أغلى من الحياة، والانتحار فعلٌ جبانٌ.

الفيلسوفة: لم يكن الفيلسوف الفرنسيّ جيل دولوز جبانًا عندما اختار الموت على أنْ يحيا مريضًا. قيمة الحياة لا تُختصَر في أنَّنا أحياء نتنفَّس ونتحرَّك. لا الأخلاق واحدة ولا القيم ثابتة. كلُّ فردٍ له عالمه وقيمه ومبادئه. معظم النّاس يختارون أنْ يكونوا خاضعين لأفكار المجتمع وموروثاته. هم يشكِّلون العقل الجمعيّ الذي يزدريه الفيلسوف. العقل الذي أُجِلّ هو عقلي أنا.

الكاتب: وكيف يحدِّد عقلك قيمة الحياة؟

الفيلسوفة: الحياة لا معنى لها ولا قيمة... فنحن لأنَّنا نَلبَس عريَ اللّامعنى نحاول أنْ نكسي الأشياء معنًى، أيَّ معنى. هل لألوان الموجودات معنى؟ أظنُّ أنَّ المعنى أمرٌ مضافٌ إليها، وأنَّ الألوان في الحقيقة لا معنى لها. هل تشرق الشّمسُ من أجلنا؟ بالطّبع لا. نحن نستمتع بألوانها، لكنَّها بالتّأكيد لا تتلوَّن من أجلنا. والعصافير كذلك لا تغرِّد من أجلنا... هل للحياة معنى وقيمة؟ لا أعتقد أنَّ للحياة معنى خارج مخيِّلتنا. أمَّا قيمتها فهي عندي لا تساوي شيئًا لأنَّها فانية، لكنَّها تساوي كلَّ شيء لأنَّها كلُّ ما أملك. أظنُّ أنَّ صورة الحياة عندك مختلفة.

الكاتب: الحياة ليست قاعة انتظار، الحياة قيمةٌ في ذاتها. السّؤال الوجدانيّ الذي طرحه شكسبير: "أكون أو لا أكون"، هو الذي يعنيني ككاتب. وقد اخترتُ "أن أكون" من خلال كتاباتي، فأكون فاعلًا في الحياة وأحقِّق أهدافي، في مقابل "أنْ لا أكون"، أي أنْ أبقى على الهامش من دون أنْ أترك أثرًا. صحيحٌ أنَّ عبثيَّة الحياة تُقلق الكاتب، لكنَّ فعل الخلق الذي يقوم به يعطي الحياةَ معنى. الخلق يبيِّن له أنَّ الديمومة ليست وحدها الهدف، ففعل الخلق يُشعره بأنَّه يخلق من العدم.

الفيلسوفة: أعطيتَ معنى جميلًا للحياة، وإنْ كان لا يقنعني.

الكاتب: لن تقتنعي لأنَّ الفلسفة سؤالٌ دائم، وقلقٌ مستمرٌ.

الفيلسوفة: الكاتب أيضًا يطرح أسئلة.

الكاتب: نعم أطرح أسئلة. أنتم الفلاسفة تظنّون أنَّ النّاس يطرحون أسئلتكم. لكن في الواقع نحن الكتَّاب نطرح أسئلةً مختلفة عن تلك التي تطرحونها أنتم. فأنا ككاتب لا أفلسِف جميع الأشياء كما تفعلون، ولا أشغِل عقلي بتحليل الوجود ومسائله، فهي تخلق لديَّ قلقًا في الوقت الذي أحتاج فيه إلى الإلهام. الحياة جميلةٌ وغنيَّةٌ بمصادر الإلهام والفرح. هي المدَّة التي أحيا فيها حريَّتي وأسعى إلى كلِّ ما من شأنه أنْ يجعلها جميلةً ومعشوقة.

الفيلسوفة: وما يجعل الحياة جميلةً عندك هو العمل والإنتاج والكتابة. هو عطاؤك للغير. هو الأنتَ الحاضر في عقول النّاس من خلال ما تكتب... لكن أين الأنتَ العاشق؟ الأنتَ الذي يخصُّك وحدك؟

الكاتب: حاضرٌ معك. فأنا كاتبٌ وأنا عاشقٌ.

الفيلسوفة: أنتَ كاتبٌ عاشقٌ للكتابة، وأنا لستُ إلَّا لحظات عشقٍ في زمانك. أنتَ تقدِّس العمل وأنا لا أقدِّس شيئًا. لا أنكر أنَّك مبدعٌ، لكنِّي لا أرى قيمةً في أيِّ عملٍ إبداعيٍّ، خلافًا لما تعتقد أنت.

الكاتب: العمل المبدِع قيمةٌ في ذاته، فهو يمنح حياتنا ووجودنا معنى ويخلِّد اسمنا وذكرنا. أنا أكتب عن النّاس وللنّاس. أعبِّر عن أوجاعهم وأفراحهم، وأطرح همومهم وقضاياهم. رواياتي وكتبي أبرِز فيها قيم الحرِّيَّة والعدل والإيمان وغيرها. عندما أغادر الحياة سيذكر المستقبل أعمالي. فبعد موت الإنسان يصبح العمل مشروع تقييمٍ مستمرٍّ من قبل النّاس بثقافاتهم المختلفة وتنوُّع أذواقهم الفنيَّة. قد يكون العمل إبداعيًّا في نظر البعض، وأقلَّ إبداعًا في نظر البعض الآخر. يبقى الحكم نسبيًّا. وها أنتِ رُشِّحتِ لنيل جائزةٍ تقديرًا لإنتاجك الفكريّ.

الفيلسوفة: رفضتُها. مبدأ التّكريم لا أقبله، والجائزة لا تغريني. أنا أكبر من أيِّ جائزة. أمَّا أحكام النّاس فلا تعنيني وكذلك آراؤهم. أنا مَنْ يحلِّل وينتقد ويناقش. أكادُ لا ألمح الآخر، وإنْ رأيتُه أراه بعقلي وأخضِعه له. هو الكلُّ المتشابه الخائف من نظرة الغير، الحريص على إرضائه. أمَّا أنا فعقلٌ حرٌّ سابحٌ في الوجود. سأقول كلمتي وأمضي.

الكاتب: تمضين اللّيلة عندي؟

الفيلسوفة: موافقة. لكن لماذا؟

الكاتب: أرغب بهجر الكتابة مدّةً.

الفيلسوفة: هي المدَّة الأحبُّ على قلبي والأقربُ إلى ذاتي وماهيَّتي. هي الحقيقة، وما قبلها وما بعدها شبه حقيقيٍّ. فالزّمان إنْ لم يكن زماننا لا يكون موجودًا، تمامًا كالكون بعد فنائي. فالزّمان الحيُّ هو الحاضر. أمَّا الأزل والأبد فهما مفهومان اخترعهما الإنسان، وهما في الحقيقة زائلان. فالحياة بوعيها وحضورها لا تعترف إلَّا بالآن، والآن في سيلانٍ مستمرّ.

الكاتب: قصدتُ القول إنَّنا سنقضي وقتًا جميلًا معًا، فكان تعليقك نظريَّةً في الزّمان! كيف تنكرين الأمس والغد؟ الزّمان مستمرٌّ منذ الأزل بلا انقطاعٍ. والحاضر صلة الماضي بالمستقبل. والإنسان مهما كان دوره بسيطًا في الحياة لا بدَّ من أنْ يترك أثرًا ما. نحن نتفاعل مع الطّبيعة والمجتمع، نؤثِّر فيهما ويؤثِّران فينا.

الفيلسوفة: ليتني أستطيع أنْ أخاصم الفلسفة والزّمان والمكان والطّبيعة وما بعد الطّبيعة...

الكاتب: لماذا؟

الفيلسوفة: لأحيا الآن بكلِّيَّته.

الكاتب: تندمين على التّفلسف! ما هذا التّناقض!

الفيلسوفة: التّناقض أمرٌ بديهيٌّ. الإنسان في جوهره مجبولٌ على التّناقضات، تمامًا كالطّبيعة التي انبثق منها، وكالإله الذي صنعه بيديه.

الكاتب: أعرف أنَّ الفلسفة مفاهيمها كونيَّة شموليَّة كلِّيَّة. وأراك أنتِ الفيلسوفة تهتمِّين باللّحظة والجزئيَّات.

الفيلسوفة: لأنَّني جزءٌ في تكويني، وامرأةٌ في طبيعتي، وإنسانٌ في ماهيَّتي.

الكاتب: وأنا الجزء الذي يلائمك.

الفيلسوفة: أنتَ الجزء الذي أسرني. منذ عرفتك سكنتَ زماني كلَّه. أمَّا أنا فلم أكن إلَّا عابرةً زارت لحظاتٍ في وجودك. سنواتٌ كثيرةٌ مرَّت، كنتَ أنتَ كُلِّي وكنتُ أنا بعضك. كتبتَ أنتَ عن لقاءاتنا قصائد جميلة حبستَها في أوراقك. أمَّا أنا فأكثر من مقالٍ فلسفيٍّ نسجتُ وحبكتُ بينما كان عقلي مستلقيًا على وسادتك.

الكاتب: ولمَ رضيتِ حبيبتي الفيلسوفة؟

الفيلسوفة: لن أجيب.

الكاتب: ابتسامتُك أجابت عنك.

الفيلسوفة: تكلَّمنا عن الحبِّ والزّمان والعقل وأشياء كثيرة. ما رأيك في أنْ تدوِّن كلامنا؟ أو أدوِّنه أنا؟ لعلِّي أعتزل الفلسفة وأكتب أدبًا وروايات مثلك؟

الكاتب: وهل يرضى عقلك الفلسفيّ أنْ يبتعد عن الميتافيزيقا عالمه، ويدخل عالم الوجدان والانفعالات والشّعر والأوزان؟

الفيلسوفة: عقلي لا يقبل الثّبات، فهو كالحياة متحرِّك متغيِّر... من أجل عينيك أرحل عن الفلسفة وأستوطن الأدب، وإن كنَّا قد التقينا رغم اختلاف عالمـَينا. الاختلاف لا يعني التّباعد...على أيِّ حال لا يهمُّ ماذا أفعل في نزهة الحياة القصيرة، فأنا فيها أصغر من حبّة رملٍ. لا يعنيني أنْ أذكَر بعد أنْ أندثر. ما يشغلني حقًّا أنْ أعيش بحبٍّ وسعادة...

الكاتب: أتساءل عن حيِّز السّعادة عندك. فأنتِ ككلِّ الفلاسفة تعانين القلق الوجوديّ. أظنُّ أنَّ الكاتب أسعد من الفيلسوف لأنَّه لا يعاني هذا القلق. فأنا ككاتب أعيش نشوة الخلق من دون أنْ أفلسف الوجود ومن دون أنْ أطرح أسئلةً وجوديَّة تقلقني. أنا لا أعاني القلق الوجوديّ الذي يختبره الفلاسفة لأنَّني أعتبر أنَّ فعل الخلق هو إثباتٌ للوجود: أنا أخلق إذًا أنا موجود. ما يشغلني ويهمُّني هو الفنُّ وجماليَّته لا القلق الوجوديّ... هل الفلسفة فنٌّ؟

الفيلسوفة: نعم.

الكاتب: إذًا الفيلسوف عندما يجسِّد أفكاره في الكتابة فهو يختبر جماليَّة الفنِّ ويشعر بما يشعر به الكاتب.

الفيلسوفة: صحيحٌ. أحببتُ قولك: "أنا أخلق إذًا أنا موجود". أنا أخلق أيضًا من خلال كتاباتي. لكنَّ الحقَّ أقول لك إنَّ الفرح الذي نخلقه ونعيشه أنت وأنا أثمن عندي من كلِّ تفلسفٍ وفلسفة...



*    رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس پوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق