"أنقذوا مرج بسري": حين تُشكِّل المواطنيّة البيئيّة وعيًا وطنيًّا عابرًا للطّوائف والمناطق. (الصّورة من الحملة الوطنيّة للحفاظ على مرج بسري، تمّوز 2020)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور عليّ خليفة

المواطنيّة البيئيّة في ظلّ الرّقمنة: أيّ فرص للتّغيير؟


بين المواطنيّة والبيئة: خيارات السّياسة والاقتصاد

ترتبط فكرة المواطنيّة البيئيّة بمفهوم التّنمية المستدامة وأبعاده كافّة؛ السّياسيّة منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة... لذا فالمواطنيّة البيئيّة بما تتضمّنه من حيّز واسع للاهتمام بقضايا البيئة تتخطّى التّطرّق العابر إلى قضايا النّظافة العامّة والمناخ وحماية الطّبيعة والمعالم المختلفة، فتصبح عند التّقاطع بين مفهوم المواطنيّة والأطروحة الاجتماعيّة حيث العلاقة بين السّياسة والاقتصاد علاقة عضويّة، تعكس من خلالها أرقامُ الاقتصاد ومؤشّراته خياراتٍ سياسيّة.

وفيما عكف بعض الدّراسات في المجتمعات العربيّة على مقاربة موضوع المواطنيّة البيئيّة من خلال الإضاءة على نظام الطّاقة وأنواع هذه الأخيرة بين طاقات أحفوريّة وطاقات متجدّدة (بديلة؟) واستخداماتها المتنوّعة (أبي شفيق، 2013؛ فرح، 2017؛...)، بقيت هذه المقاربات تهمل التّطرّق إلى البعد السّياسيّ في المواطنيّة البيئيّة. وثمّة بالمقابل دراسات عالميّة تقدّم فكرة المواطنيّة البيئيّة بما يتجاوز السّلوكيّات والمواقف إلى تظهير أبعاد سياسيّة وتأثير السّياسات فيها.

التّاريخ السّياسيّ لانبعاثات الكربون والغازات الدّفيئة[1]

يقرأ البروفسور في جامعة جنيف جان-بابتيست فريسوز (2017) تضاعف انبعاثات الكربون والغازات الدّفيئة في القرنين التّاسع عشر والعشرين قراءة سياسيّة، بما يتخطّى ثنائيّة الطّاقات التّقليديّة و/أو المتجدّدة.


رسم بيانيّ لتزايد انبعاثات الكربون ببلايين الأطنان خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين


 












فما كانت بالحقيقة مساهمات الصّناعات الثّقيلة والزّراعات الصّناعيّة في زيادة هذه الانبعاثات؟ وما كانت مساهمات الفاعلين السّياسيّين والاجتماعيّين والاقتصاديّين في بلورة توجّهات سياسات الطّاقة التي تمّ اعتمادها في أوروبا والولايات المتّحدة على وجه الخصوص في تلك المرحلة؟ وما كانت القسمة العسكريّة في سياسات الطّاقة هذه؟ وكيف أثّرت عليها الحرب العالميّة الثّانية؟


مسؤوليّة بريطانيا والولايات المتّحدة بأكثر من نصف انبعاثات الكربون والغازات الدّفيئة


بالمقارنة مع باقي دول العالم على امتداد القرنين الأخيرين














إزاء هذه التّساؤلات يخلص فريسوز (2017) إلى تظهير الخلل النّاجم عن إغفال التّاريخ السّياسيّ في أبحاث سياسات الطّاقة، ممّا يجعل مجال اهتمام المواطنيّة البيئيّة والتّنمية المستدامة في غير محلّه الحقيقيّ؛ حيث يجب مقاربة الطّبيعة بالموازاة مع المجتمع، ومقاربات المواضيع العلميّة في البيئة والتّنمية بالموازاة مع القرارات والتّوجهات السّياسيّة، دونما فصل. ويستطرد فريسوز (2017) مدلّلًا على أنّ الطّاقات المتجدّدة لم تكن طاقات بديلة، مثلما تصف معظم أدبيّات البيئة والتّنمية، بل كانت هذه الطّاقات تاريخيًّا هي الطّاقات الأصليّة.


طواحين الهواء والمعدّات الهيدروليكيّة في بداية القرن التّاسع عشر في أوروبا














وما كان الاستغناء عن الطّواحين والمعدّات الهيدروليكيّة لصالح الفحم والبترول سوى قرار في السّياسة، من أجل زيادة التّنمية بلا استدامة في مجتمعات الدّول المهيمنة وتوسيع مناطق نفوذها...


ثانيًا: الحملات الرّقميّة للنّاشطين البيئيّين: نقاش الحرّيّات والرّقابة


مع توسّع استخدامات الرّقمنة وهامش التّواصل الاجتماعيّ، أصبحت المواطنيّة البيئيّة في قلب دائرة التّأثير عالميًّا ومحليًّا. في لبنان، تظهر مجالات ممارسة الحقوق الرّقميّة في الحملات الانتخابيّة، تليها الحملات الرّقميّة ذات الطّابع البيئيّ والاحتجاجيّ، غالبًا للنّاشطين بوجه السّلطات السّياسيّة، بحسب ما يورده دليل "التّهديدات بوجه الحقوق الرّقميّة في لبنان"، منشورات قسم الدّراسات الإعلاميّة في جامعة سيّدة اللّويزة بالتّعاون مع مؤسّسة فريدريش ناومان من أجل الحرّيّة.  

إنّ العصر الرّقميّ سريع ومتغيّر، وطبيعته هذه تفرض التّعامل معه بتوجّهات متقدّمة وخطوات ملهمة (بو زيد، 2017)، فيما يستعيد الفضاء الرّقميّ إشكاليّات قديمة/ مستجدّة، كحدود الحرّيّات أكانت الاعتبارات القانونيّة أو السّياسيّة أو الاجتماعيّة، أو القاعدة الحقوقيّة (الحلو، 2017). في لبنان، تكتسب هذه الإشكاليّات أبعادًا إضافيّة بسبب غياب التّشريعات في الحقوق الرّقميّة وأثر ذلك ليس فقط على ممارسة الحرّيّات، بل أيضًا على دائرة الخصوصيّات الفرديّة وعمل أجهزة الرّقابة. وعلى الرّغم من التّمتّع بحقوق واسعة في إمكانات إبداء الرّأي (نسيم أبي غانم، 2017)، إلّا أنّ ثمّة ما يفتح الباب على ممارسات اعتباطيّة تحدّ من حرّيّات التّعبير بغياب المرجعيّة القانونيّة النّاظمة. وتلاحظ وهب (2017) ارتفاع الرّقابة على النّشاطات على الإنترنت ومنها الحملات الرّقميّة للنّاشطين البيئيّين بوجه السّلطات السّياسيّة.

يَرجع المصدر الدّستوريّ للرّقابة في لبنان إلى المادّة 13 القائلة إنّ: "حرّيّة إبداء الرّأي قولًا وكتابةً وحرّيّة الطّباعة وحرّيّة الاجتماع وحرّيّة تأليف الجمعيّات كلّها مكفولة ضمن القيود القانونيّة". وتشمل الرّقابة على الإنترنت؛ الآراء المنشورة على فايسبوك، وتغريدات تويتر، والأفلام المحمّلة على يوتيوب.

والجهات التي تقوم بالرّقابة في لبنان هي: الأمن العامّ، مجلس الوزراء، وزارة الإعلام، المجلس الوطنيّ للإعلام المرئيّ والمسموع، وزارة الدّاخليّة، لجنة مراقبة الأفلام السّينمائيّة؛ وبشكل غير رسميّ الأحزاب السّياسيّة، المركز الكاثوليكيّ للإعلام، دور الفتوى، والسّفارات الأجنبيّة... ومن أجهزة الرّقابة المستحدثة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتيّة وحماية الملكيّة الفكريّة (2006)، وقد ألحق بقسم المباحث الجنائيّة بالشّرطة القضائيّة ويعمل تحت إشراف النّيابة العامّة التّمييزيّة والنّيابة العامّة الماليّة والنّيابات العامّة الاستئنافيّة في المحافظات أي إنّه يُعَدّ ضابطة عدليّة. وهو يتحرّك بموجب دعوى الحقّ العامّ أو دعاوى مرفوعة من المتضرّرين من جرائم القدح والذّم، وهي ممكنة الحصول على شبكة الإنترنت (بحسب دليل الثّغرات في نظام الرّقابة اللّبنانيّ لجمعية مارش، 2017).

المواطنيّة البيئيّة في ظلّ الرّقمنة: برنامج سياسيّ بديل؟

إنقاذ مرج بسري

أتى نتيجة نضال المجتمع المدنيّ في لبنان عبر وضع التّواصل الاجتماعيّ والتّكنولوجيا في خدمة القضايا البيئيّة: حملات Save the Bisri Valley، سدّ الجوع أولى من سدّ بسري، إلخ.

بوجه هذه الحملات، بدت السّلطة السّياسيّة ترِاكم العجز والإخفاقات، وقد أعماها الفساد والانتفاعات الضّيّقة، بل أيضًا الغباء. فغباء المسؤولين أبعدهم عن محاورة الشّباب والمموّلين الدّوليّين بصوابيّة خيار السّدّ لتأمين المياه. فسدّ بسري المموّل من البنك الإسلاميّ والبنك الدّوليّ لم يأتِ من ضمن أي خطّة مائيّة سابقة. وأصبح لدينا جميعًا انحياز عاطفيّ لخيار إنقاذ المحميّة ومن دون الاستعداد حتّى لمناقشة فكرة أي انتفاعات أخرى لاحقة من سياسة السّدود. وتشكّل سياسة السّدود جزءًا من الخطط المائيّة الموضوعة منذ حوالي 24 سنة، وأهمّ ما واجهها بشبهات الفساد وهدر المال العامّ (ارتفاع كلفة التّنفيذ عن الكلفة المقدّرة، كما في حالة سدّ المسيلحة) ونقص مصداقية الدّراسات العلميّة (تشقّقات التّربة في سدّ بلعة). ونتيجة تتبّع حملات النّاشطين البيئيّين المعارضين لسياسة السّدود على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، يظهر أنّ بديل السّدود هو ترشيد استخدام المياه عبر حملات التّوعية، الدّفع لمعالجة مياه الصّرف الصّحيّ وتكريرها، إعادة تخزين مياه الأمطار واعتماد خيار السّدود الجوفيّة.


أزمة النّفايات المنزليّة: تعزيز الوعي الوطنيّ وفشل في فرض الخيارات البيئيّة


في موازاة أزمة النّفايات المنزليّة وكيفيّة إدارتها (2017)، كانت مختلف القوى السّياسيّة، على تباين مشاريعها ورؤاها في مقلب، والمواطنون الواعون لخطر هذه الأزمة وضرورة الالتزام المدنيّ بالتّعبير عن احتجاجهم عليها، جميعهم كانوا موحّدين في المقلب المواجه. كان تحالف السّياسة والفساد في المقلب الأوّل (وهو التّحالف المسؤول عن فشل بناء الدّولة منذ الاستقلال وحتّى اليوم)؛ ووعي المواطنين للهمّ البيئيّ وتضامنهم بوجهه وتوحّدهم لمواجهته بقطع النّظر عن انتماءاتهم السّياسيّة التي لطالما فرّقتهم وخلفياتهم الدّينيّة والمناطقيّة. إذًا، المواطنيّة البيئيّة يمكن أن تشكّل في لبنان قاعدة مشتركة لبناء وتعزيز الوعي الوطنيّ لدى الأفراد، ويمكن لهذه المقاربة أن تنجح حيث فشلت المشاريع السّياسيّة المتباينة أو تصادمت الأطروحات الاجتماعيّة المختلفة. ولكن، في ما خلا مرحلة نشر الوعي، لم يتمّ فرض الخيارات البيئيّة لغاية اليوم على طاولة القرار السياسيّ في موضوع أزمة النّفايات المنزليّة وكيفيّة إدارتها.













ويمكن للنّاشطين البيئيّين في موضوع أزمة النّفايات المنزليّة أخذ المبادرات في مجال التّدوير تحديدًا حيث إنّ تدوير البلاستيك لا يزال يفتح الفرصة أمام جهود أكبر، نظرًا لما تشكّله الموادّ البلاستيكيّة من النّفايات المنزليّة برًّا وبحرًا والضّرر الجمّ والطّويل الأمد الذي تحدثه. 


نسبة الموادّ البلاستيكيّة التي يتمّ تدويرها في النّفايات المنزليّة






نسبة المواد البلاستيكيّة من النّفايات العائمة على سطح البحر أو الغارقة في قعره






نسبة الطّيور والأسماك التي تحتوي على المايكروبلاستيك


















تلوّث اللّيطاني وتسرّب النّفط: قضايا بيئيّة مهملة في الفضاء الرّقميّ

بقي تلّوث اللّيطاني جرّاء صبّ المياه الآسنة والصّرف الصّحيّ على امتداد مجراه، واختناق بحيرة القرعون بأسباب الحياة فيها، يشكّلان همومًا بيئيّة تستحقّ المزيد من الاهتمام وتكثيف الجهود وحملات المناصرة على مواقع التّواصل.. بينما لم تحظَ حوادث بيئيّة أخرى لا تقلّ خطورة كالتّسرّب النّفطيّ من حيفا باتّجاه الشّواطئ الجنوبيّة بأيّة متابعة من قبل النّاشطين البيئيّين. 

هل تحمل المواطنيّة البيئيّة فرصة لتطوير العمليّة التّعلّميّة/التّعليميّة في المدرسة؟

يشكّل الحيّز البيئيّ جزءًا من العديد من الموادّ الدّراسيّة، لا سيّما منها التّربية الوطنيّة والجغرافيا وعلوم الحياة... ولكنّ هذا الحيّز يجب أن يكون مضاعفًا، كيفًا وكمًّا، لملاقاة تحوّل الاهتمام البيئيّ من شأنٍ رديف إلى مشروع وطنيّ. وقد تُساعد مقارباتُ التّعليم/التّعلّم في مواكبة التّحفيز المطلوب للشّأن البيئيّ في المناهج. في هذا الإطار، تبدو المناهج الجديدة غيرَ بعيدة عن هذا النَفس، حيث تبلور وعي جدير بالاهتمام لدى التّطرّق إلى مجالات التّربية على المواطنيّة في المدرسة وتحفيزها، ليس فقط على صعيد بناء المعارف واكتسابها، بل أيضًا من خلال توظيفها بغية التّأسيس لسلوك مواطنيّ فاعل وتبنّي مواقف وقيم مؤثّرة على الحياة الوطنيّة والمدنيّة والاجتماعيّة للمتعلّمين/مواطني اليوم والغد، في الحياة المدرسيّة كما في الحياة الوطنيّة. وعليه، فإنّ الشّأن البيئيّ يقع في صلب هذه المقاربة ويساهم في تفعيل منظومة المواطنيّة لدى المتعلّمين في خدمة الوطن والمواطن، لا سيّما على صعيد المشاركة العامّة وقضايا الشّأن العامّ وثقافة المحاسبة العموميّة ومهارات التّفكير الذّاتيّ والحسّ النّقديّ.

إنّ المواطنيّة البيئيّة تشكّل مشروعًا وطنيًّا بامتياز، وهي الحاضنة للتّطوير التّربويّ على مستوى التّعليم العامّ. وعليه، يمكن أن تشكّل المواطنيّة البيئيّة وعيًا وطنيًّا. ويكون مشروع لبنان النّهضويّ على الصّعد السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّربويّة مشروعًا أخضر بامتياز على امتداد مساحات الطّيف.

المصادر والمراجع:

• أبي سعد، شفيق. محطّات طاقويّة مستدامة. بيروت: شمالي اند شمالي، ٢٠١٣.

• جمعية March. الثّغرات في نظام الرّقابة اللّبنانيّ، ٢٠١٧.

• خليفة، علي. "وعي المواطنين للهمّ البيئيّ: سراب أم حقيقة؟"، في النّهار،٢٠١٦.

• فرح، و. "الانتقال الطاقويّ والتّنمية المستدامة في واقع مأزوم". أطروحة دكتوراه بإشراف ج. آدجيزيا في جامعة القدّيس يوسف، ٢٠١٧.

• Fressoz, J-B  “Une histoire politique du carbone”, conférence à la Maison de l’Histoire de l’Universite de Genève (www.unige.ch), 2017.

• Wahab, F. “Protecting freedom of expression online” in Threats to digital rights in Lebanon, NDU & FNS, 2017.



*   دكتور في علوم التّربية (جامعة جنيف، سويسرا) - متفرّغ برتبة أستاذ التّعليم العالي في الجامعة اللّبنانيّة، كلّيّة التّربية. عضو لجان علميّة وبحثيّة وهيئات تحرير، وعضو استشاريّ لشؤون التّربية على المواطنيّة في كرسيّ التّربية على المواطنة البيئيّة والتّنمية المستدامة في الجامعة اليسوعيّة بالتّعاون مع مؤسّسة DIANE.

[1]   تلخّص هذه الفقرة وصور الرّسوم البيانيّة المعروضة فيها محاضرة البروفيسور J. -B. Fressoz في بيت التّاريخ، نقلًا عن الموقع الإلكترونيّ لجامعة جنيف (2017).

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق