أرادوا استقلال الوطن وتحرّره من الاحتلال العثمانيّ فعُلّقوا على المشانق، إنّهم الشّهداء المثقفّون

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة جوليات الرّاسي

شهداء الوطن في كتاب لطف الله نصر البكاسينيّ: " نبذة من وقائع الحرب الكونيّة"

مقدّمة:

إنّ الحدث الجلل الذي يطلق عليه اسم "الحرب العالميّة الأولى" ترك صداه وأثره العميق في كتابات عدد كبير ممّن عاش في تلك الحقبة، وأثار انطباعات تختلف من مؤلّف إلى آخر، وفقًا لاختلافات انتماء الشّخص وهويّته ووطنه والمنطقة التي كان يعيش فيها. وقد اشتُهرت في لبنان عدّة مؤلّفات توثّق ذلك الحدث بأسلوبها الخاصّ، نذكر منها: كتاب "أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها" لجرجس الخوري المقدسيّ الذي يشير إلى أنّه صدق على البلاد في الحرب العالميّة الأولى ما جاء في مراثي إرميا النّبيّ:

"إنّ الذين كانوا يأكلون المآكل الفاخرة سقطوا في الشّوارع، والذين كانوا يتربّون على القِرمز احتضنوا المزابل. صارت صورتهم أشدّ ظلامًا من السّواد. لصق جلدهم بعظمهم، صار يابسًا كالخشب. جلودهم اسودّت كتنّور من شدّة نيران الجوع. الأطفال تسكب أنفسهم في أحضان أمّهاتهم."[1]

 وجرجس الخوري هذا هو مُنشئ مجلّة المورد الصّافي، وكان "أستاذ البيان العربيّ في جامعة بيروت الأميركيّة. أمّا كتابه فهو كتاب مدرسيّ وضع لطلبة التّاريخ الحديث، جمع فيه زبدة حوادث الحرب الكبرى مع مراعاة الإنصاف في سرد الحقائق على أسلوب سهلٍ جذّاب تفهمه العامّة وترضى به الخاصّة"[2].

ومن المؤلّفين الذين توقّفوا مطوّلًا عند موضوع الحرب الأولى نذكر لطف الله البكاسينيّ في كتابه "نبذة من وقائع الحرب الكونيّة"، فمن هو هذا المؤلّف؟ ومتى عاش؟ وما هي أهمّ الحوادث التي يعالجها في كتابه؟ وعلى ماذا يركّز بخاصّة؟ وهل هناك نقاط متطابقة أو مختلفة مع بعضِ مَن كتب عن الموضوع نفسه أو عاصره؟

لطف الله نصر البكاسينيّ وكتابه:

ولد المؤلّف في منطقة جزّين في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، وقد يكون في بداية العقد الأخير منه، إذ يظهر من خلال ما أورده في كتابه أنّ حماس الشّباب كان طاغيًا عليه عند بدء الحرب العالميّة الأولى، ممّا جعله ينظم أخبار تلك الحوادث شعرًا، ويخبّىء ذلك حتّى سنحت له الفرصة لتأليف كتابه الذي يحمل عنوان "نبذة من وقائع الحرب الكونيّة"[3]، وقد زيّنه بأبيات شعريّة نظمها في عدّة مناسبات، ابتداء من المقدّمة التي أنبأت بغاية الشّاعر من مؤلَّفه وسبب تسميته، كما يلي:

كتاب جاء للنّكبات ذكرا                       بحرب عمّت الأقطار طرّا

وقد سمّيته تاريخ حرب                        بلبنان وسوريا استقرّا

وقد ألّفته ويد المنايا                            ترافق أسطري سطرًا فسطرا

فلا لوم العزول أحطّ عزمي                     ولم أرهب من الواشين عذرا

فإن أنجح بتأليفي فحسبي                      ثناءً طيّبًا وعلًا وفخرا

وإلّا فالتّغاضي عن فتيّ                        غدا في عجزه يوماً مقرّا

فمن عفو الكرام سألت عذري                   ومن ( لطف الإله) سألت ( نصرا) ( ص.9)

أهدى البكاسينيّ هذا الكتاب إلى الجنرال الفرنسيّ غورو بمقدّمة كتبها باللّغة الفرنسيّة ثمّ ترجمها إلى العربيّة، وصف فيها كتابه كالتّالي: "صورة حيّة للفواجع التي وقعت علينا بحملها الثّقيل، وهو في الأخصّ أنشودة طويلة نتغنّى بها [ والقول للبكاسينيّ] لإكرام فرنسا أمّنا ذات الإحسان..."[4].

ويتابع البكاسينيّ تمجيده الفرنسيّين والعادات الجيّدة المكتسبة منهم، بقوله:

"ولمّا كان إكرام الموتى أجمل شيء يعطينا الفرنسيس قدوته، بذلت كلّ ما في الوسع لتزيين هذا التّأليف برسوم الشّهداء الذين ضحّوا بحياتهم على مذبح الوطن، ووطّدوا بدمائهم بناء حريّتنا الذي لا يزال حديثًا، فوأسفاه على تلك الزّروع المرجوّة الأغلال كيف حُصدت قبل الأوان بمنجل الظّلم والانتقام، وأسفاه على رجال التّجلّد والوطنيّة والعمل. فأمام تذكارهم المجيد الذي لا تقوى على محوه الأيّام أحني رأسي إكرامًا واحترامًا. وليكن هذا التّأليف في أعين عيالهم العزيزة علينا بمثابة إعراب عن أسفنا الشّديد وحزننا القلبيّ ومحبّتنا العظيمة...[5]".

منهجيّة البكاسينيّ في كتابه:

في "مقدّمة المؤلّف"، يشرح البكاسينيّ منهجيّته في تأليف تاريخ هو طريقة تحقّقه من الأخبار، بالاستماع إلى شهود عيان أو شهودٍ ثقاة، والمشاهدة بأمّ العين لما جرى من أهوال الحرب بزيارة مختلف المناطق، كذلك اهتمامه بالمبنى لكتابه من حيث التّدقيق في العبارات وتزيينه كتابه، كما سبق أن أشرنا، بأبيات شعريّة في أسفل الصّور الفوتوغرافيّة المتعدّدة، بخاصّة صور الشّهداء المعروفين والمجهولين وقد عمل جهده على اقتفاء أخبارهم، حتّى أنّه سافر إلى مدن عربيّة عدّة، ومنها مدينة القدس، من أجل الحصول على صور تخلّد ذكرهم[6].

وهذه اقتباسات ممّا أورده في كتابه:

" ... ولمّا كان مثل هذا التّاريخ لا يكون مقبولًا ما لم يحوِ بين دفّتيه ما ثبت من الحقائق وصدق من الأخبار، ولم يكن علم ذلك ميسورًا عليّ وأنا في زاوية بيتي... لزمني أن أركب متن السّفر وأضرب عصا التّسيار في جميع أنحاء البلاد السّوريّة، لأغترف الحوادث من ينابيعها، وألقف الأخبار من أصدق الرّواة وأنقل كثيرًا منها عن شهود ثقاة علّقها في أذهانهم السّمع والنّظر، وأرى بأمّ العين ما سأذكره من خراب القرى وتهدّم الدّور وبوار الأملاك وإهمال الحقول على غير ذلك من الدّمار... وأجمع ما تصل إليه يديّ من أخبار شهداء الحرّيّة والوطن ورسومهم الكريمة وتراجمهم الصّادقة وأسباب قتلهم، وما قالوه وما لاقوه في سجونهم المظلمة وأمام مشانقهم الهائلة، وما تكبّده بعض المنفيّين من ذلّ وخوف وضيق وعوز وظلم وأهوال، فخرجتُ أطوف البلاد من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى مدينة... مسافة أربع سنين متتالية.

وجبت أولًا جنوبيّ لبنان من مثل حاصبيّا وراشيّا ومرجعيون والقليعة والنّبطيّة وما هناك من القرى والمزارع، ثمّ أتيت البقاع وتجوّلت في مشغرة وعيتنيت وصغبين وجبّ جنّين والخربة وسائر القرى البقاعيّة، ثمّ ركبت متن السّفر إلى إقليم كسروان فجبيل فالبترون فالجبّه، وأتيت طرابلس وبشرّي وإهدن وما هنالك من القرى، وزرت أماكن الكورة والزّاوية وانتهيت إلى عكّار، وتجوّلت في هاتيك البلاد، ثمّ عدت إلى إقليم المتن، وتردّدت على برمّانا وبكفيّا وبيت شباب وصوفر وعاليه وكثير من قرى تلك البلاد، وانتقلت إلى زحلة فرياق فالشّام وما جاورها فبعلَبَك فحمص فحماه، ثمّ توجّهت إلى فلسطين فطفت صور وعكّا وحيفا والنّاصرة وطبريّا ويافا وأورشليم. وفي هذه المدينة المقدّسة توفّقت إلى العثور على رسم عدد من الشّهداء يمثّلهم معلّقين معًا في موضع الإعدام. فجمعت في هذه الرّحلة الطّويلة رسوم الشّهداء وتراجمهم وأخبار المنفيّين وأسباب المجاعة والأوبئة وفتكهما بالنّفوس إلى غير ذلك..."[7].

نتبيّن من خلال مقدّمة البكاسينيّ أسماء المناطق التي جال فيها، والأهمّيّة التي يصبغها على أخبار الشّهداء والمنفيّين خلال الحرب العالميّة الأولى، والتي كانت من أهمّ أسباب تأليفه كتابه الذي قسمه إلى قسمين، وقد صحّح عبارته رئيس دير المخلّص – بحنّين القسّ مبارك ثابت اللّبنانيّ.

فهرس محتويات الكتاب:

تناول البكاسينيّ في كتابه موضوعات متعدّدة ومهمّة وزّعها على قسمين. جاء في القسم الأوّل ما يلي:

1- "ما سبق إعلان الحرب الأولى من المفاوضات الرّسميّة التي دارت بين سفراء الدّول".

2- "أخصّ المواقع التي نشبت بين المتقاتلين في السّاحتين الغربيّة والشّرقيّة".

3- "أخصّ الوقائع الحربيّة...[8]." بالإضافة إلى ترجمة الجنرال غورو مندوب الحكومة الفرنسيّة السّامي في بلادنا، وتراجم لبعض الأعيان مع رسومهم ورسوم الشّهداء.

عالج الكتاب في القسم الثّاني "أحوال بلادنا طيلة هذه الحرب الضّروس وما قيل فيها:

1- في جور الأتراك على العرب.

2- في مظالم الأتراك على العرب.

3- في أخبار بعض شهداء الوطن.

4- في المجاعة في سوريا ولبنان.

5- في رحلتنا استقصاء للأخبار.

6- في نكبة التّرك للأرمن.

7- في تبرئة جمال باشا.

8- في بلاغ السّنوسيّ.

9- في كتاب مفتوح للأمير شكيب أرسلان.

10- في أسباب بغض المسلمين التّرك.

11- في موجز أخبار الاحتلال[9]."

نماذج مختارة من كتاب البكاسينيّ:

وقد لفتت نظري في هذا الكتاب النّقاط التي عبّر عنها في مقدّمته، وهي اهتمامه بأخبار الشّهداء وتتبّع سيرهم وطريقة محاكماتهم وتجسيد ذكراهم في صور تحفظها الأجيال. وقد أخذتُ عيّنة محدودة من هؤلاء الشّهداء من بين عيّنات كثيرة، استقى البكاسينيّ المعلومات عنهم من أرشيفهم الخاصّ الذي كان قسم منه بحوزة المؤلّف عينه. والشّهداء المشار إليهم هم:

رفيق رزق سلّوم (من حمص)، ونخلة باشا مطران (من بعلَبَك)، وشهيد لبنان الأوّل المرحوم الخوري يوسف الحايك (من بيروت).

فكيف استُشهد هؤلاء، وما سبب محاكمتهم؟

وهل هناك من ذنوب اقترفوها حتّى يعاقبوا بالقتل؟

الشّهيد رفيق رزق سلّوم (1891 – 1916)

من مواليد حمص سنة 1891 من أبوين مسيحيّين أورثوذكسيّين، درس في المدرسة الرّوسيّة التّابعة للجمعيّة الإمبراطورية الأرثوذكسيّة الفلسطينيّة هناك، ثمّ أرسله مطران حمص، بعد اكتشافه نبوغه، لمتابعة دروسه في المدرسة الإكليركيّة في البلمند حيث أمضى أربع سنوات. وقد عاد بعدها إلى حمص فأقام في المطرانيّة، ليترك ثوب الرّهبنة، ويلتحق بالجامعة الأميركيّة في بيروت حيث نال قسطًا وافرًا من الإنكليزيّة، وكتب رواية تتناول أمراض العصر الجديد، هذه الرّواية التي تركت أثرها في الجيل المتنوّر الذي يطمح إلى الحريّة. بعد عودته إلى حمص تعرّف إلى عبد الحميد الزّهراويّ الذي نصحه بالسّفر إلى الآستانة لدراسة الحقوق، وكان له من العمر سبع عشرة سنة فقط. وقد واظب رفيق رزق سلّوم على دروسه، وفي الوقت عينه كان يؤلّف المقالات الجميلة والبديعة، وينشرها في جرائد ومجلّات عصره. كما ألّف كتابًا في الاقتصاد اعتُمد في التّدريس في مدرسة الزّراعة في سلميّة وفي المدرسة العلميّة في حمص، وله كتاب آخر يضمّ حوالى 800 صفحة في حقوق الدّول، كان لا يزال مخطوطًا وقد أوصى بطبعه.

كان رفيق رزق سلّوم متعدّد المهارات، فقد أتقن العزف على عدّة آلات موسيقيّة، وساعد في إنشاء ناد أدبيّ " يرمي إلى ائتلاف العرب وصيانة حقوقهم واستقلال البلاد..."، وعندما أنهى دروس الحقوق في الآستانة بعد خمس سنوات، كان يتقن عدّة لغات هي الرّوسيّة واليونانيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة والتّركيّة والعربيّة، وكان له في اللّغتين الأخيرتين مؤلّفات وخطب. وعندما خاضت تركيا الحرب انخرط في جيشها برتبة ضابط.

في شهر أيلول من سنة 1915، " قام الوشاة عليه بالسّعايات الكاذبة"، فأوقفته السّلطات التّركيّة في ظروف غامضة ولأسباب غير معروفة، حتى لسلّوم عينه، الذي شرح ذلك في رسالة وداعيّة كتبها لوالدته ولأخويه قبلان وشاكر، وكان المؤلّف البكاسينيّ يحتفظ بنصّها الأصليّ[10]. ونجد من الفائدة بمكان إيراد الرّسالة بأكملها للتّعرف على أساليب الدّولة العثمانيّة في إلقاء القبض على متّهمين أبرياء، وتلفيق التّهم ضدهم وزهق أرواحهم من دون رحمة[11]. وممّا جاء في الرّسالة:

" سيّدتي الوالدة الفاضلة، أخويّ العزيزين قبلان وشاكر

وبعد، فهذه وصيّتي لكم حيث أنا أذكر لكم تاريخ سجني باختصار، وأوصيكم ببعض أمور لا بدّ منها لأنّني متيقّن من زمن بعيد أنّ وقت الموت قد قرب، وأن لا بدّ منه، وأن تشيعَ بعض إشاعات لا صحّة لها. لذلك أحببت أن أذكر لكم كلّ شيء كما وقع تمامًا: ألقت الحكومة القبض عليّ في 14 أيلول شرقيّ. أخذوني قبل الظّهر، وأوقفوني بسجن الضّبّاط وبقيت هناك خمسة أيام، لا أعرف سبب سجني. ويوم الجمعة صباحًا أخذوني إلى عاليه للاستنطاق[12]، فسألوني عن تاريخ حياتي في الآستانة ودمشق، وعن علاقتي مع المرحوم عبد الكريم الخليل[13] لأنّهم ادّعوا أنّني كاتب أسراره، وأنّني كاتب عبد الحميد الزّهراويّ[14] الخاصّ، وأنّ لي قصائد وأناشيد وطنيّة أحضّ فيها النّاشئة على طلب الاستقلال[15]. وقد دفعت هذه التّهم بالحجّة القاطعة. وقد عرفت الذين وشوا بي هم... (فراغ في كتاب البكاسينيّ)، ثمّ زاد الطّين بلّة أحد رفاقي المسجونين معي وهم... (فراغ في كتاب البكاسينيّ) فكان يتظاهر أمامنا بالصّداقة، ويذهب إلى الدّيوان فيفتري عليّ ببعض أمور لكي يظهر صداقته للحكومة ويخلص من الإعدام، لأنّه اعترف من نفسه صراحة، ولم يبق له وسيلة ينقذ حياته بها إلّا التّجسّس.

ثمّ أتى إليّ أخي العزيز شاكر إلى عاليه، وأرسلني ديوان الحرب إلى القدس، لأنّهم لم يجدوا عليّ دليلًا يثبت دعواهم، وقالوا إنّ الذي أمر بتوقيفي جمال باشا، وأنّ مسألتي تتعلّق به رأسًا، فحبسوني في القدس خمسة أيّام عند قومندان الموقع.

ثمّ استدعاني الباشا، وألقى عليّ نفس الأسئلة التي ألقيت في الدّيوان وتَهدَّدني بالضّرب وأنواع العذاب فأجبته نفس الأجوبة التي قلتها في الدّيوان..."[16].

وممّا يلفت النّظر في رسالة رفيق رزق سلّوم لوالدته أمور عدّة، منها:

- عدم معرفة الشّهيد سبب اعتقاله.

- تلفيق التّهم ضدّه.

- أسلوب التّجسّس والوشاية المتّبع من بعض المسجونين أنفسهم، والذين باعتقادنا قد ذكر سلّوم أسماءهم، لكنّ البكاسينيّ تحاشى وضع تلك الأسماء في مؤلّفه هنا، على الأرجح، خوفًا من الملاحقة. وممّا يؤكّد ذلك أنّ أسماء الجواسيس والوشاة قد ذكرهم الشّهيد رفيق رزق سلّوم في الرّسالة عينها لوالدته والتي ذكرها البكاسينيّ بتفاصيلها في ما بعد في سياق كتابة ملخّص عن سيرة الشّهيد ( ص.404–415)، وبخاصّة ص.407 حيث يقول سلّوم:

" ... هذه هي التّهم الموجّهة إليّ وقد دفعت هذه التّهم بالحجّة القاطعة. وقد عرفت أنّ الذين وشوا بي هم: عفيف الصّلح من بيروت، ورفيق الغزّاوي من طرابلس الشّام. وفد زاد في الطّين بلّة أحد رفاقي المسجونين معي وهو رشدي الشوّا من غزّة، فكان يتظاهر أمامنا بالصّداقة ويذهب إلى الدّيوان العرفيّ فيفتري عنّي ببعض أمور لكي يظهر صداقته للحكومة، ويتخلّص من الإعدام لأنّه اعترف من نفسه صراحة، ولم يبق له وسيلة ينقذ حياته بها إلّا التّجسّس..."

والسّؤال الذي يُطرح هو التّالي: هل قصد البكاسينيّ ذكر أسماء الوشاة هنا؟ أم سقط ذلك سهوًا؟!

- طريقة الاستجواب الذي كان يتمّ على مراحل عدّة وفي أماكن عدّة، كان آخرها في القدس من قِبل جمال باشا نفسه لإجبار المسجون على الإقرار بذنب هو منه براء، وهذا ممّا دعا سلّوم إلى قوله للأتراك عندما دنوا منه لأخذه إلى حبل المشنقة، "يا لكم من قوم ظلّام![17]."

- مسؤوليّة جمال باشا المباشرِة عن قضايا الإعدام، وهو ما يؤكّده الأستاذ ساطع الحصري الذي كان بحوزته كتاب لفالح رفقي آتاي الذي كان مديرًا لمكتب جمال باشا الخاصّ، وكان بعنوان "زيتين داغي" أي "جبل الزّيتون"، حيث كان مقرّ قيادة جمال باشا. ونُشر الكتاب لأوّل مرّة سنة 1935، وطبع مع إضافات سنة 1938، وهذا المؤلّف لا يعطي رأيًا صريحًا بأعمال باشا وبطشه، بل يقول بأنّ سرّ ذلك مات مع مقتل جمال باشا. لكنّ كتابًا آخر يشير إليه الحصري، وهو من تأليف الجنرال علي فؤاد أردن الذي كان رئيسًا لأركان الجيش الرّابع تحت قيادة جمال باشا، يساعدنا على تكوين فكرة صحيحة عن مسؤوليّة جمال باشا في قضيّة الإعدام، إذ يقول" إنّ معظم أحكام الإعدام التي أصدرها ديوان الحرب كان مخالفًا لرأي رئيسه وأعضائه ومنافيًا لاقتناعهم الوجدانيّ..."، وبأنّ جمال باشا هو المسؤول عنها[18].

إذاً، شنق رفيق سلّوم في دمشق في 6 أيّار 1916 إلى جانب شهداء ستّة هم: عبد الحميد الزّهراوي وشكري العسلي مفتّش الماليّة، وعبد الوهاب الإنكليزيّ مفتّش الماليّة، والأمير عمر نجل الأمير عبد القادر الجزائريّ، ورشدي بك الشّمعة. كما شنق في بيروت في الوقت عينه خمسة عشر من نخبة شبّان العرب وأفاضل الرّجال، منهم عبد الغني العريسي، وسيف الدّين الخطيب، والأمير عارف الشّهابيّ، وسليم بك الجزائريّ، وجرجي الحدّاد، وبترو باولي، والضّابط أمين لطفي الذي دوّى اعتراضه على الحكم عليه وعلى زملائه بالإعدام من دون استنطاق أو سماع كلامهم[19].

الشّهيد نخلة باشا المطران (؟ - 1915)

من الأساليب الأخرى التي اعتمدها الأتراك للاقتصاص من بعض شهداء الوطن طريقة التّشهير أو التّجريص، وهو ما لقيه الشّهيد نخلة باشا المطران[20]. عن هذا الموضوع يورد البكاسينيّ تفاصيل كثيرة، تجعلنا نلمس لمس اليد معاناة جيل الأجداد الذين قاسوا الويلات للاستقلال عن الدّولة العثمانيّة التي كانت تعبث بأوطاننا وحياتنا ومصيرنا. فعن موكب الشّهيد نخلة باشا مطران يقول البكاسينيّ ما يلي:

"في السّادس من كانون الثّاني سنة 1915، مثل أمام سراي الحكومة في الشّام مشهد عظيم يلبس الأتراك عاراً لا يمّحى. ذلك أنّ نخلة مطران أقف[21] أمام خنوصي بك والي سوريا، فتُلي عليه الحكم بالسّجن المؤبّد لاتّهامه بخيانة الوطن، بعد أنّ حاول إلحاق بعلَبَك بلبنان، وجعلها تحت الحماية الفرنسيّة. وكان شريكه في التّهمة أسعد بك حيدر، فسجن خمسة وعشرين يومًا ثمّ تبرّأ، ولم يلبث أن نفي مع عائلته إلى الأناضول.

سطّر الحكم على نخلة باشا على رقعة كبيرة من قماش، وضعوها على صدره، وألبسوه فروته مقلوبة، وكبّلوه بالحديد وجعلوا على رأسه قبّعة من شعر، وبصق الوالي في وجهه، وأمر به، فسلّم إلى رجل ظالم في رتبة يوزباشي يدعى طاهرًا، ويا له من طاهر! فصفعه على وجهه، وأركبه عربة مجلسًا إيّاه على الكبوت، غطاء العربة، وأمامه لصّان في أيديهما سطلان من ماء قذر فيهما قطع من نعل عتيق، وأحيطت العربة بالجند.

وركب طاهر عربة ثانية، ومشى الموكب والمنادي ينادي ( هوذا الخائن) وجعلت الجماهير تتألّب حوله، وأكثرهم من الأذناب الأسافل، فأوعز طاهر إليهم أن يقذفوا من أفواههم من السّبّ والشّتم ما يجرح عواطف العناصر والمذاهب.

وكانوا كلّما مشوا مسافة عشرة أمتار يغمس اللّصّان النّعال في الماء ويصفعون بها الباشا قائلين: "هوذا الشّعب يلعنك يا خائن الوطن"، والجماهير يتفلون في وجهه ويقذفونه بالسّبّ له ولدينه. والجنود ينخزونه بالحراب، ويحرّضون القوم على شتمه، وكأنّ السّماء حزنت لهذا المشهد الأليم فأرسلت دموعها أمطارًا.

ولم يترك الظّالمون عذابًا إلّاواخترعوه لإيلامه نفسًا وجسمًا...[22]."

وكأنّ البكاسينيّ بوصفه لموكب تجريص أو تشهير نخلة مطران يذكّرنا بعذابات السّيّد المسيح أو درب الجلجلة، وبخاصّة أنّ الهدف من ذلك كان له وجهة دينيّة بالإضافة إلى الوجهة السّياسيّة، ألا وهي تحريض المسلمين في دمشق ضدّ المسيحيين، كما سنرى لاحقًا.

يتابع البكاسينيّ وصفه لمسار موكب تشهير نخلة باشا مطران، متوقّفًا عند مفاصل مهمّة لتبيان الغرض الحقيقيّ من هذا التّشهير، فيشير إلى مرور الموكب أمام بيت أحد وجهاء الكاثوليك، وهو من بيت السّيوفي، والذي طلب منه المشاركة في إهانة الباشا، "لكي يزيدوا في حزن المسيحيين". كذلك مرّوا أمام بطريركية الكاثوليك في حارة الزّيتون في دمشق، لأنّ نخلة باشا المطران كان كاثوليكيًّا، ثمّ التقوا بكاهن الكاثوليك في باب شرقيّ وطلبوا منه لعن المطران، بعدها توجّهوا إلى حارة النّصارى في باب توما والقصّاع ثمّ إلى" سوق ساروجا مقرّ أعيان المسلمين، وعادوا بطريق نزل دمسكوس حيث كان مقيمًا جمال باشا، فخرج ينظرهم، وفي يده سيكارة، وعلى وجهه إمارات الفرح والسّرور.

وما لبثوا أن واصلوا سيرهم إلى دار الحكومة، فأعطوا الرّجل ماءً فاغتسل، وسيكارة ليدخّن، وسقوه قهوة الحنظل، وأخذوه إلى القلعة، ووضعوه في قبو مظلم، لا أنيس له سوى البقّ والحشرات. والماء يجري تحته وتركوه مكبّلًا بالحديد، يقاسي أمرّ العذاب، وأعطوه كرسيًّا صغيرًا يجلس عليه، وخرقة يلتفّ بها، ومنعوه من كلّ مخابرة، وكانوا يعطونه كسرة خبز وقليلًا من الماء.

ولم يكن مسلمو الشّام أقلّ استياءً من مسيحيّيها لأنّهم حاصلون على خُلق جميل ونفوس كبيرة، وهمم عالية ومكانة سامية. ولم يكن سابق نفور من المظلوم ولا من المسيحيّين ممّا يبعثهم على التّشفي والشّماتة.

وأظهرت الحكومة رغبتها في أن تضرم الفتنة على النّصارى، لكنّ عقلاء المسلمين أوقفوا الجهلاء وذكّروهم بسنة 1860 إلّا أنّ الأوغاد استصوبوا عمل الحكومة الجائرة طمعًا بالسّلب والنّهب.

وبعد يومين ألقي القبض على الشّيخ درويش مرتضى، وحكم عليه بالسّجن ثلاثة أشهر لأنّه أخفى بعض مزروعاته. وعند ذلك لم يبق ريب في أنّ الحكومة التّركيّة لا تريد اضطهاد النّصارى فقط بل العنصر العربيّ بأسره.

ثمّ أحضر إلى السّجن يوسف أفندي العيسي من فلسطين، ولم يزل عدد السّجناء يزداد..."[23]

نلاحظ من خلال ما أورده البكاسينيّ عن تشهير نخلة باشا المطران أبشع وأحقر ما يلجأ إليه حاكم للاقتصاص من متّهم الذي بحكم القانون هو بريء حتّى تثبت إدانته ، لكن برأي جمال باشا فإنّ الحكم العرفيّ وارد مهما كانت التّهمة، بل إنّه حاول قدر استطاعته استغلال تشهير نخلة باشا بالتّعرض للمسيحيّين، علّه يدفع المسلمين الدّمشقيّين إلى حوادث جديدة مشابهة لما جرى سنة 1860، والتي أدّت إلى مقتل الآلاف من مسيحييّ دمشق، وممّن لجأ إليها من المناطق المجاورة. على أنّ مخطّط جمال باشا باء بالفشل بسبب وعي المسلمين الدّمشقيّين الذين كانوا يعرفون أنّ الحكومة التّركيّة تريد اضطهاد العنصر العربيّ، وليس المسيحيّين فحسب.

كان هذا الوعي الوطنيّ لسكّان دمشق المسلمين قد تجلّى من قَبل، عند تصدّيهم لسياسة البارون مكس الألمانيّ[24] في دمشق سنة 1914، والذي كان يجّسد كره ألمانيا لمسيحييّ الشّرق، على حدّ قول البكاسينيّ. كانت مهمّة مكس تحريك الفتن بين المسيحيّين والمسلمين، كذلك تحبيب ألمانيا إلى المسلمين، فعمل على تحرّيض جمال باشا ضدّهم. كما أنّ سياسة جمعية الاتّحاد والتّرقي كانت متّفقة مع ألمانيا على إبادة العناصر غير التّركيّة. وهذا ما دفع الشّيخ العلاّمة بدر الدّين الحسني إلى نصح جمال باشا وأعوانه حتّى لا يأخذوا بهذه الأفكار، كما أنّه حضّ "المشايخ وخدَمة الدّين ببثّ روح الوئام والإخاء في مواعظهم كلّما سنحت لهم الفرص...[25]."

ومن الخطب التي ألقيت في المدينة آنذاك، والتي استحصل البكاسينيّ على نسخة منها سنة 1920، خطبة الشّيخ يحيى المكتبي[26] معاون العلّامة الحسني وخطيب دار الحديث، وقد نقلها المؤلّف بحرفيّتها في كتابه. وقد أورد الشّيخ المكتبي في الخطبة آيات قرانيّة وأعدادًا من الإنجيل تدعو إلى التّسامح والألفة والمحبّة، وعدم مقابلة الشّرّ بالشّرّ بل بالخير.

كما أنّه دعا المسلمين إلى "الاتّحاد والاتّفاق وجمع الكلمة العموميّة مع أهل وطنهم من أهل المذاهب والطّوائف الأُخر المحترمين، حيث إنّنا نحن وهم على السّواء فيما يضرّ الوطن أو ينفعه، وأنّ المصلحة العموميّة واحدة ينفعهم ما ينفعنا ويضرّهم ما يضرّنا. وأنّ الدّين الإسلاميّ يقول: لكم ما لنا وعليكم ما علينا. قال رسول الله صلعم ألا مَن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه بغير طيبِ نفس فأنا حجيجه يوم القيامة. وقال الإمام عليّ رضي الله عنه: من كانت لهم ذمّتنا فدماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا ودينهم كديننا، فلهذا يجب توحيد الكلمة معهم والاهتمام بكلّ ما يسرّهم ويؤول إلى احترامهم وراحتهم وعدم الضّرر والتّعدّي عليهم والإيذاء بهم لا باليد ولا باللّسان... لأنّ عند أخواننا بني الطّوائف من الغيرة والحميّة والمحافظة على الوطن ما عندنا، حيث أنّ النفع والضّرر سواء لنا ولهم. كما أنّه لا يجوز التّعدّي على أحد من تبعة الأجانب ورعاياهم، حيث أنّ حكمهم حكم الأوطان لدخولهم الأوطان بوقت السّلم فيقال لهم مستأمنين، فلا يجوز التّعدي عليهم... فعليكم أيّها الأخوان التّعاضد والتّعاون على نفع الوطن وأهله بالطّرق المشروعة وعدم التّعدي على أحد من الطّوائف ومن الأجانب..."[27].

إذاً وبسبب وعي المسلمين الدّمشقيين فشلت مهمّة مكس الألمانيّ الذي رجع إلى الآستانة. ووزّعت الحكومة التّركيّة مناشير على البيوت، وألصقت قسمًا منها في الشّوارع، وكانت تؤمّن فيها المسيحيّين على حياتهم[28].

كما أنّ وعي الدّمشقيّين أفشل خطّة جمال باشا التّحريضيّة أثناء تشهير نخلة مطران. لكنّ الدّولة سمحت لأهل السّجين بلقائه بعد خمسة وعشرين يومًا على اعتقاله، ثمّ قرّرت هذه الدّولة نفيه إلى أورفة[29] كما قيل له. ووفقًا لأقوال إيليّا الهراوي الذي كان يقود القطار عام 1915 بين رياق وحلب، تمّت تصفية نخلة باشا المطران على الطّريق رميًا بالرّصاص، ولم يسمح للهراوي بدفنه، فقطعت جثّته وألقيت في بركة ماء. مع العلم أنّ نخلة باشا كان قد قدّم خدمة جليلة لزعماء الاتّحاديّين (طلعت وجمال وجاويد)، أثناء إقامته في الآستانة هو وشقيقته فكتوريا، إذ التجأ هؤلاء إلى داره "فأجارهم بشهامة عربيّة معرّضًا نفسه لأشدّ الأخطار، فانظر كيف جوزي! أمّا عائلته فنفيت إلى جهّات الأناضول"[30].

الشّهيد المرحوم الخوري يوسف الحايك
شهيد لبنان الأوّل (1869 – 22 آذار 1915)

لعلّ أهمّ تعريف له أنّه كان عدوّ الاستبداد وصديق العدالة والمساواة. "وهو أخو الزّهراوي[31] والمحمصاني[32]

والخازنيّين[33] وعقل[34] والخليل[35] والهاني[36]، هو أخو كلّ سوريّ نزيه يجري في عروقه دم الحرّيّة والعدالة هو الذي أحبّ فرنسا فقتلوه"[37].

يعود أصل الأب يوسف الحايك إلى بيت شباب، ولد في سنّ الفيل سنة 1869 حيث تعلّم مبادئ القراءة في مدرسة القرية، ومن ثمّ أرسله والده إلى مدرسة مار عبدا هرهريّا حيث بقي ستّ سنوات، لينتقل بعدها إلى مدرسة الحكمة حيث أتمّ دروسه اللّاهوتيّة. وقد رقّاه المطران يوسف الدّبس إلى درجة الكهنوت سنة 1888. وفي السّنة التّالية سافر إلى البرازيل لأسباب عائليّة حيث بقي مدّة سنة واحدة رجع بعدها إلى لبنان، بعد أن مرّ بمدينة باريس حيث بقي بضعة أشهر. وقد مرّت الباخرة التي كان الخوري الحايك على متنها على الآستانة، حيث تمّ ضبط أمتعة للخوري ملفوفة بأعداد من جريدة تركيا الفتاة التي كانت السّلطات التّركيّة تحقد كثيرًا على جمعيّتها.

على أن الخوري الحايك، وفقًا للبكاسينيّ، عاد "إلى الوطن وقد أثّر في قلبه ما رآه من عطف فرنسا على السّوريّين في المهجر واهتمامها الدّائم بمصالحهم..."[38].

كما أنّ الصّفات التي تمتّع بها الخوري الحايك كالإقدام والشّجاعة ومناصرة الضّعيف هي التي جعلت الكثير من رجال الحكومة يُجلّونه كالأمير قبلان أبي اللّمع وآل عمّون، لكنّ الدّولة التّركيّة كانت له بالمرصاد، بخاصّة عندما اعترض على هجوم مجموعة من بوليس بيروت بقيادة سليم سيقلي في أواخر أيلول سنة 1914، وخرقها حدود الجبل، واقتيادها أربع شبّان لبنانيّين إلى سجن بيروت:

"واعترض لدى ممثّلي الدّول على هذا العبث بقانون الجبل الأساسيّ. فاضطرّ الوالي إلى طلب المعذرة ومجازاة الفاعلين وإطلاق سراح الموقوفين. فكبّرت قناصل الدّول وطنيّته وخصوصًا ممثّل فرنسا، فإنّه دعاه إليه وأثنى على غيرته وحماسته..."[39].

لكنّ الأمور في جبل لبنان ساءت أكثر فأكثر عندما دخلت تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا، واجتاحت جبل لبنان، وأخذت تنتقم من شعبه. فكان أوّل ضحيّة الشّهيد الخوري يوسف الحايك الذي كانت تريد من خلاله الاقتصاص من الإكليروس المارونيّ ومن الشّعب اللّبنانيّ. وفي منتصف ليل 25 كانون الأوّل 1915 أحاطت مجموعة من الجنود ببيته واقتادته إلى عاليه لاتّهامه بتهييج الشّعب في لبنان ضدّ الأتراك، ولعلاقته بالدّولة الفرنسيّة وقد اعتبرتها خيانة. دافع الخوري عن نفسه بشجاعة، ولم يتمكّن أولئك من أخذه بشيء، لكنّ "الوشاة من رعّاع اللّبنانيّين" كان لهم دورهم في تنفيذ حكم الإعدام بالأب الحايك، كما أنّ كومندان الجيوش التّركيّة كان مصمّمًاعلى هذا الحكم، إذ كان برأيه لا يمكن إرهاب الجبل إلّا باعدام هذا الكاهن.

اقتيد الأب يوسف الحايك إلى الشّام، وفي صباح 22 آذار 1915 نفّذ فيه حكم الإعدام شنقًا في ساحة المرجة " جزاء خيانته الوطن"، كما جاء في الفرمان القاضي بإعدامه. وقد اطّلع المؤلّف البكاسينيّ على نصّ خطابٍ بعثه رئيس مجلس مبعوثان فرنسا إلى الخوري يوسف الحايك، يشكره فيه على المعلومات القيّمة التي قدّمها عن أحوال سوريا وأوضاعها، وتمّت الاستفادة منها من الفرنسيّين. وقد سمحت قيادة الفيلق الرّابع بنشر نصّ هذا الكتاب، الذي كان سببًا في إعدام الخوري الحايك. كما ورد إعلان رسميّ بشأن إعدام الخوري وسبب ذلك في جريدة الاتّحاد العثمانيّ بتاريخ 16 آذار 1915 ما يؤكّد وجهة النّظر العثمانيّة الرّسميّة بتحميل الحايك مسؤوليّة خيانة الوطن[40].

أمّا الجرائد الأخرى وبخاصّة في المهجر فكان لها موقف مغاير إذ أثنت على وطنيّة ونخوة وشرف الخوري يوسف المدافع عن المظلومين والمحبّ للعدل[41]. ومن الذين كتبوا في هذا الموضوع الدّكتور شبلي الشّميّل الذي أبّن الشّهيد بأفضل المعاني وأعمق الأفكار في جريدة أبو الهول عدد 220. وممّا قاله فيه: "... أيّها الكاهن النّبيل قد قتلك الذين أراد الله بهم شرًّا، فظنّوا أنّهم يمتلكون الرّقاب بالإرهاب، وجهلوا أنّ الملك الوطيد الدّعائم هو الرّاسخة محبّته في القلوب. وهم، إن يكونوا قد شنقوك فما شنقوك وحدك بل شنقوا معك كلّ نفس لا تتأثّر لك وكلّ خاطر لا يثور لأجلك. وما أبدع هذا الانتحار منهم إذ أحيوا ذكرك في نفس كلّ لبناني بل كلّ سوريّ بل كلّ حرّ من أحرار العالم.

فإذا أقام لك مواطنوك (تمثالًا) على قمّة جبلهم الشّامخ فليس ذلك منهم لتمجيدك وأنت زهدت بمجد الدّنيا، بل لتقف به كالخطيب على منبر الأبديّة، تحدّث به الأحفاد بمصائب الأجداد، وتشهد على مدى الأجيال على سواد صفحة قاتليك"[42].

في الواقع إنّ تحليل الشميّل لقتل الأب الحايك يقع في مكانه الصحيح، إذ نلاحظ انعكاسًا له في أقوال وأفعال وكتابات الجزّار جمال باشا.فهل ندم قاتل الأب الشّهيد يوسف الحايك وقاتل زميليه رزق سلّوم ونخلة باشا المطران وغيرهم من شهداء على أعماله الإجراميّة؟ بخاصّة أنه كتب مذكّراته التي صدرت باللّغة التّركيّة، وترجمت إلى العربيّة.

في كلامه عن تنفيذ أحكام الإعدام في بيروت ودمشق، من دون تصديق الحكم من السّلطان، وكردٍّ على منتقديه يقول جمال باشا: " ... أولاً لقد خُوّلت من السّلطةالقانونيّة في أن أفعل ما فعلت. وثانيًاإنّ المبادرة بتنفيذ الحكم كانت في نظري الوسيلة الوحيدة للضرب على أيدي الخونة. وفي بلاد العرب يرى الإنسان لأرباب الحيثيّات نفوذًا كبيرًا، حتّى أنّ وجود أحدهم في الغالب قد يكون له من التّأثير ما ليس لفيلق من الفيالق. فإن أراد قائد مثلي ليس له إلّا القليل من الموارد أن يحافظ على سلطة الحكومة وسطوتها ونفوذها في بلاد سمّمتها الدّعوة الإنكليزيّة والفرنسيّة عدّة سنين كان من أهمّ الأمور أن يؤمن الأهالي الملكيّون بمقدرته على الأخذ بناصية أيّ شخص كائنًا من كان، ومعاقبته من دون استئذان المراجع العليا في الآستانة..."[43].

الإرهاب مبرّر برأي جمال باشا بخاصّة ضدّ من كلمتهم أقوى من فيلق من الجيش، أي أولئك المتنوّرين العرب الذين كانوا يخيفونه لاحترام شعوبهم لهم. وبرأيه إنّ عقاب هؤلاء الذين يسمّيهم " خونة " مبرّر، بل أكثر من ذلك هو مفيد لأنّ من نتائجه عدم حدوث ثورات في سورية لمدّة سنتين متعاقبتين، إذ يقول " إنّ الفضل في عدم حدوث ثورة ما في سورية خلال العامين ونصف العام اللّذين أعقبا إعلان الشّريف حسين استقلال بلاده إنّما يرجع إلى أحكام الإعدام التي وقعت في نيسان سنة 1916 [1915؟]. وبقطع النّظر عن ذلك فإنّ أنور باشا، وهو وزير الحربيّة ، وحكمت باشا، وهو وزير الدّاخليّة، قد وافقا على تنفيذ أحكام الإعدام من دون استئذان المراجع العليا.ثمّ أرسلتُ إلى الآستانة تقريرًا بما أجريته هناك، وراجعَته محكمة الاستئناف التّابعة لوزارة الحربيّة، ثمّ أرسلته بناء على قرار من مجلس الوزراء إلى القصر للتّصديق الشّاهانيّ. وهكذا أيّد النّاطق الشّاهانيّ الأحكام التي قضى بها الجيش ونفّذها، وبذا فقد ختمت هذه الرّواية!"[44].

 نلاحظ أنّ جمال باشا يحمّل مسؤوليّةأحكام الإعدام لغيره أيضًا كأنور وحكمت. ومن دون أن ندخل بصلاحيّات كلّ منهما بالنّسبة إلى جمال باشا، فهو يحاول تبرير عمله وإعطاءه صورة مشوّهة لتدبير قانونيّ، إذ أرسل تقريرًا إلى السّلطات العليا التي نجح في أخذ تأييدها للأحكام التي قام بها الجيش ونفّذها. أي أنّه طلب الإذن بعد تنفيذه جريمته النّكراء التي ذهب ضحيّتها العشرات من خيرة مثقّفي العرب الذين كانوا يسعون لنيل حقوقهم في الاستقلال، وتقرير مصيرهم بعد أن جثم طغيان الحكم التّركيّ على أوطانهم، ووضع يده على مواردهم وثرواتهم لمئات السّنين.

هل هناك نقاط مشتركة بين البكاسينيّ وغيره من مؤرّخي الحرب الأولى أو المعاصرين لها؟

حاولنا أن نطّلع على بعض نماذج من مؤرّخين أو كتّاب عاصروا الحرب العالميّة الأولى، وكان لهم دورهم الفاعل والمختلف أحدهم عن الآخر، لنتبيّن إذا ما كانت هناك من نقاط تتشابه مع ما ورد عند البكاسينيّ أو تختلف عنه بخاصّة في ما يتعلّق بشهدائنا موضوع هذا البحث أو غيرهم من شهداء لبنانيّين أو عرب. فقد اطّلعنا على كتاب لمحمّد جميل بيهم بعنوان "سورية ولبنان 1918–1922"[45]، كذلك على كتاب جرجس المقدسيّ التي تمّت الإشارة إليه في مقدّمة البحث، وهو "أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها"، كذلك على كتاب للمربّي نسيم متري الحلو وهو عبارة عن مذكّرات تحمل عنوان:" سيرتي منذ حداثتي"[46]، وعلى رأي مسؤول في الجمعيّة الخيريّة الأورثوذكسيّة في بيروت ألا وهو جرجي نقولا باز من خلال كتابه" حسن التّذكار"، المنشور في جريدة الهديّة سنة 1925[47]، والمخصّص ريعه لتعليم يتيم في مدرسة والذي هو نموذج عن عمل الجمعيّات الخيريّة خلال الحرب العالميّة الأولى وبعدها.

إنّ اختيارنا هذا لم يكن عشوائيًّا بل مقصودًا، وذلك لمعرفة رأي محمّد جميل بيهم البيروتيّ المسلمفي الأحداث، بخاصّة أنّه كان عضوًا في المؤتمر السّوريّ الذي توّج فيصل ملكًا على سوريا، وكان يتولّى إدارة بيت تجاريّ باسم "عبد الرّحمن ومحمّد بيهم" يتولّى التّصدير إلى أوروبا والاستيراد منها على نطاق واسع خلال الحرب العالميّة الأولى (1914–1918)[48]. كذلك رأي المقدسيّ الأستاذ في الجامعة الأميركيّة، المؤسّسة التي كانت لا تزال تعمل في ظلّ الأحداث الخطيرة، بسبب رضا الدّولة العثمانيّة على الولايات المتحدة التي لم تكن قددخلت الحرب بعد. أمّا كاتبنا ما قبل الأخير فما هو إلا سوريّ من مشتى آل حلو هو نسيم متري الحلو، جاء إلى لبنان ليتعلّم في المدرسة الفنيّة الأميركيّة في صيدا التي أسّسها الأميركيّون بمساعدة مواطنين لبنانيّين، اعتنقوا المذهب البروتستانتيّ ليترقّوا بعدها في إدارة المدرسة، كما حصل مع الحلو نفسه الذي كان أورثوذكسيًّا، فترك مذهبه كما بلده ليعيش ويعمل في لبنان وفي المدرسة التي درس فيها، وليترك مذكّرات مهمّة تضيء بخاصّة على الوضع التّعليميّ خلال الحرب.

أمّا مؤلّفنا الأخير فهو جرجي باز الذي كان، وفقًا لما جاء في مقدّمة كتابه التي وضعها بولس الخولي، وكيلًا لمدرسة الثّلاثة أقمار سنة 1915 . ووصف الخولي كتاب باز بالأخلاقيّ الذي يصلح للتّداول بين أيدي تلاميذ المدارس، بخاصّة "في سنّ المراهقة والشّباب – السنّ التي في غضونها تتكوّن أميال النّفس الطّامحة وتتأصّل صفات الفرد وأخلاقه...". وعمّا جاء في الكتاب من مقالات يتابع الخولي قوله بأنّها "ترمي إلى الوجهة التّثقيفيّة التي يقصدها الكاتب خالية من الحشو..."، كما ينوّه بوقف ريع الكتاب على تعليم أحد الأولاد النّابغين[49].

على أنّ جرجي باز عينه يورد في تمهيد كتابه بأنّه عند تأليفه كان قد مرّ عليه أكثر من عشرة أعوام في خدمة الجمعيّة الأورثوذكسيّة كعضو عامل فيها، وكان يتناوب وكالة مدرستَي الثّلاثة الأقمار للصّبيان والبنات، ويلقي المحاضرات على التّلامذة والمعلّمّين والمعلّمات[50].

لمعرفة النّقاط المشتركة بين البكاسينيّ ومعاصريه الذين سبق ذكرهم، بخاصّة في ما يتعلّق بالشّهداء سوف نتطرّق أوّلًا إلى كتاب محمّد جميل بيهم الذي ساهم في مجرى الأحداث التّاريخيّة في عصره، وتعرّف عن قرب على حفيد عبد القادر الجزائريّ، أي سعيد الجزائريّ، كذلك على الملك فيصل وغيرهما. وكانت له نشاطاته السّياسيّة والثّقافيّة[51] بالإضافة إلى تلك الاقتصاديّة، لذا جاء كتابه سوريا ولبنان 1918–1922 مبنيًّا على تجربة شخصيّة وعلى أرشيفه الخاصّ. وهنا تكمن أهمّيّة ما جاء فيه من موضوعات وبخاصّة أخبار "شهداء لبنان وسوريا"، "الذين علّقوا على أعواد المشانق، والذين أعدموا منفردين وأخبارهم"[52]. وقد خصّص لهم مقالًا في آخر كتابه، على حدّ قوله، "ليكون سجلًّا في تاريخ سوريا ولبنان ناطقًا بعرفان الجميل للمخلصين ومستنكرًا جريمة الظّالمين"[53].

وفقًا لبيهم فإنّ أحمد جمال باشا الذي عُيّن قائدًا للجيش الرّابع في أوائل سنة 1915 اعتمد بداية "سياسة المصانعة والمداراة" لأحرار سوريا، متظاهرًا بالعطف على العروبة، حتّى إذا مااكتشفت السّلطات التّركيّة وجود مراسلات بين حقّي بك العظم، الذي كان رئيسًا لجمعية عربيّة في مصر كانت تطالب باللّامركزيّة، وبين بعض الشّبيبة السّوريّة واللّبنانيّة، وبعد أن اكتشفت وثائق ورسائل أخرى في ما بعد في دار القنصليّة الفرنسيّة في بيروت تدين فئة أخرى بالتّواطؤ مع فرنسا، وبعد أن كانت كفّة المحور (ألمانيا وتركيا) راجحة في أوّل الحرب، خلع جمال باشا ثوب الحمل وبيّن عن حقيقته الشّريرة[54]. فألّف الدّيوان العرفيّ العسكريّ في عاليه، وحاسب المتّهمين الذين ساقهم إلى بيروت ودمشق في قوافل ثلاث، كما أعدم غيرهم على انفراد[55].وقد تألّفت القافلة الأولى من أحد عشر شهيدًا أعدموا شنقًا في آب 1915 في ساحة البرج في بيروت التي سمّيت في ما بعد ساحة الشّهداء. وضمّت القافلة الثّانية أربعة عشر شهيدًا أعدموا في 6 أيّار 1916 في ساحة البرج أيضًا. أمّا القافلة الثّالثة فضمّت سبعة شهداء أعدموا شنقًا في 6 أيّار في ساحة المرجة بدمشق أي في اليوم عينه لإعدام القافلة الثّانية في بيروت. وكان من ضمن هذه القافلة الشّهيد رفيق رزق سلّوم[56]، الذي أورد البكاسينيّ تفاصيل مهمّة عن حياته وعن مماته، سبقت الإشارة إليها.

على أن بيهم يطلعنا على الطريقة المهينة لكرامة الموتى التي كان يتمّ فيها التّخلّص من الجثامين بعد إعدام الشّهداء، إذ كانت تنقل في طنبر، وترمى في حفرة واحدة في تلّة مهجورة كانت معروفة بتلّة الدّروز[57]. كما أنّ المؤلف خصّص حيّزًا في كتابه للذين أعدموا على انفراد من اللّبنانيّين، ومنهم الخوري يوسف الحايك الذي أعدم سنة 1915 في دمشق، ومن ثمّ نقل جثمانه إلى لبنان حيث دفن في سنّ الفيل، ونخلة باشا مطران الذي نفي إلى الأناضول، ولكنّه قتل على يد حرّاسه بين حلب وديار بكر بأمر من السّلطة العثمانيّة، كما أنّ الطّريقة التي تمّ تجريص نخلة مطران فيها قبل قتله أثرّت كثيرًا في محمّد جميل بيهم، لأنّه شاهد بنفسه ذلك التّجريص أو التّشهير غير الإنسانيّ، وعن هذا الموضوع يقول ما يلي:

" ... وقد كان عقابه أشدّ وأفظع من سواه إذ كان يتمنّى الموت قبل أن يفتكوا به. ذلك لأنّهم شهّروه بدمشق على شكلٍ تقشعرّ منه الأبدان قبيل سوقه إلى المنفى. وقد قدّر لي أن أشاهد بنفسي ذلك التّشهير اللّإنسانيّ: لقد أركبوه عربة مكشوفة، فطافت به على شوارع المدينة. وكان أمامه رجل غليظ يحمل نعله فكان تارة يصفعه به على وجهه ليديره إلى الجهة اليمنى، وطورًا يصفعه به على وجهه الآخر ليديره إلى جهة اليسار، وهو بين هذا وذاك يكيل له السّباب والشّتائم كيلًا. ورعّاع النّاس على حافتَي الطّريق، يشاركونه في النّيل منه، ويبصقون عليه. هذا فضلًا عن أنّهم ألبسوه ثوب كركوز إمعانًا في التّحقير. فيا ويل الإنسان من شرّ الإنسان. كلّ ذلك جعلني أذرف الدّموع على هذا الوجيه الكبير الذي تربطني بأسرته صداقة قديمة ذاك السَّريّ الذي كبا به الدهر، وجعله عرضة لعقاب الظّالمين، وسخرية عند الرّعاع..."[58].

إنّ رواية بيهم هذه عن الشّهيد نخلة باشا المطران تؤكّد في مجملها ما جاء عند البكاسينيّ عن الموضوع عينه، بخاصّة أنّ بيهم كان شاهد عيان لتشهير نخلة المطران في دمشق، وقد كان يعرفه معرفة وطيدة. وهذا ممّا يشير إلى أنّ البكاسينيّ كان يدقّق في مصادر معلوماته المتعلّقة بالشّهداء، وعليه يمكن اعتبارها موثوقة.

أمّا في ما يتعلّق بالذين حكم عليهم بالإعدام ونجوا منه، فيطلعنا بيهم على تفاصيل مهمّة عنهم مبنيّة على أرشيفات خاصّة[59]. على أنّه لا يغفل الأسباب المعروفة والمخفيّة لقيام السّلطة العثمانيّة المتمثّلة بجمال باشا بأعمالها تلك، ومنها خبر كان قد علمه بيهم بطريقة سرّيّة من أحد أركان حزب الاتّحاد والتّرقي الذي كان يسيطر على السّلطنة العثمانيّة، ويتعلّق بقرار" صدر في استانبول يقضي بإجلاء الفئة الموالية لفرنسا عن لبنان، وذلك جملة واحدة أسوة بالأرمن في الأناضول، وأنّه عهد إلى جمال باشا قائد الجيش الرّابع بتنفيذ هذه المهمّة قصد استئصال النّفوذ الأجنبيّ. ولكنّ هذا القائد إذ شعر بأنّ تنفيذ هذا القرار من شأنه إثارة بقيّة الطّوائف على الدّولة لم يجرؤ على القيام به[60]. فاختار طرقًا أخرى مدارها إشغال أهالي بيروت ومتصرفيّة لبنان بشؤونهم الخاصّة التي تصرف أعداء الدّولة عن متابعة المؤامرات ضدّ السّلطنة..."[61].

والأرجح أنّ الفئة المؤيّدة لفرنسا قُصد بها المسيحيّون، وأنّ الطّوائف الأخرى هي من المسلمين، ممّا يعني أنّ مسلمي لبنان كانوا يعارضون أيّ تدبير تعسفيّ يتّخذ ضد مواطنيهم من المسيحيّين، كما كان عليه الحال في دمشق آنذاك. أمّا الطرق الأخرى التي اعتمدها جمال باشا لإلهاء النّاس فمنها تأليف الدّيوان العرفيّ، ونصب المشانق وافتعال المجاعة[62] التي أودت بحياة عدد كبير من اللّبنانيّين، بالإضافة إلى أمر آخر لم يعرفه المؤرّخون، أورده الاقتصاديّ محمّد جميل بيهم، لأنّه كان وطيد الصّلة بأعماله، وهو متعلّق بالأوراق الماليّة التي أصدرتها الدّولة العثمانيّة أثناء الحرب، إذ إنّها "وزّعت الأوراق المخمّسة، وأجّلت توزيع الأوراق الصّغيرة (والفراطة) التي يتوقّف عليها محور الأعمال، فضاق النّاس ذرعًا بهذا التّصرّف، ولا سيّما في بيروت... [و] أضافت إليها تعقيدًا جديدًا، إذ أوعزت إلى الدّوائر الرّسميّة وإلى الشّركات ذوات المنافع العامّة بأن تستوفي رسومها من دون زيادة ولا نقصان، على أن لا تكون مأذونة بردّ شيء من المتليكات المتجمّعة لديها إذا أدّى المكلّف القيمة المطلوبة منه نقدًا يزيد عن المطلوب، ولا مأذونة باستيفاء ما يزيد عن المطلوب من المكلّف...". وكان هذا التّدبير من مصائب الحرب التي دفعت ببيهم لكتابة مقال عنه، خاف من نشره آنذاك لأنّ الظلم على حدّ قوله كان " يخفت الأصوات ولو كانت أنينًا". وإنّ هذا التّدبير التي اتّخذته السّلطة العثمانيّة كان له انعكاساته الكارثيّة على كلّ النّاس وحتّى على الدّولة عينها، إذ وقعت الخسارة على الجميع[63].

هذا ما أشار إليه محمّد جميل بيهم فيما يخصّ الشّهداء من لبنانيّين وعرب وغير ذلك من موضوعات تفرّد بها، على أنّ ما لفت نظره، وعلى الأرجح استياءه، هو أنّ نصب الشّهداء الذي وضع في ساحة البرج في بيروت، لا يشبه الذين استُشهدوا من لبنانيّين وغيرهم من العرب، بل سحنةُ أشخاصه أوروبيّة أكثر منها شرقيّة[64]؟!

وإذا انتقلنا إلى جرجس الخوري المقدسيّ[65]، الذي سبق أن أشرنا إلى أنه كان يدرّس في الجامعة الأميركيّة إبّان دخول تركيا الحرب العالميّة الأولى، فله نظرته الخاصّة إلى الأحداث مع بعض نقاط مشتركة مع ما جاء عند البكاسينيّ وغيره. لقد توقّف المقدسيّ مليًّا عند الأزمة الاقتصاديّة وأسبابها المباشرة وغير المباشرة، وحمّل الدّولة التّركيّة مسؤوليّتها، لكنّه لم يغفل دور اللّبنانيّين الطّمّاعين، الذين لم يكن لهم من همّ سوى زيادة أموالهم، ولو على حساب عدد كبير من النّاس المتضوّرين جوعًا والمهدّدين بالموت[66]. كما أنه قسّم مجتمع سوريا عام 1916 إلى فئات ثلاث: الموسرون وهم أرباب المتاجر والمزارع والمناصب الممتازة، والمعسرون وهم الطّبقة المتوسّطة الذين لم يكن باستطاعتهم زمن الحرب ابتياع حاجاتهم، فتمكّن المحتكرون من "شدّ رقابهم"، وأجبروهم على بيع كلّ ممتلكاتهم، أمّا الفئة الثّالثة فهي المتسوّلون الذين لم يجدوا سوى الطّبقة المتوسّطة لإسعافهم[67]. وهو يفسّر سبب كثرة المعسرين في جبل لبنان وكيفيّة تفاقم المجاعة بخاصّة في شتاء 1916 والحالة الكارثيّة التي وصل إاليها النّاس بسبب التّضوّر جوعًا[68]. ووفقًا له "لا شكّ في أنّ الميتات على أنواعها مخيفة، ولكنّ شرّ الميتات على ما أرى هو الموت جوعًا..."[69]. على أنّ الموت حسب المقدسيّ لم يطل الأجساد فقط بل تعدّاه إلى النّفوس إذ " لم يكن هنالك من زعماء للقيام بثورة أو للاتّحاد على مهاجمة الطّعام"، ويعود ذلك برأيه إلى تربية السّوريّين. وفي الوقت الذي كان يكثر البؤساء والجائعون كانت الاحتفالات تقام بأبهى مظاهرها، ولكن كان يُجمع هؤلاء المتسوّلون في خان في الوقت الذي كانت تزيّن المدينة[70].

بدوره صوّر المربّي جرجس الخوري، الذي كان عضوًا في مؤسّسة تربويّة بقيت فاعلة خلال الحرب لرضا الأتراك عليها[71]الحياة الاجتماعيّة التي كان ينعم بها قسم معيّن من النّاس، ومن بينهم المؤلّف عينه وغيره من موظّفي الكلّيّة السّوريّة الذين كانوا يدعون إلى الحفلات الرّسميّة التي كان يقيمها الوالي وجمال باشا والتي كان يراعى فيها أصول البروتوكول: فالوالي وجمال باشا كانا يتصدّران ردهة كبيرة،" فيدخل الرّؤساء الرّوحيّون على ألحان الموسيقى العسكريّة، ويصافح كلّ منهم الحاكم باليد، وبعد الانتهاء يقف الكلّ فيعيّن الوالي مجالس أربعة أشخاص فقط... وهم القاضي عن يمين الحاكم، والمفتي عن يساره، وبطريرك السّريان بجانب القاضي ومطران الأرثوذكس بجانب المفتي ..."[72]. ويشير المقدسيّ إلى أنّ هذا البروتوكول كان معتمدًا في أيّام الولاة الثّلاثة الذين تعاقبوا على بيروت خلال الحرب وهم: بكر سامي بك، وعزمي بك، وإسماعيل حقّي بك. كما أنّه اشترك مع أساتذة الجامعة وتلاميذها في" الاحتفاء بالعظماء"، كاستقبال أنور باشا وزير الحربيّة التّركيّة الذي زار بيروت في شتاء 1918 ، والتزموا الوقوف في أحد شوارع المدينة نحو أربع ساعات لتأدية التّحيّة له. وكانت السّلطات التّركيّة تأمر الشّعب بالاحتفاء بالزّائرين وتشترط عليهم رفع الرّايات بمقاييس محدّدة وتهدّد من يخالف أوامرها[73].

إذًا كان المسؤولون الأتراك يقيمون الحفلات ويحتفون في الوقت الذي كانت أرواح الكثيرين تُزهق ظلمًا وجوعًا ومرضًا. فبسبب المجاعة وسوء العيش انتشرت الأمراض المختلفة في القرى والمدن، وحصدت في بعض المناطق أرواح ثلث السّكّان أو جميعهم. وفي تقرير للمرسلين الأميركيّين عن أحوال أبرشيّتهم في صيدا ولبنان تبيّن أنّ 183 قرية كانت تضمّ قبل الحرب عشرة آلاف بيت، خرّب منها خلال سنّوات الحرب الأربعة ألفان وخمس مائة بيت، ومن سكّانها الـ 77 ألفًا لم يبق سوى 44 ألفًا، في حالة معدمة[74].

جدير بالملاحظة أنّ الجامعة الأميركيّة كان لها موقعها الخاصّ عند جمال باشا الجزّار الذي كان يعتقد بأنّها تخرّج أجيالًا لخدمة الجيش، لذا تمّ إعفاء الموظّفين من الخدمة العسكريّة، وحتّى أنه سمح" بتموين الكلّيّة من مستودعات الجيش وبأسعار الحكومة، وهي حسنّة تذكرها له الكلّيّة"، كما يقول المقدسيّ. أمّا عزمي بك، والي بيروت، فلم يكن يشاطر جمال باشا رأيه، وكان من خصوم الكلّيّة الألدّاء حتّى أنّه نفى أستاذًا خارج البلاد بسبب عبارة انتقاديّة لتركيا وردت في كتاب جغرافية إنكليزيّة[75]. ومع ذلك، وحتّى عندما أعلنت الولايات المتحدة الأميركيّة الحرب على الأتراك في 5 نيسان 1917، وانقطعت العلاقات بينها وبين تركيا، لم تتوقّف الدّروس في الكلّيّة السّوريّة إلّا أسبوعين فقط[76].

وقد اختلف الوضع عند مدارس ومعاهد الإرساليّات الأخرى، فقد حوّلت السّلطة العثمانيّة الطّبيّة اليسوعيّة إلى طبّيّة عثمانيّة، أقبل عليها الطّلّاب من كلّ حدب وصوب، لأنّهم كانوا يتمتّعون بمرتّبات وجرايات تقدّمها لهم الحكومة. والنّبيه منهم، كما يقول المقدسيّ، كان يعمل جهده كي يقصّر في امتحاناته،" حتّى لا ينال شهادته قبل انتهاء الحرب"[77].

أوردنا سابقًا بعض الموضوعات المحليّة التي عالجها المقدسيّ في كتابه، والتي ضمّ إليها أيضًا موضوعات أخرى عالميّة تتعلّق بالحرب العالميّة الأولى ومسارها ونتائجها. أمّا موضوع محاكمة اللّبنانيّين في المحكمة العسكريّة في عاليه فهي من الموضوعات المهمّة في كتابه، إذ يشير إلى أسبابها، كما يطلعنا على محتويات الرّسائل التي لأجلها حوكم النّاس، ومنها رسائل تعمّد أصحابها إيذاء مواطنيهم في الوطن[78]. فقد ألغت الدّولة العثمانيّة الامتيازات الأجنبيّة عام 1914 وأقفلت مراكز بريد الأجانب فحجزت على ما فيها من مراسلات سلّمتها إلى لجنة خاصّة لمعاينتها كما حجزت أوراق القنصليّات المعادية لها. " وكانت قد شكّلت محكمة عسكريّة في عاليه فأخذت تحوّل إليها من تلك الرّسائل والأوراق ما له علاقة بها. فلمّا دخلت سنّة 1915 كان كلّ شيء مجهّزًا أمام المحكمة المذكورة، فأخذت تطلب أرباب تلك الرّسائل والرّقم من أطراف لبنان وسورية وفلسطين فاستولى الرّعب على النّاس..."[79].

وكانت بيوت المتّهمين تُقتحم ليلًا، ويفتّش ما فيها، وتضبط الأوراق، ويساق الأشخاص المعنيّون. لكنّ الكثيرين منهم كانوا يُبرّأون بعد استجوابهم، وفقًا للمقدسيّ، أمّا الذين حوكموا فكانت محتويات رسائلهم على نوعين: النّوع الأوّل رسائل تتناول" مخابرات سياسيّة بين وطنيّ وآخر في بلاد المهجر أو بين وطنيّ وأجنبيّ"، كتلك التي وجدت في القنصليّات وهي الأخطر عند الدّولة العثمانيّة التي نظرت إليها كمفاوضات لتسليم البلاد إلى الأجنبيّ. أما النّوع الثّاني من الرّسائل وهو الأكثر عددًا فقد كان يحتوي على" مثالب ومطاعن على الأتراك بكلمات بذيئة"، وكانت ترسل من المغتربين إلى أقاربهم وأصدقائهم في الوطن، وتعبّر عن رغبتهم بزوال الحكم التّركيّ. وكانت النّتيجة محاكمة من ترَسل إليهم، وذلك بالسّجن أو الإبعاد أو العذاب أو الموت، من دون أن يقصد مرسلوها أذيّة الآخرين، لكن كان هناك من يقصد الإضرار بغيره، وهؤلاء لا عذر لهم على رسائلهم التي كان دافعها الأذى وسوء النّيّة، لأنّ عداوة قديمة كانت تحكم العلاقة بين المرسِل والمرسَل إليه. وهناك مثال عن رسالة من تلك الرّسائل يورده المقدسيّ، وربّما يتفرّد به عن غيره، وهو خير مثال عن هذا النّوع الأخير من الرّسائل[80].

أخذت الدّولة العثمانيّة تصبّ جام غضبها على فريق من السّوريّين الذين كانوا يطالبون بالإصلاح وباللّامركزيّة، بخاصّة بعد دخولها الحرب إلى جانب ألمانيا. وكانت توقف المتّهمين منهم، وتحكم عليهم بالإعدام، كما حدث في صيف 1915، إذ أعدم 11 شخصًا في بيروت بسبب المسألة العربيّة. وكما يقول المقدسيّ:" ... انقضّ ذلك الخبر على النّاس انقضاض الصّاعقة، واجتمع عدد ذلك النّهار[أي منتصف آب] يتحدّثون بهذا الأمر حاسبينه مقدّمة لحوادث مخيفة، فالحكومة كانت قد أعدمت قبلًا بعض الأشخاص، ولكنّ شنق أحد عشر شخصًا من أدباء المسلمين في يوم واحد لم يكن في الحسبان" [81].

وتكرّر الأمر عينه في 6 أيّار من سنّة 1916 إذ علّق على المشانق عدد من وجهاء ومثقّفي سوريا وأدبائها لتهم سياسيّة: سبعة أعدموا في دمشق، ومنهم الشّهيد رفيق رزق سلّوم، وأربعة عشر في بيروت، وكانوا ينتمون إلى مختلف الطّوائف ممّا عزّز "روابط الاتّحاد" بين المسيحيّين والمسلمين[82]. وهذا ما جعل النّاس يتلمّسون بتوق أخبار الثّورة في الحجاز لعلّها تجلب لهم الفرج، على حدّ قول المقدسيّ.

أمّا النّوع الآخر من العقاب والذي خضع له حوالى خمسين ألفًا من السّوريّين فهو الإبعاد من دون محاكمة، وقد قذف بهؤلاء نحو الأناضول فمات نحو نصفهم، وصادف القليل منهم نجاحًا هناك. بالإضافة إلى الذين كانوا يساقون إلى جبهات الحرب غصبًا، والذين ينفون إلى الدّاخليّة لسوء ظنّ أو وشاية، أو الذين يصابون أو يقتلون نتيجة قصف الحلفاء لسواحل سورية بالبوارج والطّيّارات[83].

هذه المعلومات عن الشّهداء التي يعالجها المقدسيّ في كتابه لها أهمّيّتها رغم اختصارها، لأنّها منتقاة ومعالجة بموضوعيّة من شاهد عيان ومثقّف كان له دوره التّربويّ والاجتماعيّ، ولذا هي تختلف من ناحية الحجم عن ما جاء عند البكاسينيّ الذي لم يكتف فقط بذكر المراسلات وأسماء الشّهداء وظروف إعدامهم، بل لاحق كلّ ما يمكنه من أخبارهم وسِير حياتهم وصورهم ووثائقهم الخاصّة.

أمّا المصدر الثّالث الذي اعتمدنا عليه لمقاربة أحداث تلك المرحلة من تاريخنا فهو مذكّرات المربّي البروتستانتيّ نسيم متري الحلو الذي يعود أصله إلى مشتى آل الحلو في سورية، والذي تعلّم في المدرسة الفنيّة الأميركيّة في صيدا، وبعد تخرّجه عمل فيها. " فقد خدم المدرسة أستاذًا ونائب رئيس وأخيرًا رئيسًا[84] مدّة لا تقلّ عن أربع وأربعين سنّة. وتخرّج على يده الكثير من الشبّان الذين يشغلون مراكز رفيعة ووظائف عالية في مختلف بلدان الشّرق العربيّ..."[85].

في كتابه أو مذكّراته التي تحمل عنوان "سيرتي منذ حداثتي"، يطلعنا المؤلّف على كيفيّة ترقّي العلم في لبنان وسوريا بمساعدة البعثات الأميركيّة والإنكليزيّة[86]، وكيفيّة تطبيق ذلك في مدرسة الفنون في صيدا التي لم تتوقّف عن التّعليم مع بداية الحرب وقبل انخراط الولايات المتحدة الأميركيّة فيها. لكنّها ستتوقّف بعد ذلك لتتحوّل إلى مؤسّسة اجتماعيّة مهمّة، كما سنرى لاحقًا، ثمّ سيصدر قرار بفتحها للعام الدّراسيّ 1919–1920 كمدرسة خارجيّة ونصف داخليّة[87].

ومن أهمّ ما يذكره الحلو في مذكّراته هذه أسماء أشخاص كانوا أركان تلك المدرسة ومن أهمّ خرّيجيها. مثلًا نستقي منها أسماء جنوبيّين ساهموا مساهمة قيّمة في إنشاء وتطوير هذه المدرسة، ومنهم القسّ يواكيم الرّاسي والد الأديب سلام الرّاسي، والأستاذ فارس عمّار، والأستاذ كليم قربان، والأستاذ أسعد عبّود، وخليل غبريل وغيرهم، وهم بمعظمهم من منطقة مرجعيون ومن قرية إبل السّقي بخاصّة، نظرًا إلى المستوى الثّقافيّ والعلميّ الذي كانت تنعم به تلك المنطقة مع اندلاع الحرب العالميّة الأولى. كما نتعرّفعلى أسماء خرّيجين لعبوا دورًا سياسيًّا مهمًّا آنذاك كالوزير في الجمهوريّة السّوريّة فارس بك الخوري (وأصله من قرية الكفير - قضاء حاصبيّا) و كان صديقاً لنسيم متري الحلو، وتخرّج مثله من مدرسة المرسلين الأميركان في صيدا، إذ كان يودّ إدخال ابنه إليها عام 1924[88].

من الموضوعات المهمّة أيضًا التي تناولها المؤلّف نسيم الحلو في كتابه بعض ويلات الحرب التي لا تحصى، وسوء معاملة الجنود العرب في الجيش العثمانيّ، وتعرّضهم للإهانات والجوع والعري وعدم الاهتمام بالمصابين والمرضى منهم. كما " كان أولاد العرب مكروهين متّهمين بالخيانة والمروق من الوطنيّة وممالأة الأعداء...". وهو يعتبر الجنديّة من الضربات العظمى للحرب لذا كان الجنود العرب يحتالون للهرب من ويلاتها[89].

أمّا موضوع المشانق التي علّقها جمال باشا، والتي أزهقت أرواح خيرةِ رجال البلاد، فيكتفي الحلو بذكر مكانها وتواريخها: الأولى في بيروت 21 آب 1915 والثّانية أيضًا في بيروت في 9 أيّار سنّة 1916، وفي اليوم عينه أعدمت قافلة في دمشق[90]. كما يشير إلى اتّخاذ 6 أيّار كعيد وطنيّ سنّويّ. يتوقّف الحلو قليلًا عند هذا الموضوع، وعلى الأرجح أنّ سبب ذلك هو أنّه أراد ذكر مختصر عن ويلات الحرب وظروفها ونتائجها، والإضاءة على أمور إيجابيّة في مذكّراته، إذ ساهم هو والمرسلون وزملاؤه في مدرسة الفنون في صيدا في تخفيف ويلات الحرب ونتائجها على سكّان البلاد.

 يقول نسيم الحلو في مذكّراته ما يلي: "... ولكن بجانب هذه الصّفحات السّوداء وجدت صفحات بيضاء من أهل البرّ والإحسان، فخفّفت شيئًا من الويلات، وقد سبق معنا الكلام عن إنشاء المطاعم في بعض أنحاء البلاد..."[91]، إذ إنّ مدرسة الأميركان في صيدا كانت قد أقفلت أبوابها أمام التّلاميذ مع دخول الولايات المتحدة الحرب ضدّ الأتراك، لكنّها أبقت أبوابها مفتوحة لإغاثة الجائعين. وبرأي الحلو بقي المرسلون يقومون بعمل أهمّ من التّعليم، إذ فتحوا المطعم العامّ للمدرسة لإعداد الطّعام وتوزيعه على الجياع وبخاصّة من الأطفال، ليس في الميّوميّة [الميّة وميّة] فحسب بل في القرى المجاورة بواسطة أناس يحملونه، ويوزّعونه مباشرة، أو يوصلونه إلى معتمد القرية ليوزّعه بمعرفته. وكما فتح مطعم الميّوميّة الذي كان كان تحت إدارة مستر ومسز جسب ومستر شيرر فتحت مطاعم أخرى، استطاعت إنقاذ أرواح بريئة وخصوصًا من الأطفال. إلى جانب ذلك اهتمّ المرسلون بعد دخول أميركا الحرب بمستقبل موظّفيهم، ومنهم المربّي نسيم الحلو، الذين سلّمت له قيمة ماليّة هي معاش ستّة أشهر سلفًا ليؤمنّوا معيشتهم[92].

ومع انتهاء الحرب العالميّة الأولى في 11 تشرين الثّاني 1918 ومع ما تركته من خراب في نواح شتّى، كان لا بدّ من الإسراع " في ترميم ما تدعو إليه الحاجة الماسّة أوّلًا"، فبدأ المغتربون في المهجر بإرسال المساعدات لأقربائهم في الوطن، أمّا الذين لا معيل خارجيًّا لهم، وبخاصّة الأطفال الأيتام المشرّدين، فقد انبرت بعض الجمعيّات الخيريّة لمساعدتهم، ومنها جمعية أسّسها المرسلون أطلق عليها اسم النّجمة البيضاء الأميركيّة التي تأسّست في خريف 1918 . وقد قدّمت لها مدرسةُ الفنون في الميّوميّة بناياتها، لكنّها لم تكن لتسدّ الحاجة فأسّست بنايات جديدة. كما تمّ تأسيس ميتم رأس التلّ، وتعيّن ستورت جسب مسؤولًا عن هذه الدّوائر التي وجدت في صيدا وتوابعها. وقد تمّ استدعاء الوطنيّين للمشاركة في نشاط هذه الجمعيّة ومنهم المربّي نسيم متري الحلو الذي تولّى تدبير الأيتام[93]. لكنّ انطباعه عن هذا الموضوع يستدعي التّوقّف عنده، إذ يقول في مذكّراته: "وكانت واجباتي أن أدبّر أمر هؤلاء الأيتام وقد بدأت عملي وخرجت منه ولم أتحقّق ما هو بالضّبط !"[94].

لم تكن جمعيّات الإرساليّات وحدها التي كانت تعمل للتّخفيف من ويلات الحرب، بل كانت هناك جمعيّات أخرى محليّة وطنيّة تعمل في بيروت، ومنها الجمعيّة الخيريّة الأورثوذكسيّة التي يعود تأسيسها إلى عام 1868 والتي كان هدفها تأسيس مدارس مجانيّة للبنين والبنات، وكان من البديهيّ أن تلعب دورًا مهمًّا في مساعدة المحتاجين في حقبة الحرب العالميّة وما بعدها[95]. يطلعنا جرجي نقولا باز على جانب من نشاطاتها بخاصّة في مدرسة الثّلاثة أقمار، بالإضافة إلى نشاطات المدرسة عينها التي لم تتوقّف عن التّعليم خلال الحرب كما نستنتج من كتابه. وقد اهتمّت الجمعيّة بتعليم الأيتام حتّى أنّها خصّصت ريع أملاكها وما يجمع من صواني الكنائس لتعليم المعسرين والفقراء. والمؤلّف لا ينسى دور النّساء الفاعل في هذه الجمعيّة الخيريّة[96].


بماذا يتميّز البكاسينيّ عن غيره في كتابته عن الشّهداء؟

ربما كان البكاسينيّ من المؤلّفين أو المؤرّخين القلائل للحرب العالميّة الأولى، رغم كثرتهم، الذي جسّد الشهادة، ليس فقط بتسطير سِير الشّهداء وظروف اعتقالهم ومصيرهم، بل بإبقاء صورهم حيّة وواضحة في وجدان كلّ من يقرأ كتابه، فكأنّه أراد أن يحفر هذه الصّور في ذاكرة الأجيال، جيلًا بعد جيل، حتّى بدا كتابه وكأنّه فيلم وثائقيّ عن الحرب العالميّة الأولى وشهدائها، ليس من اللّبنانيّين فقط بل من العرب أيضًا مسيحيين كانوا أم مسلمين.

هذه الصّور المتنوّعة والكثيرة العدد التي أوردها البكاسينيّ في كتابه، برأيي، هي بحاجة إلى دراسة فنّية تحليليّة تؤدّي إلى معرفة عادات وتقاليد النّاس في بلادنا في بداية القرن العشرين، وتعبّر عنها صورهم، إذ إنّنا نشاهد فيها من يلبس الطّراز الأوروبيّ أو العثمانيّ أو العربيّ، وما هي إلّا دليل على غنى اجتماعيّ وثقافيّ.

خاتمة:

إنّ الحرب العالميّة الأولى أثخنت بجراحها صدر لبنان واللّبنانيّين بسبب الفجائع والمآسي التي تسبّبت بها من جوع وفقر وموت وخراب وتهجير وتدمير، ولعلّ من أخطر نتائجها تلك الخسائر البشريّة التي أدمت الوطن وكافة مناطقه وبخاصّة جبل لبنان. ومن الخسائر البشريّة الجسيمة والخطيرة التي أصابته كما أصابت غيره من الدّول العربيّة كسوريّة، خسارته لخيرة شبابه المثقّف الذي علّق على المشانق، كما نفي إلى الخارج لا لسبب وجيه سوى أنّه كان يريد استقلال بلاده، وتحرّره من نير احتلال غاشم، جثمّ على صدر بلاده طيلة أربعة قرون ونيّف. وما كتاب لطف الله البكاسينيّ إلّا وقفة احترام وتذكار وإكبار لتلك النّفوس الأبيّة التي طهّرت بأرواحها الطّاهرة وطننا، وجعلتنا نفتخر بماض مجيد سطّر بفضلها في مؤلّفات كثيرة، لعلّ من أفضلها كتاب البكاسينيّ.

إنّ كتاب نبذة من وقائع الحرب الكونيّة للبكاسينيّ هو عبارة عن فيلم وثائقيّ في كتاب، بل هو عرض حيّ لأهوال الحرب، ومحاولة جدّيّة لاستقصاء الحقائق من خلال البحث في أرشيف الشّهداء لاستنطاقه، والاعتماد عليه في إيراد تفاصيل حياتهم وشهادتهم. كما أنّه عرض لشهادات حيّة عن أولئك الشّهداء من خلال مقابلات لأشخاص عايشوهم. لذلك كان البكاسينيّ يتنقّل من مكان إلى آخر لجمع المعلومات والتّأكّد منها. وإنّ المؤلّف رغم إعلانه عن تأييده وتكريمه للفرنسيّين، إلّا أنّه يعبّر من خلال كتابه والأمثلة التي أوردها عن انتماء وطنيّ أصيل بعيدًا عن التّعصّب الدّينيّ أو الطّائفيّ أو المناطقيّ.











ملحق:


 

بيبليوغرافيا

1- باز، جرجي نقولا.حسنّ التّذكار. منشور في جريدة الهديّة سنّة 1925، مخصّص ريعه لتعليم يتيم في مدرسة. بيروت: مطبعة القدّيس جاورجيوس، 1926.

2- البكاسينيّ، لطف الله نصر. نبذة من وقائع الحرب الكونيّة. هذّبه ونقّحه القسّ مبارك ثابت الدّيراني اللّبنانيّ. بيروت: مطبعة الاجتهاد ليوسف ثابت أوّل سوق سرسق، 1922.

3- بيهم، محمّد جميل. سورية ولبنان (1918-1922). بيروت: دار الطّليعة، 1968 .

4- الحلو، نسيم متري.سيرتي منذ حداثتي. بيروت: مكتبة المشعل، 1950.

5- ضاهر، مسعود.تاريخ لبنان الاجتماعيّ (1914-1926). بيروت: دار الفارابيّ، 1974.

6- مذكّرات جمال باشا السّفّاح. عرّبه عن التّركيّة علي أحمد شكري. تحقيق عبد المجيد محمود خالد. بيروت: الدّار العربيّة للموسوعات، ط.1، 2004.

7- المقدسيّ، جرجس الخوري. أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها. بيروت: المطبعة العلميّة، ط. 2، 1927 .

8-  المنجد في اللّغة والأعلام.2 جزءان. بيروت: دار المشرق، ط .39، 2002.

9-  Boustany, Antoine. Histoire de la Grande famine (1915-1918), un génocide passé sous silence. Beyrouth: Imprimerie Chemaly et Chemaly, 2014.

10- Yammine, Antoine. Quatre ans de misère, Le Liban et La Syrie pendant la guerre. Le Caire: Imprimerie Emin Hindié, 1922.



*    خرّيجة جامعة السّوربون (باريس الرّابعة)، متخّصصة في التّاريخ العربيّ الوسيط وتحقيق المخطوطات، أستاذة في الجامعة اللّبنانيّة – كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة. من مؤلّفاتها ثلاثة كتب منشورة، وعشرات الأبحاث باللّغات العربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة.

[1]   جرجس الخوري المقدسيّ. أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها. بيروت: المطبعة العلميّة، 1927، ص.69-70.

[2]   ورد ذلك على صفحة غلاف الكتاب نفسه، تعريفًا بمؤلّفه جرجس المقدسيّ.

[3]   لطف الله البكاسينيّ. نبذة من وقائع الحرب الكونيّة. هذبه ونقّحه القسّ مبارك ثابت الدّيراني اللّبنانيّ. بيروت: طبع في مطبعة الاجتهاد ليوسف ثابت، 1922.

[4]   البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.7.

[5]   البكاسينيّ. المصدر نفسه، ص.8.

[6]   البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.13–19.

[7]   لطف الله البكاسينيّ. نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.15-17.

[8]   البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.18 .

[9]   لطف الله البكاسينيّ. نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.18 .

[10] انظر ترجمة مفصّلة للشّهيد رفيق رزق سلّوم وشرحًا لظروف اعتقاله حتّى استشهاده في كتاب البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.404–411، وترد في الكتاب أيضًا قصيدتان منسوبتان لرزق نشرتا في جريدة الحضارة وفي مجلّة لسان العرب، ص.411–415.

[11] عن موضوع القضاء على الوطنيّين من قِبل جمال باشا يقول مسعود ضاهر إنّه كان يعمل بصورة منتظمة للقضاء "على القسم الأكبر من المثقّفين في البلاد، من دعاة الوحدة مع سوريا أو الانفصال عنها على السّواء، وذلك عن طريق النّفي والسّجن والشّنق..."، على أنّ أعماله هذه دفعت جميع الوطنيّين " إلى المطالبة بإلغاء النّير العثمانيّ، وراحوا يطالبون متّحدين بالاستقلال التّام لسوريا مع إعطاء جبل لبنان استقلاله الذّاتيّ القديم..."، مسعود ضاهر، تاريخ لبنان الاجتماعيّ (1914-1926)، بيروت: دار الفارابيّ، ط.1، 1974، ص.25-26.

[12] "سنة (1914) تشكّلت بأمر من السّفّاح جمال باشا مجالسُ حربيّة في سوريا ولبنان، أهمّها ديوان عاليه في لبنان، وآخر في دمشق ترأسه قريش بك، وهذا كان ذا ضمير حيّ عادلًا، ما أقدم على ضرر أحد إلّا مجبورًا. وعقبه في الرّئاسة آلاي ابرهيم بك وكان من أعدل حكّام زمانه، مقاومًا لجمال باشا في مظالمه..."، البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.196 .

[13]  عبد الكريم الخليل شهيد الأمّة العربيّة، ولد في الشّيّاح عام 1895 "هو من خيرة شبّان لبنان تخرّج في مكتب الحقوق والملكيّة، اتّهم بالاتّفاق مع رضى بك الصّلح بإقلاق الرّاحة أثناء الحرب، وأنّه من الدّاخلين في اللّامركزيّة، وأنّه سافر إلى مصر لهذا الغرض، فقتل وعلّة قتله الحقيقيّة أنّه من شبّان العرب الرّاقين وأنّه كان عضوًا في المنتدى الأدبيّ في الآستانة..." وفقًا للبكاسينيّ الذي يضيف"أنّ عبد الكريم الخليل، كما قيل قبض عليه بدسيسة من الأمير شكيب أرسلان، فزجّ في السّجن في عاليه مدّة شهرين ثم حكم عليه بالإعدام شنقًا مع عشرة آخرين في بيروت سنة 1916". البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.314–315، وص. 285- 286، أنظر أيضًا صورة الشّهيد في المصدر نفسه، ص.10.

[14] عبد الحميد الزّهراوي "هو أحد أعضاء مجلس الأعيان التّركيّ من أهالي حمص. كان مؤسّسًا للمنتدى الأدبيّ ومروّجًا لبرنامجه السّرّيّ ورئيسَ الجمعيّة المركزيّة ومشتركًا في مؤتمر باريس. وقد تولّى إدارة أملاك عزّت باشا العابد التي وفقت [وقفت ؟] للسّعي في تحقيق أمر الاستقلال العربيّ. وبعد المؤتمر الباريسيّ ذهب إلى مصر وتولّى رئاسة اللّامركزيّين ولم يقبل عضويّة الأعيان إلّا بقرار من جمعيّة اللّامركزيّة ودامت مخابراته مع اللّامركزيّة في سوريا إلى المدّة الأخيرة. فحكم عليه بالإعدام وعند تنفيذ الحكم به قال: الله ينتقم من الظّالمين. وكان ذلك في السّاعة السّابعة ليلًا من صباح 6 أيّار سنة 1916 فذهبت روحه باكرًا إلى خالقها تطلب الانتقام..."، البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.284، أنظر صورة الشّهيد في أوّل الكتاب عينه، صفحة غير مرقّمة.

[15] ومن أقوال رفيق رزق سلّوم حين يوقظ رفيقه من نومه ما يلي:

لا تنم واغتنم سحابة عيش           إنّ تحت التراب نومًا طويلًا (نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.199)، ولا نعتقد أنّ هذا البيت من الشّعر فيه تحريض للنّاشئة إلاّ للجدّ والاجتهاد، وهما أمران مشروعان، إلاّ أنّ القصيدتين المنسوبتين إلى رفيق رزق سلّوم والتي نشرت الأولى منها في جريدة الحضارة في عدد 52، ص.4 في 6 نيسان 1911 والتي يدعو فيها إلى الإصلاح والتّغني بالحضارة العربيّة العريقة، كذلك القصيدة الثّانية التي نشرت في مجلّة لسان العرب في ربيع سنة 1332 هـ/ 1913م.، وقد تليت في فرصة تمثيل رواية وفاء العرب، ويشير فيها إلى أمجاد العرب القدماء قياسًا إلى الأوضاع التي كانوا يرزحون تحت ثقلها في أيّامه، لعلّ هاتين القصديتين كانتا من الأسباب التي جعلت الأتراك يلاحقونه خوفًا من تأثيره الإيجابيّ في مجتمع عصره. انظر عن القصيدتين: البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.412–415.

[16] البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.199-200.

[17] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.289 .

[18] مذكّرات جمال باشا السّفّاح. عرّبه عن التّركيّة علي أحمد شكري. تحقيق عبد المجيد محمود خالد، بيروت: الدّار العربيّة للموسوعات، ط. 1، 2004، ص.286-288 .

[19] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.290-295 .

[20] نخلة باشا المطران من مواليد بعلَبَك، اغتاله حارسه الشّركسيّ أحمد بك الرزّي قرب أورفه في الأناضول في 17 تشرين الأوّل 1915 وألقيت جثّته في بركة ماء قرب المكان الذي اغتيل فيه، وفقًا للموقع الإلكترونيّ www.montadakawmi.com: شهداء الوطن في الحرب العالميّة الأولى بين التّجاهل والتّجني والعبر المطلوب أخذها. كما يفيدنا موقع آخر بأنّ نخلة مطران كان عضوًا من الاتّحاديّين، وكان معروفًا في الآستانة وباريس وبلاد المهجر، وله مواقف سياسيّة علنيّة حملتها الصّحف في أكثر من مناسبة خصوصًا في العام 1909. دعا مع شقيقه رشيد الدّولة العثمانيّة إلى إعطاء العرب الحكم الذّاتيّ. وأخذ دوره بالتّصاعد والانسجام مع روّاد الحركة الإصلاحيّة التي تصاعد دورها بصورة أساسيّة ما بين سنة 1908 و1914، www.facebook.com/baalbeckawwalan: حيّ المسيحيّة في بعلَبَك.

[21] والصحيح "أوقف".

[22] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.202-203.

[23] البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.203-204.

[24] كان المندوب الألمانيّ مكس قد تعلّم اللّغة العربيّة أثناء إقامته في مصر.البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.192 .

[25] البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.192 .

[26] ورد اسمه في آخر الخطاب الذي ألقاه في دمشق " محمّد محيي المكتبي"، وأعتقد أنّ هذا الاسم هو الصّحيح. البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.195 .

[27] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.193-195.

[28] البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.195 .

[29] أورفة أو أورفا مدينة تركيّة في ما بين النّهرين قرب الحدود السّوريّة. هي الرّها القديمة عاصمة الآداب السّريانيّة. المنجد في اللّغة والأعلام. 2 جزءان. بيروت: دار المشرق، ط. 39، 2002، ج. 2، ص.83.

[30] البكاسينيّ، المصدر السّابق، ص.204-205.

[31] الزّهراوي من أهالي حمص، أحد أعضاء مجلس الأعيان التّركيّ، راجع حاشية سابقة رقم 13.

[32] الشّهيدان محمود ومحمّد المحمصاني، من مواليد بيروت 1884 و 1888، كان محمود من المطالبين برقي وإصلاح الأمّة ومن الذين يكرهون الظّلم. وقد نسب إليه الانتماء إلى" اللّامركزيّة. وأنّه كان يروّج مقاصدها السّريّة وأنه أغرى العرب على الانفصال عن الأتراك....". نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.304-305، انظر صورته أيضًا في المصدر عينه، ص.9. أمّا أخوه محمّد الذي كان قد تخصّص في الحقوق في فرنسا، فقد كان يجاهد لإصلاح هذه الأمّة من أمراضها العضال، ويدعو لإجراء إصلاحات في بلاده. وهو من كتّاب المؤتمر السّوريّ الذي اجتمع في باريس عام 1913. " كان من أعضاء الجمعيّة الإصلاحيّة اللّامركزيّة ومن أعضاء النّادي الأهليّ الذي كان يجتمع في محلّة البسطة، وله خطب رنّانة كان يلقيها في هذا النّادي وينشر بعضها في جريدة المفيد... كان وطنيًّا غيورًا... فغاظته الفكرة الصّهيونيّة وآلمه انتشارها... وقد ألّف كتابًا دعاه الفكرة الصّهيونيّ حكى به عن الصّهيونيّة بالتّفصيل، وقد فقد هذا الكتاب للأسف مع الكتب التي أخذتها الحكومة بعد أخذه ديوان الحرب العرفيّ سنة 1915 ". طالب بالإصلاح الاجتماعيّ وحقوق المرأة واهتمّ بالتّربية والمدارس الأهليّة، فدخل سنة 1914 في جمعيّة المقاصد فسعى في= =تحسين مدارسها وبخاصّة مدرستها الأولى للبنات. نسب إليه تأسيس فرع اللّامركزيّة في بيروت والتّشويق للانفصال عن الدّولة التّركيّة، وقتل شنقًا كأخيه. البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.306-311، انظر صورته ص.(8).

[33] الخازنيّان هما الأخوان الشّيخان فيليب وفريد قعدان الخازن من مواليد 1865 و1866، "ماتا شهيدَي محبّتهما فرنسا ولبنان والمدافعة عن استقلاله". أنشأ فيليب مع أخيه جريدة الأرز عام 1895 التي كانت تدافع عن الدّين والوطن وفرنسا، كما تركا آثارًا علميّة وأدبيّة. سيقا إلى المشنقة في بيروت في 6 حزيران 1916. البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.247-250، انظر صورتيهما في أوّل كتاب البكاسينيّ، إذ لا ترقيم لصفحات الصّور.

[34] الشّهيد سعيد عقل من مواليد الدّامور سنة 1888 درس في معهد الحكمة ثم في مدرسة الشّويفات، وبرع في كتابة الشّعر منذ نعومة أظفاره. تولّى تحرير عدد من الصّحف والجرائد في المهجر حيث سافر مع أخيه إلى المكسيك وهو بعمر 18 سنة وبعد عودته إلى الوطن. وكانت الوطنيّة تميّز كتاباته. ألقى البوليس العثمانيّ القبض عليه في بيروت في شباط عام 1916، وسيق إلى مجلس عاليه الذي اتّهمه بالخيانة، ونفذ فيه حكم الإعدام في بيروت في 6 أيّار سنة 1916. البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص. 328-331، انظر صورة الشّهيد في مقدّمة الكتاب.

[35] الشّهيد عبد الكريم الخليل، راجع حاشية سابقة، رقم 12 .

[36] يوسف الهاني من مواليد بيروت سنة 1870 درس في عينطورة ثم في كلّيّة القدّيس يوسف، كان رئيسًا في جمعيّة إخوة الفقراء المارونيّة. وعندما جاء جمال باشا إلى بيروت قرّر القبض على الهاني الذي استدعي إلى عاليه للمحاكمة بعد اتّهامه بالمطالبة بضمّ سورية إلى لبنان، فحكم عليه بالإعدام.البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.255-256 .

[37] وقد جاء هذا التّعريف على لسان الصّحافي جورج ناصيف، ابن أخت الشّهيد الخوري يوسف الحايك، ونقله البكاسينيّ عنه في كتابه. البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.226.

[38] "ترجمة حياة شهيد لبنان الأوّل المرحوم الخوري يوسف الحايك"، البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.215-226، هنا ص.216 .

[39] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.217 .

[40] البكاسينيّ، المصدر نفسه، ص.219-220 .

[41] جاء في جريدة السّلام التي كانت تصدر في الأرجنتين في عدد 6 نيسان من سنة 1915 ما يلي: " كاهن يُشنق في بيروت لأنّه كتب إلى المسيو دشانيل رئيس مجلس النّواب الفرنسيّ عن حالة لبنان والجيش العثمانيّ الحاليّ".

[42] البكاسينيّ، نبذة من وقائع الحرب الكونيّة، ص.221-222 .

[43] مذكرات جمال باشا السّفّاح، ص.257 .

[44] المصدر نفسه، ص.257 .

[45] محمّد جميل بيهم. سورية ولبنان 1918-1922. بيروت: دار الطّليعة، 1968 .

[46] نسيم متري الحلو. سيرتي منذ حداثتي، وهي مذكّرات نسيم متري الحلو. بيروت: مكتبة المشعل، 1950.

[47] جرجي نقولا باز. حسن التّذكار، منشور في جريدة الهديّة سنة 1925 . مخصّص ريعه لتعليم يتيم في مدرسة. بيروت: مطبعة القدّيس جاورجيوس، 1926.

[48] بيهم، سورية ولبنان 1918-1922، ص.7 وص.9.

[49] باز، حسن التّذكار، مقدّمة بولس الخولي، ص.7-8.

[50] باز، المصدر نفسه (تمهيد)، ص.5.

[51] كان محمّد جميل بيهم رئيس المجمع العلميّ اللّبنانيّ سابقًا وعضو المجمع العلميّ العراقيّ وعضو مجمع اللّغة العربيّة بسوريا، وصدر له عدد كبير من المؤلّفات. سورية ولبنان 1918-1922، مؤلّف الكتاب (بيهم)، ص.223-224 .

[52] بيهم، المرجع نفسه، ص.188-194، هنا ص.188.

[53] بيهم، المرجع نفسه، ص.189 .

[54] وهذا ما يؤكّده أنطوان بستاني في كتابه، إذ يشير إلى ظهور الوجه الحقيقيّ لجمال باشا وسعيه للاقتصاص من الوطنيّين الذين يسعون للاستقلال، Antoine Boustany. Histoire de la Grande famine (1915-1918), un génocide passé sous silence. Beyrouth: Imprimerie Chemaly, 2014, p. 67-69.

[55]  بيهم، المصدر السّابق، ص. 188-189.   

[56] بيهم، سورية ولبنان 1918-1922، ص.189-190 . 

[57] بيهم، المرجع نفسه، ص.190-191 .

[58] بيهم، المرجع نفسه، ص.191-192 .

[59] بيهم، المرجع نفسه، ص.192-194 .

[60] يشير بستاني هنا إلى دور ألمانيا في تقوية الخلافة والتّطرّف الدّينيّ الإسلاميّ، وإلى أنّ وجود شعب مسيحيّ يعيق تنفيذ ذلك المشروع، Boustany, Histoire de la Grande famine, p. 26-31.

[61] بيهم، سورية ولبنان 1918-1922، ص.196–197.

[62] إنّ افتعال المجاعة كان جزءًا من مخطّط تركيا الفتاة لتخريب لبنان والقضاء على السّوريّين واللّبنانيّين بتجويعهم، وفقًا لأنطوان يمّين الذي كان معاصرًا لتلك الحقبة،Antoine Yammine.Quatre ans de misère, Le Liban et La Syrie pendant la guerre. Le Caire: Imprimerie Emin Hindié, 1922, p.23. كما تؤكّد دراسة الدّكتور أنطوان البستاني عن المجاعة خلال الحرب العالميّة الأولى هذه المعلومات، إذ يورد شهادة عينيّة لراهب يسوعيّ مجهول الهويّة عن الحالة في بيروت وجبل لبنان عام 1916، وهي تفيد أنّ السّلطات العثمانيّة قد اعتمدت تدبيرًا سياسيًّا يقضي بإضعاف المسيحيّين بشكل عامّ واللّبنانيّين بخاصّة عن طريق تجويعهم عوضًا عن زهق أرواحهم كما حلّ بالنّاس في أرمينيا، Boustany.Histoire de la Grande famine, op.cit. p. 123- 125.

[63] بيهم، سورية ولبنان 1918-1922،  ص.197-203. يشير البستاني في كتابه إلى انهيار سعر العملة وانعكاساته السّلبيّة على الاقتصاد والمجتمع، Boustany, Histoire de la Grande famine,  p. 171.

[64] بيهم، سورية ولبنان 1918-1922، ص.194 .

[65] جرجس الخوري المقدسيّ (1896-1941)، سليل عائلة فلسطينيّة مسيحيّة اشتُهر منها عدد كبير من الشّخصيّات الأدبيّة والعلميّة. كان مربّيًّا وأديبًا وصحافيًّا، وصاحب مؤلّفات أدبيّة وصحافيّة وتربويّة عديدة، نذكر منها: كتاب الخدمة المدرسيّة في تسهيل صرف ونحو اللّغة العربيّة، وسياحات ومشاهدات وتأمّلات، ونهلة الظمآن في الخطابة والكتابة والشّعر والبيان، والمناهل، فكاهات ونوادر، والأطايب، نشرت في المطبعة الأدبيّة ومطبعة الوفاء ما بين عامَي 1907 و1934 .

[66] المقدسيّ، أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها، ص.63-65 .

[67] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.66-67 .

[68] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.68-70.

[69] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.70 .

[70] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.70-71، وعن هذه الحفلات الرّاقصة والمآدب الحافلة على شرف الأتراك والألمان، راجع: Yammine, Quatre ans de misère, p. 67-70.

[71] لم يظهر جمال باشا عداوة للجامعة الأميركيّة لأنّه كان يعتقد أنّها تربّي أجيالًا لخدمة الجيش.المقدسيّ، المصدر السّابق، ص.86-87.

[72] المقدسيّ، أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها، ص.98-99.

[73] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.97-98، انظر أيضًا ص.70-71 .

[74] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.75.

[75] المقدسيّ، المصدر نفسه، 86-87 .

[76] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.87-89 .

[77] المقدسيّ، أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها، ص.86.

[78] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.42-44. وفقًا ليمّين بعد المحاكمات نشر جمال باشا كتابًا بعنوان (La Vérité sur la question Syrienne) نشره في استانبول عام 1916، وقد ضمّنه قسمًا من الوثائق التي تتضمّن اعترافات" المذنبين" والرّسائل السّريّة والقنصليّة، وهي تعطي فكرة عن الجمعيّات السّريّة التي أسّسها نخبة من المثقّفين اللّبنانيّين والسّوريين قبل الحرب، والتي كانت تسعى إلى تحرير البلاد من النّير التّركيّ. وقد كانت تسع جمعيّات. كما ضمّن الكتاب لائحة بأسماء المحكومين في المحكمة العرفيّة في عاليه. (Yammine, Quatre ans de misère,  p83-92.).

[79] المقدسيّ، أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها، ص.42.

[80] المقدسيّ، المصدر السّابق، ص.43-44.

[81] المقدسيّ، أعظم حرب في التّاريخ وكيف مرّت حوادثها، ص.53-54. وفي هامش الصفحة الأخيرة أسماء الشهداء.

[82] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.71-72، حيث يذكر المؤلف أسماء الشهداء.

[83] المقدسيّ، المصدر نفسه، ص.72-73.

[84] عيّن الحلو رئيسًا وطنيًّا لمدرسة الفنون سنة 1920، نسيم متري الحلو، سيرتي منذ حداثتي، ص.190.

[85] هذا ما جاء في بيان المدرسة عام 1938. الحلو، المصدر نفسه، ص.226-227 .

[86] كان نسيم الحلو قد تعرّف على المعلّم جرجس الخوري المقدسيّ في مدرسة مرمريتا في الحصن وهي إحدى مدارس الإرساليّات، وهو نفس المؤلّف الذي عمل أستاذًا فيما بعد في الكلّيّة السّوريّة، وانتمى مثله إلى جمعيّة دينيّة عرفت باسم نور الهدى، وضمّت نخبة من شبّان الكنيسة برئاسة داود فارس عبّود، كانت تنظّم حفلات أدبيّة في المدينة. الحلو، المصدر نفسه، ص.50.

[87] الحلو، نسيم متري الحلو، سيرتي منذ حداثتي، ص.187.

[88] الحلو، المصدر نفسه، ص.204.

[89] الحلو، المصدر نفسه، ص.177-178 .

[90] انظر أسماء المحكومين وأسباب اتّهاماتهم، كذلك وصف لسجن عاليه الموبؤ والقذر والأسباب التّافهة التي كان لأجلها يسجن النّاس من كلّ الأعمار في كتاب يّمين : Yammine, Quatre ans de misère, op. cit., p. 92-100.

[91] الحلو، المصدر السّابق، ص.178-179.

[92] الحلو، سيرتي منذ حداثتي، ص.175-176.

[93] الحلو، المصدر نفسه، ص.182-184.

[94] الحلو، المصدر نفسه، ص.184.

[95] حول تاريخ تأسيس الجمعيّة الخيريّة الأورثوذكسيّة وعلاقتها بالمدرسة، راجع باز، حسن التّذكار، ص.9-20.

[96] باز، المصدر نفسه، ص.18-19.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق