لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

نظرة عامَّة إلى السَّاحة السياسيَّة في الشَّرق الأَوسَط وشمال أفريقيا

مقدِّمة

نتناول في هذا العرض الوضع السياسيّ في البلدان العربيَّة التي تأثَّرت مباشرةً بانتفاضات العام 2011، والبلدان التي قامت، أو بالأحرى ادَّعت القيام، بإصلاحاتٍ بغية تحاشي تفاقم الاحتجاجات الشعبيَّة فيها. لن نتطرَّق إذًا إلى أوضاع البلدان التي لم تتأثَّر بأحداث ما بات يُسمَّى بــ"الربيع العربيّ"؛ ولكن عند تناول المشهد السوريّ، سنتكلَّم استطرادًا على أوضاع العراق والأردنّ ولبنان وفلسطين. وهدفنا يقتصر على إظهار التحدِّيات والعوائق التي تحول دون تطوُّر الحكم في البلدان التي عبَّر سكَّانُها عن رغبتهم في حياة سياسيَّة ومدنيَّة تتضمَّن حريَّات أوسع، وعدالة وازدهارًا. ونشير إلى أنَّ هذه الدراسة أُنجزت يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني. لذا، فالأحداث التي حصلت بعد ذلك التاريخ في البلدان المعنيَّة غير مذكورة.

تونس

ساد تونس، مهد الانتفاضات العربيَّة، استقرار نسبيّ في أعقاب انتخابات 2011، بفضل الاتِّفاق الذي قضى بتقاسم السلطة بين حزب "النهضة الإسلاميّ" (الذي أصبح أمينه العامّ، حمادي الجبالي، رئيس الوزراء)، و"المؤتمر من أجل الجمهوريّة" (وهو حزب قوميّ يساريّ أصبح رئيسه منصف المرزوقيّ رئيسًا للجمهوريّة)، وحزب "التكتّل" (يساريّ علمانيّ أصبح رئيسه مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسيّ). غير أنَّ الاستقرار النسبيّ هذا تعرَّض إلى هزَّة قويَّة بعد اغتيال شخصيَّتَين من اليسار العلمانيّ في العام 2013: شكري بلعيد ومحمَّد إبراهيميّ، إذ حصلت تظاهرات عنيفة وإضرابات مناهضةٌ للحكومة.

قامت أربع جمعيَّات من المجتمع المدنيّ بوساطةٍ بغية إيجاد حلٍّ للأزمة، ولاقت دعمًا قويًّا من الاتِّحاد الأوروبيّ، وقد كُلِّلَت جهودُها بالنجاح: فقد قبل حزبُ "النهضة الإسلاميّ" أن تُقدِّم الحكومةُ استقالتها لتحلَّ محلَّها حكومة تكنوقراط، ووافق على اعتماد نصِّ الدستور الجديد الذي على أساسه جرت الانتخابات النيابيَّة في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي.

لقد كان "حزب النهضة" الأقوى على الساحة السياسيَّة بعد سقوط نظام بن عليّ، ولكنَّه أظهر برغماتيَّةً على خلاف الإخوان المسلمين في مصر، فتحاشى الاستيلاء الكامل على السلطة، وعرف أن يقدِّم التنازلات عندما اقتضت الظروف ذلك.

أتت نتائجُ الانتخابات الأخيرة بمثابة نكسة قويَّة للحزب الإسلاميّ والأحزاب التي تآلفت معه في الحكم. فقد احتلَّ المرتبة الأولى في النتائج حزبُ "نداء تونس" الذي لم يمضِ على تأسيسه أكثر من عامين. أمَّا حزب "النهضة" فقد حلَّ في المرتبة الثانية. وفي المرتبة الثالثة جاء حزب "الجبهة الشعبيَّة" (اليساريّ القوميّ)، وفي المرتبة الرابعة حزب "الاتِّحاد الوطنيّ الحرّ" (ليبراليّ).

بحسب بعض المراقبين، تعود أسبابُ نجاح حزب "نداء تونس" إلى أربعة عوامل أساسيَّة: الأوَّل، فشل حزب "النهضة" وحلفائه في الحكم (الترويكا) في تحسين الأوضاع الاقتصاديَّة والأمنيَّة؛ وثانيًا، اتّهِام التيَّارات العلمانيَّة حزبَ "النهضة" بأنّه مسؤول عن بروز الإرهاب وازدياد أعداد الجهاديِّين الذين يقاتلون في سورية؛ وثالثًا، جمعَ حزبُ "نداء تونس" شخصيَّات سياسيَّة وفكريَّة متنوِّعة ومعروفة، منها مَن كانت من الوجوه البارزة في أثناء حكم بن عليّ والمعروفون بدهائهم السياسيّ، فضلاً عن شيوعيِّين ومعارضين سابقين؛ ورابعًا، رفعَ هذا الحزبُ الجديد شعارات تحذِّر من الظلاميَّة التي تنتظر تونس في ظلِّ حكم حزب "النهضة". وكان لهذا تأثير شديد في الحملات الانتخابيَّة.

سيكتمل المشهدُ التونسيّ السياسيّ الجديد في الانتخابات الرئاسيَّة التي ستجري الأسبوعَ الأخير من الشهر الحاليّ. وبالرغم من أنَّ الكثيرين يتوقَّعون فوز رئيس حزب "النداء"، الباجي قائد السبسي، فإنَّ ثمَّة ثلاثة أسئلة كبيرة تُطرح حاليًّا: الأوَّل، هل سيحافظ حزب "نداء تونس" على تماسكه؟ ذلك لأنَّه حزبُ تحالفٍ ظرفيّ وليس حزبًا عقائديًّا صلبًا. ثانيًا، وصول حزب "النداء" إلى الحكم يعني عودة وجوه عديدة من النظام السابق، فهل ثمّة عودة متخفِّية لذلك النظام؟ وما ستكون ردَّة الفعل الشعبيَّة على ذلك الأمر مع الوقت؟ ثالثًا، في حال تفكّك حزب "نداء تونس" أو في حال قرَّر هذا الحزب تأليف حكومة اتِّحاد وطنيّ مع حزب "النهضة"، ما ستكون سياسة الحزب الإسلاميّ؟ هل سيسلك الطريق الديموقراطيّ فعليًّا، أم سيبقى في موقع ضبابيّ؟ في الواقع، يؤكّد راشد الغنوشيّ، رئيس الحزب المذكور، تكرارًا تمسُّكه بمبادئ الإسلام السياسيّ التقليديّ المتأصِّل في فكر حسن البنّا (مِثْل طابع الدولة الإسلاميّ، وتطبيق الشريعة، وأسلمة المجتمع). وقد طمأن السلفيِّين الذين انتقدوا برغماتيَّته، أنَّه ينتهج تلك السياسةَ بدافع الضرورة. وبكلام آخر، يتّصل الأمر بتكتيك وليس بإستراتيجيَّة. لذا، فالسؤال الذي يبقى مطروحًا يتعلَّق بما إذا كانت تلك البرغماتيَّة ستؤدّي مع الوقت إلى اعتناق الحزب الإسلاميّ الديموقراطيَّةَ الليبراليَّة التي تفترض العلمانيَّة، أو ستبقى مجرَّد مناورة، وبالتالي ستُبقي حالة الشدِّ بين الإسلاميّين والعلمانيِّين قويَّة في المجتمع التونسيّ، ومرشَّحة لتتحوَّل إلى حالة صدام أو سلسلة أزمات سياسيَّة قد ترافقها مشاكل أمنيّة.

الجزائر

بغية تحاشي وصول موجة الانتفاضات العربيّة التي اندلعت العام 2011 إلى الجزائر، أظهر نظام الرئيس بوتفليقة في بداية العام 2012 رغبته في اتّخاذ الإجراءات والقوانين الضروريّة لتعزيز الديموقراطيّة. غير أنّ ذلك كان عذرًا لكيما يلجأ النظام إلى حدّ متزايد للحريّات، ويمارس سيطرة أشدّ على المجتمع المدنيّ. ومن تلك الإجراءات التي اتُّخذت، قانون الجمعيّات (12-06) وقانون الأحزاب السياسيّة (12-04). ينصّ القانون الأوّل على أنّ "العلم والخبر" ما عاد كافيًا لتأسيس جمعيّة أهليّة، بل يجب الحصول على إذن السلطات المسبق. ويمكن هذه السلطات أن ترفض الطلب إذا رأت أنّ الجمعيّة تخالف القيم الوطنيّة والأخلاق والثوابت والنظام العامّ. كما يضع القانون نفسه قيودًا شديدة على تمويل الجمعيّات أو المنظّمات الأهليّة، ويعتمد مفهومًا غامضًا هو "الامتثال"، يسمح للسلطات بمنع تأسيس الجمعيّات بما فيها تلك التي تدافع عن الحقوق الأساسيّة (حقوق الإنسان والحريّات العامّة).

في ما خصّ القانون المتعلّق بالأحزاب السياسيّة، فهو يقوّي سلطة النظام وبوجه الخصوص سلطة وزارة الداخليّة. فمن المرحلة الأولى لتأسيس حزب سياسيّ حتّى تنظيمه الداخليّ، لا بدّ من الحصول على موافقة الوزارة. وفضلاً عن ذلك، يُعطي القانونُ وزيرَ الداخليّة سلطةً واسعة على إجراءات حلّ الأحزاب وعلى نشاطاتها.

ويجب الإشارة في هذا الموضع إلى الدور المهمّ الذي تضطلع به دائرة الاستعلام والأمن التي أُعيدت هيكلتها في العام 2013، في مراقبة النشاطات السياسيّة. وتبقى هذه الدائرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالجيش، الأمر الذي يبيِّن استمرار نفوذ المؤسَّسة العسكريّة في الحياة السياسيّة.

يُظهر كلُّ هذا إرادةَ النظام بتقييد المجتمع المدنيّ ومنع كلّ شكل من أشكال المعارضة السياسيّة السلميّة والجدّيّة.

ويترافق هذا مع تحدِّيَيْن داخليَّيْن كبيرَيْن يُدخلان البلاد في وضع دقيق: 1- خلافة بوتفليقة، و2- ضعف الاقتصاد.

1- سيكون خليفة بوتفليقة بالتَّأكيد أحدَ الأشخاص المقرّبين الذين يُشغل عددٌ منهم مناصب حكوميّة منذ إعادة تشكيل الحكومة في 29 نيسان/أبريل الفائت، بهدف تسهيل الانتقال الرئاسيّ. ومن الأسماء التي يتمّ تداولها بكثرة: سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس الحاليّ ومستشاره (المعروف بفساده)، ورئيس مجلس الوزراء عبد الملك سِلال، الشخص الأشدّ إخلاصًا للرئيس ومدير حملاته الانتخابيّة، وأحمد أويحي رئيس الوزراء السابق ومدير مكتب الرئيس والمسؤول عن عمليّة مراجعة الدستور. لن يكون هنالك إذًا تجديدٌ سياسيّ ديموقراطيّ. وفي الغالب، ستشجِّع هذه السياسة، ولن تمنع، قيام حركاتٍ تناهض الحكومة، والتطرّفُ سيطبع بلا شكّ العديد منها.

2- إنقضى أكثر من عقدَيْن على الإصلاح الاقتصاديّ الأخير، وبقي الأداء الاقتصاديّ الجزائريّ من غير تغيير. وفي الواقع، بالرغم من أنّ البلاد تعرف استقرارًا ضريبيًّا ملحوظًا بفضل العائدات النفطيّة، لا يزال الاقتصاد يراوح مكانه. فلا الضغوطات الشعبيّة ولا الشروط التي وضعها صندوق النقد الدوليّ، أدّت إلى إجبار صنّاع السياسة على انتهاج سياسة السوق الحرّة. لذا، يستمرّ الاقتصاد الريعيّ لأنّه يؤمّن ديمومة نظام الحكم التسلطيّ القائم.

المغرب

في آذار/مارس 2011، بادر الملكُ محمّد السادس إلى البدء بعمليّة إصلاح سياسيّ بغية تحاشي وصول موجة الانتفاضات إلى مملكته. ففصل بين السلطات، وأقرَّ المساواة المدنيَّة والاجتماعيَّة بين الرجل والمرأة، ووسَّع حقل الحريِّات الشخصيَّة، واعترف بالمكوِّن الثقافيّ الأمازيغيّ واللغة البربريَّة. والمهمّ أيضًا في مبادرته تحويل منصب رئيس الوزراء إلى وظيفة رئاسيّة فعليّة.

وفي أعقاب انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2011، عُيِّنَ عبد الإله بنكيران، أمين عام حزب "العدالة والتنمية الإسلاميّ"، رئيسًا للوزراء.

غير أنَّ سياسة بنكيران أثارت تدريجيًّا معارضات داخليّة، وبوجه خاصٍّ بسبب إخفاق حكومته في معالجة المشاكل الاقتصاديَّة (ارتفع معدّل البطالة في السنوات الأخيرة إلى 9،1 بالمائة؛ ويبقى معدَّل الفقر من المعدّلات المرتفعة في منطقة البحر المتوسّط، إذ يعيش 15 بالمائة من السُّكان دون خطِّ الفقر).

وبلغت الأزمةُ مبلغًا خطرًا إلى حدٍّ جعل الحكومةَ تستبق المقاومات الشعبيَّة والعماليَّة التي بدأت تتطوَّر في الحقول كافَّة، بعمليَّة قمعٍ عنيف تصدَّت لجميع أشكال الاحتجاجات الاجتماعيَّة. وتبرز هذه السياسةُ في الطرق الوحشيَّة المتَّبعة للحدِّ من المظاهرت، وفي الملاحقات القضائيَّة التي يتعرَّض لها الناشطون الذين تحاول الحكومة إرهابهم أيضًا بأشكال شتّى. وفي الواقع، تسعى الحكومة لخلق جوٍّ من الخوف.

وفي الوقت عينه، تتفاقم حالةُ التوتّر بين الإسلاميِّين والعلمانيِّين، وبوجه خاصٍّ في الأوساط الجامعيَّة التي شهدت في نيسان/أبريل الفائت صدامات دامية. وفي الجوّ السائد هذا، بدأ حزب "الأصالة والحداثة" الموالي للنظام بإعادة تلميع صورته التي تشوّهت في العام 2011، إذ اتُّهِم بإفساد الحياة السياسيَّة. ويبدو رئيس الحزب الحاليّ، مصطفى الباكوري، محبّذًا التعاون مع الحزب الإسلاميّ الحاكم، من دون أن يعني ذلك ضمانةَ قيام تكتُّلٍ بينهما في المستقبل. فهل سيكون تقارب الحزبَين مناسبةً للنظام كي يشدِّد الخناقَ بقوَّة على المعارضة اليساريَّة والمناصرة الديموقراطيَّة؟ يبقى السؤال مطروحًا، ولكن تبدو المؤشِّرات الأولى مؤيِّدة هذا التوجّه.

ليبيا

منذ الإطاحة بالعقيد القذّافي العام 2011، تعيش ليبيا حالة فوضى عارمة. ويعود السبب إلى الميليشيات المتعدّدة التي يواجه بعضها بعضًا في مناطق مختلفة من البلاد، وبوجه خاصّ في طرابلس وبنغازي منذ تموز/يوليو الفائت.

تعكس تلك الميليشياتُ التباينات القائمة بين القبائل والمناطق، والتباينات الدينيّة التي طالما كانت حيَّة في المجتمع الليبيّ، ولكن تمكَّن النظامُ القديم مِن استيعابها بواسطة الخديعة والعنف والمساومة.

لقد زادت تلك التباينات حدَّة بسبب استمرار النزاعات الداخليّة. ولم تقدِّر الدولُ الغربيَّة هذه التباينات حقَّ قدرها في بداية الأحداث، إذ ظنَّت أنَّ إسقاط الطاغية سيؤدّي إلى قيام نظام جديد منفتح على الديموقراطيّة. ولكن ها ليبيا قد أصبحت من دون دولة. أمَّا الدول الغربيَّة فتساند مباشرةً أو بطريقة غير مباشرة هذه الميليشيا أو تلك، الأمر الذي يزيد الوضع تعقيدًا.

أطلقت الأممُ المتَّحدة مبادرة في أيلول/سبتمبر الماضي بهدف تأسيس حوارٍ سياسيّ من شأنه أن يضع حدًّا للحروب والفوضى المؤسَّساتيَّة. ولكنَّ المبادرة هذه معرَّضة للجمود بسبب تصاعد العنف مؤخَّرًا.

لقد شنَّ اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي سبق أن شارك بفعاليَّة في الثورة على القذّافي، عمليَّة عسكريَّة في أيَّار/مايو السابق، بهدف تحرير بنغازي التي سقطت سابقًا بيد ميليشيات إسلاميَّة. وكانت هذه الميليشيات قد كوَّنت ائتلافًا باسم "مجلس شورى ثوَّار بنغازي".

في بداية العمليَّة العسكريَّة المذكورة، وجَّهت السلطات الرسميَّة اتِّهامًا إلى اللواء حفتر بسعيه للقيام بانقلاب عسكريّ. ولكن في وقت لاحق أعلن الجيش الليبيّ تأييده العمليَّة. لكنَّ ائتلاف الميليشيات المسلَّحة الذي يُعرف باسم "فجر ليبيا"، ندَّد بذلك التأييد، وبوجه خاصٍّ الميليشيات الإسلاميَّة التي تسيطر على العاصمة منذ آب/أغسطس الماضي. وبنتيجة هذا الموقف، شنَّ ائتلاف "فجر ليبيا" هجومًا واسعًا على غرب البلاد. ونظرًا إلى نجاح هذا الائتلاف، ألَّف في طرابلس حكومةً موازية للحكومة الشرعيَّة، في حين أنّ المؤتمر الوطنيّ العامّ (وهو البرلمان الذي انتهت ولايته في آب/أغسطس الماضي) ويهيمن عليه الإسلاميِّون ونوّاب من مصراتة، استأنف أعماله. وهكذا، يواجه الليبيّون وضعًا معقّدًا مع برلمانَين وحكومتَين: برلمان مُنتَخَب وحكومة شرعيَّة اتَّخذا من طبرق مقرًّا لهما؛ ومجلس وحكومة يقيمان في طرابلس. وقد يدوم هذا الوضع بضع سنوات قبل عودة الاستقرار.

مصر

منذ أن تسلَّم الرئيس السيسي مقاليد الحكم في حزيران/يونيو 2014، يتبع بطريقةٍ متأنّية، ولكن بكلّ تأكيد، سياسةً مألوفةً تهدفُ إلى إعادة إحياء تسلطيّة الدولة. يستند الرئيس السيسي خارجيًّا إلى دعم المملكة العربيّة السعوديّة ودولٍ خليجيّة أخرى، وداخليًّا إلى الخوف الذي يسود الأوساط الليبراليّة من عودة "الإخوان المسلمين" المحتملة إلى الحكم إنْ أرخى الجيشُ قبضتَه، ويستفيد من غياب برلمانٍ منذ أكثر من سنة، ليقوم بقمع جماعيّ "للإخوان المسلمين". فتبعًا لجمعيّات تُعنى بحقوق الإنسان، أُوقف أكثر من 38،000 رجل. وتشير الجمعيّاتُ نفسها إلى اللجوء إلى التعذيب والسجن في ظروف إنسانيَّة صعبة جدًّا، ومحاكمات جماعيّة لا تراعي أبدًا الأصول القضائيّة.

فضلاً عن ذلك، يستند الرئيس إلى قوانين سنَّتها الحكومة بعد انقلاب تموّز/يوليو 2013، ليتابع سياسةَ إقصاء الإسلاميِّين والمعارضين الآخرين، بل وكلّ المنتقدين، عن الحياة العامّة. تمنع تلك القوانين المظاهرات التي باتت تحتاج إلى إذن مسبق من الشرطة. كما أنّه أُدخلت تعديلات على القانون الجزائيّ بخصوص الإرهاب. فبات تعريف الإرهاب الآن يشمل النشاطات السياسيّة السلميّة. كما وأنّ السعي للتخلّص من شخصيّات "الإخوان المسلمين" وباقي المعارضين، يتجاوز الحقل السياسيّ ليشمل المؤسَّسات الاجتماعيَّة الخيريَّة، والجمعيَّات المهنيَّة، والجمعيَّات التجاريَّة. وقد وضعت الحكومةُ يدَها على جمعيَّات مرتبطة "بالإخوان المسلمين" بما فيها الجمعيَّات التي توزِّع الدَّواء أو تؤمِّن خدمات تربويَّة وخيريَّة. وكذلك الأمر في ما خصَّ الجمعيَّات غير الحكوميَّة التي أصبحت تحت رقابة شديدة عملاً بقانون تمَّ اعتماده في أثناء حكم الرئيس مبارك (القانون 84/2002). تبعًا للقانون هذا، تتمتَّع الحكومةُ بسلطةٍ تخوِّلها إغلاق تلك الكيانات عن طريق تجميد أموالها، ومصادرة ممتلكاتها، ورفض تعيين مسؤولين عنها، وتجميد تمويلها، ومنعها من عقد علاقات بمجموعات دوليّة.

على المستوى الأمنيّ، تزداد الاعتداءاتُ الجهاديّة التي تستهدف القوى الأمنيّة والجيش في القاهرة، كما في باقي البلاد، ولكن بوجه خاصّ في شبه جزيرة سيناء حيث تواجه الحكومة تحدّيًا كبيرًا: إنَّها منطقة لا يسيطر عليها الجيش المصريّ على نحوٍ كافٍ وسكّانها الأصليّون لم يُدمجوا دمجًا كاملاً في الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة بمصر. وفي الواقع، تعود أسباب شكاوى سكَّان سيناء إلى عقود من سوء الإدارة والقمع وإهمال حاجاتهم. غير أنَّ التوتُّر ازداد مؤخَّرًا على نحوٍ لافت. ففي أعقاب الانقلاب على الرئيس مرسي، واستخدام القوّة لتشتيت اعتصامٍ كبير مؤيِّد للرئيس المعزول في آب/أغسطس 2013، قام تمرّد عنيف في شمال سيناء قادته مجموعة جهاديّة باسم "أنصار بيت المقدِس"، لا تزال إلى اليوم تنفِّذ عمليَّات عسكريَّة على الجيش المصريّ. ومن الصعب الحصول على معلومات يمكن الوثوق بها عن الوضع في تلك المنطقة، بسبب إجراءات الجيش الهادفة إلى الحدِّ من وسائل التواصل في منطقة سيناء، ومنع وسائل الإعلام من تغطية الأحداث.

أمّا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، فالمشاكل كثيرة وتكمن في صميم الأزمة التي تعيشها البلاد، حتّى ولو أنَّ التغييرات السياسيَّة تحجبها غالبًا. إنَّ شعار ثورة كانون الثاني/يناير 2011 "عِيش (أي خبز)، حريَّة، عدالة اجتماعيّة"، يدلُّ مباشرة إلى تلك المشاكل، ومظاهراتُ حزيران/يونيو 2012 التي أدَّت إلى عزل الرئيس مُرسي، كانت نتيجة لنقص في الوقود، وانقطاع متكرِّر للتيَّار الكهربائيّ، وتضخُّم اقتصاديٌّ متصاعد. ونظامُ الرئيس السيسي يعلم جيّدًا حراجة الموضوع، وقد يتعرَّض لاعتراضات شعبيّة إنْ لم يحقِّق نتائج سريعة في هذا الشأن، في وقت يعيش فيه، بحسب إحصاءات الأمم المتّحدة، مصريٌّ واحد من أصل أربعةٍ تحت خطّ الفقر (يجني أقلّ من دولارَين في اليوم).

إذا استمرَّ النِّظام الجديد في سياسته القمعيّة الراهنة، فمن المحتمل أن تتفاقم الأصوليّة الإسلاميّة، وتجد الأوساط الليبراليّة والقبطيّة نفسها في وضع حرج، بحيث تكون بين قمع النِّظام من جهة، والتطرّف السنيّ من جهة أخرى.

اليمن

إندلعت الانتفاضةُ في اليمن العامَ 2011، بتأثير من انتفاضات تونس ومصر. وقد انتهت بعد عامٍ على حدوثها بفضل وساطة مجلس تعاون دول الخليج وبدعم من الاتِّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة الأميركيَّة. غير أنَّ البلاد خرجت من الحدث المذكور أشدَّ تمزّقًا ووهنًا، يتجاذبها أنصارُ الرئيس السابق عليّ عبدالله صالح (الذي أُزيح عن السلطة بعد حكمٍ دام 32 سنة)، والثوّار. فضلاً عن القاعدة التي تُعرَف باسم "أنصار الشريعة" والتي تزايدَ نفوذها بوجهٍ خاصٍّ في جنوب البلاد وجنوبها الشرقيّ، و"حركة أنصار الله" التي تُعرف أيضًا باسم ثورة الحَوثيِّين (وهم من الزيديِّين – فرع من الشيعة)، ويقطنون بوجه خاصٍّ في مناطق البلاد الشماليَّة.

في أيلول الماضي، قام الحوثيِّون الذين يحصلون غالبًا على سلاحهم من إيران، بتمرّدٍ على الحكومة التي اتّهموها بالفساد، وطالبوا بإصلاحات اجتماعيَّة. وقد تظاهروا بدايةً طوال ما يقارب الشهر في شوارع العاصمة صنعاء، قبل أن يستولوا على المباني الحكوميَّة.

وبرعاية الأمم المتَّحدة، تمَّ التوصّل إلى اتّفاق بين الرئيس عبد ربّه منصور هادي والحوثيِّين، يقضي بتأليف حكومة جديدة من التكنوقراط. غير أنَّ المتمرِّدين الحوثيِّين وحزب الرئيس السابق عليّ عبدالله صالح، "المؤتمر الشعبيّ العامّ"، رفضوا السبت الماضي الحكومة الجديدة، وطالبوا بتعديلات بغية إقصاء وزراء يعتبرونهم غير كفوئين وفاسدين.

ويرى بعض المراقبين في نجاح الحوثيّين مناورةً للرئيس السابق عليّ عبدالله صالح بهدف أن يعود بقوّة إلى الساحة السياسيَّة. وقد اتَّخذ مجلس الأمن الدوليّ، بناءً على طلب الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، قرارًا في السابع من الشهر الجاري، يقضي بمنع سفر ثلاثة مسؤولين يمنيِّين من بينهم الرئيس السابق وتجميد أموالهم، وذلك بسبب تهديدهم السلم الأهليّ.

وفي الواقع، كان من المستحيل على الحوثيِّين الاستيلاء بتلك السهولة على العاصمة من دون تعاون أنصار الرئيس السابق، وهم كثر حتّى في صفوف الجيش.

يواجه المشهدُ اليمنيّ الآن إذًا تحدِّيات عديدة: إذ إنَّ عودة الرئيس السابق المحتملة إلى الساحة السياسيَّة قد تُثير مظاهرات جديدة للقوى التي سبق أن طالبت بمحاكمته. ومن ثمّ، هناك خطرٌ أن يُترجم العداء القائم بين القوَّتين الإقليميَّتَين: المملكة العربيَّة السعوديَّة وإيران، انشقاقًا داخليًّا متفاقمًا بين السنّة والحوثيّين. وفي هذا السياق تقول بعض المصادر الدبلوماسيَّة الغربيَّة، إنَّ العربيَّة السعوديَّة مموّلة القاعدة في اليمن التي يتعرّض قادتها لغارات تشنُّها طائرات أميركيَّة من دون طيَّار. وأخيرًا، نظرًا إلى موقع البلاد الجيو- إستراتيجيّ الأساسيّ – وتحديدًا بصفتها نقطة عبور خليج عدن- ستبقى محطَّ أطماعٍ خارجيَّة، ليس لدول الجوار فحسب، بل لدول الغرب أيضًا، ولا سيَّما الولايات المتَّحدة الأميركيَّة. لذا، فإنَّ اليمن قد يغرق أكثر في الفوضى والعنف.

البحرين

تؤلِّف الغالبيَّة الشيعيَّة 70 بالمائة من مجموع سكّان مملكة البحرين (1،2 مليون نسمة). وقد تشجَّعت هذه الغالبيَّةُ بالانتفاضات التي جرت في تونس ومصر، لتنتفض هي أيضًا في وجه المظالم التي تعاني منها منذ زمن بعيد: صعوبة الانخراط في الإدارة العامّة، وصعوبة الحصول على منازل، والامتيازات الضعيفة الممنوحة للمجلس المنتَخَب (يتألّف البرلمان البحرينيّ من مجلسَيْن: مجلس الشورى والمجلس الوطنيّ، ومجلس الشورى الذي يُعيِّن أعضاءَه الملكُ يُمسك فعليًّا بالسلطة. ولئن كان أعضاء المجلس الوطنيّ ينتخبهم الشعب، فكلّ قراراتهم يجب أن تحصل على موافقة مجلس الشورى)، وهنالك أيضًا سياسة الحكومة التي تمنح الهويَّةَ بسهولةٍ للسنَّة الأجانب، وتوظِّفهم في أجهزة المخابرات والقوى النظاميّة.

تعرَّضت الانتفاضة الشيعيّة لقمع عنيف. وقد حصلت الحكومةُ التي يرأسها الشيخ خليفة بن سلمان الخليفة، عمُّ الملك حمد بن عيسى، على دعم عسكريّ من دول مجلس التعاون الخليجيّ، وبوجه خاصّ من المملكة العربيّة السعوديّة.

في أعقاب مبادرة قام بها الملك، تشكَّلت لجنةُ تحقيقٍ مستقلّة لتحدِّدَ طبيعة الانتهاكات التي حصلت، وتعيِّن المسؤولين عنها. وقد قدَّمت هذه اللجنة في نهاية العام 2011 توصياتٍ لتكون بمثابة برنامج "مصالحة وطنيّة"، وتضمّنت الآتي: معاقبة رجال الأمن المسؤولين عن انتهاك حقوق الإنسان، وإعادة دمج العمّال المطرودين، وإعادة صياغة قانون الصحافة والإعلام، إضافة إلى نقاط أخرى. ولكن لم يُحقَّق شيء منها.

في العام 2014، اتَّفقت الحكومةُ والمعارضةُ الشيعيَّة على خطّة جديدة بهدف استئناف المفاوضات، واشتملت الخطّة على: إصلاح السلطة التشريعيَّة، وإصلاح السلطة التنفيذيَّة، وإعادة بناء النظام القضائيّ، وإعادة النظر في الخارطة الانتخابيّة، فضلاً عن مسائل الأمن والنظام العامّ. ولكنّ الحوار السياسيّ توقَّف مرَّة أُخرى في إثر اعتداءٍ بقنبلة في آذار/مارس الماضي، أدَّى إلى مصرع ثلاثة رجال شرطة. يبقى الجوّ العامّ إذًا في غاية الصعوبة، وتميل كلٌّ من الجماعتَين الدينيَّتين إلى تصليب مواقفها.

وفي الوقت عينه، تجد الحكومةُ نفسَها في موقف حرج إزاء المملكة العربيَّة السعوديَّة منذ أن صنَّفت المملكةُ الوهابيَّةُ جمعيَّةَ "الإخوان المسلمين" في آذار/مارس الماضي جمعيَّةً إرهابيّة. ذلك بأنَّه قد سبق لحكومة البحرين أن عزّزت صلاتها بجمعيَّة "المنبر الإسلاميّ"، وهذا هو الاسم الذي تحمله حركة "الإخوان المسلمين" في المملكة، بغية تقوية موقفها في وجه المعارضة الشيعيّة. وهكذا، تجد الحكومة نفسها أمام خيارَين: فإمَّا أن تبقى في مواجهة المعارضة الشيعيّة، وهذا يعني حاجتها إلى دعم "الإخوان"- الأمر الذي قد يؤدّي إلى إثارة غضب المملكة العربيَّة السعوديَّة وبلدان خليجيَّة أخرى -، وإمَّا التخلّي عن دعم جمعيَّة "الإخوان"، وهذا يعني فقدانها حليفًا داخليًّا قويًّا.

سورية

إنَّ اتِّخاذ الأزمة السوريَّة التدريجيّ منحىً إقليميًّا ودوليًّا، يجعل من كلِّ حلٍّ لها، دبلوماسيًّا كان أو عسكريًّا، أمرًا في غاية الصعوبة. على المستوى الإقليميّ، أوّلاً، تدعم الدولُ العدوّة اللدودة لنظام الرئيس الأسد، تركيا والمملكة العربيَّة السعوديَّة وقطر، ماليًّا وعسكريًّا مجموعات المعارضة المختلفة، في حين أنَّ إيران وحزب الله اللبنانيّ وميليشيات شيعيّة عراقيَّة أخرى، تدعم النظام. وعلى المستوى الدوليّ، ثانيًا، سلكت الأزمةُ اتِّجاهًا جديدًا ابتداءً من كانون الثاني/يناير 2012، عندما طالبت الجامعةُ العربيَّة رسميًّا، بناءً على توجيهٍ من أعضاء مجلس التعاون الخليجيّ، باستقالة الرئيس الأسد، وبتدخّل مجلس الأمن الدوليّ عن طريق تبنّي قرارٍ يذهب بالاتّجاه نفسه.

غير أنّ روسيا بدعم من الصين، حالت دومًا دون صدور أيِّ قرارِ إدانةٍ أو عقوبة عن مجلس الأمن بحقّ النظام السوريّ، باستثناء اتّفاقٍ تمَّ التوصّل إليه في أيلول/سبتمبر 2013، بشأن تدمير ترسانة الجيش السوريّ الكيميائيَّة. وفي المقابل، لم تتَّخِذ دولُ الغرب وفي طليعتها الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، في أثناء السنوات الثلاث الأولى من الأزمة، أيَّ مبادرة عسكريَّة أو سياسيَّة جدّيَّة. فقد اقتصرت مواقف تلك الدول على دعوة الرئيس الأسد إلى الاستقالة، وعلى اتِّخاذ عقوبات ماليَّة بحقِّ الأشخاص والمنظَّمات التي تدعم النظام في دمشق.

بذل الأخضر الإبراهيميّ، مندوب الأمم المتَّحدة وجامعة الدول العربيَّة، جهودًا مضنية بغية التوصِّل إلى تفاهم بين المعارضة (ممثَّلةً بـ "الائتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة" - الذي لا يمثِّل في الواقع كلَّ أطياف المعارضة) - والنظام السوريّ. غير أنَّ جهوده باءت بالفشل، وخصوصًا في أعقاب مفاوضات جنيف. قدَّم الإبراهيميّ استقالته في أيّار/مايو 2014. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الإبراهيميّ كان قد خلف كوفي عنان الذي تخلّى عن جهوده هو أيضًا في آب/أغسطس 2012، بعد أن سعى طوال خمسة أشهر للتوصّل إلى حلٍّ مع نظام الأسد.

في تموّز/يوليو 2014، عيَّن أمين عامّ الأمم المتَّحدة بان كي مون، ستيفان دي مستورا دبلوماسيًّا جديدًا ليتابع البحث عن حلٍّ سلميٍّ للأزمة السوريَّة. إلاَّ أنَّ نجاح هذا المسعى لا يزال تحدِّيًا كبيرًا: فليس من حلٍّ ممكن من دون توافر ظروفٍ إقليميَّة ودوليَّة مؤاتية، لا تبدو ظاهرة في الأفق حاليًّا.

بل على نقيض ذلك، منذ حزيران/يونيو الماضي، غيَّرَ تقدُّم تنظيم داعش السريع والمأسويّ في العراق وسورية الأوضاع: فالولايات المتَّحدة الأميركيَّة مدعومة من دولٍ غربيَّة أخرى ومن بعض دول الخليج والأردنّ، بدأت بتنفيذ غارات جويَّة على تنظيم داعش (أو الدولة الإسلاميَّة) في سورية والعراق. وقد أعلنت الولايات المتّحدة الأميركيَّة صراحةً عن نيَّتها تدريب مجموعات سوريّة معارضة معتدلة وتسليحها (ولا سيَّما الجيش السوريّ الحرّ)، ليس بهدف مواجهة تنظيم داعش، بل لتستطيع قلبَ النظام أيضًا. ويكتسب هذا الهدف مؤخَّرًا أهميَّة كبيرة، لأنَّ تركيا تضعه شرطًا مسبقًا قبل انخراطها في قتال الجهاديِّين.

ولكن لا يقتصر التحدّي على توحيد مجموعات المعارضة المسلَّحة السوريَّة وتدريبها وتسليحها. فدول الغرب تُدرك ضرورةَ تقوية "الائتلاف الوطنيّ" وتوحيد أطراف المعارضة السياسيَّة الأخرى ضمن صفوفه، وهذا يبقى عملاً صعبًا.

يبدو الوضع السوريّ إذًا مرشَّحًا ليشهد تصعيدًا عسكريًّا قد يدوم لفترة غير قصيرة. فتنظيم قوى المعارضة وتدريبها يتطلَّب على الأقلّ تسعة أشهر أو سنة، قبل أن تصبح تلك القوى قادرةً على التدخِّل بفعاليَّة. وكذلك الأمر في ما خصّ "الائتلاف الوطنيّ"، فتقويته وتوحيده لن يكونا أمرًا سهلاً. وبانتظار نتائج المساعي، لا تريد الولايات المتَّحدة الأميركيَّة ولا حلفاؤها حسم المعركة مع تنظيم داعش وأنصاره بسرعة، لكي تحول دون استفادة النظام السوريّ من الفراغ الذي سينتج في أعقاب انسحابٍ عشوائيّ سريع للجهاديِّين. وفي ظلِّ هذا الوضع، يرى الموفد الأمميّ دي ميستورا أنّه في سباق مع الوقت: بما أنَّ دول الغرب لا تريد حسم المعركة حاليًّا مع الدولة الإسلاميَّة، فهو يسعى ليحمل الأطراف على قبول تجميد القتال بدءًا من مدينة حلب، الأمر الذي قد يؤسِّس لحوارٍ بين المعارضة والنظام. كما تسعى روسيا إلى جمع المعارضةِ المعتدلة والنِّظام على طاولة المفاوضات لكي لا تترك المبادرةَ للولايات المتَّحدةِ وحلفائها وحدهم.

العراق

إنَّ المشكلة التي سبَّبها "تنظيم داعش" في سورية هي نفسها نشأت في العراق. وفي الواقع، أتى قرار الولايات المتَّحدة الأميركيَّة ببدء الضربات الجويَّة بعد أن حقَّق التنظيم الجهاديّ تقدُّمًا مباغتًا وكبيرًا في حزيران/يونيو الماضي في شمال العراق. لقد أخلى الجيشُ العراقيّ مواقعه في الموصل وترك المدينة ومحيطها تسقط بيد الجهاديِّين. وأدَّى هذا التطوّر إلى مغادرة مئات الآلاف من السكّان، ومن بينهم مسيحيُّون، الموصلَ ومحيطها، واللجوء إلى مناطق النفوذ الكرديّ.

إنَّ ما سهَّل نجاح "تنظيم داعش" هو أنَّ ثلاث محافظات ذات غالبيَّة سنيَّة، هي: الأنبار وديالا وصلاح الدّين، كانت منذ أكثر من سنة في حالة تمرُّد مفتوح على رئيس الوزراء العراقيّ السابق نوري المالكيّ الذي ينتمي إلى الشيعة. وفي الواقع، منذ سقوط نظام صدّام حسين، بدأ السُنَّةُ يرون أنّهَم يهمَّشون من الحياة الوطنيَّة. وقد تضاعف هذا الشُّعور ابتداءً من العام 2006، عندما أصبح المالكيّ رئيسًا للوزراء. ففضلاً عن تفاقم الفساد، تعرَّض السنَّة بتزايد للعنف السياسيّ والمظالم. فوجد هؤلاء أنفسهم في نهاية الأمر مضطريّن إلى اللجوء إلى عشائرهم لحماية أنفسهم، بدل الاتِّكال على الدولة. وتصاعد غليان الأوساط السنّيَّة في إثر اندلاع الحرب في سورية بين نظام له لونٌ مذهبيّ علويّ تدعمه إيران، ومعارضين ينتمون إلى الغالبيَّة السُنّيَّة.

كانت الأرضيَّة إذًا ملائمة في العراق لنموِّ "تنظيم داعش" الذي نجح أيضًا، تبعًا لبعض المصادر، في استقطاب ما يقارب 15،000 ألف جهاديّ من ثمانين بلدًا في أثناء السنوات الأربع الأخيرة.

في آب/أغسطس الماضي، أصبح للعراقيِّين رئيسُ وزراء جديد بفضل دعم إيران ودول الغرب (وفي طليعتهم الولايات المتَّحدة). ويُنتظر من المسؤول الجديد حيدر العبادي أن ينتهجَ سياسةً مختلفة عن سياسة سلفه المالكيّ. لقد نجح العبادي بعد ثلاثة أشهر من السَّعي في تأليف حكومته التي تضمّ سُنَّة وشيعة (وافق البرلمان العراقيّ في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر على تسليم وزارة الدفاع للوزير السنّيّ خالد العبيديّ، ووزارة الداخليّة للشيعيّ محمّد الغبّان).

وكان لتأليف الحكومة الجديدة نتائجه الإيجابيَّة في الحرب على الدولة الإسلاميّة. فقد أبدت أوساط سنيّة، بل حتّى عشائر سنيَّة، استعدادها للتعاون مع حكومة بغداد. كما أنَّ غارات الطيران الغربيّ سمحت بتعديل الوضع الميدانيّ في شمال العراق وشرقه، حيث يبدو أنّ الجيش العراقيّ وقوّات الأكراد تتقدّم ببطء. ولكنَّ مشاركة ميليشيات شيعيَّة محليَّة في القتال إلى جانب الجيش العراقيّ، فضلاً عن قوّات من الحرس الثوريّ الإيرانيّ، تُبقي العديد من العشائر السُنّيّة حذرة إزاء سياسة الحكومة الجديدة.

يرى العديد من المراقبين أنّ الوضع في العراق حاليًّا يجعل من المستحيل حسم المعركة مع الدولة الإسلاميّة. فالجيش العراقيّ يحتاج إلى إعادة تأهيل، والسُنَّة العراقيّون يحتاجون إلى التأكّد من مشاركتهم الفعليَّة في الحكومة، ولا بدَّ من تحقيق مصالحة جديَّة بين مكوِّنات المجتمع الثلاثة الأساسيّة: الشيعة والسُنَّة والأكراد. وفي ما خصّ الأكراد، فليس من الجليّ بعدُ ما إذا كانوا سيطالبون بإقامة دولةٍ خاصَّة بهم في مناطق سيطرتهم بسورية والعراق.

الأردنّ

تمكَّن النظامُ الأردنيّ حتّى الآن من مقاومة العاصفة السياسيَّة التي أثارتها انتفاضات ما يُسمَّى "بالربيع العربيّ". ولكنَّ تحدِّيات داخليَّة وخارجيَّة عديدة تبرز، تنطوي على عناصر يمكن تطوُّرها أن يهدِّد تهديدًا خطيرًا استقرار المملكة الهاشميَّة.

أمَّا أسباب عدم الاستقرار الخارجيَّة فهي نتائج الحرب الدائرة في سورية. فالجيش الأردنيّ يواجه باستمرار إمكانيَّة اندلاع مواجهة عسكريَّة حدوديَّة، لا سيَّما وأنَّ الطيران الحربيّ الأردنيّ يُشارك في الغارات التي تشنُّها الولايات المتَّحدة الأميركيَّة وحلفاؤها على "تنظيم داعش". فضلاً عن ذلك، فإنَّ كلفة العناية بأعداد كبيرة من اللاجئين السوريِّين تصبح باهظة جدًّا (تبعًا للتقديرات الأردنيّة الرسميَّة، يقيم في الأردنّ حتّى أيّار/مايو 2014، أكثر من 1،3 مليون لاجئ سوريّ، أي ما يعادل تقريبًا 15 بالمائة من مجموع سكّان المملكة).

أمَّا أسباب عدم الاستقرار الداخليَّة فتشمل التململ الشعبيَّ المتفاقم بسبب سياسة التقشُّف الاقتصاديَّة الصارمة، وإصلاح سياسيّ غير كافٍ، والفساد المستشري. ومن جهة أخرى، تبدو حركة "الإخوان المسلمين" في مرحلة نموٍّ قويَّة، وتنتشر الحركات السلفيَّة على نحوٍ مقلق. كما أنَّ أعداد الجهاديِّين الذين يقاتلون في سورية على ازدياد.

يجد النظامُ نفسَه بالتالي مدعوًّا إلى كفاح انتشار الإسلام السياسيّ والحركات الجهاديَّة، وإلى القيام بإصلاحات سياسيَّة جديَّة. وفي الوقت عينه، يجب عليه مواجهة مشكلة اللاجئين السوريِّين، ويدعِّم جيشَه على الحدود السوريَّة. ولغاية الآن، يستفيد النظامُ من دعم الولايات المتَّحدة الأميركيَّة القويّ بفضل توجّهه الإستراتيجيّ المناصر الغرب، والتزامه المحافظة على السلام مع إسرائيل. ويمكن المساعدات الأميركيّة العسكريَّة والماليَّة أن تزداد وِفقًا لبعض المراقبين. ولكنَّ من شأن هذا الأمر أن يثير في المقابل غضب الإسلاميِّين.

لبنان

إنْ لم تؤثِّر الانتفاضاتُ العربيَّة مباشرة في لبنان، فإنَّ الأزمة السوريَّة أثَّرت فيه وما زالت تؤثِّر بتزايد. فمنذ اندلاع الأحداث في سورية العام 2011، بدأ التوازن السياسيّ الهشّ في لبنان والسلم الأهليّ يتعرَّضان للمخاطر. إنَّ الأزمة السياسيَّة في لبنان التي تستمرّ منذ أكثر من سنة (برلمان شبه مشلول، جدَّد ولايته مرَّتين؛ فراغ رئاسيّ؛ حكومة مؤقَّتة تسيِّر الحدَّ الأدنى من الشؤون الجارية في الحياة اليوميَّة من دون أن تعالج المسائل الخلافيَّة)، هي على صلة بالأزمة السوريَّة.

لقد عبَّأت الأزمة السوريَّة شرائحَ واسعةً من السُنَّة والشيعة في لبنان، وحثَّت المسيحيِّين على التورّط فيها. ويبقى المسيحيُّون منقسمين سياسيًّا بين طرفَي النزاع.

لم تأتِ نداءاتُ سياسيِّين ورجال دينٍ كثرٍ، ولا سيّما "إعلان بعبدا" في ظلّ حكم الرئيس ميشال سليمان في العام 2012، للحفاظ على موقف حياديِّ من الأزمة السوريَّة، بنتائج عمليَّة. وجاءت المنافسة الإقليميّة بين المملكة العربيَّة السعوديَّة وإيران لتُضاف إلى الضعف الداخليّ، وتُفاقم الاستقطاب في المشهد السياسيّ بين أحزاب "8 آذار/مارس" المؤيِّدة النظامَ السوريّ، وأحزاب "14 آذار/مارس" المعارضة ذلك النظام، فضلاً عن محور يدّعي "الوسطيَّة" يضمّ على الخصوص الزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط.

لا يزال اللاعبون الأساسيّون على الساحة السياسيَّة المحليَّة والإقليميَّة راغبين في تحاشي تصعيد عسكريّ داخليّ. لذا، تبقى عواقب الأزمة السوريّة الأمنيّة حتّى الآن تحت السيطرة إلى حدّ معقول، ولكن تكلِّف الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة، كما واستقرار المجتمع والاقتصاد، أثمانًا باهظة. ففضلاً عن التفجيرات التي حصلت منذ صيف 2013 واستهدفت بشكل خاصّ مناطق يسيطر عليها حزب الله، اندلعت مواجهات عنيفة بين الجيش اللبنانيّ ومجموعات جهاديَّة محليَّة وأخرى قادمة من سورية، في بلدة عرسال البقاعيّة، ومدينة طرابلس، ومناطق أخرى في شمال البقاع. ويتكرّر سقوط قذائف على هذه المناطق من الجانب السوريّ، إضافة إلى خروقات يقوم بها الجيش السوريّ في قرى حدوديّة، وتهديدات المجموعات الجهاديّة مثل "النصرة" و"داعش" بالهجوم على قرى لبنانيّة انطلاقًا من منطقة القلمون.

لقد ضَعُفت الحركات السُنّيَّة الأصوليَّة المسلَّحة إلى حدٍّ ما في أعقاب عمليَّات الجيش اللبنانيّ التي تمَّت بغطاء سياسيٍّ وفَّره الزعماء السُنَّة المحليُّون والمملكة العربيَّة السعوديَّة. فالمملكةُ الوهّابيَّة التي تخشى عودة الآلاف من مواطنيها الذين يقاتلون في سورية في صفوف المجموعات الأصوليّة، تتخوّف أيضًا من أن يؤدّي نموّ التطرّف السنيّ في لبنان إلى إضعاف حليفها، سعد الحريري، وإلى حرب أهليَّة جديدة تدور رحاها بين الشيعة والسُنّة. لذا، قرَّرت تسليح الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة عن طريق تقديم هبتَيْن: واحدة بمليار دولار سبق أن قُدِّمت إلى الحكومة اللبنانيّة منذ ما يقارب الشهر؛ وثانية بثلاثة مليارات دولار ستُقدَّم بشكل أسلحة تسلِّمها فرنسا إلى لبنان على مدى عشر سنوات.

غير أنّ المسألة الأشدّ حراجة تبقى الخلاف الناشب بين الأطراف اللبنانيّين بشأن انخراط حزب الله في الحرب السوريَّة، الأمر الذي أدّى إلى استقالة حكومة الرئيس ميقاتي العام 2013. إنّ لحزب الله في الواقع مصلحة إستراتيجيّة في دعم النظام السوريّ، لأنّ إضعاف هذا النظام أو إسقاطه يعني إضعاف الحزب عسكريًّا وسياسيًّا.

قد تدوم الأزمة السياسيّة في لبنان طوال شهور بانتظار حلحلة الأزمة السوريّة. وسيكون على حكومة الرئيس تمّام سلام أن تتابع سعيها لمواجهة المشاكل الأمنيّة والاقتصاديّة، ولا سيّما مشكلة اللاجئين السوريّين الذين بات عددهم يقارب ربع عدد سكّان لبنان، والذين يُثير حضورهم صعوباتٍ أمنيّةً واقتصاديّةً وإنسانيّة.

فلسطين

من أُولى نتائج الانتفاضات العربيَّة كان تراجع أهميَّة النزاع الإسرائيليّ - الفلسطينيّ في سياسة البلدان العربيَّة الخارجيَّة عمومًا، وبوجهٍ خاصّ في سياسة البلدان التي تأثَّرت مباشرةً بالأحداث.

وتأتي التغييرات المتواصلة في المشهد العربيّ لتزيد شعور الفلسطينيِّين بأنَّهم قد تُركوا وشأنهم، في وقت لا يزالون فيه هم أنفسهم منقسمين بين "فتح" التي تحكم في الضفَّة الغربيَّة، و"حماس" التي تسيطر على غزّة. ولقد فطن الفلسطينيّون خطورة الظرف، فاتَّفقت السلطة الفلسطينيّة و"حماس" على تأليف حكومة وحدة وطنيّة في حزيران/يونيو 2014 تكون تابعة لسلطة الرئيس محمود عبَّاس. لكنَّ حكومة نتنياهو رفضت الحكومة الفلسطينيّة، وأطلقت انتقامًا مشروعَ استيطان ضخم في أورشليم الشرقيّة.

بعد انقضاء ما يقارب الشهر على تأليف حكومة الوحدة الوطنيّة، في تمّوز/يوليو، دارت مواجهات عسكريَّة بين الجيش الإسرائيليّ والميليشيات الفلسطينيّة في غزّة، ومنها "حماس" و"الجهاد الإسلاميّ"، دامت ثلاثة أسابيع. وقد تمَّ التوصّل إلى اتّفاق وقف إطلاق نارٍ دائم بين "حماس" والجيش الإسرائيليّ بفضل الوساطة المصريَّة. ووفقًا لمصادر فلسطينيَّة، لحظت بنود وقف إطلاق النَّار مرحلتَين: في مرحلة أُولى، ترفع إسرائيلُ جزئيًّا الحصار القائم على القطاع منذ العام 2006، وتسمح بتوسيع منطقة الصيد البحريّ الفلسطينيّة في البحر المتوسّط. وفي مرحلة ثانية، بعد أن ينقضي شهر على وقف الأعمال الحربيَّة، يلتزم الإسرائيليّون والفلسطينيّون مفاوضات بهدف رفع الحصار كليًّا، ونزع السلاح من القطاع، وبناء ميناء بحريّ، وتحرير أعضاء من حركة "حماس" تحتجزهم إسرائيل في مناطق الضفّة المحتلّة.

وقد رأى رئيس السلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس، أنّ الفرصة سانحة ليعيد بسط سلطته على قطاع غزّة، نظرًا إلى ضعف موقف "حماس"، ليس بسبب حرب تمّوز وحدها فحسب، بل لأنَّ الحركة خسرت دعم "الإخوان المسلمين" في مصر، كما خسرت سندَ دمشق وطهران لأنَّها تدافع عن الثورة في سورية. ورغبةً من الرئيس عبَّاس لتطمين مسؤولي "حماس" لجهة نواياه، أعلن أنَّ الفلسطينيِّين لن يلتزموا مفاوضات جديدة ضبابيَّة؛ وطلب إلى المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة ملاحقة المسؤولين الإسرائيليِّين على خلفيَّة سير العمليَّات العسكريَّة على قطاع غزّة، وطلب أيضًا إلى مجلس الأمن الدوليّ أن يحدِّد موعدًا نهائيًّا لإنهاء الاحتلال الإسرائيليّ الأراضيَ الفلسطينيّة، والاعتراف بحلِّ الدولتَين. وكانت مملكة السويد الدولة الأولى في الاتِّحاد الأوروبيّ التي اعترفت رسميًّا، في نهاية الشهر الماضي، بفلسطين دولةً مستقلّة.

ولكن قد تنتهي مبادرات الرئيس عبّاس إلى فشل. ففي الأسبوع الماضي، حصلت عدَّة اعتداءات في قطاع غزّة على منازل مسؤولين في "حركة فتح"؛ ما يبدو رسالة توجِّهها "حماس" إلى السلطة الفلسطينيّة ومفادها عدم رضاها عن سياسة الأخيرة. وفضلاً عن ذلك، فإنَّ حكومة نتنياهو التي تعتمد كثيرًا على اليمين المتطرِّف، تصرُّ على رفضها حلَّ الدولتَين، وتتابع بناء مستوطنات في القدس الشرقيَّة، في وقت تتصاعد فيه بقوّة شعبيَّة أحزاب اليمين المتطرِّف والأحزاب الدينيَّة. تستفيد هذه الأحزاب في الواقع من صعود الجهاديِّين في العالم العربيّ، ومن تهديد البرنامج النوويّ الإيرانيّ، لتعزّز من شعبيَّتها في الأوساط اليهوديَّة. وكلُّ هذه الأمور قد تغذّي انقسام الفلسطينيِّين وموجةً جديدةً من العنف بين الفلسطينيِّين والإسرائيليِّين.


Source: www.usarab.com/arab-world/

خلاصة

عبَّرت انتفاضات العام 2011 عن غضب الشعوب العربيَّة على أنظمة مطلقة وتسلّطيَّة أفسدت بلدانها واستغلَّتها. لقد كانت إرادة التغيير بارزة في الحدث، ولكنَّها افتقدت إلى الوسيلة القادرة على ترجمة هذه الإرادة في برامج سياسيَّة واضحة.

إنَّ التَّوق إلى عدالةٍ اجتماعيَّة، وحريَّاتٍ أوسع، وإصلاحٍ اقتصاديٍّ وسياسيّ، وكرامةٍ أكبر للإنسان... كلُّ هذه المطامح الحقيقيَّة بقيت وتبقى من دون توجيه يصبُّ لصالح تغييرٍ واقعيّ. لذا، فبالرغم من أنَّ الانتفاضات العفويَّة كانت بمثابة أمرٍ جديد ومباغتٍ قياسًا على التيَّارات الدينيَّة والقوميَّة التي كانت تقليديًّا تضطلع بدور رئيسيٍّ لحشد الجماهير في المجتمعات العربيَّة، كما كانت حالةَ غيظٍ بوجه الأوضاع الراهنة، فقد خلقت فراغًا في أعقاب سقوط بعض الأنظمة أو اهتزاز أنظمة أخرى، وهو فراغ ملأتْهُ بسرعة إمَّا الأحزاب الإسلاميَّة وإمَّا الفوضى والتطرُّف.

إذا كانت بعض المجتمعات العربيَّة، بعد انقضاء ثلاث سنوات على الانتفاضات، لا تزال تعيش حالة الفوضى والحرب، فثمَّة مجتمعات أخرى شهدت سقوط الإسلام السياسيّ في الحكم، وعودة النظام العسكريّ و/أو وجوه من الأنظمة السابقة بقوّةٍ إلى المشهد السياسيّ.

إنَّ مطامح الشعوب العربيَّة إلى حياةٍ أفضل قد كُبحَت. ولكنّها لم تختفِ. لذا، فثمَّة حاجة إلى ثقافة ديموقراطيَّة يمكنها أن تساعد الناس تدريجيًّا على فهم مطامحهم فهمًا أفضل، وعلى تعليمهم كيف يترجمون تلك المطامح ببرامج سياسيَّة.

يقول أبراهام لنكولن: "إنَّ الديموقراطيَّة هي حكم الشعب، بواسطة الشعب، ومن أجل الشعب". ولكن لا يَقتَصرُ التعريفُ هذا على آليَّةٍ علنيَّة وشفَّافة تُنتج عن طريق اختيار الناس الحرّ نظامَ حكمٍ معيَّنًا وحكَّامًا فحسب، بل يُعبِّر أيضًا عن طبيعةٍ جديدةٍ كليًّا للعلاقات البشريَّة، تنشأ من شعورٍ جديدٍ بالمساواة (طوكوفيل). يتأصَّل الشعور بالمساواة هذا في انعتاق الفرد من علاقات التبعيَّة التقليديَّة التي تنشأ في الأطر الجماعيَّة (الانتماء إلى العائلة أو القبيلة أو المنطقة)، وتولِّد أشكال سلطة تقليديَّة إقطاعيَّة أو تسلّطيَّة أو تيوقراطيَّة.

وتتطلَّب الجدِّة الكاملة هذه:

- سيادة القانون الوضعيّ بدل حكم العادة أو التقليد أو حكم المرجعيَّة الدينيَّة؛

- الاعتراف بحقوق الإنسان والحرّيَّة الدينيَّة؛

- مساواة جميع المواطنين المطلقة في الحقوق والواجبات كافَّةً من دون تمييز؛

- إمكانيَّة محاسبة السلطة على أعمالها في ضوء كفاءَتِها في خدمة الخير العامّ.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق