إعلان مبادئ التّنوير والسّلام في العام ١٧٥٥، بريشة الفرنسيّ لومنيير، ١٨١٢

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ

"طوبى لفاعلي السّلام" متّى 5: 9، العالم الیوم بعد قرنین على مبادئ "كانط" للسّلام

عندما نقرأ كتاب "نحو السّلام الدّائم" للفيلسوف الألمانيّ إيمانويل كانط ونتأمّل في حيثيّاته ومفاصله، نتصوّر كم أنّ السّلام بين النّاس والدّول والمعتقدات ضروريّ للانتقال من عصر التّوحّش إلى عصر الأنوار والأنسنة، وكذلك كم أنّ السّلام يبدو وهمًا من الأوهام وأمرًا بعيد المنال أمام الحروب المعلنة وغير المعلنة اللّطيفة والقاسية، القصيرة والطّويلة. اللّائحة تطول والنّتيجة واحدة، اندلاع عشرات الحروب في أكثر من منطقة ومكان، بفعل تزايد التّشنّجات والخوف المتبادل بين الدّول والشّعوب، فمبادئ إيمانويل كانط في السّلام الدّائم وعددها تسعة، يتهاوى الواحد منها تلو الآخر.

- لا قيمة لمعاهدة سلام، إنِ احتفظ أحد الفرقاء بحقّه في إعلان الحرب على جاره.

- لا مجال لدولة من الدُّول أن تضع يدها على أخرى بالمبادلة أو الميراث أو الحرب أو المال.

- مع مرور الزّمن، على الدّول أن تسرِّح صفوف الجيوش الدّائمة.

- يُمنع على دولة أو منطقة أن تعتمد على الدّيون العامّة لتغذية النّزاع مع دولة أو منطقة أخرى.

- يُمنع على أيّ دولة أن تتدخّل عنوةً في دستور دولة أخرى أو في تشكيل حكومتها.

- يُمنع على أيّ دولة في حالة حرب مع أخرى، أن تقوم بأيّ أعمال عدائيّة تهدّد السّلام المنشود بين الاثنتين عند توقّف الحرب.

ويضيف إيمانويل كانط ثلاثة مبادئ أخرى تثبّت السّلام بين الأطراف فيقول:

- إنّ على الدّستور المدنيّ في كلّ دولة أن يكون جمهوريًّا بمعنى أنّ الشّعب هو مصدر السّلطات.

- السّلام بين النّاس ينبغي أن يُبنى على الفدراليّة بين الدّول الحرّة.

- أمّا الحقّ الشّامل فلا بدّ من أن يقتصر على شروط الاستضافة الحاضرة في ضمير كلّ إنسان.

كان كانط يُنعت بالمذهب المثاليّ، إلّا أنّه في هذه المبادئ والقواعد يبدو كثير الواقعيّة، عندما ينطلق من الواقع العالميّ في القرن التّاسع عشر الّذي كان يعيش أبشع الحروب وأكثرها ضراوة، أكان ذلك في أميركا بينها وبين بريطانيا، أو في كندا أو بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والمكسيك، وفي أميركا اللّاتينيّة بوجهٍ عامّ، أو في الشّرق الأوسط وآسيا وأوروبا.

إنْ كَتب كانط في ضرورة السّلام فذلك أتى من تصوّره للإنسان بحسب القناعة الآتية: "إنّ الإنسان هو ذئب يُعادي الإنسان".

فالإنسان مدعوّ إلى الخروج من حالته البدائيّة الطّبيعيّة هذه والمتوحّشة إلى حالة أخرى ينالها بالثّقافة الإنسانيّة والرّوحيّة، هي حالة التّطبّع على إرادة الخير والخروج من الأنانيّة وحبّ الذّات والمنفعة الخاصّة. وما ينطبق على الفرد ينطبق على الدّول أيضًا، لذا لا بدّ من أن نخرج من حالة "على الطّبيعة" إلى حالة ثقافة دستور المواطَنة واحترام كرامة الإنسان. فما يعنيه كانط هو أنّ عصر الأنوار، عصر التّقدّم والخروج إلى إنسانيّة جديدة وحضارة متجدّدة لن يقبل بمبدأ الحقّ للأقوى والانسحاق للضّعيف.

اليومَ نجد أنّ الإنسان والدّول آخذة في الابتعاد عن هذه المبادئ بفعل النّزاعات والحروب ولا رادع لها. من هنا، وجوب العمل الأخلاقيّ بالعمل من أجل السّلام كهدف للسّياسة وإلّا على الدّنيا السّلام.

___________________________

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ: رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ - فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب - الفلسفة من جامعة بانتيون - السّوربون 1 (1988)، ويدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.

[email protected]


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق