يلازم الرّجاء الحياةَ الإنسانيّة بقدر ما يُعبِّر عن التّوق إلى حياة أبديَّة

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبو جودة اليسوعيّ

الرّجاء المسيحيّ بين التّغرُّب وتحدّيات الواقع

مقدّمة

رَبَطَ الفكرُ الدّينيّ المسيحيّ منذ القديم، وبوجه خاصّ مع القدّيس توما الأكوينيّ، تحقيق الرّجاء بالنّعمة الإلهيّة، ذلك بأنّ هذا الرّجاء الملازِم الإنسان يُعبِّر عن خيرٍ نهائيّ أو سعادةٍ دائمة، لا يمكن بلوغه إلّا بتدخّل إلهيّ[1]. وبكلام آخر، إنّ الخير الأسمى الّذي ينشُده الإنسان إنْ هو إلّا الحياة الأبديّة، أي الحياة السّعيدة برفقة الله نفسه، أو الرّؤيا الطّوباويّة (la Vision béatifique) الّتي يحصل عليها بالنّعمة. ويمثِّل تعريف الرّجاءِ هذا محاولةً للإجابة عن أسئلة متداخلة طالما اتَّخذت طابعًا إشكاليًّا، تُعيد إلى الوضع الإنسانيّ ذاته. فالرّجاء يُعطي الوجود الإنسانيّ والعمل الإنسانيّ وجْهةً وغاية محدَّدتَين، مُبيِّنًا في العمليَّة نفسِها طريقَ الخلاص الّتي يحتاجُها الوضع الإنسانيّ، لا بسبب بحث الإنسان الدّؤوب عن معنى حياته وغايتها في ضوء فنائه، من جهة، ومن جهة ثانية، بفضل اختباره ضياعَه في كونٍ لا محدود فحسب، بل بسبب الخطيئة أيضًا. فالخطيئة تشوّه علاقة الإنسان بنفسه وبالطّبيعة وبالآخرين وبالله، وبذلك، تضعه أمام العبثيّة أو اللّامعنى، فضلًا عن المعاناة والمآسي الّتي تنتج باستمرارٍ من بشريّةٍ مجبولةٍ بالخطيئة. ولكن، ألَا يطرح مفهوم الرّجاء هذا إلى اليوم أسئلة بشأن واقعيّته ودوره الإيجابيّ في عمليّة تطوّر الحياة البشريّة في مختلف الحقول؟

الرّجاء والإسكاتولوجيا

يلتقي مفهوم الرّجاء هذا مع مفهوم الإسكاتولوجيا التّقليديّ الّذي يجتمع، بالرّغم من تعدّد مدارسه، على فكرة الانقطاع في مسار التّاريخ البشريّ واستقلاليّة الخليقة نتيجة تدخّل إلهيّ. غير أنّ فكرة الانقطاع هذه الّتي ترتبط بتحقيق الخلاص النّهائيّ، تزيد من المسافة الّتي تفصل بين الحياة الواقعيّة وتحقيق الرّجاء، إذ إنّ حياة الإنسان وعمله ودوره في الخليقة تُصبح موضع تساؤل لجهة معناها وجدواها. فإذا كان رجاء الإنسان يتوقّف، في نهاية الأمر، على النّعمة الإلهيّة الّتي تُدخله في مشاهدة إلهيّة مستقلّة عن هذا العالم، ألَا تصبح حياته وجهوده بمثابة فترة اختبار يُقرَّر في نهايتها استحقاقُه أم عدم استحقاقه الحياةَ الأبديّة؟ وهل فكرة الحياة الأبديّة نفسها، بصفتها مستقلّة عن مسار التّاريخ البشريّ وتطوّر الكون، تعني أنّ العالم "الدّنيويّ" ساقط ومُدان؟

من الثّابت أنّ نتائج هذه الخلفيّة الملتبسة الّتي تُبرز "نسبيّة" الدّور الإنسانيّ في المجتمع والكون، تولِّد حالاتِ شدٍّ بل نزاع بين متطلّبات تطوّر المجتمع والعلم والّتي تفترض دورًا متزايدًا لعقل الإنسان وحريّته في تنظيم حياته، وإرساء أسس العدالة، واختيار ما يخدم مصالحه ويحقّق سعادته، وما يُرضي فضوله العلميّ الّذي يزداد بقدر ازدياد اكتشاف ما يبدو لامحدوديّة الخليقة.

من مركزيّة الله إلى مركزيّة الإنسان

وفي الواقع، إنّ النزعة إلى تفضيل "مركزيّة الله" في كلّ شيء، اصطدمت، أقلّه في الغرب، بتطوّرات علميّة وسياسيّة نقلت، على نحوٍ مأساويّ، مركزيّة الاهتمام والمبادرة من الله إلى الإنسان. وعليه، أصبح مفهوم الرّجاء التّقليديّ غيرَ كافٍ، بل وحتّى موضع رفضٍ إزاء طريقة تطوّر حياة الإنسان على مستويَين أساسيَّين مترابطَين ومعتمِدَين على استقلاليّة العقل البشريّ: أوَّلًا، قدرة الإنسان على تنظيم حياته وفقًا لقوانين وأنظمةٍ يضعُها هو لنفسه بغية رسم أطرِ علاقاته المختلفة، وتحديد حقوقه وواجباته ومصالحه الشّخصيّة والجماعيّة. وقد اكتسب هذا البُعدُ استقلاليَّةً جليَّةً عن الدِّين الّذي رُبِطَ في الغرب إبَّان "عصر الأنوار" بالأزمنة الظّلاميّة، وتعرَّض، من ثمّ، لاتِّهامات الماركسيَّةِ الّتي رأت فيه "أفيون الشّعوب"، ووجد نفسَه في مأزقٍ، أخيرًا، إزاءَ الدّيموقراطيّة الّتي تلازمها حكمًا العلمانيَّةُ وحقوقُ الإنسان، لا سيّما وأنّ هذه العناوين تحوّلت إلى قيمٍ شموليّة تتوق إليها الشّعوبُ كلُّها، لما تنطوي عليه من شروط تؤمِّن الازدهار والرّقيّ والتّقدّم. وثانيًا، بفضل المستوى الأوّل الّذي عزَّز من إمكانيَّة الإنسان في تسيير شؤونه الأرضيَّة بمعزلٍ عن أيّ مرجعيّة لاهوتيّة أو ميتافيزيقيّة، ازداد وعيُ الإنسان على قدرةِ عقله، لا على تنظيم حياته فحسب، بل على تفكيكِ أسرار الكون، ومن ثمّ، تحرّرِه المتزايد من الأوهامِ والخرافاتِ الّتي طبعت طويلًا "الأزمنة الظّلاميّة" المرتبطة بالدّين، فبات مفهوم الرّجاء التّقليديّ مناقضًا عمليّة التّطوّر الّتي بدت وكأنّها ترتبط بالابتعاد التّدريجيّ عن الخلفيّة اللّاهوتيّة والميتافيزيقيّة كما تكلّم عليها أوغست كونت[2].

هل يمكن تغييب الرّجاء؟

إذا كان الانتقال من مركزيّة الله إلى مركزيّة الإنسان يجعل من مفهوم الرّجاء التّقليديّ، على غموضه، مفهومًا بائدًا، فهذا لا يعني القضاء على الرّجاء الّذي هو، كما سبق وذُكر، ملازمٌ الحياة الإنسانيّة بقدر ما يُعبِّر عن توق الإنسان إلى خيرٍ أسمى أو سعادةٍ كاملة أو، باختصار، حياة أبديّة. ولكن هل هذا الرّجاء مجرّد وهم بالنّظر إلى فناء الإنسان وخيباته المتكرّرة من آماله؟ أم هو آفة يجب التّخلّص منها، كما نزع إليه بعض شعراء الإغريق القدماء؟ أم هو شعور لاعقلانيّ تجب مقاومته، كما رأى بعض فلاسفة الماضي والحاضر؟ يُبيِّن مسار التّقدّم، في الواقع، أنّه لا يمكن الإنسان أن يعيش من دون رجاء، بالرّغم من كلّ الخبرات السّلبيّة أو المحبطَةِ الّتي تطبع حياته. فالرّجاء يقيم في أصل اندفاع الإنسان إلى الأمام، ومن دونه لا يمكن الكلام على أيّ تطوّر. لذا، فالسّؤال الّذي يُطرح بالأحرى هو ذاك الّذي طرحه الفيلسوف كانط: "ما هو مسموح لي بأن أرجوه؟"[3]. بل هل يمكن هذا الرّجاء الواقعيّ المرتبط بتطوّر الحياة أن يكون من دون أيّ منظورٍ إلهيّ أو أخيريّ كما حاول تطويره الفيلسوف الماركسيّ أرنست بلوخ؟[4]. وبكلام آخر، هل يمكن الحياة الإنسانيّة أن تكون غايةً لذاتها، فتطوِّر نفسَها من أجل ذاتها فحسب؟ قد يبدو المسار الّذي اتّخذه تفتحّ العقل البشريّ منذ زمن الأنوار، ورفضه الخضوع لحقائق جاهزة مُنزلة من السّماء بهدف تنظيم حياته ووضع حدودٍ لعمل عقله وطموحاته - وهو مسار لا رجعة فيه – يُعطي جوابًا إيجابيًّا.


استنتاجات

في ما خصّ الفكر الدّينيّ المسيحيّ، فإنّ البحث عن تجديد فكرة الرّجاء إزاء هذا الواقع، يفترض تحاشي أفخاخ عدّة أظهر التّاريخ عقمها، بل وقعَها السّلبيّ على الإيمان نفسه. ومن هذه الأفخاخ النّزعة التّيوقراطيّة أو إحياء الخطاب اللّاهوتيّ-السّياسيّ الّذي يسعى للعودة إلى مركزيّة الله بصيغ حديثة، حتّى في ظلّ شعارات وأهداف سامية مثل الدّفاع عن الطّبقات الفقيرة. وفي الواقع، يُظهر الزّمنُ المعاصر، الّذي يعرف تيوقراطيّات قائمة في بعض البلدان، وإن غير مسيحيّة، ارتباطَ التّيوقراطيّة الشّديد بالظّلاميّة في مفهومها المعاصر[5]، وبقمع الحريّات على أنواعها. ومن ثمّ، تحاشي فخّ التّطرّف في ربط تحقيق الرّجاء بالإسكاتولوجيا التّقليديّة القائمة على فكرة انقطاع مسار التّاريخ البشريّ نتيجة تدخّلٍ إلهيّ مرتقب. وفي الواقع، يمكن الرّجاء المسيحيّ أن يكتسب مكانته الخلاصيّة في العالم المعاصر من خلال إبراز دوره في التّحرّر من الخطيئة، ليس بقصد السّير بالإنسان "التّائب" نحو عالمٍ مستقلٍّ عن هذا العالم "الدّنيويّ"، بل من خلال إظهار نتائج الخطيئة الكارثيّة على الحياة البشريّة، ولا سيّما حرفها عن طريقها الصّحيح المتمثّل بإكمال القصد من الخليقة من خلال سيطرة الإنسان عليها، وقدرة الرّجاء المؤسَّس على الفضائل المسيحيّة على إعادة توجيه قدرات الإنسان لما فيه خير البشريّة. وفي العمق، ألَا يلتقي الرّجاء في هذا التوجّه، من جهة، مع المسار الّذي اتّخذه تفتّح العقل البشريّ منذ عصر الأنوار، ومن جهة ثانية، مع مصدر الرّجاء نفسه، ألا وهو المسيح مَن أتى ليعطي الحياة للنّاس ويفيضها فيهم (يوحنّا 10/10)؟


______________________________________________________________


الأب صلاح أبو جودة اليسوعيّ: نائب رئيس جامعة القدّيس يوسف، وعميد كلّيّة العلوم الدّينيّة، ومدير معهد الآداب الشرقيّة في الجامعة نفسها. له عدد من المؤلّفات اللّاهوتيّة والسّياسيّة صادرة عن دار المشرق، منها "السّنون العجاف" 2018، و"مخاض الدّيمقراطيّة في لبنان والشّرق الأوسط" 2014، و"هويّة لبنان الوطنيّة، نشأتها وإشكاليّاتها الطّائفيّة" 2008.


[1]   راجع:

Saint Thomas D’AQUIN, Somme Théologique, II-II, q. 17-22, SOMME THEOLOGIQUE IIa-IIae (documentacatholicaomnia.eu).

[2]    راجع:

Auguste COMTE, Considérations philosophiques sur les sciences et les savants, 1825. Considérations philosophiques sur les sciences et les savants | Bibnum Education

[3]   في نظر كانط، ثمّة أسئلة لا يمكن الإنسان أن يتجنّبها: ما يمكنه معرفته؟ ما يجب عليه فعله؟ وما يسمح له بأن يرجوه؟ والأسئلة متّصلة بسؤال رابع أساسيّ: مَن هو الإنسان؟ راجع:

Emmanuel KANT, Critique de la raison pure, 1781. Immanuel Kant, Critique de la raison pure. Emmanuel Kant, Critique de la raison pure (uqac.ca)

[4]   راجع:

     Ernest BLOCH, Le principe espérance, 3 volumes, Gallimard, Paris, 1976.

BLOCH_Ernst_-_Le_principe_espérance_I.pdf (monoskop.org)

[5]   "الظّلاميّة موقف أو عقيدة أو نظام سياسيّ أو دينيّ يهدف إلى معارضة نشر المعرفة المستنيرة والعلميّة، وإدخال التّقدّم، ولا سيّما في الأوساط الشّعبيّة":

Définition pour OBSCURANTISME, subst. masc. — Le Trésor de la langue française informatisé (le-tresor-de-la-langue.fr)

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق