ما أشبه الشّبابيك المنسيّة بفنجان قهوة مقلوب لا يقرأه لك أحد

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدّكتور جان عبدالله توما

الشّبابيك المجروحة بالحبّ

كنت أقصدُ بيتَها صباحًا كما أوصتْني، لتقرأ لي رموزَ ما بقيَ من بُنّ فِنجان القهوة الّذي كنت أرشفه عندها على عجل، كي أقفَ على الآتي المرسوم في علم إشاراتٍ أدركَهُ النّقّاد لاحقًا في سيميائيّة جملة، في خضّم علم تشريح النّصّ. كان قارئو بقايا القهوة في عُمقِ الفِنجانِ يُظهّرون ما ارتسم غامضًا بترجمة لغويّة بيّنة مشحونة بتضمينات تحدّد مفاصل حياة السّامع، إذ يختصر الفِنجانُ مسرى عُمْر، كما في قول بدر شاكر السّيّاب: "كم أنا مشتاق إلى جلسة فيه وارتشاف فِنجان من القهوة (سكرّ زيادة).."

يكتبُ البُنُّ قصيدةَ الصّباح الّذي لا يطلع إلّا برشفةٍ من شفَتين على حدّ فِنجان. تدور "الرّكوة" من نافذة إلى أخرى، والفناجين تزلغط من يدٍ إلى يد، فالعابرون من تحت مشربيّات البيوت العربيّة في الحيّ القديم، ليسوا غرباء، بل لهم أسماء، وسحناتهم تُميّزهم كإيقاع خطواتهم. ها وجهُ صيّاد بحريّ لوّحته الشّمسُ وسكنت الحكايا عينيه، وذاك بنّاء تنتفخ شرايين كفّيه من إدمانه مغازلة الحجارة الصّلبة ليلينَ قلبُها، فترتفع أقبيةً، أو قناطرَ، أو معلّقةً على معلّقة، وذاك الفرّان قد تورّدت خدّاه من لهب النّار، فلم يعد يعرف أيّهما ألذّ؛ دفءٌ في القلب أو طعمة كسرة خبز طالعة مقمّرةٍ من بيت الاحتراق بدمع عينّي حبيبة؟

هذه المشربيّات والشّبابيك كانت وسائل الإعلام يومها. ففي شهر رمضان مثلًا كان صحن"السّكبة" قبل الإفطار- وهو "سكبة" من الطّبق الرّئيسيّ للإفطار المعدّ - يوضع على "حفافي الشّبابيك"، وللجارِ أن يستعين به لتنويع مائدة إفطاره، وللعابر أن يتوقّفَ عند سماع صوت الأذان أو المدفع، ليتناولَ إفطاره على مائدة لم يذقْ طعمًا مثله، ولم يتمتّعْ بخيرات أطيب على بساطته، لأنّه من غريبٍ لغريب، فيصيِّرُ الخبزُ والملحُ الصّائمين المشتّتين العابرين في الدّنيا واحدًا مُعْتَصِمًا بحبل الله تعالى، بخاصّة وأنّ أهل الحيِّ ما كانوا يفطرون قبل أن يطعموا "لطيفة" وأختها "نظلة" المسيحيّتين المقيمتين في الحيّ والرّازحتين منذ زمن. كانت لطيفة وأختها قِنديلَيْ رمضان إذ بخدمتهما يبدأ الإفطار، وبالاطمئنان عليهما ينتهي السّحور ويكفّ الجيران عن الطّعام، بعد ترجمة إشارات فِنجان رمضانيّ طافح بالبشرى.

هذه الشّبابيك كانت نوافذَ الأمل في الحيّ القديم. منها يعرف السّاكن أحوال جيرانه. لكلّ توقيت مروره، فإنْ عَبَرَ، فهو بخير، وإنْ تَخَلَّفَ فالسّؤال عنه واجب. كذلك انتظار ساعي البريد "بوسطجيّ" الرّسائلَ، بزيّه الكاكيِّ، ودرّاجتِه الهوائيّة، وحقيبتِه الجلديّة. تنتظره الأمهات من أجل رسالة من أزواجهنّ، أو أولادهنّ المسافرين إلى بلاد الله الواسعة. كان صوت البوسطجيّ يسبقه فيما يتوجّه ليسلّم البريد، يصرخ من بعيد أنَّ رسالة لفلان وصلت، وأنَّ برقية لفلانة وردت، ويجتمع من يجتمع لتهجئةٍ وقراءةٍ كما في مشهد الرَحابنة، حيثُ كلّ واحد يقرأ ما يريد ويسعى إليه، وتصبح الرّسالة قراءة في إشارات فِنجان.

هذه شبابيك مجروحة بالحبّ، بالدِّفءِ الّذي لم تستطع تبريدَه أنواءُ السّاحل أو عواصفُ الجبل. هي شبابيك شبكت علاقاتٍ اجتماعيّةً لا يعرفها إلّا من عاش تفاصيل رواياتها، إذْ لم يكن الفجر يطلع قَبْل فتح الدّرفَتين، عندها ينفتح القلبُ على الدّرب، و"يمتدُّ أمامَ البابِ كالشّارع، كالحيِّ القديمْ "كما يقول محمود درويش، حيثُ يلقى كلَّ الذّكريات "في شبّاكِ دارِك".

لو تبقى هذه الشّبابيك المجروحة بالحبّ تقطر بالذّكريات. من أغلقها وصَرفَ المدعوّين؟ لا شبّاك إلّا لوجهين أو أكثر، كالدّرفَتين، كالمسكَتين، كالقُفْلَين. ما أصعب المشربيّاتِ المغلقةَ المسام، والشّبابيكَ المنسيّة المسدودة المختنقة، الدّاخلة لا الخارجة إلى النّسيم. ما أشبهها بفِنجان قهوة مقلوب، لا يقرأه لك أحد، ولا تتناثر إشاراتُه مع الرّيح، أَلعلّها تشبه القهوة التي قال فيها مُريد البرغوثي: "القهوة يجب أن يقدّمها لك شخص ما، القهوة كالورد، فالورد يقدِّمه لك سِواك، ولا أحد يقدّمُ وردًا لنفسه، إن أعددْتها لنفسك فأنت في عُزلة حرّة بلا عُشّاق أو عزيز، غريب في مكانك، وإنْ كان هذا اختيار فأنت تدفعُ ثمن حرّيّتك، وإن كان اضطرارًا فأنت في حاجة إلى جَرَسِ الباب".

قوموا نرنُّ الجرس… ليفتحوا الشّبابيك.

____________________________________


الدّكتور جان عبدالله توما: حائز دكتوراة في اللّغة العربيّة وآدابها من الجامعة اللّبنانيّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدّيس يوسف، واللّبنانيّة، وسيدة اللويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللّغة العربيّة في جامعة الجنان. له أكثر من ثمانية عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيّة، وشعريّة، ورواية، ودراسات تربويّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق