صورة من مخطوط حلب، سباط 1039

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة (يحيى بن عديّ وعيسى بن زُرْعة نموذجَيْن)

اعتاد مؤرِّخو الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة والمتعمِّقون في مسائلها وقضاياها دراستها من خلال التَّركيز على معالجة فكر أعلامها المسلمين في المشرق العربيّ والمغرب العربيّ، وأبرزهم: الكنديّ، والفارابيّ، وابن سينا، والمعرِّي، وابن باجة، وابن طُفيل، وابن رشد، وابن خلدون... أو عن طريق مقاربة أبرز مسائلها، مثل وحدانيَّة الله وصفاته، والزَّمان، والمكان، والمعاد... وفي مقابل هؤلاء نجد أنَّ دارسي الفكر العربيّ المسيحيّ الوسيط تعمَّقوا في معالجة فكر المتكلِّمين والفلاسفة العرب المسيحيِّين من خلال دراسة مؤلَّفاتهم وتحليل أبرز المسائل الَّتي طرحوها في سياقها التَّاريخيّ والفكريّ، أي من خلال ربطها بالثّقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وبإشكاليَّاتها الدّينيَّة والفلسفيَّة والاجتماعيَّة. وهم، على الرَّغم من قيامهم بمعالجة الفكر العربيّ المسيحيّ في إطاره التَّاريخيّ، إلَّا أنَّهم قاربوا هذا الفكر بشكلٍ «مستقلٍّ» أو غير كافٍ. بمعنى أنَّهم لم يقوموا بتأريخ الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة ودراسة جميع أعلامها، المسلمون منهم والمسيحيّون، في مؤلَّفٍ واحد. وعلى أيِّ حالٍ لم يقم أحدٌ، بحسب علمي، بهذا العمل حتَّى اليوم.

ولمَّا كانت الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة الوسيطيَّة لم تدرَس بعدُ دراسةً وافية؛ إذ ليس ثمَّة كتابٌ واحدٌ وُضع في تأريخها؛ ولمَّا كان أعلامها، متكلِّمين وفلاسفة، غير معروفين إلَّا عند المتخصِّصين بالفكر العربيّ المسيحيّ، فقد ارتأيتُ أنْ أخصِّص مقالي هذا للتعريف بالفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة: نشأتها وموضوعاتها وخصائصها. وقد اخترتُ التوسُّع في الكلام على فيلسوفَيْن عربيَّيْن مسيحيَّيْن، هما: يحيى بن عديّ (ت. 974م) وعيسى بن زُرْعة (ت. 1008م) كنموذجَيْن للفلاسفة العرب المسيحيِّين.

سأقسِّم بحثي ثلاثة أقسام، أتكلَّم في القسم الأوّل منه على نشأة الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة، وأعالج في القسمَيْن الثَّاني والثَّالث قضيَّتَيْن/إشكاليَّتَيْن هما التَّثليث والاتِّحاد عند يحيى بن عديّ وعيسى بن زُرْعة، وذلك في ثلاث نقاط:

أوَّلًا - الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة: نشأتها وموضوعاتها وخصائصها.

ثانيًا - يحيى بن عديّ: التَّثليث والاتِّحاد.

ثالثًا - عيسى زُرْعة: التَّثليث والاتِّحاد.

أوَّلًا - الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة: نشأتها وموضوعاتها وخصائصها

كيف نشأت الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة؟ ومتى؟ وأين؟

إنّ تاريخ الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة، أو نشأتها، يرتبط بتاريخ الفلسفة العربيَّة الكلاسيكيَّة أو الفلسفة الإسلاميَّة، كما يسمِّيها البعض (وأنا شخصيًّا لا أحبِّذ هذه التَّسمية). فقد نشأ علم الكلام المسيحيّ وتفتَّحت براعم الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة في الوقت نفسه الَّذي نشأت فيه الفلسفة العربيَّة «الإسلاميَّة»، أي مع بدء حركة التَّرجمة والنَّقل في أواخر القرن الثَّامن وبلوغها ذروتها في القرن التَّاسع. ويُعدُّ الفلاسفة وعلماء الكلام المسيحيُّون مكوِّنًا أساسيًّا من مكوِّنات الفلسفة العربيَّة، فقد ساهموا بشكلٍ كبيرٍ في نقل مختلف المؤلَّفات إلى اللّغة العربيَّة؛ إذ كان عددٌ كبيرٌ من المترجمين مسيحيِّين. كما أنَّهم وضعوا مؤلَّفاتٍ كثيرةً في مختلف العلوم؛ في الفلسفة والتَّاريخ، والأدب، والفلك، وغيرها...

وقبل أنْ أتوسَّع في الكلام على نشأة الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة لا بدّ من أنْ أتوقَّف عند تعبيرَيْن مهمَّيْن يردان في بحثي، هما: «متكلِّمون مسيحيُّيون»، «وفلاسفة عرب مسيحيُّون».

- متكلِّمون مسيحيُّون: يطلَق عادةً تعبير متكلِّمين للدّلالة على علماء الكلام المسلمين. بينما نجد أنّ تعبير متكلِّمين مسيحيِّين غير متداول، وذلك بسبب قلَّة الدِّراسات العربيَّة الَّتي تناولت المتكلِّمين المسيحيِّين. لكنَّ هذا التَّعبير موجودٌ في نصوص المفكِّرين العرب أنفسهم مثل يحيى بن عديّ[1] وابن حزم الظَّاهريّ[2]. والمتكلِّمون المسيحيُّون هم علماء كلامٍ معاصرون لعلماء الكلام المسلمين، كتبوا مثلهم باللّغة العربيَّة (وبعضهم كتب بلغاتٍ أخرى كالسّريانيَّة واليونانيَّة)، وكان هدفهم الدِّفاع عن العقائد الإيمانيَّة بالأدلَّة العقليَّة (وهو الهدف نفسه عند المتكلِّمين المسلمين)، وعالجوا الموضوعات نفسها الَّتي عالجها المسلمون، مثل: وجود الله، وصفاته، الحريّة، العدل الإلهيّ... أذكر من المتكلِّمين المسيحيِّين: ثاودورس أبو قرَّة (ت. 825م)، وأبو رائطة التَّكريتيّ (ت. بعد 829م)، وإسرائيل الكسكريّ (ت. 872م)، وطيموتاوس الأَوَّل (ت. 823م)...

- فلاسفة عرب مسيحيّون: هم فلاسفة ساهموا في بناء التُّراث العربيّ. عمل عددٌ منهم في التَّرجمة. وضعوا مؤلَّفاتٍ في مختلف العلوم، في اللّاهوت والفلسفة، والمنطق، والطَّبيعة، وما بعد الطَّبيعة... باللّغة العربيَّة (وبلغاتٍ أخرى كالسُّريانيَّة واليونانيَّة). أبرزهم: يحيى بن عديّ وعيسى بن زُرْعة.

بالعودة إلى السّؤال الَّذي طرحتُه عن الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة، فسأبيِّن نشأتها وارتباطها بالثَّقافة الإسلاميَّة في ثلاث نقاط:

1 - الإطار التّاريخيّ-الجغرافيّ للفكر العربيّ المسيحيّ.

2 - علاقة المتكلِّمين والفلاسفة المسيحيِّين بالمحيط الإسلاميّ.

3 - خصائص الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة وموضوعاتها.

1 - الإطار التّاريخيّ-الجغرافيّ للفكر العربيّ المسيحيّ

إذا أردتُ أنْ أحدِّد الإطار التّاريخيّ-الجغرافيّ للفكر العربيّ المسيحيّ، أقول: بدأ المسيحيّون العرب وضع مؤلَّفاتهم باللّغة العربيَّة في بلاد ما بين النَّهرين في نهاية القرن الثَّامن الميلاديّ وبداية القرن التَّاسع الميلاديّ، حيث وُضعَت المؤلَّفات الجدليَّة الدّفاعيَّة عند الملكيّ ثاودورس أبو قرَّة، واليعقوبيّ أبو رائطة التَّكريتيّ، والنَّسطوريّ طيموتاوس الأوّل. ثم امتدَّت إلى سوريا ومصر في القرن التَّاسع الميلاديّ. وفيه نشطت حركة التَّرجمة والنَّقل فترجمَت المؤلَّفات اليونانيَّة والسّريانيَّة إلى اللّغة العربيَّة، وغزرت مؤلَّفات المسيحيِّين (المتكلِّمين والفلاسفة)[3].

ويمكنني أنْ أبيِّن نشأة الفلسفة العربيَّة الوسيطيَّة المسيحيَّة وأبرز موضوعاتها بالقول: إنَّ فلاسفتها ينتمون إلى الفرَق الثّلاث (الملكيَّة[4]، واليعقوبيَّة[5] والنّسطوريَّة[6]). كانت لهم صلة وثيقة بالمحيط الإسلاميّ، وكان ثمَّة تأثيرٌ متبادلٌ بينهم وبين المسلمين. وضعوا مؤلَّفاتٍ في مختلف العلوم: الفلسفة، الطِّب، الرّياضيَّات، اللّاهوت، وذلك في لغات عدَّة، أبرزها: العربيَّة واليونانيَّة والسّريانيَّة. وعالجوا الموضوعات نفسَها الَّتي عالجها المسلمون، مثل التَّوحيد، وصفات الله، والحرِّيَّة، والجبر والاختيار، والمعاد، وعلاقة الفلسفة بالدِّين، ونقد الجزء الّذي لا يتجزّأ... أمَّا المناهج الّتي استعملوها فأبرزها المنهج النّقليّ والمنهج المنطقيّ.

يمكن قسمة مؤلَّفاتهم قسمَيْن كبيرَيْن:

‌أ- المؤلَّفات الدّينيَّة: وتضمُّ التَّرجمات الدّينيَّة (التَّرجمات الكتابيَّة والأبائيَّة، والتَّرجمات القانونيَّة وترجمات سِيَر القدِّيسين) والمؤلَّفات العقائديَّة الدّفاعيّة، أي مؤلَّفات كلِّ فرقة ضدَّ الأخرى في موضوع كيفيَّة اتِّحاد الطَّبيعتَيْن الإلهيَّة والإنسانيَّة في المسيح، والمؤلَّفات الَّتي ردُّوا فيها على انتقادات اليهود والمسلمين.

‌ب-  المؤلَّفات غير الدّينيَّة: وتضمُّ التَّرجمات الطِّبِّيَّة والفلسفيَّة، والعلوم والرّياضيَّات... وكذلك مؤلَّفاتهم في مختلف العلوم: التَّاريخ، والأدب، والفلسفة...

أشير إلى أنَّ القسم الأكبر من هذه المؤلَّفات ما يزال مخطوطًا، لم ينشَر بعد، وهو محفوظٌ في المكتبات العالميَّة: في المكتبة الوطنيَّة في باريس، في مكتبة الفاتيكان في روما، في فلورانس، ميونخ، طهران، بيروت، وغيرها.

2- علاقة المتكلِّمين والفلاسفة المسيحيِّين بالمحيط الإسلاميّ

كان للمسيحيِّين العرب دورٌ فعّالٌ في بناء الحضارة العربيَّة يتجلّى في مجالات عدَّة، أبرزها في تعاونهم الفكريّ مع المسلمين. سأبيِّن تفاعلهم مع بيئتهم الإسلاميَّة في النّقطَتَيْن الآتيتين:

أ - في مجادلات المسيحيِّين مع المسلمين:

اتَّخذَت هذه المجادلات أشكالًا عديدة، أبرزها المحاورات الشّفهيَّة الَّتي كانت تجري بين المتكلِّمين المسيحيِّين والمسلمين في مجالس الخلفاء والوزراء أو في منزل أحد العلماء؛ فضلًا عن المؤلَّفات الَّتي انتقد فيها المسلمون عقائد المسيحيِّين (ولا سيَّما التَّثليث، والتَّجسُّد، والصَّلب والفداء)، وتلك الَّتي ردَّ فيها المسيحيُّون على هذه الانتقادات. والبارز في هذه المجادلات هو غلبة الرُّقيِّ والاحترام المتبادل بين المتحاورين.

يمكن أنْ أذكر هنا مجادلتَيْن وأعرّف بأصحابها:

- مجادلة ثاودورس أبو قرَّة مع المتكلّمين المسلمين في مجلس الخليفة المأمون: أبو قرّة متكلِّمٌ مسيحيّ ملكيّ ولد حوالى سنة 750م. في مدينة الرُّها وتوفِّي في العام 825م. عاصر هارون الرَّشيد والمأمون. سافر إلى مصر وأرمينيا ليدافع عن العقيدة الخلقيدونيَّة ويحاول إعادة الوحدة إلى المسيحيِّين بشأن تحديد المجمع الخلقيدونيّ. كان على اتِّصالٍ بمعتزلة عصره، وقد وضع أبو موسى عيسى بن صبيح المعتزليّ البغداديّ (ت. حوالى 840م.) كتابًا ردَّ فيه على أبي قرَّة النّصرانيّ، لكنّه فُقِد. وضع أبو قرَّة مؤلَّفاتٍ عدَّة باللّغات اليونانيَّة والسّريانيَّة والعربيَّة أوضح فيها سرَّ التَّجسُّد واتِّحاد الطبيعتَيْن الإلهيَّة والإنسانيَّة في أقنوم المسيح. أبرز مؤلَّفاته العربيَّة: ميمر في إكرام الأيقونات، ميمر في وجود الخالق والدِّين القويم، ميمر في الحرِّيَّة، فضلًا عن مقالاتٍ في ألوهيَّة الابن وفي موت المسيح...[7]

فيما يتعلَّق بالمجادلة الّتي أشرتُ إليها في مجلس الخليفة المأمون فقد دارت على مواضيع: التَّوحيد والتَّثليث، والتَّجسُّد، وموت المسيح وقيامته، ومفهوم الجنّة عند المسلمين. والجدير ذكره أنّ أبّا قرّة ذكر آياتٍ من القرآن الكريم في معرض حديثه عن المسيح كلمة الله، وقام بتفسيرها.

- المحاورة الدّينيَّة الَّتي جرت بين الخليفة العبَّاسي المهديّ (775-785م) وطيموتاوس الأوَّل (النَّسطوريّ): ولد طيموتاوس في العراق في العام 727 أو 728م. سيم أسقفًا على بيت باغاش ثم أصبح بطريركًا على كنيسة المشرق. حارب الرَّشوة داخل الكنيسة فنقم عليه خصومه، وعُقِد مجمع سنة 780م. حُرِم فيه طيموتاوس، ثمَّ عاد بعد فترةٍ إلى كرسيّ البطركيَّة. توفِّي في العام 823م. وضع مؤلَّفاتٍ في اللّاهوت والقانون الكنسيّ[8]. أمَّا المحاورة الَّتي أشرتُ إليها فقد دارت بشأن مواضيع التَّثليث، وألوهيَّة المسيح، وصلب المسيح، وتحريف الأناجيل، ونبوّة محمّد... وهو أيضًا ذكر آياتٍ من القرآن وفسَّرها.

ب - في تعاون المسيحيِّين الفكريّ مع المسلمين:

لم يمنع الخلاف العقائديّ بين المسلمين والمسيحيِّين من قيام تعاونٍ فكريٍّ مثمرٍ بينهم. ويمكن أنْ أذكر مدرسة يحيى بن عديّ نموذجًا على ذلك. فبعد وفاة أبي بِشر متَّى بن يونس (ت. 940م.) ترأَّس يحيى المدرسة المنطقيَّة في بغداد. وقد تنوعَّت الانتماءات الدِّينيَّة لطلاَّب يحيى ما بين مسلمين ومسيحيِّين. أبرز المسلمين: أبو سليمان السَّجستانيّ المنطقيّ، وأبو حيَّان التَّوحيديّ، وابن مسكويه.

أَمَّا طلاَّب يحيى المسيحيُّون فينتمون إلى المذاهب الثَّلاثة (اليعقوبيَّة، والنَّسطوريَّة، والملكيَّة)، أبرزهم: عيسى بن زُرْعة، الحسن بن سوار (ت. 1017م.). ويمكن حصر أعمالهم في مجال دراسة النُّصوص الفلسفيَّة اليونانيَّة في الأعمال الآتية:

- نسخ الكتب الفلسفيَّة والعلميَّة، وترجمتها.

- تلخيص النُّصوص الفلسفيَّة وشرحها (المنطقيَّة منها بشكلٍ خاصّ).

- تحقيق النُّصوص الفلسفيَّة ونشرها.

أذكر مثالًا على ذلك كتاب تفسير منطق أرسطو: فقد قام الحسن بن سوار بنشر هذا الكتاب الَّذي نقله إسحق بن حُنين معتمدًا نسخاتٍ عربيَّةٍ عدَّة ، وقارن نسخة يحيى بن عديّ بنسخة عيسى بن زُرْعة (المنقولة أصلًا عن نسخة يحيى). وقد وضع لنشرته تمهيدًا، وزوَّدها بتعليقاتٍ وتفسيرات لمناطِقةٍ يونان وعرب: أَمونيوس، فرفوريوس الصُّوريّ، يوحنَّا النَّحويّ، أَبو يحيى المروزيّ، أَبو بِشر متَّى، ويحيى بن عديّ...[9]

3- خصائص الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة وموضوعاتها

على الرَّغم من أنَّ المتكلِّمين والفلاسفة المسيحيِّين العرب عالجوا الموضوعات نفسها الَّتي عالجها المتكلِّمون والفلاسفة المسلمون، إلَّا أنَّهم تميَّزوا بمقاربة موضوعات خاصَّة بهم، أبرزها: التَّثليث، والتّجسُّد، والصَّلب، والفداء، والخطيئة، والرَّهبنة، وصحَّة الدِّين المسيحيّ، وإكرام الأيقونات، وتفسير آياتٍ من العهد القديم والعهد الجديد... كما تفرَّدوا أيضًا باستعمال مصطلحاتٍ في نصوصهم الدِّينيَّة، مثل: التَّأنُّس، الاتِّحاد، التَّجسُّد، الأقنوم... وهذا ما يعطي الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة طابعها الخاصَّ ويبرز خصائصها.

بيدَ أنَّ هذا التّميُّز لا يعني أنَّها فلسفة مستقلَّة ويجب أنْ تُدرَس بشكلٍ منفصلٍ عن بيئتها. فالمصطلحات المسيحيَّة الَّتي ذكرتُها قد درسها الكثير من الفلاسفة والمتكلِّمين المسلمين وحاولوا تفسير دلالاتها، وذلك في النُّصوص الَّتي وضعوها لدراسة العهد الجديد وانتقاد العقائد المسيحيَّة، كما فعل عليّ بن ربَّن الطَّبريّ (ت. بعد 855م.)، والكنديّ، والجاحظ (ت. 869م)، وأبو عيسى الورَّاق (ت. 910م). وكذلك فإنَّ الاطِّلاع على نصوص المفكِّرين العرب المسيحيِّين يكشف مدى تفاعلهم مع محيطهم الإسلاميّ من جهةٍ، وإسهامهم في بناء الثَّقافة العربيَّة من جهةٍ أخرى. ويمكن أنْ أبيِّن ذلك من خلال مثالَيْن:

أ - المثال الأوَّل: المصطلحات والآيات القرآنيَّة: استعمل المسيحيُّون المصطلحات نفسها الَّتي استعملها المسلمون في موضوع وحدانيَّة الله وصفاته. فمثلًا مصطلح صفة يذكره المسيحيُّون في التَّعبير عن الأقانيم إلّا أنَّ معناه مغاير للمعنى الَّذي يقصده المتكلِّمون المسلمون في كتاباتهم.

أمَّا الآيات القرآنيَّة فنجد ذكرًا لبعضها في مؤلَّفات العديد من المتكلِّمين المسيحيِّين العرب. فقد لجأ بعضهم إلى تأويل عددٍ من الآيات القرآنيَّة الَّتي تناولت المسيح ليدافعوا عن الصَّلب. فقد أورد طيموتاوس الأَوَّل في محاورته مع الخليفة المهديّ آياتٍ من القرآن ذُكِر فيها أنَّ المسيح مات، مثل: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾[10]، وكذلك: ﴿إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾[11]. وقال طيموتاوس الأَوَّل إنَّ هاتَيْن الآيتَيْن تدلَّان بشكلٍ جليٍّ على أنَّ يسوعَ قد ماتَ وقامَ، بخلاف الآية الَّتي ذُكِر فيها أنَّ المسيحَ لم يُصلَب ولم يمُت[12].

ب - المثال الثَّاني: يتعلَّق بالموضوعات الّتي عالجها المسيحيُّيون العرب؛ فهي الموضوعات نفسُها الَّتي عالجها المسلمون، كما ذكرتُ سابقًا: وحدانيَّة الله، وصفاته، وعلاقة الفلسفة بالدِّين... وكذلك فالمناهج هي نفسها، وأبرزها المنهج المنطقيّ، والمنهج الجدليّ، والمنهج النَّقليّ.

سأعرض ملخَّصًا عن مضمون مقالة وضعها ابن زُرْعة في مسألة العلاقة بين الفلسفة والشَّريعة كنموذجٍ عن معالجة المسيحيِّين لهذا الموضوع، إذ إنَّ الشَّائع هو كتابات المسلمين في هذه المسألة. والمقالة عنوانها: مَقالة عيسى بن زُرْعة يبيّن فيها بَراءة النّاظِرين في المَنطِق والفَلسَفة مِمّا يُقرَفُون مِن فَساد الدِّين[13].

والمقالة، كما يدلُّ عنوانها، وضعها عيسى بن زُرْعة ردًّا على الّذين يعتقدون أنَّ المنطق والفلسفة يفسدان الدِّين. ويبيِّن فيها خطأ اعتقاد الجمهور أنَّ الفلسفة تُفسِد الدِّين من جهة، وصدقَ الحاجة في تَحقيق الشَّرائِع إلى العِلْم بالفَلسَفة من جهةٍ أخرى. ولمَّا كان موضوع الرِّسالة هو العلاقة بين الفلسفة والدِّين، فإنَّ الألفاظ المستعملة فيها تنتمي إلى المجالَيْن؛ فنجد الألفاظ الفلسفيَّة، مثل: المنطق، التَّفلسف، الممتنع، الممكن... كما نجد الألفاظ الدِّينيَّة، مثل: الشَّريعة، الظّنّ، العلم، اليقين، النَّدب، الاعتبار، التَّقليد... ونلاحظ أنَّ هذه الألفاظ تنتمي إلى الثَّقافة الإسلاميّة؛ وهذا الأمر، وإنْ كان يدلُّ على تأثُّر عيسى (والمسيحيِّين) بالثّقافة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّه لا ينفي التّأثير المتبادل بين الثّقافتَيْن (الإسلاميَّة والمسيحيَّة)[14]، وهو ما سأقوم ببيانه وإثباته في دراساتٍ لاحقة.

يخصِّص عيسى القسم الأوَّل من الرّسالة ليبيِّن خطأ الاعتقاد أنَّ المنطق يُفسِد الشَّريعة من جهة، وأنَّ مَنْ يدَّعي ذلك فهو الطَّاعن في الشَّريعة من جهة أخرى. فإذا قال قائلٌ إنَّ النَّظر في الشَّريعة يُفسِدُ الدِّيانة؛ فإنَّ ذلك القائل طاعنٌ في الشَّريعة لأنَّ قوله هذا معناه أنَّ الشَّريعة «لا تَثبُتُ للفَحْص، وإنَّ التَّحْقيقَ يُفسِدُها. ومنزلته منزلة الرَجُل الحامِل الدَّراهِم المُبَهرَجة، الّذي يَهرُبُ بها مِن النُقّادِ، ويأنَس بمَن ليس مِن أهْل المَعرِفة بالنَّقْد».

أمَّا القسم الثَّاني من الرِّسالة فيبيِّن فيه ابن زُرْعة حاجة الشَّريعة إلى التَّفلسف حتَّى يكون العلم بها يقينًا، وأنَّه من دون التَّفلسف لا يمكن الوصول إلى منزلة اليقين في معرفة صدق الشَّريعة وتمييز المعجِز[15].

إنَّ هذا الموضوع نموذجٌ يبيِّن مقاربة المسيحيِّين موضوعاتٍ يُعتقَد أنَّها خاصَّة بالمسلمين وحدهم... والحقيقة أنَّ المسيحيِّين العرب عاشوا في البيئة الإسلاميَّة وتفاعلوا مع إشكاليَّاتها وقضاياها.

بعبارةٍ قصيرة، يمكن أنْ ألخِّص خصائص الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة بالقول: إنَّ أعلامها ينتمون إلى الفرق المسيحيَّة الثّلاث، عالجوا الموضوعات نفسها الَّتي عالجها المسلمون، في مبحثَي الطَّبيعة والإنسان. أمَّا في مبحث الميتافيزيقا أو ما بعد الطَّبيعة، فقد كانوا لاهوتيِّين في مقاربتهم موضوعاته. ولعلَّ هذا ما دفع العديد من المطَّلعين على فكرهم (وهم غير متخصِّصين فيه) إلى تصنيفهم ضمن اللّاهوتيِّين لا الفلاسفة. وأنا شخصيَّا لا أتوقَّف كثيرًا عند التَّسميَّة. إنَّ ما يعنيني فعلًا هو غنى التُّراث العربيّ المسيحيّ واحتواؤه على مؤلَّفات جديرة بالبحث والدِّراسة. مع الإشارة إلى أنَّ إسهامات المستشرقين في هذا المجال أكثر من إسهامات العرب.

أمَّا أبرز الّذين درسوا التُّراث العربيّ المسيحيّ فأذكر من المستشرقين أوغستين بيرييه (ت. 1927)، وجورج غراف (ت. 1955)، وكارل بروكلمان (1956)، وجيرار تروبو (ت. 2010). أمّا العرب فأبرزهم الأب لويس شيخو اليسوعيّ (ت. 1927م) وهو مؤسّس المكتبة الشّرقيّة في بيروت ومجلّة المشرق، بولس سباط (ت. 1942) وهو كاهن سريانيّ من حلب، قسطنطين الباشا (ت. 1948م)، والأب بولس الخوري (ت. 2021)، وأستاذي الأب سمير خليل اليسوعيّ، وقد أمضى أكثر من خمسين عامًا في هذا المجال.

ثانيًا - يحيى بن عديّ: التَّثليث والاتِّحاد

سأعرِّف بيحيى بن عديّ ثمَّ أتكلَّم على التَّثليث والاتِّحاد عنده.

ولد أَبو زكريَّا يحيى بن عديّ بن حميد بن زكريَّا التَّكريتيّ في تكريت العام 893 م. انتقل إلى بغداد حيث درس مختلف العلوم. فقرأَ المنطق على أَبي بِشر متَّى بن يونس (ت. 940م) وعلى أَبي نصر الفارابيّ (ت. 951م) «وعلى جماعةٍ في وقتهم»، كما يذكر القِفطيّ (ت. 1249م). وبعد وفاة أَبي بِشر متَّى، ترأّس يحيى المدرسة المنطقيَّة في بغداد. فذاع صيته واشتهر حتَّى قال عنه المسعوديّ: «ولا أَعلم في هٰذا الوقت أَحدًا يرجَع إليه في ذلك [أَي في الفلسفة]، إلّا رجلًا واحدًا من النَّصارى، بمدينة السّلام، يُعرف بأَبي زكريَّا بن عديّ».كان يحيى يكسب عيشه من عمله في النَّسخ. يروي ابن النَّديم أَنَّ يحيى كان مكثرًا للنَّسخ يكتب من جميع الفنون. فعاتبه يومًا على ملازمة النَّسخ والقعود، فقال له يحيى: «من أيّ شيء تعجب في هٰذا الوقت من صبري؟ قد نسخت بخطِّي نسختين من التّفسير للطّبري، وحملتهما إلى ملوك الأَطراف. وقد كتبتُ من كتب المتكلِّمين ما لا يُحصَى. ولعهدي بنفسي وأَنا أَكتب في اليوم واللّيلة مائة ورقة وأُقِلّ». فضلًا عن عمله في النَّسخ، قام يحيى بنقل الكتب الفلسفيَّة والمنطقيَّة وشرحها لا سيَّما كتب أَرسطو. كما قام بنسخ بعض كتب أُستاذه الفارابيّ وتلخيصها. أَمَّا ترجماته فكانت من اللُّغة السُّريانيَّة إلى العربيَّة. وكان «جيِّد المعرفة بالنَّقل» على حدِّ وصف ابن أَبي أُصَيبِعة (ت. 1270م). وضع مؤلّفاتٍ كثيرة في الفلسفة واللّاهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، التَّأَنُّس، صدق الإنجيل وتفسير بعض آياته). وقد تميّز في استناده إلى العقل والمنطق في الدِّفاع عن العقائد المسيحيَّة[16].

سأتوسَّع في الكلام على التَّثليث والاتِّحاد عند يحيى في النّقطتَيْن الآتيتَيْن:

1 - التَّثليث: البارئ موصوفٌ واحدٌ بثلاث صفات.

2 - الاتِّحاد: إمكان الاتِّحاد ووجوبه.

1 - التَّثليث: البارئ موصوفٌ واحدٌ بثلاث صفات

وضع يحيى مؤلَّفاتٍ عديدة في التَّثليث. ولا مجال هنا للتّوسُّع فيها، لذا فقد اخترتُ مقالةً صغيرةً تحمل عنوان جواب الشّيخ يحيى بن عديّ عن مسألة جرت بين يدي عليّ بن عيسى بن الجرّاح في التّثليث والتّوحيد يردّ فيها يحيى على انتقاد أبي مسلم الأصفهانيّ المعتزليّ عقيدةَ التّثليث عند المسيحيّين. وملخّص هذه المقالة أنّ الوزير عليّ بن عيسى بن الجرّاح اختلف مع الأصفهانيّ في أمرٍ من أمور الدّيوان فاتّفقا على استشارة أحد الكتّاب، فذكر الوزير رجلًا من الكتّاب النَّصارى، فاعترض أبو مسلم قائلًا: «لا أرضى به لأنَّه لا يُحسنُ الحساب، لأنَّ الواحدَ عنده ثلاثة والثّلاثة واحد»، وقد عنَى أبو مسلم بذلك قول النّصارى إنّ البارئَ جوهرٌ واحدٌ موصوفٌ بثلاث صفات[17].

ردَّ يحيى بالقول إنّ أبا مسلم إذا فكَّر جيّدًا تبيّن له أنّه هو الأوْلى بأن يوصف بأنّه لا يُحسن الحساب من النَّصارى. ويقصِد يحيى بعبارته هذه قول الأصفهانيّ (والمعتزلة) إنّ الصّفات عين الذّات. فالمعتزلة يثبتون صفات الجُود والحكمة والقدرة للبارئ لكنَّهم يقولون إنّ الموصوف بهذه المعاني الثّلاثة هو هو هذه المعاني الثّلاثة، وأنّه وإيّاها واحدٌ من كلّ وجه، وهذا القول يلزم عنه لا محالة أن يكون الواحدُ من كلّ وجهٍ هو هو هذه المعاني الثّلاثة من كلّ وجه[18].

أمّا النَّصارى فتقول إنّ البارئ جوهرٌ واحدٌ موصوفٌ بثلاث صفات هي: جوّاد، حكيمٌ وقادر. ولمّا كانت كلُّ صفةٍ من هذه الصّفات تدلّ على معنى مغايرٍ للصّفتَيْن الأخرَيَيْن فإنّ الصِّفات مختلفةٌ وكثيرة، والبارئ إذًا واحدٌ من جهةٍ كثيرٌ من جهةٍ أخرى؛ فهو واحدٌ من جهةِ الجوهر (أو الذّات) كثيرٌ من جهةِ الصِّفات. والقول إنَّ البارئ واحدٌ وكثيرٌ معًا ليس متناقضًا لأَنَّه لا يقال على جهةٍ واحدة[19]. وبذلك فإنَّ يحيى لم يخالف قانون التَّناقض الأَرسطيّ، لأَنَّ هذا القانون يصحُّ فقط عندما يكون الإثبات والنَّفي لشيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدة.

أشير إلى أنَّ معنى «الصِّفة» مرادفًا لـ «الأُقنوم» عند يحيى بن عديّ مغايرٌ لمعنى الصِّفة عند المتكلِّمين المسلمين. فالصِّفات، عند الّذين قالوا إنَّها معانٍ زائدةٌ على الذَّات، ليست إلّا اعتباراتٍ عقليَّة لا وجود عينيًّا لها. فضلاً عن ذلك فإنَّ الصِّفات عند المتكلِّمين كثيرة (من بينها الجود والقدرة والحكمة)، إذ نجد عندهم قوائم من أربع أو سبع صفات، وإن كان الجدال بينهم قد دار على ثلاث صفات أساسيَّة، هي: الحياة والعِلْم والقُدْرة. أَمَّا الصِّفات عند يحيى فهي مقوِّمةٌ للذَّات. وهي، وإن كانت أكثر كثيرًا من ثلاث إذا جُمعَت، لا يلزم أن تكون كلُّها أَقانيم. فاسم القنوم يدلُّ على ثلاثة معانٍ من هذه الصِّفات فقط من دون الباقية. والنَّصارى (كما يقول يحيى) «يوجبون التَّثليث للأقانيم، لا لجميع أوصاف البارئ»[20].

وقد استعمل يحيى في ردِّه على ابن الجرَّاح صيغة «البارئ جوهر واحد موصوف بأَنَّه جوَّاد حكيم قادر» للتّعبير عن التَّثليث، وقد وردت في مؤَلَّفات أخرى له. وتؤَكِّد هذه الصِّيغة أَنَّ البارئ جوهرٌ واحدٌ «غير متكثِّر»، أَو «غير مركَّب» بمعنى أَنَّه غير مركَّب من هيولى وصورة. لكنَّه موصوفٌ بثلاث صفات، معنى كلِّ واحدةٍ منها مغايرٌ لمعنى الأُخريَين. هذه الصِّفات هي: الجُود والحِكْمة والقُدْرة. فالجُود هو الآب، والحِكْمة هي الابن، والقدرة هي الرُّوح القدس[21].

والجدير بالذِّكر أنَّ يحيى قد اعتمد صيغةً أخرى للتَّعبير عن التَّثليث في مقالاتٍ أخرى هي: البارئ عقلٌ عاقلٌ معقول. وتقوم هذه الصِّيغة على تفسير التَّثليث بتشبيه الآب بالعقل الّذي يعقل ذاته، فيكون عقلًا وعاقلًا ومعقولًا. فالعقل هو الآب، والعاقل هو الابن، والمعقول هو الرُّوح. وبحسب هذه الصِّيغة يكون الآب هو علَّة وجود الابن والرُّوح، وهما معلولاه[22].

وتكمن أَهمِّيَّة هذه الصِّيغة في أنَّها تتيح حصر عدد الأَقانيم بثلاثة فقط. وقد أراد يحيى منها تبيان أنَّ وجود الآب يقتضي وجود الابن والرُّوح. كما أنَّ وجود العقل، الّذي يعقل ذاته، يقتضي وجود العاقل والمعقول. فوجه الشَّبه بينهما هو «العلَّة». فكما أنَّ العقل العاقل ذاتَه علَّةٌ لوجود معنيَي العاقل والمعقول، كذلك الآب علَّةٌ لتولُّد الابن وانبعاث الرُّوح[23].

2 - الاتِّحاد: إمكان الاتِّحاد ووجوبه

وضع يحيى مؤَلَّفاتٍ عديدة في الاتِّحاد دافع فيها عن صحَّة معتقدات كنيسته اليعقوبيَّة في الرَّدِّ على النَّسطوريَّة من جهة والمسلمين من جهةٍ أخرى. وقد تعدَّدت المصطلحات الَّتي استعملها للتّعبير عن اتِّحاد الطَّبيعتَيْن الإلهيَّة والمسيحيَّة في أقنوم المسيح، أبرزها: التَّجسُّد، والتَّأنُّس، والاتِّحاد. سأعالج في بحثي هذا مقالةً صغيرةً يثبت فيها إمكان الاتِّحاد ووجوبه، عنوانها الكلام في إثبات إمكان التَّأنُّس وإحالة امتناعه. واللّافت أنَّ هذا العنوان الَّذي يتألَّف من سبع كلمات، أربع كلماتٍ منه فلسفيَّة. وهذا إنْ دلَّ على شيء إنَّما يدلُّ على منهج يحيى في مقاربة العقائد المسيحيَّة، وهو المنهج الفلسفيّ، كما سأبيِّن.

يبدأ يحيى مقاله بتعريف الضِّدَّيْن بأنَّهما «المتقابلان اللّذان لا يمكن أنْ يوجدا معًا في موضوعٍ واحدٍ؛ إذ من شأن كلِّ واحدٍ منهما إفساد قرينه، ومن شأن كلِّ واحدٍ منهما الاستحالة إلى قرينه»[24]. وهكذا، يكون «كلُّ شيئَيْن لا يمكن أنْ يوجدا معًا في موضوعٍ واحدٍ إذ من شأن كلِّ واحدٍ منهما إفساد قرينه، ومن شأن كلِّ واحدٍ منهما الاستحالة إلى قرينه، ضدَّيْن»[25].

وإذا أضفنا إلى ما تقدَّم المقدّمة الآتية: لا يمكن «أن يكونَ شيءٌ من شأنه إفسادُ شيءٍ آخر علَّةً لوجوده» يتبيَّن منطقيًّا إمكان اجتماع الإله والإنسان في موضوعٍ واحدٍ. ذلك أنَّ الإله هو علَّة وجود الإنسان لأنَّه خالقه. وبما أنَّه علًّة وجوده فلا يمكن أنْ يفسده[26].

بتعبيرٍ آخر، إنَّ الإلهَ والإنسانَ ليسا ضدَّين، ومن ثمَّ فاجتماعُهما في المسيح ممكن، وهذا هو التَّأنُّس. ويمكن أنْ أوضح حجَّته في التَّأنُّس في القياسَيْن المنطقيَّيْن الآتيين: [27]

- لا يمكن أن يكونَ شيءٌ من شأنه إفسادُ شيءٍ آخر علَّةً لوجوده.

- البارئُ علَّةُ وجود خلائقه.

- ليس من شأن البارئ إفساد خلائقه.

- الضِّدان لا يمكن أن يجتمعا في موضوعٍ واحد، إذ من شأن كلِّ واحدٍ منهما إفسادُ قرينه، والاستحالةُ إلى قرينه.

- البارئُ ليس من شأنه إفساد خلائقه (لأنَّه علَّةُ وجودها).

- البارئُ ليس ضدًّا لخلائقه.

يتبيَّن إذًا أنَّ البارئَ يمكن أن يوجدَ في موضوعٍ واحد مع خلائقه إذ ليس ضدًّا لها. أي يمكن أن يوجدَ في الطَّبيعة الإنسانيَّة ويتَّحدَ بها، وهذا هو التَّأنُّس.[28]

وليس اتِّحاد البارئ بالطَّبيعة الإنسانيَّة ممكنًا فحسب، بل هو واجبٌ أيضًا. ووجوبه تقتضيه صفاته؛ فمن صفات البارئ أنَّه جوَّادٌ بالأفضل، وأنَّه الخير المحض. ولذلك لا يمكن تصوُّر أنْ لا يجود البارئ بذاته[29].

وإذا سأل متشكِّكٌ فقال: إذا كان وجوب التَّأنُّس ضروريًّا فلِمَ لمْ يكن منذ بدء الطَّبيعة الإنسانيَّة، لكن بعد ألوف السِّنين؟ يجيب يحيى أنَّ السَّبب وإن كان غير ظاهرٍ لنا إلَّا أنَّه ليس ممتنعًا لجهلنا له. فنحن نجهل أيضًا سبب إحداث البارئ العالم في الوقت الَّذي أحدثه فيه، لكنَّنا نعلم أنَّ ذلك ليس بسبب بخله لأنَّ البارئ جوَّادٌ، والجود صفةٌ ذاتيَّةٌ له، ولا يمكن أنْ يعدمها البارئ ثمَّ توجد له. وإذًا لا يمكن أنْ يكون سبب ترك البارئ إحداث العالم قبل إحداثه إيَّاه بخله، لكنَّ إحداثه قبل الحين الَّذي أحدثه فيه ليس بأفضل[30].

ومن البيِّن أنَّنا لا نعلم لمَ كان ليس بأفضل، لكنَّ جهلنا بالسبب لا يبطل أنَّه ليس بأفضل. فكذلك لا يبطل جهلنا بالسَّبب في عدم حدوث التَّأنُّس قبل الحين الَّذي صار فيه كونه ليس بأفضل[31].

ثالثًا - عيسى بن زُرْعة: التَّثليث والاتِّحاد

سأعرِّف بعيسى بن زُرعة ثمَّ أتكلَّم على التَّثليث والاتِّحاد عنده.

هو أبو عليّ عيسى بن اسحق بن زُرْعة، فيلسوف عربيّ مسيحيّ يعقوبيّ، ولد في بغداد في العام 942م. درس الطِّب والفلسفة. كان تلميذ يحيى بن عديّ ومقرَّبًا منه. قال عنه ابن النّديم (ت. 988م.) إنَّه «أحد المتقدِّمين في علم المنطق وعلوم الفلسفة، والنّقلة المجوِّدين». وذكر ابن أبي أصيبعة (ت. 1270م.) أنَّه كان يعمل في التّجارة، وأنَّه عانى من غدر الأنداد، إذ صودرَت أمواله، وأصابته نكبات عدَّة. وقد نقل التّوحيديّ في كتابه الإمتاع والمؤَانسة بعض الأقوال الحكميَّة لابن زُرْعة، منها: «قيلَ للمسيح: ما بال الرّجلَين يسمعان الحقَّ فيقبله أحدهما ولا يقبله الآخر؟ فقال: مثلُ ذلك مثلُ الرّاعي الّذي يصوِّت بغنمه فتأتيه هذه الشّاة بندائه، ولا تأتيه هذه»[32].

ويظهر من الاطِّلاع على مؤلَّفات عيسى بن زُرْعة مدى تأثُّره بأستاذه يحيى بن عديّ. يخبرنا عيسى في مقدِّمة مقالته في العقل أنّه وضع هذه المقالة بإيعاز من أستاذه يحيى. توفِّي عيسى بن زُرْعة في العام 408هـ./1008م. بعد إصابته بمرض الفالج. ويذكر ابن أبي أصيبعة أنَّ مرضه استمرَّ فترةً عجز فيها الأطبّاء عن شفائه، لكنَّه لم يتوقَّف خلالها عن التّأليف، فقد كان يعمل في آخر عمره على مقالةٍ في بقاء النّفس، وأقام نحوًا من سنةٍ يفكِّر فيها ويسهر لها حرصًا على عملها[33].

قام عيسى بترجمة مؤلَّفات فلسفيَّة عدَّة، كما فسّر بعض النُّصوص الفلسفيَّة، لأرسطو وبرقلس... ووضع مصنَّفاتٍ في الفلسفة والطّبيعيَّات واللّاهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، والاتّحاد، وتفسير آياتٍ من العهد القديم والعهد الجديد)، والدِّفاع عن الدّين المسيحيّ[34].

سأتوسَّع في الكلام على التَّثليث والاتِّحاد في النّقطتَيْن الآتيتَيْن:

1 - التَّثليث: البارئ واحدٌ بالذَّات كثيرٌ بالصِّفات.

2 - الاتِّحاد: اتِّحاد الشَّبيه بشبيهه.

1 - التَّثليث: البارئ واحدٌ بالذَّات كثيرٌ بالصِّفات

وضع عيسى مقالاتٍ عدَّة في التَّثليث. وقد اخترتُ مقالةً ردَّ فيها على سؤال أحد أصدقائه عن عقيدة التَّثليث، عنوانها: رسالة صنّفها الشّيخ أبو علي عيسى بن زُرْعة رحمه الله في معانٍ سأله عنها بعض إخوانه أنشأها في ذي الحجّة من سنة ثلاثمائة وثمان وسبعين. يوضح عيسى في هذه الرِّسالة معنى قول النَّصارى إنَّ البارئ واحدٌ بالذَّات كثيرٌ بالصِّفات، فيقول إنَّ ذات البارئ لا يمكن إدراكها بالحواسّ، لكنّ صفاته يمكن معرفتها من النَّظر في الكون. وهو يذكر صيغتَيْن للتَّثليث يوضح من خلالهما هذه العقيدة. والصّيغتان أخذهما من أستاذه يحيى بن عديّ.

أ - الصِّيغة الأولى: البارئ جوّاد، حكيم، قادر

يقول عيسى إنّ البارئ لا يدرَك بالحواسّ، إنّما يُستدَلّ على وجود ذاته من وجود مفعولاته، «فإنّ المخترَع يقتضي مخترِعًا والمفعولَ يقتضي فاعلًا لا محالة»[35]، وذلك وفقًا لمبدأ التّضايف المنطقيّ. وكذلك فإنّ النَّظر في المخلوقات يدلُّ على صفات الخالق: الجود والحكمة والقدرة. فجود البارئ يُعرَف من «إخراجه الأمور من العدم إلى الوجود»[36]، والحكمة تُعرَف من «إحكامه مصنوعاته وإتقانها»[37]، والقدرة تُعرَف من «إخراجه الموجودات من العدم إلى الوجود»[38]، أو من «الجمع بين الأضداد في تكوينها»[39].

يضيف عيسى أنَّ صفات البارئ ثلاثة لا أكثر، وهي: جوّاد حكيمٌ قادر. أمّا سائر الصّفات فهي داخلة تحتها: فصفتا الرَّحمن الرَّحيم داخلتان تحت صفة الجود بوجهٍ من الوجوه وتحت القدرة بوجهٍ آخر، وكذلك رؤوف. أمَّا صفات خالق وبارئ وحيّ فداخلةٌ تحت صفة قادر. أمَّا صفة عالم فداخلةٌ تحت صفة حكيم، وهكذا في جميع الصِّفات[40].

وهذه الصِّفات تسمَّى عند القائلين بالتَّوحيد (أي المتكلِّمين المسلمين) صفات الذَّات. ومعناها يختلف عن معنى الذَّات التي توصَف بها. وبذلك يكون البارئ واحدًا من جهة الذّات كثيرًا من جهة الصِّفات. والصِّفات هي الأقانيم الثّلاثة عند النَّصارى[41].

لم يكن عيسى أَوَّل من ذكر هذه الصِّيغة، فقد وردت عند يوحنَّا الدِّمشقيّ وعمَّار البصريّ ويحيى بن عديّ. وقد ذكر المتكلِّمون المسلمون أَيضًا هذه الصِّفات (الجود والحكمة والقدرة) ضمن قوائمهم عن صفات الله[42]، (كما ذكرتُ في كلامي على يحيى). من ذلك مثلًا قول الشِّهرستانيّ في كتابه الملل والنِّحل: «واتَّفقا [أَي الجبَّائيَّان] على أَنَّ الله تعالى لم يدَّخر عن عباده شيئًا ممَّا علم أَنَّه إذا فعل بهم أَتوا بالطَّاعة والتَّوبة من الصَّلاح والأَصلح واللُّطف، لأَنَّه قادر، عالمٌ جوَّاد، حكيم لا يضرُّه الإعطاء»[43]. إلّا أنَّ مصدر هذه الصِّيغة هو أستاذه يحي. يقول يحيى في مقالته في التَّوحيد: إذا تأَمَّلنا الموجودات (جزئيَّاتها وكلِّيَّاتها) تبيَّن لنا أَنَّ وجودها بعد عدمٍ يوجب جود البارئ وقدرته[44]، وأَنَّ حال وجودها على غاية الإتقان والإحكام يدلُّ على حكمته[45]. وهذه التّعريفات هي نفسها الّتي ذكرها ابن زُرْعة. وكذلك فقوله إنَّ البارئ واحدٌ من وجهٍ وثلاثةٌ من وجهٍ آخر قد أورده يحيى في غير مقالة، منها مقالة في التّوحيد.

ب - الصِّيغة الثَّانية: البارئ عقل، عاقل، معقول

بما أنَّ البارئ حكيمٌ فهو عقلٌ «لعلمه بسائر الموجودات وعقلِه لها»؛ وهو يعقل ذاتَه (الّتي هي إحدى الذَّوات الموجودة)، فيلزم من تعقُّله ذاتَه أن توجد لذاته ثلاثة أحوال: عقلٌ (لأنَّ ذاته عقل)، وعاقلٌ (لأنَّه يعقل ذاته)، ومعقولٌ (لأنَّ ذاته هي موضوع التَّعقُّل). وكذلك فإنَّ وصف البارئ بأنَّه عقلٌ يستلزم وصفه بأنَّه عاقلٌ وبأنَّه معقول. وبذلك يكون عدد الصِّفات ثلاثةً لا أكثر ولا أقلّ؛ وأنَّ البارئ العقل هو الآب، والابن هو العاقل، والرُّوح هو المعقول[46].

وإذا سأل أحدهم: لمَ عدل النَّصارى عن اسم العقل والعاقل والمعقول إلى اسم الآب والابن والرّوح؟ فإنَّ الجواب أنَّهم رمزوا إلى قولهم ولم يصرِّحوا به صونًا للعلم الإلهيّ من الجهّال، فقد نهى المسيح عن ذلك عندما قال[47]: «لا تَطرَحوا القُدْس للكِلاب، ولا تُلْقوا جَواهِرَكُم قُدَّام الخَنازير، لِئَلَّا تَتَوطَّأَها بِأَظْلافِها، وتَعودَ فَتَعْقِرَكُم»[48]. وهذا القول أيضًا نجده عند يحيى[49]، وكذلك صيغة عقل عاقل معقول الَّتي نقلها عيسى عنه.

2- الاتِّحاد: اتِّحاد الشَّبيه بشبيهه

وضع عيسى مؤَلَّفاتٍ عديدةٍ في الاتِّحاد ردَّ فيها على رفض اليهود والمسلمين عقيدة التَّجسُّد من جهة، وعلى انتقادات النَّسطوريَّة تفسير اليعقوبيَّة كيفيَّة الاتِّحاد من جهةٍ أخرى. سأدرس إحدى مقالاته الَّتي وضعها لمناقشة القضايا الَّتي فيها خلافٌ مع اليهود. عنوانها: مقالة عيسى بن إسحق عَمَلَها إلى بعض إخوانه من اليهود في سنة سبعٍ وثمانين وثلاث مائة وهو بشر بن فنحاس بن شُعَيْب الحاسب.

بيَّن عيسى في هذه المقالة إمكان اتِّحاد الذَّات الإلهيَّة بالذَّات الإنسانيَّة. فقال إنَّ اليهود هم الطَّائفة الَّتي يلزمها أكثر من غيرها من الطَّوائف القول بالاتِّحاد[50]؛ فقد ورد في كتابهم التَّوراة أنَّ الله خلق الإنسان على صورته ومثاله[51]. «وكون الإنسان بهذه المنزلة يجعله مناسبًا لبارئه في صورته ومثاله، وشبيهًا به، واتِّحاد المناسب الشَّبيه لمناسبه وشبيهه، واتِّصاله به من أسهل الأمور، وأقربها، وأوجبها»[52].

ويقول عيسى كأستاذه يحيى بوجوب الاتِّحاد. فبما أنَّه تبيَّن أنَّ الاتِّحاد من الأمور الممكنة، «وكان الممكن متى فُرض له زمانٌ لا نهاية له خرج إلى الوجود، فقد لزم أنْ يخرج هذا المعنى، الَّذي قد تبيَّن إمكانه، إلى الوجود، وخروجه إلى الوجود كان بظهور المسيح»[53]. وقد أشار إلى هذا المعنى داوود النَّبيّ بقوله: «إنَّكَ أنتَ ابْني وأنا اليَومَ وَلَدتُكَ»[54].

ولمَّا كان الاتِّحاد ممكنًا، فإنَّه لو لمْ يوجد، مع قدرة البارئ عليه، لوُصِف البارئ بالبخل. وهذا الوصف لا يجوز أنْ يقال في البارئ لأنَّه جاد علينا بالوجود الأفضل[55]. وهذا المعنى أيضًا ورد عند يحيى بن عديّ، كما بيَّنتُ في كلامي عليه.

يضيف عيسى أنَّه إذا سأل سائلٌ: ما العلَّة في أنَّ الجود كان على شخصٍ واحدٍ دون باقي الأشخاص من البشر؟ يجيب عيسى أنَّ المسيح نهج السَّبيل المؤدِّية بالاختيار والإرادة إلى الاتِّصال بالبارئ، وقد كان ذلك له «بالطَّبيعة»، لينهج لسائر النَّاس إلى تلك السَّعادة بالسَّعي والإرادة[56].

فالمسيح عند عيسى ويحيى هو المثال والنَّموذج، وهو الطَّريق والسَّبيل المفضية إلى الملكوت، فهو قد «نهج للبشر الطَّريقَ المخلِّصة لهم من هلاك النَّفس، المُفضية بهم إلى الحياة الرّوحانيَّة الدَّائمة وهي الاتِّصال بالبارئ تعالى»، كما يقول يحيى في مقالته عن سببِ إكرام النَّصارى للصَّليب المُقدَّس[57].

بعد هذا العرض الموجز لنشأة الفلسفة العربيَّة المسيحيَّة، ولفكر فيلسوفَيْن مسيحيَّيْن عربيَّيْن، أقول: إنَّ المتكلِّمين والفلاسفة العرب المسيحيِّين مكوِّنٌ أساسيٌّ من مكوِّنات الحضارة العربيَّة وجزءٌ لا يتجزَّأ من تاريخها. والحضارة العربيَّة ليست إسلاميَّة فحسب، بل هي إسلاميَّة ومسيحيَّة. ولمَّا كان القسم الأكبر من مؤلَّفاتهم لم يُنشَر بعد، تبرز الحاجة ملحَّةً لتشجيع الباحثين على تحقيق النُّصوص المخطوطة ونشرها، ولإعادة كتابة تاريخ الفلسفة العربيَّة في مؤلَّفٍ واحدٍ يجمع بين جناحَيْه متكلِّميه وفلاسفته، المسيحيِّين والمسلمين، ويساهم في ترميم اللّوحة الثّقافيَّة التِّي تجسِّد واقع التّعاون الفكريّ المُشرِق في العصور الوسطى بين مختلف مكوِّناته.

____________________________________

* الدّكتورة نادين عبّاس: رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس پوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

     [email protected]


مختصرات المراجع

- ابن حزم، الفصل = ابن حزم الظَّاهريّ، الفصل في الملل والأهواء والنِّحل للإمام ابن حزم الظَّاهريّ الأندلسيّ المتوفّى سنة 465 هـ، ج3، لا م، مكتبة السَّلام العالميَّة، لا ت.

- أبو قرَّة، مجادلة = ثاودورس أبو قرَّة، مجادلة أبي قرَّة مع المتكلِّمين المسلمين في مجلس الخليفة المَأمون، تقديم وتحقيق الأَرشمندريت إغناطيوس ديك، لا م، لا ن، 1999.

- الشَّهرستانيّ، الملل والنِّحل = محمَّد عبد الكريم الشَّهرستانيّ، المِلل والنِّحل، ج 1، تحقيق محمَّد سيِّد كيلانيّ، القاهرة، مطبعة الحلبيّ، 1961.

- طيموتاوس الأَوَّل، المحاورة = طيموتاوس الأَوَّل، «المحاورة الدّينيَّة الّتي جرت بين المهديّ أَمير المؤمنين، وطيموتاوس الجاثليق البطريرك النَّسطوريّ في القرن الثَّامن بعد المسيح»، في: البطريرك طيموتاوس الأَوَّل أَوِ الكنيسة والإسلام في العصر العبَّاسيِّ الأَوَّل، دراسة تاريخيَّة وتحقيق لنصِّ المحاورة بين البطريرك والخليفة المهديّ، تحقيق هانس بوتمان اليسوعيّ، بيروت، دار المشرق، 1977.

- عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث = نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه "الرَّد على الورَّاق" (تحقيق المخطوطات ودراستها)، "مجموعة البحوث العربية المسيحيّة"، 3، بيروت، جامعة القدِّيس يوسف، مركز الشّرق المسيحيّ للبحوث والمنشورات، 2014.

- عيسى، رسالة = عيسى بن زُرْعة، «رسالة صنّفها الشّيخ أبو علي عيسى بن زُرْعة رحمه الله في معانٍ سأله عنها بعض إخوانه أنشأها في ذي الحجّة من سنة ثلاثمائة وثمان وسبعين»، في: مباحث فلسفيَّة دينيَّة لبعض القدماء من علماء النَّصرانيَّة، تحقيق القسّ بولس سباط، القاهرة، المطبعة السُّوريَّة، 1929.

- مصري وعبّاس، الفلسفة والشَّريعة = بيير مصري ونادين عبّاس، "علاقة الفلسفة بالشَّريعة (مقالة عملها أبو عليّ عيسى بن إسحق بن زُرْعة لبعض إخوانه يبيّن فيها براءة النّاظرين في المنطق والفلسفة ممّا يُقرَفون به من فساد الدّين) دراسة ونصّ"، المشرق، السَّنة الثَّانية والتِّسعون، الجزء الثَّاني، تمّوز- كانون الأوّل ، 2018، 365-399.

- يحيى، الأقانيم الثَّلاثة = «جواب الشَّيخ يحيى بن عديّ عن مسائل سأَل عنها سائل في الأقانيم الثَّلاثة والإله الواحد»، في:

Petits Traités apologétiques de Yaḥya ben ‘Adi, édité par Augustin Périer, Paris 1920.

- يحيى، إكرام النَّصارى للصَّليب = يحيى بن عديّ، «مختصَرُ إجابتِه عن طلبِ سببِ إكرامِ النَّصارى للصَّليب المُقدَّس، وغيرُ ذلك» في: ثلاث مقالاتٍ لاهوتيّة ليحيى بن عديّ (إضاءة على بعض القيم الأخلاقيّة في المسيحيّة)، تحقيق نادين عبّاس، المشرق، السّنة التّاسعة والثّمانون، الجزء الأوَّل، كانون الثّاني - حزيران، 2015، ص. 351-376.

- يحيى، التَّوحيد = يحيى بن عديّ، مقالة في التَّوحيد، تحقيق سمير خليل اليسوعيّ، سلسلة «التُّراث العربيّ المسيحيّ»، 2، جونية، المكتبة البولسيَّة، 1980.

- يحيى، جواب = «جواب الشَّيخ يحيى بن عديّ عن مسأَلةٍ جرت بين يديّ عليّ بن عيسى بن الجرَّاح في التَّثليث والتَّوحيد»، في:

Petits Traités apologétiques de Yaḥya ben ‘Adi, édité par Augustin Périer, Paris, 1920.

- يحيى، الكلام = يحيى بن عديّ، «الكلام في اثبات إمكان التّأنّس وإحالة امتناعه» في:

 Emilio Platti, «Yahya B. ‘Adi Philosophe et Théologien», in: MIDEO, vol. 14, 1980.

- Starr, Epistle = Peter Starr, The Epistle to Bišr b. Finḥās of Ibn Zurcah (m. A.H. 398 / A.D. 1008) Edition, Translation and Commentary, Cambridge, Emmanuel College, (Thesis submitted for the Degree of Doctor of Philosophy), 1999.

- Troupeau, Littérature arabe = Gérard Troupeau, «La Littérature arabe chrétienne du X au XII siècle», in: Etudes sur le christianisme arabe au Moyen Age, Great Britain, Variorum, 1995.


[1]   يحيى، الأقانيم الثَّلاثة، ص. 39.

[2]    ابن حزم، الفصل، ص. 96.

[3]   Troupeau, Littérature arabe, p 1.

[4]   تذهب الملكيَّة إلى أنَّ المسيح أقنومٌ واحدٌ إلهيّ، وطبيعتان: طبيعةٌ إلهيَّةٌ وطبيعةٌ بشريَّة، ومشيئتان، وفعلان.

[5]     تقول اليعقوبيَّة إنَّ المسيح أقنومٌ واحدٌ وطبيعةٌ واحدةٌ، مشيئةٌ واحدةٌ وفعلٌ واحد.

[6]   تعتقد النَّسطوريَّة أنَّ المسيح أقنومان: أُقنومٌ إلهيٌّ وأُقنومٌ بشريّ؛ وطبيعتان: طبيعةٌ إلهيَّة وطبيعةٌ بشريَّة، ومشيئةٌ واحدةٌ وفعلٌ واحدٌ إلهيّ.

[7]   أبو قرَّة، مجادلة، ص. 6-13.

[8]   طيموتاوس الأوَّل، المحاورة، ص. 13-21.

[9]   عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص. 60-62.

[10]  سورة مريم، آية 33.

[11]  سورة آل عمران، الآية 55.

[12]  ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، سورة النِّساء، الآية 157. راجع: طيموتاوس الأَوَّل، المحاورة، ص. 35-36.

[13]  مصري وعبّاس، الفلسفة والشَّريعة، ص. 365-399.

[14]  مصري وعبّاس، المصدر نفسه، ص. 366، 371-372.

[15]  مصري وعبّاس، المصدر نفسه، ص. 373-374.

[16]  للتّعرُّف إلى سيرته راجع: عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص. 51-63.

[17]  يحيى، جواب، ص. 63-65.

[18]    يحيى، المصدر نفسه، ص. 65-67.

[19]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 67-68.

[20]  عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص. 238-239.

[21]    عبّاس، المصدر نفسه، ص. 234.

[22]  عبّاس، المصدر نفسه، ص. 244-245.

[23]    عبّاس، المصدر نفسه، ص. 248، 251.

[24]  يحيى، الكلام: ص 179.

[25]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 179.

[26]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 179.

[27]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 179.

[28]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 179-180.

[29]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 180.

[30]   يحيى، الكلام: ص. 180-181.

[31]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 181.

[32]  مصري وعبّاس، الفلسفة والشَّريعة، ص. 367-368.

[33]  مصري وعبّاس، المصدر نفسه، ص. 368-369.

[34]  مصري وعبّاس، المصدر نفسه، ص. 369.

[35]  عيسى، رسالة، ص. 8.

[36]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 8، 13.

[37]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 13.

[38]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 8.

[39]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 13.

[40]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 12.

[41]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 13، 15.

[42]  عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص. 244.

[43]  الشَّهرستانيّ، الملل والنِّحل، ص. 81.

[44]  يحيى، التَّوحيد، ص. 247-250، 257-259.

[45]  يحيى، المصدر نفسه، ص. 260-262.

[46]  عيسى، رسالة، ص. 9.

[47]  عيسى، المصدر نفسه، ص. 10.

[48]  متَّى 7/6.

[49]  عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص. 234.

[50] Starr, Epistle, p. 203.

[51]  سفر التَّكوين 1/27.

[52] Starr, op.cit, p. 203-205.

[53] Starr, op.cit, p. 207- 209.

[54]  سفر المزامير 2/7.

[55] Starr, op.cit, p. 211- 213.

[56] Starr, op.cit, p .213.

[57]  يحيى، إكرام النَّصارى للصَّليب، ص. 375.


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق