لا يجوز التعايش مع مشاكل القطاع التّربويّ لتتفاقم وتتجذّر (الصّورة من موقع العربيّ الجديد)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدّكتورة ندى عويجان

بين الجهل والتّجاهل: مشاكل القطاع التّربويّ ٳلى تفاقم

لم يكن القطاع التّربويّ في لبنان بمنأى عن التّجاذبات الّتي سبّبها الانهيار المتواصل للمرتكزات الأساسيّة في بناء الدّولة واستدامتها، والٳفلاس الرّؤيويّ والبشريّ والمادّيّ. انعكس ذلك تراجعًا على السّاحة التّربويّة، الٳقليّميّة والعالميّة، وتشرذمًا وضياعًا وركودًا وإفلاسًا تربويًّا مترافقًا مع ارتفاع كلفة التّعليم والتّهجير القسريّ، وتفاقم الفاقد التّعليميّ والتّسرّب المدرسيّ والجنوح الاجتماعيّ، من دون إغفال الهروب والانهيار النّفسيّ والشّكِّ بالقدرات وتفشّي الجهل، وغير ذلك.

لماذا الاهتمام بموضوع التّربية؟

لأنّ لذلك مردودًا كبيرًا على مستوى الفرد والعائلة، والقطاعات جميعها، ولا سيّما الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسّياسيّ منها ، وعلى مستوى الحوكمة العامّة والشّاملة، وعلى مستوى مستقبل الأمّة. إذ إنّ تطوير المنظومة التّربويّة يثبّت البناء الاجتماعيّ القائم، ويعزّز الرّأسمال البشريّ لضخّه في جميع قطاعات ومحاور الدّولة، ممّا يسهم بإدخال لبنان في عصر اقتصاد المعرفة على المستوى المحلّي والإقليميّ والعالميّ.

سنعالج في هذا البحث مشاكل القطاع التّربويّ وانعكاساتها، على أن نستعرض في البحث المقبل الحلول الممكنة.

أوّلًا في المشاكل:

لم تكن أزمة كورونا السّبب الوحيد لتراجع المستوى التّعليميّ ما قبل الجامعيّ في لبنان، ولكنّ تداعيات كورونا وضعت مشاكل القطاع التّربويّ تحت المجهر. تنقسم هذه المشاكل بين التّراكميّة، منذ مناهج 1997 وحتّى نهاية العام 2011، وبين الأخيرة (2011-2022) الّتي ظهرت مع النّزوح السّوريّ ٳلى لبنان (2011)، مرورًا بالحراك الشّعبيّ وٳقفال المدارس (2019)، وصولًا ٳلى أزمة كورونا والتّعلّم من بعد (2020)، وختامًا ٳلى المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والماليّة والتّربويّة والسّياسيّة الأخيرة. مشاكل وتداعيات ما زالت مستمرّة بمعظمها حتّى اليوم.

من هنا، نستطيع تقسيم مشاكل القطاع التّربويّ ستّة محاور أساسيّة: مشاكل بنيويّة وجوهريّة، مشاكل على مستوى الحوكمة وٳدارة التّغيير، مشاكل في التّمويل، مشاكل في الٳنتاجيّة التّربويّة، مشاكل في الانطباع العامّ للدّيناميكيّة والجودة التّربويّة، ومشاكل ناتجة من الأزمة السّوريّة وتداعياتها على القطاع التّربويّ في لبنان.

1 - تعلّق المشاكل البنيويّة والجوهريّة ببعض عناصر المنظومة التّربويّة وآليّة عملها وبخاصّة المرتبطة منها بـ:

‌أ. غياب سياسة الدّولة العامّة وغياب السّعي إلى التّطوير الشّامل، وربط سياسات الأنظمة المختلفة في داخل المجتمع الواحد بعضها ببعض.

‌ب. غياب الرّؤية والتّخطيط التّربويّ المستدام، المبنيّ على البحوث والدّراسات العلميّة التّربويّة، حيث من المفترض أن يعمل النّظام التّربويّ المتجدّد على خدمة بقيّة الأنظمة، خصوصًا مواكبة التّطوّر الاجتماعيّ وحاجات سوق العمل الدّيناميكيّة والمتجدّدة.

‌ج. اليد التّنفيذيّة وهي الواجهة الأولى للخدمات التّربويّة، أي المؤسّسات والإدارات والمدارس والمراكز التّربويّة وغيرها. فهي بمجملها رهينة للمركزيّة التّربويّة والبيروقراطيّة والتّسلسل الإداريّ وسلطويّة الوزير من ناحية، والتّجاذبات السّياسيّة من ناحية أخرى. الوضع الّذي يؤثّر على مرونة ممارساتها وظائفها وأدوارها وصلاحيّاتها القانونيّة وآليّة عملها في الدّاخل، وفيما بينها، ومع الخارج. ويؤثّر أيضًا على الحدّ من المبادرات الفرديّة، وكلّ أنواع الإبداع والتّجدّد والتّميّز ومواكبة الحاجات الحقيقيّة على أرض الواقع.

‌د. القوانين والأنظمة الّتي بعضُها جيّد، وبعضُها قديم لم يتجدّد، ولم يواكب التّطوّر الحاصل، وبعضها الآخر وُضع على قياس بعض المشاريع والبرامج المستوردة أو المحليّة، أو للمصلحة الشّخصيّة أو الحزبيّة أو الطّائفيّة أو حتّى المناطقيّة، فيما البعض الآخر ليس إلّا إنجازات استعراضيّة (show off) وتسابق على مبادرات تشريعيّة بين النّواب والوزراء.

‌ه. المناهج التّربويّة، الّتي تُعتبر من أهمّ العناصر البنيويّة، لم تعد تلبّي، بعد أكثر من 25 عامًا (ربع قرن) على مناهج 97، حاجات الفرد والمجتمع وسوق العمل، إن من حيث الفلسفة أو الشّكل أو المحتوى. إضافة إلى أنّ هذه المناهج المتعثّرة لم تتمكّن أصلًا من تأدية وظيفتها بشكل كامل، بخاصّة تحقيق الكفايات الحياتيّة والتّعليميّة المعاصرة (في وقتها)، والوصول ٳلى الأبعاد المختلفة، والرّبط بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتعزيز الوحدة الوطنيّة والانصهار الوطنيّ. وقد بُترت خطّتها وشُوّهت قبل أن تبصر النّور، بدءًا من اللّغط بين مناهج مبنيّة على الأهداف، ومناهج مبنيّة على الكفاءات، ٳلى تقليص العام الدّراسيّ من 32 ٳلى حوالى 25 أسبوعًا تعليميًّا فعليًّا، ٳلى ٳيقاف العمل بالموادّ الإجرائيّة (تكنولوجيا، معلوماتيّة، فنون، رياضة)، وعدم إلزاميّة تعليمها لغياب مستلزماتها، ٳلى إهمال تطوير المناهج وموادّها ومقارباتها التّعليميّة كلَّ هذه السّنوات، ٳلى عدم استكمال محاور خطّة النّهوض (1994)، خصوصًا المتعلّقة بالٳدارة التّربويّة وبرنامج الدّعم، والصّعوبات التّعلميّة، والأندية المدرسيّة، والنّشاطات اللّاصفيّة، وغيرها الكثير، والّتي كانت ستسهم مجتمِعةً ببناء شخصيّة المتعلّم على أسس أخلاقيّة وقيميّة وتحقيق الكفاءات المرجوّة.

‌و. تبيُّن أنَّ هذه المناهج وأدواتها لم تعد قادرة على مواكبة التّعلّم من بعد في ظلّ جائحة كورونا، فلم تتمّ أقلمتها مع المتطلّبات الجديدة أو بناء أيّ برنامج يمكن أن يحدّ من الضّرر القائم. وجاء أيضًا التّقليص الفاضح والمتكرّر الّذي أوقف العمل بمعظم محتواها ٳلى ما يقارب النّصف في بعض الموادّ، فشوّه فلسفتها المرتكزة على تكامل بعض المواضيع بين بعض الموادّ في الصّفّ الواحد، وعلى المقاربة البنائيّة الّتي تعتمد على بناء المعرفة بين الصّفوف والمراحل التّعليميّة. كما أنّ مناهج الـ97 لم تتضمّن أيّ برنامج أكاديميّ أو دعم نفسيّ-اجتماعيّ للتّعلّم في وقت الأزمات للّجوء إليه في أزمة كورونا، وما تمّ إنتاجه في هذا الإطار جاء متأخّرًا ومجتزءًا. وقد كشفت الأزمات الأخيرة، من ناحية أخرى وبطريقة ساطعة، افتقاد هذه المناهج ٳلى التّعليم والتّعلّم الإلكترونيّ وٳلى الجهوزيّة في تأمين مستلزماته ومقوّماته الأساسيّة التّربويّة واللّوجستيّة والماديّة، خصوصًا المنصّة الإلكترونيّة الرّسميّة الآمنة، والموارد التّربويّة الرّقميّة لجميع الموادّ والصّفوف، والتّدريب والمتابعة الشّاملة للمعلّمين وجميع العاملين في القطاع، الوضع الّذي أظهر الثّغرات والإخفاقات القائمة، وأدّى إلى تفاوت كبير في عمليّة التّعليم والتّعلّم بين مختلف المدارس، وانعكس سلبًا على مخرجات التّعلّم.

‌ز. التّفاوت في التّجهيزات والأبنية والممتلكات والأصول الملموسة وغير الملموسة، حيث تعمل هذه المؤسّسات والإدارات والمدارس والمراكز، فيها ومعها، وهي بطبيعة الحال لم تعد تتناسب، بحسب حداثتها وهندستها وحجمها وتوزّعها الجغرافيّ، مع طبيعة العمل المطلوب ومع الإنتاجيّة والخدمات الموجبة، وتلبية حاجات المجتمع المحيط.

2 - المشاكل المتعلّقة بالحوكمة وٳدارة التّغيير تتمحور على:

‌أ. كيفيّة فهم الحوكمة وإدارة التّغيير من النّاحية النّظريّة، وكيفيّة تطبيقهما، والاستفادة من فاعليّتهما في المؤسّسات والإدارات الرّسميّة والخاصّة، من أجل أداء مؤسّساتيّ راقٍ، ومنافسة إيجابيّة على التّطوّر والتّقدّم.

إنّ الحوكمة هي مجموعة من الرّؤى والسّياسات التّنمويّة والأهداف والخطط واتّخاذ القرارات، ضمن أجواء من النّزاهة والمشاركة والعدالة والمساواة وحفظ الحقوق، ترتكز على الإدارة الرّشيدة المتّصفة بالحكمة والموضوعيّة والشّفافيّة والمصداقيّة والمحاسبة؛ الحكمة والموضوعيّة في الملاحظة والتّشخيص والتّحليل وعرض الخيارات واتّخاذ القرارات؛ والشّفافيّة والمصارحة في التّنفيذ والتّوجيه والتّحفيز؛ والمصداقيّة في التّعاطي؛ والمحاسبة عند عدم احترام الأنظمة والقوانين أو التّلكّؤ في تطبيقها، ومتابعة المخالفين ومساءلتهم؛ وتفعيل دور أجهزة الرّقابة الرّسميّة، وتسهيل مهمّتها لبسط سلطتها في الأماكن العامّة والخاصّة.

أمّا إدارة التّغيير فتعتمد على الإدارة الاستراتيجيّة الحديثة المرتكزة على البحث العلميّ في اتّخاذ القرارات، وعلى الحوكمة الرّشيدة والقيادة الإبداعية الّتي تعيد تقييم الممارسات والإجراءات وتدرسُها وتحلّلها وتصوّبها.

‌ب. في هذا الإطار، تتّعلّق مشاكل القطاع التّربويّ، بشكل خاصّ، بالعنصر البشريّ الّذي يدير الحوكمة والتّغيير، ولا سيّما فيما يخصّ التّوظيف السّياسيّ والانتخابيّ والمناطقيّ والطّائفيّ. إذ يوجد عند أصحاب القرار والعاملين الثّابتين في مختلف الفئات الوظيفيّة وأصحاب العقود المؤقّتة والمستعان بهم وغيرهم في الإدارة التّربويّة والمدرسيّة وفي التّعليم مَن لا يتمتّعون بالمواصفات والكفاءات المطلوبة للموقع الوظيفيّ، إنْ لجهة الإعداد الأساسيّ والتّدريب والتّطوير المهنيّ المستمرّ، أو لجهة المهارات الحياتيّة والمهنيّة والأخلاقيّة والقيميّة اللّازمة، أو الاستنسابيّة في التّعاطي، أو شعور الانتماء إلى المؤسّسة والعمل على إنجاحها، أو لجهة آليّات المواجهة والدّفاع بوجه الإغراءات على أنواعها.

‌ج. غياب المحفّزات الماديّة والمعنويّة الّتي تعيق، عند بعض العاملين في القطاع التّربوي، الالتزام والمشاركة الفاعلة والمستدامة.

‌د. ضآلة أو ندرة الموارد الأساسيّة على أنواعها، الّتي تؤخّر التّغيير المنتظر.

‌ه. العجز عن بناء الشّراكة الحقيقيّة بين الإدارة والعاملين في المؤسّسات والإدارات وبين المستفيدين من الخدمات والمنتجات التّربويّة، والمساهمين والشّركاء وأصحاب المصالح وغيرهم.

‌و. أخيرًا، الجهل أو التّجاهل في ترشيد القروض التّربويّة، بحسب الحاجة والأولويّات.


3 - المشاكل المتعلّقة بالتّمويل تتمحور على:

‌أ. شبه غياب في الموازنة العامّة لمساهمة الدّولة في المشاريع التّربويّة، سببُه جهل أو تجاهل أهمّيّة الاستثمار في القطاع التّربوي، وتأثير هذا الاستثمار على جميع ميادين الحياة في المجتمع.

‌ب. الاتّكال على أموال الهبات والقروض وتمرير سياسة "الّذي يعطي يأمر"، خصوصًا بغياب رؤية تطويريّة حديثة، وقدرة أو إرادة فعليّة على فرض الإرادة الوطنيّة، وتحديد الأولويّات التّربويّة من منظورٍ موضوعيّ واستراتيجيّ.

4 - الإنتاجيّة التّربويّة في صلب مشاكل القطاع التّربويّ:

‌أ. إنّ المقصود بالإنتاجيّة التّربويّة مجموع الخدمات والإنتاجات والنّواتج التّربويّة على أنواعها، وهي الكمّيّة والنّوعيّة في خلال فترة زمنيّة محدّدة. يقدّم القطاع التّربويّ، ما قبل الجامعيّ، خدمات تربويّة تتعلّق بتعليم التّلامذة وتدريب المدراء والمعلّمين وجميع العاملين في القطاع التّربوي. بالإضافة ٳلى بعض الخدمات الفنيّة والإدارية واللّوجستيّة والتّقنيّة لدعم التّعليم والتّدريب. ولكن هذه الخدمات لم تحقّق العدالة والمساواة والإنصاف والإتاحة لجميع التّلامذة والمعلّمين والإدارات التّربويّة، ولم تحقق أيضًا الأهداف الأكاديميّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والوطنيّة المرجوّة، رغم كلفة التّعليم الباهظة، سيّما في القطاع الرّسميّ.

‌ب. في الإنتاجات التّربويّة. إنّ الكتاب المدرسيّ الوطنيّ لم يتجدّد منذ تاريخ صدوره، إنْ لناحية الشّكل أو المضمون أو المقاربة. في حين أنّ معظم الدّراسات والأبحاث والكتب والموارد التّربويّة الورقيّة والإكترونيّة عشوائيّة مبعثرة، لا تعكس منهجيّة علميّة واستراتيجيّة موجّهة واضحة. أضف ٳلى ذلك أنّ بعضها لا يتّصف بالأصالة والرّصانة.

‌ج. في النّواتج التّربويّة. وتشمل النّتائج المدرسيّة ونتائج الامتحانات الرّسميّة والاختبارات الدّوليّة (Pisa, Timss, Egra, DNE, etc.)، فهي تدلّ في الشّكل على تفاوت كبير بين التّلامذة في داخل لبنان، وعلى تراجع عامّ في المستوى التّعليميّ مقارنة بخارج لبنان، وهي لا تعبّر بالتّالي عن الآمال المرجوّة. أمّا في المضمون، فهي ضبابيّة، ٳلى حدٍّ ما، لا تعكس كثيرًا واقع المهارات المكتسبة أو القدرات الحقيقيّة للتّلامذة بحسب اختلافاتهم وكفاءاتهم المتعدّدة، أو حتّى درجة تحقيق الأهداف التّعلّميّة. وٳنّ ما خلّفته الأزمات الأخيرة والقرارات العشوائيّة في هذا المجال خصوصًا المتعلّقة بالامتحانات الرّسميّة لم تراع فلسفة مناهج الـ97، وأدخلت بدعة الموادّ الإلزاميّة والموادّ الاختياريّة، وتزامنت مع تقليص جوهريّ للمناهج على سنتين متتاليتين، وتوقيفٍ متقطّع قسريّ للمدارس على ثلاث سنوات. فكانت النّتيجة، امتحانات شكليّة تمتحن التّلميذ بحوالى ربع المنهج، وتُبقي على الكلفة الباهظة والتّنفيعات الحزبيّة والشّخصيّة. إنّ كلّ ذلك يشير ٳلى تشرذم وتفاوت وتناقض مزمن في منظومة تربويّة مهترئة، رسّخت الفاقد التّعليميّ، وأنتجت فقرًا تعليميًّا غيرَ محدّد نوعه أو نسبته.

 

5 - تعلّق مشاكل القطاع التّربويّ في الانطباع العامّ للدّيناميكيّة والجّودة التّربويّة:

‌أ. نتكلّم هنا على الصّورة والانطباع اللّذين يتكوّنان في المجتمع، وعمّا يبقى في أذهان النّاس من تدنٍّ للدّيناميكيّة والإنتاجيّة التّربويّة، ومن جودة وعدالة وإتاحة في التّعليم والتّعلّم، ومن تشرذم وضياع وسوء إدارة في القطاع التّربويّ والمؤسّسات والإدارات العاملة فيه. وأيضا نتكلّم على كميّة ونوعيّة النّجاحات من جهة، والإخفاقات وتداعياتها على جميع الأصعدة من ناحية أخرى.

‌ب. اتّصال مشاكل القطاع التّربويّ، وفي ظلّ الظّروف الرّاهنة كبقيّة القطاعات، بالانطباع العامّ بشأن غياب القرار الحرّ والشّفافيّة والمصداقيّة والحوكمة الرّشيدة، وبالتّالي الشّكّ الدّائم في نيّة وٳمكانيّة المسؤولين التّربوييّن قيادة عمليّة تغيير حقيقيّة.

6 - الأزمة السّورية وتداعياتها على القطاع التّربويّ في لبنان:

‌أ. مع بداية الحرب السّورية في آذار 2011، بدأ النّزوح السّوريّ ٳلى لبنان. ومن ثمّ تتالت الأعداد في السّنوات اللّاحقة. وفي إطار مواجهة الأزمة، استنفرت وزارة التّربية والتّعليم العالي لاستقبال التّلامذة السّوريّين. ولم يكن القطاع التّربويّ آنذاك بأحسن حال، ولم يكن على استعداد لاستيعاب هذه الأعداد الهائلة، وتأمين المقاعد الدّراسيّة لهؤلاء التّلامذة. بل كان القطاع التّربويّ في تلك الحقبة يعاني من جميع المشاكل الّتي ذكرناها سابقًا والمتعلّقة بالتّشريعات والمناهج التّربويّة والمباني المدرسيّة والتّجهيزات الصّفيّة، وكان يعاني أيضًا من التّفاوت بين المدارس والمعلّمين ومن إمكانيّة تطبيق الجودة والعدالة والمساواة وغيرها. فتحت بعض المدارس الرّسميّة أبوبها لدوام ثانٍ بعد الظّهر مخصّصٍ للتّلامذة السّورييّن، واستقبلت مدارس رسميّة أخرى عددًا لا بأس فيه من التّلامذة السّورييّن في دوام قبل الظّهر. أنشئت وحدةُ إدارة ومتابعة تنفيذ برنامج التّعليم الشّامل (PMU) في العام 2015، واهتمّت بتطبيق ومتابعة خطّة الاستجابة الّتي وضعتها وزارة التّربية والتّعليم العالي في 2014، تحت عنوان "استراتيجيّة توفير التّعليم لجميع الأطفال في لبنان Reaching all Children with Education" (RACE). وقد اهتمّت هذه الاستراتيجيّة بتأمين مقاعد دراسيّة للتّلامذة السّوريّين لتعليمهم في المدارس النّظاميّة وغير النّظاميّة وفي المراكز المتخصّصة، بالإضافة ٳلى مجموعة برامجِ تعليم نظاميّ وغير نظاميّ كالبرنامج المكثّف للمناهج اللّبنانيّة (ALP)، وبرامج دعم للتّلامذة، وأخرى للطّفولة المبكّرة، وغيرها من البرامج المتخصّصة في مجالات متعدّدة. كما اهتمّت بتدريب عدد كبير من المعلّمين الجدد والقدامى، وإنتاج الكثير من الموارد التّربويّة. في العام 2021، وصل عدد التّلامذة في المدارس الرّسميّة فقط ٳلى نحو 148.000 تلميذ سوريّ في مدارس بعد الظّهر، وما لا يقلّ عن 38.000 تلميذ سوريّ في دوام قبل الظّهر، ونحو 10.00 تلميذ من جنسيّات أخرى، هذا بالإضافة ٳلى ما يقارب الـ 336.000 تلميذ لبنانيّ.

‌ب. منذ بدء الأزمة والنّزوح السّوريّ ٳلى لبنان (في أواخر 2011) وحتّى العام الدّراسيّ 2019-2020 (حوالى 8 سنوات)، كانت الدّول المانحة والمنظّمات الدّوليّة تموّل كلّ الأمور الّتي تتعلّق بوصول تلامذة دوام بعد الظّهر ٳلى المقعد الدّراسي، مع تمويل رمزيّ متقطّع لدعم التّلامذة الآخرين في المدارس الرّسميّة. وكانت الحكومة اللّبنانيّة ممثّلة بوزارة التّربية والمركز التّربويّ، تؤمّن الجهوزيّة البشريّة واللّوجستيّة والماديّة، بالرّغم من قلّة اليد العاملة في تلك الإدارات والمؤسّسات بشكل عامّ، وندرة الكفاءة في بعضها بشكل خاصّ. ولكن، مع الوقت ومع ازدياد سعر صرف الدّولار الأميركيّ منذ العام 2020 تقلّص التّمويل، وبدأ الاتّكال على القطاع التّربويّ اللّبنانيّ يتزايد.

‌ج. صحيح أنّ بعض المشاريع المموّلة من الجّهات المانحة والمنظّمات الدّوليّة لدعم تعليم التّلامذة السّوريّين في لبنان، تُدفع للعاملين في المشاريع بالعملة الأجنبيّة أو ما يوازيها بالعملة المحليّة، ولكنّ معاشات ومستحقّات العاملين في القطاع التّربويّ، وخصوصًا لمصلحة المدارس الرّسميّة في الدّوام الصّباحيّ الاعتياديّ وكلّ ما يتعلّق بها من إدارة وتعليم وتدريب ومتابعة وغيرها، فتدفع من موازنة الدّولة باللّيرة اللّبنانيّة على معدّل سلسلة الرّتب والرّواتب. الأمر الّذي جعل العديد من المدراء والمعلّمين والمدرّبين والمرشدين، وفي ظلّ الوضع الاقتصاديّ الضّيّق، يتهافتون على العمل بالمشاريع المموّلة من الخارج والّتي تخدم خطّة Race، على حساب التّطوير التّربويّ الدّاخليّ. وكأنّه لا يكفي هذا القطاع مشاكله المتعدّدة، لتتصدّر مشاكل المصالح الخارجيّة الخاصّة على حساب المصلحة الدّاخليّة العامّة، وتتفاقم مشاكل التّمويل وٳيجاد المقاعد الدّراسيّة ومستلزماتها والاختراق الوظيفيّ وغيرها.

لم تأت هذه المشاكل الّتي ذكرناها في المحاور السّتّة صدفةً، ولم تظهر فجأة، ولكنّها جاءت نتيجة تراكم سنوات عديدة على مرِّ حكومات متعاقبة، أُهمل خلالها القطاع التّربويّ، وجُمّد الاستثمار والتّمويل الوطنيّ فيه، واستبيح من المنظّمات والجمعيّات على أنواعها حتّى أصبح حقل تجارب للجميع. الأمر الّذي أدّى ٳلى تداعيات على مستوى الفرد والقطاع التّربويّ والقطاعات الأخرى والوطن.

ثانيًا في التّداعيات:

يُعتبر القطاع التّربويّ الحجرَ الأساس لبناء الدّولة. وبعد أن كان مصدر الاعتزاز الوطنيّ، نواجه اليوم معضلات تربويّة عديدة أظهرتها الأحداث الأخيرة، بدءًا من الحراك المدنيّ في تشرين الثّاني 2019 مرورًا بجائحة كورونا في شباط 2020، وصولًا ٳلى كلّ أنواع الأزمات المعاصرة حتّى 2022 واتّساع دائرة الفقر. لقد أضاءت هذه الأزمات على هشاشة القطاع التّربويّ بسبب الٳهمال المتراكم له في مجالَي الإصلاح والتّمويل، وغياب الحوكمة الرّشيدة والرّؤية والتّخطيط والبحوث التّربويّة، وعدم صلاحيّة بعض الأنظمة والقوانين، وقِدم الأبنية والتّجهيزات، واهتراء المناهج التّربويّة وبرامجها وأدواتها ومقارباتها وطرائق التّعليم والتّقويم فيها، وضعف العنصر البشريّ الكفؤ في مواقع القرار وفي المواقع الوظيفيّة الأخرى. كما بيّنت هذه الأزمات غياب التّحفيز والمتابعة والمحاسبة، وتغييب المصلحة العامّة والإرادة الوطنيّة في القرار التّربويّ، وعدم فعاليّة الخدمات التّربويّة ٳلى حدٍّ كبير، وركاكة الٳنتاجات والنّواتج التّربويّة على أنواعها، وتدنّي ديناميكيّة وجودة ومصداقيّة القطاع التّربويّ والمؤسّسات والإدارات التّابعة له.

ولكلّ ذلك تداعيات كثيرة، على المدى القريب والمتوسّط والبعيد، يمكن أن تتفاقم إذا لم تتّخذ الإجراءات السّريعة والمناسبة للحدّ من الضّرر القائم.

أ  - من أهمّ التّداعيات على المستوى القريب على مستوى الفرد والمجموعة والقطاع، نذكر:

- تدنّي مستوى الشّهادة الرّسميّة،

- تراجع مستوى التّعليم على الصّعيدين الإقليميّ والعالميّ،

- تدنّي النّتائج المدرسيّة والمستوى التّعليميّ، وتعميق الفاقد التّعليميّ على حساب المكتسبات المجهولة،

- تزايد ظاهرة التّسرّب المدرسيّ، والمشاكل الاجتماعيّة ونسبة الجريمة،

- تفشّي الجهل والفساد والخنوع والعبوديّة،

- تأثير سلبيّ على الصّحّة النّفسيّة والجسديّة، والابتعاد عن القيم الوطنيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والبيئيّة وغيرها، على حساب قيم غامضة غير معروفة،

- فقدان القابليّة للتّعلّم،

- فقدان القابليّة للتّعليم،

- ٳنهاك وتشتّت المعلّمين حتّى الهجرة،

- تفاوت في مؤشّرات الجودة في التّعليم والإدارة،

- استنفاذ ٳمكانيّات المدارس حتّى الٳقفال التّام لبعضها،

- تفاوت كبير في عمليّة التّعليم والتّعلّم، بين المدارس والمعلّمين والتّلامذة،

- تفاوت في الٳنصاف والمساواة والٳتاحة بين الجميع،

- تخبّط تربويّ واستقالة ضمنيّة من المسؤوليّات، وترك الأمر للمبادرات الفرديّة،

- فقدان الثّقة بما يقال، وبصوابيّة الحلول المقترحة، بسبب الضّياع والضّبابيّة الكاملة،

- الشّرخ بين مخرجات التّعلّم وحاجات سوق العمل المتجدّدة، بغياب خطّة جامعة وشاملة،

- مبادرات محدودة مشرذمة ناقصة وغير فعّالة في جوٍّ من الانهيار الشّامل والإفلاس التّربويّ،

- غياب في ترشيد القروض التّربويّة،

- تفضيل المصلحة الشّخصيّة على المصلحة العامّة،

- استنسابيّة في تحسين الأبنية والتّجهيزات المدرسيّة، والمحاسبة،

- مخالفة الأنظمة والقوانين.

ب - أهمّ التّداعيات على المستويين المتوسّط والبعيد، تتمحور على:

- ضعف كفاءة الرّأسمال البشريّ، وهجرة الكفاءات،

- انهيار البناء الاجتماعيّ،

- اجتياح ثقافيّ مدمّر،

- تراجع ما تبقى من قدرة تنافسيّة للسّلع والخدمات، على أنواعها، التّعليمية والصّحّية والاقتصاديّة والخدماتيّة وغيرها،

- ركود إقتصاديّ،

- انهيار شامل وكامل في جميع الميادين،

- تفاقم للفلتان الأمنيّ،

- اجتياح اقتصاديّ وسياسيّ مهلك،

- نهب ما تبقّى من الدّولة،

- انتداب شامل ومبطّن، وغيرها الكثير.

إنّ التّعليم هو مستقبل المجتمع، يفتح الآفاق لبناء الدّولة على أسس متينة. وهو يهدف بشكل عامّ ٳلى إنماء التّلامذة إنماءً شاملًا ومتكاملًا ومتوازنًا، وبناء المواطنيّة التّشاركية الفاعلة، ليكونوا مواطنين فاعلين ومتفاعلين مع بيئتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة، ومنفتحين على العالم. ويطمح ٳلى تطوير وتحسين وترقية المجتمع في جميع الميادين.

لذلك لا يجوز التّعايش مع المشاكل الّتي ذكرناها، لتتفاقم وتتجذّر في القطاع التّربويّ، وتمتدّ أكثر على القطاعات الأخرى. ولا يجوز أن تبقى السّاحة التّربويّة حقل تجارب مباحًا لمن يريد. ولا بدّ من الاستفادة من الإمكانيّات والموارد والحلول المتاحة، بدءًا من تحديث السّياسة التّربويّة والتّخطيط التّربويّ، مرورًا بإصلاح النّظام التّربويّ والمنظومات التّربويّة التّابعة له، وبخاصّة تحديث المناهج التّربويّة وإعادة النّظر بدور المدرسة. ولا بدّ أيضا من ابتكار الحلول الممكنة قدر الإمكان والسّعي ٳلى تأمين مستلزماتها بجميع الطّرق المشروعة... وهو ما سنعالجه في البحث المقبل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدّكتورة ندى عويجان: باحثة في مجالَي الاجتماع والتّربية، أستاذة محاضرة في الجامعة اللّبنانيّة - كلّيّة التّربية منذ العام 2004. الرّئيسة السّابقة للمركز التّربوي للبحوث والإنماء. حائزة دكتوراه دولة مشتركة في العلوم الاجتماعيّة من الجامعة اللّبنانيّة ومن جامعة السّوربون - باريس5. شاركت في تأليف كتب مدرسيّة عدّة، وأخرى في مجال منهجيّة البحث العلميّ، وتقييم مناهج 1997.

[email protected]

    

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق