برج ساعة التّلّ أو السّاعة العثمانيّة في مدينة طرابلس.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدّكتورة غريس الياس

الدّور السّياسيّ التّركيّ في لبنان

كان العثمانيّون في مطلع القرن السّادس عشر (في  العام 1516) يسيطرون على جميع الأراضي اللّبنانيّة، حيث استمرّ حكمهم مدّة أربعمئة سنة، وضعوا خلالها الأنظمة العسكريّة والأمنيّة والإداريّة والاجتماعيّة، غير أنّ السّكّان عانوا كثيرًا خلال هذه الحقبة من الحكم العثمانيّ[1].

بعد الحرب العالميّة الأولى وُضع لبنان تحت سلطة الانتداب الفرنسيّ إلى أن نال استقلاله في العام 1943. فيما تأسّست الجمهوريّة التّركيّة في العام 1924، وانكفأت إلى ترتيب بيتها الدّاخليّ، متوجّهةً بسياستها الخارجيّة نحو الغرب، من دون التّركيز على منطقة الشّرق الأوسط، وعليه تراجَع نفوذها في المنطقة. لقد انتهج مصطفى كمال أتاتورك (مؤسّس تركيا الحديثة) سياسةً خارجيّةً انعزاليّةً عبّر عنها الشّعار الشّهير "السّلام في الدّاخل والسّلام في العالم"، وظلّت معتمَدة إلى العام 2002، حيث اجتهدت الحكومة التّركيّة لإعادة تعريف مبادئ السّياسة الخارجيّة، واتّباع استراتيجيّة الانفتاح على العالم، فتغيّرت استراتيجيّتها تجاه الشّرق الأوسط ومن ضمنه لبنان.

عمومًا، تُشكّل منطقة الشّرق الأوسط أهميّةً كبرى لتركيا، فالدّكتور أحمد داود أوغلو (وزير خارجيّة تركيا السّابق ومهندس السّياسة الخارجيّة التّركيّة الحديثة)، وفي كتابه "العمق الاستراتيجيّ - موقع تركيا ودورها في السّاحة الدّوليّة"، يعتبر أنّ الشّرق الأوسط يشكّل "العمود الفقريّ" الّذي يجب أن تستند إليه سياسة النّهوض التّركيّ. وفي نظر أوغلو، إذا لم تنجح تركيا في أن تكون مركز استقطابٍ إقليميٍّ في الشّرق الأوسط، فهي ستنقطع عن فضاءٍ أرحب آسيويٍّ ومتوسّطي، وبالتّالي عالميّ.[2]

من هنا، فقد عمدت القيادة التّركيّة إلى إبراز الماضي العثمانيّ من أجل المطالبة بوضعٍ أفضل على السّاحة الدّوليّة. إذ تشكّل "العثمانيّة" أداة لبناء القوّة الإقليميّة في الشّرق الأوسط، في حين أنّ التّماهي مع هويّتها الإسلاميّة وماضيها العثمانيّ، واستحضار الرّوابط التّاريخيّة مع المنطقة، يفتح الآفاق أمام تركيا لكي تعيد وصل ما انقطع مع الجوار وتشرعن "عودتها" إلى العالم العربيّ  والإسلاميّ.[3] 

لذلك، تولي تركيا - كغيرها من اللّاعبين الإقليميّين والدّوليّين - أهميّةً للملفّ اللّبنانيّ لأسبابٍ تاريخيّة، ودينيّة، وجغرافيّة. فهي تريد أن تتواجد في هذه البقعة الاستراتيجيّة بثقلها السّياسيّ والاقتصاديّ.[4] ويعبّر كلام الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان عن "الأخوّة الأبديّة والأزليّة مع الشّعب اللّبنانيّ"،[5] عن مدى الاهتمام بلبنان.

وكانت العلاقات الثّنائيّة بين تركيا ولبنان قد اكتسبت زخمًا بعد انتهاء الحرب في لبنان، بخاصّة بعد الزّيارة الرّسميّة الّتي قام بها رئيس الوزراء اللّبنانيّ الرّاحل رفيق الحريري إلى تركيا في العام 2004. وفي خلال السّنوات الّتي أعقبت تلك الزّيارة، تحسّنت العلاقات الثّنائيّة في مختلف المجالات.[6]

وفي ظلّ الانكفاء العربيّ عن السّاحة اللّبنانيّة عمومًا والسّنّيّة خصوصًا، ما جعل السُّنّة اللّبنانيّين
يتطلّعون إلى دورٍ تركيٍّ من أجل التّوازن مع الدّور الإيرانيّ المتقدّم في لبنان،[7] وبخاصّةٍ بعد تراجع دور المملكة العربيّة السّعوديّة الّتي كانت الرّاعي الأساسيّ لسنّة لبنان، وانكفائها إلى حدٍّ كبيرٍ (2021)[8] وتركيزها على ترتيب بيتها الدّاخليّ وانشغالها بجبهاتٍ أخرى[9]، إلّا أنّ هناك شريحةً واسعةً من اللّبنانيّين تتخوّف من أيّ دورٍ تركيٍّ مستقبليٍّ في لبنان، وبخاصّةٍ الأرمن والمسيحيّين، بسبب ما عانوه في أثناء الحكم العثمانيّ. إذ إنّ الإبادة الأرمنيّة ومجاعة جبل لبنان لا زالتا في وجدان الكثيرين منهم.

من هنا، تكمن أهميّة دراسة الدّور السّياسيّ التّركيّ في لبنان حديثًا، وبخاصّةٍ أنّ الأخير يشكّل آخر معقلٍ للتّعدّديّة في هذه المنطقة المشتعلة بالصّراعات الدّاخليّة وبين القوى الإقليميّة والعالميّة. وبسبب أزماته السّياسيّة المتتالية، وموقعه الجغرافيّ في ظلّ محيطٍ ملتهب، يشكّل لبنان ساحةً للصّراعات الإقليميّة على أرضه، وكون بعض الجماعات اللّبنانيّة قد عانت كثيرًا في الحقبة العثمانيّة، فإنّ أيّ تمدّدٍ للنّفوذ التّركيّ سوف ينعكس على مكوِّنات المجتمع اللّبنانيّ التّعدُّدي الطّوائفيّ. فالطّوائف هي الفاعل الأَساس في الواقع السّياسيّ اللّبنانيّ.[10]

وفيما تكثر التّحليلات عن الدّور التّركيّ في لبنان مع غياب المعلومات الدّقيقة عن أهدافها ومصالحها، تُطرح التّساؤلات الآتية: هل تسعى تركيا إلى التّوسّع في لبنان وتحقيق مكاسب اقتصاديّةٍ واجتماعيّة؟ أم تسعى إلى ملء الفراغ السّياسيّ على السّاحة السُّنيّة؟ هل لبنان هو جزء من مشروعٍ تركيٍّ محتملٍ في المنطقة، والّذي ظهرت معالمه من خلال التّدخّل التّركيّ في سوريا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذه الدّراسة.

الجذور التّاريخيّة للعلاقة بين اللّبنانيّين والعثمانيّين

أعلن الجنرال غورو دولة لبنان الكبير في العام 1920، ثمّ أصبح لبنان جمهوريّةً في العام 1926، ومستقلًّا ذا سيادةٍ في العام 1943. لكن قبل العام 1920، أي منذ العام 1516، كانت جميع الأراضي الّتي تقع اليوم ضمن الجمهوريّة اللّبنانيّة تحت السّيادة العثمانيّة [11].

ففي ذاك العام، سيطرت جيوش الفاتح العثمانيّ سليم الأوّل على لبنان والمناطق الجبليّة من سوريا وفلسطين، بعد أن هزمت المماليك في معركة مرج دابق. وعهَد العثمانيّون إدارة هذه المناطق إلى فخر الدّين المعنيّ الأوّل، وهو أمير من الأسرة المعنيّة الدّرزيّة. ولكن، في ما بعد، أزعجت العثمانيّين محاولاتُ الأمير فخر الدّين المعنيّ الأوّل، والّتي كانت ترمي إلى التّملّص من دفع الجزية، فقرّروا بسط النّفوذ المباشر على البلاد، ولكنّ ملّاك الأراضي والفلّاحين اللّبنانيّين على السّواء قاوموا ذلك.[12]

توفّي فخر الدّين الأوّل في العام 1544 في دمشق مسمومًا، وكذلك قُتل ابنه قرقماز في العام 1585 في أثناء قتاله العثمانيّين في العام 1590، ثمّ اعتلى فخر الدّين المعني الثّاني (نجل قرقماز) السّلطة، فقام بدفع الجزية للسّلطان وتقاسم معه الغنائم الحربيّة، فعيّنه السّلطان مقاطعجيًّا على جبل لبنان والمناطق السّاحليّة التّابعة له، وكذلك على قسمٍ كبيرٍ من سوريا وفلسطين. واستمرّت الأسرة المعنيّة في الحكم حتّى انتقل إلى الشّهابيّين الّذين امتدّ حكمهم بين 1697-1842. من أبرز الأمراء الشّهابيّين وأكثرهم تأثيرًا كان بشير الشّهابيّ الثّاني (الّذي حكم بين 1788-1840)، وقد حاول في خلال فترة حكمه الطّويلة التّحرّر من العثمانيّين وإعطاء لبنان استقلاله، من خلال تعاطفه مع الحملة الفرنسيّة على الشّرق بقيادة بونابرت ومن خلال تعاونه مع محمّد علي باشا والي مصر وابنه ابراهيم باشا في حملاتهما على سوريا ومواجهتهما العثمانيّين.[13]

وبعد أن انتهى حكم بشير الثّاني الشّهابي، بعد انهزام والي مصر محمّد علي باشا أمام السّلطنة العثمانيّة و"التّضافر الأوروبيّ"، غادر الأمير لبنان إلى المنفى. فعيّنت السّلطات العثمانيّة الأمير بشير الشّهابي الثّالث، وبدأ عهد جديد في تاريخ لبنان. فقد كان بشير الثّاني حتّى أواخر حكمه، ممسكًا بزمام سياسة البلاد الدّاخليّة، مسيطرًا على الانقسامات الطّائفيّة والحزبيّة. ولكنّ التّوتر الاجتماعيّ والطّائفيّ اشتدّ بين الدّروز والمسيحيّين في عهد بشير الثّالث، فقد عُرف الأمير بالجبن وضعف الإرادة، ما ساهم في تدخّل السّلطنة في البلاد، وبخاصّة مع صدور مرسوم إصلاحيّ خاصّ، عُرف بكُلخانه خطّ شريف، يقضي في جملة ما يقضي بجعل ولايات السّلطنة العثمانيّة أقلّ استقلالًا عن الآستانة. وانتهى عهد الأمير بشير الثّالث في كانون الثّاني في العام 1842، بعد إرسال الحاكم العثمانيّ قوّاته إلى لبنان،[14] وتحوّلت إمارة لبنان إلى ولايةٍ عثمانيّةٍ عاديّة. وبعد انهيار الإمارة الشّهابيّة اللّبنانيّة نتيجة المجازر بين الدّروز والمسيحيّين، توصّل الباب العالي العثمانيّ وممثّلو الدّول الأوروبيّة في الآستانة في العام 1842 إلى مشروعٍ جديدٍ لحكم جبل لبنان عبر مقاطعتَين: شماليّة يحكمها قائمّقام مسيحيّ وجنوبيّة يحكمها قائمّقام درزيّ.[15]

انتهت القائمّقاميّة بقيام نظام المتصرّفيّة المتّفق عليه بين العثمانيّين والقوى الأوروبيّة في العام 1861 في إثر المجازر بين الدّروز والموارنة، أمّا العثمانيّون، فقد ساهموا في توسيع شقّة الخلاف بين القائمّقاميّتين.[16]

كان نظام المتصرّفيّة قد أقرّ إدارة جبل لبنان عبر متصرّفٍ مسيحيٍّ عثمانيٍّ ومجلس إدارةٍ يشترك فيه الموارنة والدّروز مع ممثّلين من السُّنّة والشّيعة وبقيّة الطّوائف.[17] وتُظهر سنوات المتصرّفيّة فترة هدوءٍ تستحقّ أن يُطلق عليها "أطول فترة سلامٍ داخليٍّ في تاريخ لبنان الحديث"، من هنا جاء المثل المأثور "نيال مين إلو مرقد عنزة بجبل لبنان" للتّعبير عن الرّخاء الّذي عاشه الجبل في خلال تلك المرحلة. شكّلت تجربة المتصرّفيّة مصدر إلهام للنّخبة الفكريّة والسّياسيّة اللّبنانيّة الّتي وصفتها بـ"العصر الذّهبيّ" في تاريخ لبنان. وإنّ "السّلام الطّويل" الّذي ساد جبل لبنان في خلال هذه الفترة أدّى إلى إرساء أسس دولة لبنان الحديثة. وقد استمرّت المتصرّفيّة حتّى إنشاء لبنان الكبير تحت الانتداب الفرنسيّ في العام 1920.[18]

في خلال تلك الحقبة العثمانيّة الطّويلة، عالجت السّلطنة الواقع التّعدّدي في صلبها من خلال "نظام الملل"، وهو التّنظيم القانونيّ الخاصّ بالأقلّيّات غير المسلمة، والّذي أتاح لها هامش استقلاليّةٍ ذاتيّة، معتقديّةٍ وتنظيميّة، تحت رقابة السّلطان.[19] فكان "نظام الملل" الّذي يقسّم رعايا السّلطنة على أساس الانتماء الدّينيّ، فيميّز بين جماعةٍ عليا تتكوّن من المسلمين - والمسلمين السُّنّة خصوصًا، إذ لم تكن المذاهب الشّيعيّة معترفًا بها - وجماعاتٍ دنيا، مشمولةٍ بالحماية تتكوّن من "أهل الكتاب" من مسيحيّين ويهود. وقد تمتّع الأخيرون بمقدار من التّسامح الدّينيّ ومن الحرّيّة في ممارسة شعائرهم الدّينيّة في مقابل دفع ضريبة حماية هي الجزية.[20]

 ويتقاطع منطق المِلل مع المقاربة الإسلاميّة لوجود غير المسلمين كأهل ذمّة في "دار الإسلام"، وفق ما ينصّ عليه الشّرع حيالهم لجهة التّسامح بحسب النّظرة العثمانيّة (محدوديّة الحرّيّة في العقيدة والممارسة، وضعيّة قانونيّة ومجتمعيّة دونيّة وتمييزيّة إلخ). فقد أنتج نظام المِلل غربةً وطلاقًا بين السّلطنة والأقلّيّات، تُرجما في حال نزاعٍ كامنٍ طويل الأمد رافق السّلطنة على مدى تاريخها. فالسّلطنة، كقوّةٍ إمبراطوريّةٍ إسلاميّة، ركّزت جهدها للحفاظ على وحدة السّيادة والسّلطة والأرض، بينما شكّل التّطلّع السّياديّ الاستقلاليّ الهدف الاستراتيجيّ للأقلّيّات، بما يتناقض تمامًا مع مبدأ وحدة السّلطنة. لتصل بعد الحرب العالميّة الأولى "جماعات تاريخيّة" لها مقوّمات الوجود الشّرعيّ للمطالبة بكلّ الحقوق التّاريخيّة المرتبطة بهذا الوجود،[21]ومنها كان نشوء دولة لبنان الكبير.

فقد جاءت الحرب العالميّة الأولى في العام 1914 حيث كانت تركيا جزءًا منها، لتسرّع من عمليّة انهيار السّلطنة العثمانيّة. قام العثمانيّون في ذلك الوقت بفرض الحكم المباشر على جبل لبنان، مبطلين نظامَ المتصرّفيّة الّذي كان نوعًا من الحكم الذّاتيّ، وتمّ إلغاء نظام الامتيازات الخاصّة الّتي كانت تؤمّن سلامة المسيحيّين في جبل لبنان. وقد أدّى فرض الحكم المباشر والإجراءات التّعسّفيّة التّركيّة من كلّ نوع، بخاصّة في خلال عهد جمال باشا، إلى مجاعة كبرى ضربت أهالي جبل لبنان. وفي العام 1919 بدأ عهد الانتداب الفرنسيّ على لبنان بعد اجتياح الحلفاء المنطقة، في إثر انهزام العثمانيّين في المشرق العربيّ  بكامله.[22]

في هذا السّياق، لا يمكن المرور على المجاعة الّتي ألمّت بجبل لبنان في خلال الحرب العالميّة الأولى ما بين عامَي 1914-1916 مرور الكرام، فقد عرَف اللّبنانيّون حرب إبادة تمثّلت بالمجاعة الّتي قضت على الكثيرين أو ما يُعرف بمجاعة جبل لبنان (KAFNO). فمن أصل أربعماية وخمسين ألف مواطن، سقط حوالى مائتين وعشرين ألفًا فيما هرب نصف الباقين من النّاجين الى الخارج. نحن إذًا من سلالة الرّبع المتبقّي[23]، فالّذين ماتوا هم مسيحيّون بغالبيّتهم ويأتي من بعدهم الدّروز.[24] غير أنّ تركيا لا تقبل أيّ إشارةٍ إلى هذه القضيّة.

لكنّ أطرافًا لبنانيّة عدّة تطالب باعترافٍ دوليٍّ بالإبادة اللّبنانيّة. وقد أعلنت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، بقرارها 96 (د - 1) المؤرَّخ في 11 كانون الأوّل 1946، أنّ الإبادة الجماعيّة جريمة بمقتضى القانون الدّوليّ، تتعارض مع روح الأمم المتّحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدّن. وإنّ معايير المجاعة اللّبنانيّة تتطابق على ما جاء في الفقرة ج من المادّة الثّانية من اتّفاقيّة "منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقَبة عليها"، حيث تعتبر الإبادة متحقَّقة إذا ما تمّ "إخضاع الجماعة، عمدًا، لظروفٍ معيشيّةٍ يراد بها تدميرها المادّي كليًّا أو جزئيًّا".[25]

إذًا، تشكّل مجاعة جبل لبنان تاريخًا مأساويًّا وحيًّا بالنّسبة إلى عددٍ كبيرٍ من اللّبنانيّين، ويجب أن يكون الاعتراف بهذا التّاريخ شكلًا من أشكال المصالحة ودرسًا مستفادًا لعدم تكرار فظائع الماضي.[26]

بالخلاصة، تميّزت العلاقة التّاريخيّة الطّويلة بين اللّبنانيّين والعثمانيّين، بالتّوتّر والخلاف وفرض الأمر الواقع من جانب الأتراك، وباعتمادهم سياسة "فرِّق تسد" وبخاصّةٍ في ما بين القيادات السّياسيّة والطّوائف اللّبنانيّة؛ وكذلك، طُبع العهد التّركيّ بطابع القسوة العسكريّة والضّريبيّة والإقطاعيّة. [27] 

غير أنّه بعد انقطاعٍ طويلٍ عن منطقة الشّرق الأوسط نتيجةً لسياسة مصطفى كمال أتاتورك بالانكفاء، عادت تركيا فاعلًا إقليميًّا مهمًّا في الشّرق الأوسط بالتّدريج منذ عهد رئيس الوزراء التّركيّ تورغوت أوزال في الفترة بين (1983-1989)، ثمّ بشكلٍ ملحوظ لاحقًا بعد وصول "حزب العدالة والتّنمية" بمرجعيّة "الإخوان المسلمين" إلى سدّة الحكم.[28]

ويبدو أنّ تركيا قد تمكّنت من "اختراق" بعض بلدان الشّرق الأوسط ومنها لبنان، وذلك بسبب هشاشة البُنية السّياسيّة اللّبنانيّة، وارتباطاتها الاستراتيجيّة بدولٍ إقليميّة.

ونشير هنا، إلى أنّه وفي إطار التّماهي مع هويّتها الإسلاميّة وماضيها العثمانيّ، أقدمت تركيا على تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، فقد ألغت المحكمة الإداريّة العليا التّركيّة في 12 تمّوز 2020 المرسوم الحكوميّ القاضي بتحويل آيا صوفيا من مسجدٍ إلى متحف، في سياق هذه الخطوة الّتي أثارت انتقاداتٍ دينيّةً وسياسيّةً دوليّة. [29] بالرّغم من أنّ "وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السّلام العالميّ والعيش المشترك" لعام 2019 الّتي وقّع عليها أعلى مرجعيّتين دينيّتين وهما قداسة الحبر الأعظم فرانسيس وسماحة شيخ الأزهر أحمد الطّيّب، والّتي تُعتبر أهمّ وثيقة مشتركة بين المسيحيّة والإسلام، قد جاء فيها:" أنَّ حمايةَ دُورِ العبادةِ، من مَعابِدَ وكَنائِسَ ومَساجِدَ، واجبٌ تَكفُلُه كُلُّ الأديانِ والقِيَمِ الإنسانيَّةِ والمَوَاثيقِ والأعرافِ الدّوليّة، وكلُّ محاولةٍ للتّعرُّضِ لِدُورِ العبادةِ، واستهدافِها بالاعتداءِ أو التّفجيرِ أو التّهديمِ، هي خُروجٌ صَرِيحٌ عن تعاليمِ الأديانِ، وانتهاكٌ واضحٌ للقوانينِ الدّوليّة."[30]

وعليه، فإنّ الخطوة الّتي قام بها أردوغان، لها دلالات كثيرة ومن أبرزها أنّ الدّولة التّركيّة ترفض الآخر المختلف عن هويّتها وثقافتها الإسلاميّة، وتسعى لطمس هويّته وثقافته ما يعيدنا الى مسار السّلطنة العثمانيّة وتعاملها مع الأقلّيّات. من هنا التّخوّف من أن يكون لها أيّ دور سياسيّ كبير في لبنان، وبخاصّة في الأوساط المسيحيّة الّتي عانت كثيرًا من الحكم العثمانيّ.

الأقليّات التّركمانيّة في لبنان، امتداد للنّفوذ التّركيّ

يمثّل تركمان لبنان الحالة النّموذجيّة الّتي تؤشّر إلى الأهميّة الّتي توليها تركيا لأولئك الّذي تُسمّيهم "الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصّلة"، وللدّور الّذي تسنده إليهم في توسيع نفوذها وتعزيز قوّتها في الشّرق الأوسط.

ووفقاً للدّراسات التّاريخيّة، يعود الوجود التّركمانيّ في لبنان إلى القرن الثّاني عشر، حين قام المماليك الّذين حكموا في جبل لبنان، بتجنيد عساكر من أصلٍ تركمانيّ، وتوزيعهم على أماكن استراتيجيّة (كسروان على سبيل المثال) للسّيطرة على المنطقة. وفي العام 1516، شارك التّركمان جنبًا إلى جنب مع العثمانيّين في معركة مرج دابق، وفي السّنة التّالية في الحملة على مصر الّتي شنّها السّلطان سليم الأوّل. ومكافأة لجهودهم وولائهم، وهبهم السّلطان أراضي في لبنان وشجّعهم على الاستقرار هناك بشكلٍ دائمٍ من أجل تزويد الباب العالي بمعلوماتٍ عن الأنشطة المحتملة ضدّ السّلطنة، وليكونوا قواعد لوجستيّة وعسكريّة في الحملات المستقبليّة. في وقتٍ لاحق، في القرن التّاسع عشر، فرّ تركمان آخرون - عُرفوا باسم "المهاجرين" - من جزيرة كريت ولجأوا إلى لبنان بعد سيطرة اليونانيّين على الجزيرة في الحرب العثمانيّة اليونانيّة في العام 1897[31].

يبلغ عدد الجالية التّركمانيّة في لبنان اليوم حوالى 19 ألف نسمة، موزّعين جغرافيًّا على ثلاث مناطق: في شمال لبنان في قريتَي الكواشرة وعيدمون (قضاء عكّار)، وفي البقاع، وأخيرًا في مدينة طرابلس. ومن حيث الهويّة الثّقافيّة والسّياسيّة، يعرِّف تركمان لبنان عن أنفسهم بأنّهم مواطنون لبنانيّون من الطّائفة السّنّيّة، فهم مندمجون كلّيًّا في البلاد وفي نسيجها الاجتماعيّ والسّياسيّ، ويتحدّثون العربيّة (باللّهجة اللّبنانيّة)، ولا يعرفون من اللّغة التّركيّة سوى بعض العبارات بنسختها العثمانيّة.[32]

حتّى العقد الأوّل من القرن الواحد والعشرين، كانت العلاقات التّركيّة الرّسميّة مع تركمان لبنان شبه منعدمة. وفي العام 2009، طلبت الحكومة التّركيّة من مركز الشّرق الأوسط للدّراسات الاستراتيجيّة ORSAN إجراء دراسةٍ معمّقةٍ عن الجالية التّركمانيّة في لبنان. يوصي التّقرير بأن تتّخذ الحكومة التّركيّة مبادراتٍ تجاه تركمان لبنان، وأن تنفّذ مشروعاتٍ إنمائيّةً في المناطق الّتي يعيشون فيها، بهدف بناء روابط قويّةٍ مع هذه الجماعة، الأمر الّذي سيسمح لتركيا، في المقابل، بتعزيز نفوذها في لبنان.[33]

والواقع، أنّه بسبب سياسةٍ إنمائيّةٍ غير متوازنة في لبنان، تنحو إلى مركزيّةٍ تفيد منها العاصمة بيروت والمناطق المحيطة بها على حساب المناطق الأخرى، فإنّ التّركمان الّذين يعيش معظمهم في قرىً بعيدة، عانوا ظروفًا صعبة. شكّل ذلك مناسبةً للحكومة التّركيّة كي تطلق مبادراتٍ اجتماعيّةً وتربويّةً تهدف إلى تنمية المناطق الّتي يسكنها التّركمان. تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المبادرات لقيت دعمًا من مؤسّسةٍ أُنشئت في تركيا في العام 2010 أُطلق عليها اسم "مديريّة الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصّلة". كان على هذه المديريّة أن توقظ لدى التّركمان "الوعي الجماعيّ" بانتمائهم الإثنيّ من أجل "توحيد قدراتهم على العمل الجماعيّ والمشاركة في الحياة العامّة للبلد المضيف"، وذلك من أجل "توطيد نفوذ تركيا في الخارج". وبالتّالي، هناك هدف واضح في استخدام هذه الجماعة كأداةٍ في خدمة السّياسة الخارجيّة التّركيّة.[34]

غير أنّ الاهتمام الخاصّ الّذي أولته تركيا لتركمان لبنان أيقظ فيهم الشّعور الإثنيّ. هذا الارتباط بتركيا شكّل رافعةً للدّولة التّركيّة في لبنان. فمن ناحية، ساهم التّركمان في تلميع صورة تركيا أمام الشّعب اللّبنانيّ عبر تنظيمٍ دوريٍّ لمحاضراتٍ وندواتٍ عن تركيا، ومن ناحيةٍ أخرى، جرى تشجيع التّركمان على الانخراط أكثر في النّظام السّياسيّ اللّبنانيّ التّوافقيّ والقيام بدورٍ مؤثّرٍ في السّياسات اللّبنانيّة بطريقةٍ تصبّ في مصلحة تركيا.[35]

وفي تشرين الأوّل 2013، وبمبادرةٍ من السّفير التّركيّ في لبنان إينان أوزيلدز، وبدعمٍ من حكومة حزب العدالة والتّنمية ومديريّة الأتراك في الخارج، نُظِّم اجتماع للتّركمان اللّبنانيّين في السّفارة التّركيّة في بيروت، صاغ المشاركون في خلاله ورقةً تطالب بكوتا من نائبَين من التّركمان في المجلس النّيابي اللّبنانيّ. في الواقع، ليس للتّركمان نوّاب في لبنان، وهم يُعتبرون جزءًا من الطّائفة السّنّيّة. لذا، في هذا الاجتماع، أصرّ المشاركون على أن يُعامل "التّركمان كجماعةٍ متميّزةٍ عن الجماعات الأخرى، وأن يكون لهم ممثّلون في البرلمان اللّبنانيّ". قُدّم هذا المشروع إلى الدّولة اللّبنانيّة الّتي لم تنظر فيه حتّى الآن. خلاصةُ الأمر، أنّ المؤسّسات الرّسميّة التّركيّة استخدمت مجموعة أهليّة محليّة، من دون المرور بالمؤسّسات الحكوميّة، وسيلةً لتوسيع النّفوذ وأداة لبناء القوّة الإقليميّة. وكان تنشيط العلاقات مع التّركمان اللّبنانيّين على قدرٍ من السّهولة نسبيًّا، بسبب طبيعة النّظام اللّبنانيّ المنكشف أمام التّدخّلات الأجنبيّة.[36] 

النّفوذ التّركيّ داخل السّاحة السّياسيّة اللّبنانيّة

امتدّ النّفوذ التّركيّ إلى داخل السّاحة السّياسيّة اللّبنانيّة، فاستطاعت تركيا - من خلال وساطتها الدّبلوماسيّة - إيجاد الحلول للأزمات السّياسيّة في بعض الأوقات، وساهمت في أحيان أخرى بتأجيج الوضع الدّاخليّ المتأرجح أساسًا. 

كان لتركيا دور في محاولة تحقيق وقف إطلاق النّار في خلال حرب تمّوز - آب 2006 بين لبنان وإسرائيل. كما ساهمت في الجهود المبذولة لإيجاد حلٍّ للأزمات السّياسيّة الّتي اندلعت في العام 2007 في لبنان، وانتهت بتوقيع اتّفاق الدّوحة في العام 2008. وفي أعقاب قرار مجلس الأمن الدّوليّ رقم 1701، شاركت تركيا بنشاطٍ في قوّات الأمم المتّحدة لحفظ السّلام (unifel)، وساهمت ماليًّا في المحكمة الخاصّة بلبنان.[37] كما أنّها ساهمت في أيّار 2012، بإيجاد حلٍّ لأزمة المخطوفين اللّبنانيّين في أعزاز بسوريا، بعد 17 شهرًا من المفاوضات مع الجيش السّوريّ الحرّ لإقناع الخاطفين بالإفراج عن الرّهائن.[38]

زار وزير الخارجيّة التّركيّة مولود تشاووش أوغلو لبنان في 16 تشرين الثّاني 2021، عِلمًا بأنّ هذه هي الزّيارة الثّانية لأوغلو إلى بيروت، بعدما زارها في 8 آب 2020 برفقة نائب الرّئيس التّركيّ فؤاد أوكتاي، عقب انفجار المرفأ، وبعد يومين فقط على زيارة الرّئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون إلى لبنان. وكان حينها واضحًا مدى اشتداد حدّة التّنافس بين تركيا من جهة، والقوى "المعادية" لها في شرقيّ المتوسّط، وعلى رأسها فرنسا. فيما تأتي الزّيارة الأخيرة في ظلّ صراعٍ بين تركيا وكلٍّ من السّعوديّة والإمارات على النّفوذ في المنطقة، ومنه لبنان.[39]

وبالرّغم من أنّ تركيا تهدف إلى أن تكون قوّةً إقليميّةً في الشّرق الأوسط، إلّا أنّها كانت تثير الحذر في "منطقة جغرافيّة لا تزال فيها ذكرى الحكم العثمانيّ حاضرةً في الأذهان".

وخير دليلٍ على أنّ أربعمئة سنةٍ من الحكم العثمانيّ لم تغب عن الذّاكرة، ما شهدته الزّيارة الرّسميّة لأردوغان إلى لبنان في تشرين الثّاني 2013، حيث تجمّع متظاهرون في وسط بيروت، وتحديدًا في ساحة الشّهداء أمام نُصبٍ يرمز إلى شهداء 6 أيّار (الّذين قاوموا الوجود العثمانيّ )، ولوّحوا بشعاراتٍ ذات دلالةٍ عالية معادية لتركيا.[40]

إضافةً إلى ذلك، يبدو أنّ بعض مبادرات القوّة النّاعمة التّركيّة المعدّة خصّيصًا "لإعادة كتابة" تاريخ تركيا في العالم العربيّ، ومحو الماضي الإمبراطوريّ من الذّاكرة، لم تكن ذات جدوى لا بل أعطت نتيجةً عكسيّة. ولنا في طريقة استقبال فيلم "1453" في لبنان خير مثالٍ على ذلك، فهذا الإنتاج الضّخم الّذي يروي قصّة فتح القسطنطينيّة ويسعى إلى طمس سوء المعاملة الّتي تعرّض لها المسيحيّون في أعقاب الفتح، لم يلقَ الاستحسان لدى الطّوائف المسيحيّة في لبنان. كذلك الأمر، عندما أُعلن عن عرض فيلم "الرّسالة الأخيرة" في دُور السّينما في لبنان برعاية معهد "يونس أمره" الثّقافيّ التّركيّ، والّذي يروي قصّة انتصار الجيش العثمانيّ على قوّات الحلفاء في معركة "جناق قلعة" (معركة غاليبولي) خلال الحرب العالميّة الأولى، أثار حساسيّة الطّائفة الأرمنيّة، فتحرّك حزب الطّاشناق لمنع عرض الفيلم. [41]

نشير هنا إلى أنّ لبنان يستضيف ثامن أكبر عددٍ من السّكّان الأرمن في العالم، وكان أوّل دولةٍ عضو في الجامعة العربيّة تعترف بالإبادة الجماعيّة للأرمن. ففي 11 أيّار 2000، صوّت البرلمان اللّبنانيّ على الاعتراف بالإبادة الجماعيّة للأرمن. علمًا بأنّ للجماعة الأرمنيّة في لبنان عدّة أحزابٍ سياسيّةٍ أبرزها حزب الطّاشناق الممثَّل في البرلمان اللّبنانيّ. [42]

بالمقابل، كانت هناك حملات سياسيّة نظّمتها جمعيّة الصّداقة اللّبنانيّة التّركيّة ضدّ الاعتراف بالإبادة الجماعيّة للأرمن؛ ففي نيسان 2015 أصدر وزير التّربية والتّعليم العالي آنذاك إلياس بو صعب مذكّرةً بإقفال المدارس والجامعات إحياءً للذّكرى، رتّبت الجمعيّة حملةً للاعتراض على قرار الوزير. كما نظّمت مسيرات شعبيّة واعتصامات في بيروت وطرابلس، ووزّعت أكثر من 10 آلاف علمٍ تركيٍّ على المشاركين لوضعها على شرفات منازلهم تعبيرًا عن مساندتهم لتركيا، والهدف منها هو رفض "مزاعم" الإبادة الجماعيّة للأرمن والدّفاع عن تركيا بجميع الوسائل المتاحة.[43]

أوصاف عديدة أُطلقت على المبادرات التّركيّة في لبنان، بالرّغم من أنّ معظم تلك المبادرات - بحسب الجانب التّركيّ - تندرج في إطار المساعدات الإنسانيّة، ولا سيّما في شهر رمضان، وعقب تفجير مرفأ بيروت في آب 2020، وفي ظلّ جائحة كورونا، كما تبنّت تركيا إعادة تأهيل المباني المتضرّرة في طرابلس عقب الاحتجاجات الّتي شهدتها المدينة في شهر كانون الثّاني 2021، ولا سيّما مبنى البلديّة الأثري الّذي يعود إلى العهد العثمانيّ، وأعلن السّفير التّركيّ عن استعداد بلاده لتقديم مساعداتٍ للعائلات الأكثر فقرًا في المدينة.[44] حيث تؤكّد تركيا بأنّها تدخل ضمن إطار مبادرات تواصلٍ مجتمعيٍّ يتماهى مع البعد الثّقافيّ والتّراثيّ للعلاقات التّركيّة العربيّة، غير أنّ الكثيرين رأوا في تلك المبادرات مشروعًا تركيًّا سياسيًّا واقتصاديًّا في لبنان.[45]   

تتّهم بعض الأطراف تركيا بأنّها تسعى إلى مدّ نفوذها إلى شمال لبنان، بخاصّة في طرابلس ذات الأغلبيّة السّكّانيّة السّنّيّة، وفي ظلّ شعورِ شريحة كبيرة من السُّنّة بالغبن في ظلّ ازدياد قوّة المحور الإيرانيّ في لبنان. إلّا أنّه، وبحسب مسؤول الجماعة الإسلاميّة في لبنان إيهاب نافع، فإنّ تركيا لا تسعى إلى دعم جماعات تستطيع مواجهة "حزب الله" أو توازن قدراته في لبنان أو أن تلعب على خطّ الصّراع السّياسيّ السّنّيّ – الشّيعيّ القائم في لبنان. ويؤيّد ذلك الصّحافي اللّبنانيّ صهيب جوهر نافع مستبعدًا وجود "رغبة تركيّة للعب دور مرتبط بالحدّ من دور إيران في الإقليم بسبب سياسة ربط النّزاع بين الطّرفين".[46] وتشير زيارة وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو إلى إيران في 15 تشرين الثّاني 2021 إلى مدى التّنسيق بين البلدين، حيث تمّ الاتّفاق على تحديد خارطة طريق من أجل تعاون شامل وطويل الأمد، وتنسيق العلاقات الثّنائيّة بين البلدين بما في ذلك التّجارة والاستثمارات ومكافحة الإرهاب والقضايا الإقليميّة.[47]

في هذا السّياق أيضًا، يؤكّد مستشار الرّئيس سعد الحريري النّائب السابق مصطفى علّوش، أنّ "هناك استعدادًا في الشّمال، وتحديدًا في طرابلس، لدورٍ تركيّ، لكن هل هذا الدّور موجود؟ والجواب أنّ هذا الدّور ضئيل جدًّا لسببٍ وحيد، وهو أنّه بحاجةٍ إلى عنصرَين غير متوافرَين في هذه اللّحظة، أي: ما يكفي من المال وما يكفي من التّنظيم".[48]

يُشار في هذا الإطار، إلى أنّه في خلال زيارته لبنان عقب تفجير المرفأ، أعلن وزير الخارجيّة التّركيّ مولود شاووش أوغلو، عن النّيّة لمنح الجنسيّة التّركيّة للإخوة الّذين يقولون نحن أتراك، نحن تركمان، ويعبّرون عن رغبتهم في أن يصبحوا مواطنين في تركيا، مؤكّدًا أنّ "هذه تعليمات الرّئيس رجب طيّب أردوغان"[49].

هنا، يؤكّد مصطفى علّوش أنّه "حتّى اللّحظة لا يوجد لديه أيّ معلومة تؤكّد حقيقة وجود عمليّة تجنيس في طرابلس. لكن نعم، يوجد في بعض الأحيان توزيع حصص غذائيّة أو مساعدات طبيّة واستشفائيّة، وهذا دور طبيعيّ تقوم به الدّول الّتي تربطها علاقات بلبنان. ويبقى الخوف أن تُفتَح الأبواب أمام أيّ دور لتركيا في الشّمال جرّاء غياب بعض الدّول العربيّة."[50]

من ناحيته، يؤكدّ الدّكتور محمّد زكّور (رئيس مركز "ليبرتي للدّراسات القانونيّة والاستراتيجيّة") في موضوع التّمدّد التّركيّ في طرابلس إلى أنّه: "في حال حصول تمدّدٍ تركيٍّ فإنّ لهذا التّمدّد بُعدًا اقتصاديًّا، وهو أنّ تركيا حاليًّا في صراعٍ على الطّاقة في شرق البحر المتوسّط، وهناك محاور إقليميّة تتشكّل" ويعتقد زكّور أنّ أحد أهدافها الأساسيّة "هو الوصول إلى مثل هذه التّحالفات مع لبنان كي يدخل معها في الصّراعات القائمة على الطّاقة"[51]، لا سيّما وأنّ تركيا لديها ميناء جيهان في شمال شرق المتوسّط، وهو قريب من ميناء طرطوس السّوريّ، وميناء طرابلس اللّبنانيّ، وبالتّالي فالدّخول إلى طرطوس وطرابلس يشكّل توازنًا استراتيجيًّا مقابل محطّتَي حميميم وطرطوس اللّتين تقعان تحت الوصاية الرّوسيّة، كما يشكّل مشروع ربط الموانئ البحريّة، المشار إليه توازنًا في وجه اليونان وقبرص الواقعتَين مقابل طرابلس[52]. من هنا، فإنّ تركيا تطمح إلى تعزيز نفوذها في سوريا من خلال توسيع نفوذها اللّبنانيّ وتحديدًا في منطقة الشّمال، اعتمادًا على الارتباط الشّديد بين الدّولتَين، وذلك عبر العديد من النّشاطات في مجالاتٍ مختلفة، كالتّجارة البحريّة وربط مرفأ طرابلس بمرفأ مرسين في تركيا.[53]

فيما خصّ علاقات تركيا بالأطراف السّياسيّة اللّبنانيّة، فالقوّة الشّعبيّة الوحيدة المؤيّدة لتركيا والّتي يمكن أن تشكّل لها رافعةً هي "الجماعة الإسلاميّة".[54] فالجماعة الإسلاميّة لها علاقة مباشرة مع تركيا، باعتبار الأخيرة "حاضنة" لجماعة الإخوان المسلمين.[55] لكنّ الجماعة الإسلاميّة لا تريد إظهار تبعيّتها لحزب "العدالة والتّنمية" وتحرص على إظهار استقلاليّةٍ كبيرةٍ على هذا الصّعيد، كي لا تثير حساسيّة الأفرقاء الآخرين على السّاحة اللّبنانيّة، وكي تفصل بين "الولاء القلبيّ" للأفكار والتّطبيق العمليّ.[56] ويشدّد مسؤول الجماعة الإسلاميّة السّياسيّ في الشّمال إيهاب نافع على أن لا مساعداتٍ تركيّة مخصّصةً للجماعة الإسلاميّة في لبنان، وأنّ الخدمات والمساعدات الّتي قد تستفيد منها مؤسّسات تابعة للجماعة لا تزيد عن 10 في المئة من قيمة المساعدات.[57]

أمّا "تيّار المستقبل"، فتجمعه أيضًا علاقة إيجابيّة مع تركيا. وفي كانون الثّاني 2021، أثارت زيارة رئيس الحكومة المكلّف آنذاك سعد الحريري الرّئيسَ التّركيّ رجب طيّب أردوغان أسئلةً عدّة، خصوصًا في ظلّ الحديث المتزايد عن تنامي دور تركيا في المنطقة عمومًا، ولبنان خصوصًا. ولكنّ التّيّار يحتفظ لنفسه بموقعٍ محايدٍ نتيجة قربه من الإدارة الفرنسيّة، وحفاظًا منه على أيّ مسعى لتحسين العلاقات مع المملكة العربيّة السّعوديّة.[58]

ولكلٍّ من نجيب ميقاتي، وفيصل كرامي، وأشرف ريفي، ووليد جنبلاط وغيرهم، علاقات وطيدة أيضًا مع الأتراك. والعلاقة مع رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي، هي علاقة قديمة بدأت بتوأمة جامعة العزم التّابعة للرئيس ميقاتي مع نظيراتٍ لها في تركيا، وعلاقاتٍ ثقافيّةٍ وتعليميّةٍ بين تيّار العزم وحزب "العدالة والتّنمية" في تركيا. لكنّ التّعويل على مثل هذه العلاقة ليس في محلّه، فالرّئيس ميقاتي، وقف بقوّةٍ إلى جانب السّعوديّة ضدّ أحد وزراء حكومته، وزير الإعلام جورج قرداحي. وهو يدرك اليوم أنّ مفتاح الرّضى الخليجيّ عليه هو السّعوديّة، وأنّ أيّ بلدٍ آخر غير قادر على دعم لبنان حتّى لو كان على خصومةٍ مع السّعودية (مثل قطر).[59]

وعلى رغم تقارب معظم الأحزاب السّياسيّة مع تركيا، ولكنّ الأخيرة لا تملك حليفًا صلبًا في السّاحة السّياسيّة اللّبنانيّة، بل كلّ ما هو موجود مجرّد عاطفة سنّيّة نتيجة ضعف القيادة العربيّة وتعثّر الثّورات العربيّة.

بالمقابل، فإنّ تركيا تطمح إلى تطوير حضورها ليصبح حضورًا سياسيًّا متقدّمًا في لبنان، ولكنّ إمكاناتها تبقى محدودة في المدى المنظور.[60]

في هذا السّياق، يشير الخبير اللّبنانيّ في الشّؤون التّركيّة محمّد نور الدّين، في حديثٍ إلى"النّشرة"، إلى أنّ لبنان هو إحدى ساحات الصّراع داخل العالم الإسلاميّ السّنّيّ بين المحورَين التّركيّ القَطريّ من جهةٍ والسّعوديّ الإماراتيّ المصريّ من جهةٍ أخرى، وبالتّالي فهو كغيره من هذه السّاحات موضع تجاذبٍ وصراعٍ لا بل قد يكون الأكثر عرضةً لتأثيرات هذا الصّراع، كون السّاحة السّنّيّة اللّبنانيّة منقسمة بين عددٍ كبيرٍ من الولاءات والاتّجاهات.[61]

وفي حين يلفت نور الدّين إلى أنّ الغالبيّة العظمى من السّاحة السّنّيّة في لبنان تميل إلى جانب الرّياض والقاهرة، يؤكّد أنّ تركيا لها نفوذ من خلال مجموعةٍ من الرّكائز، أوّلها المواطنون اللّبنانيّون من أصلٍ تركيّ، على الرّغم من أنّ عددهم محدود، وهم محصورون في بعض القرى في الشّمال، بالإضافة إلى الجمهور السُّنّيّ المعارِض توجّهات السّعوديّة ومصر، والّذي لا ينتمي إلى القوميّة العربيّة (وأغلبهم الأوساط الإسلاميّة السّنّيّة المتديّنة)، من دون تجاهل الجمعيّات المدنيّة الّتي تتحرّك وتلقى دعمًا، على مستوى تقديم المساعدات الاجتماعيّة على الأقلّ، خصوصًا أنّها نشطت منذ بداية الأزمة الحاليّة، كغيرها من الجمعيّات.[62]

بالرّغم من كلّ شيءٍ ومن الانكفاء السّعوديّ عن لبنان، إلّا أنّ أغلبيّة الأطراف السُّنِّيّة اللّبنانيّة لها ارتباط جوهريّ ووثيق بالمملكة العربيّة السّعوديّة، وهي تأمل في تحسّن العلاقات معها في المستقبل القريب، لقربها أكثر من السّعوديّة.


مشاريع تركيا في لبنان: امتداد للنّفوذ

لا شكّ في أنّ لتركيا اهتمامًا كبيرًا بلبنان لم تتّضح معالمه بعد، ولكنّه يظهر من خلال زيادة المشاريع التّركيّة على الأراضي اللّبنانيّة في السّنوات القليلة الماضية.[63]

فلتركيا في لبنان أدوار مختلفة، تصبّ غالبًا في الجانب التّنمويّ والثّقافيّ والإغاثيّ خصوصًا على المستوى الشّعبيّ، ومن أبرزها:

المشاريع في طرابلس وعكّار من خلال المراكز التّربويّة والجمعيّات الأهليّة، ومن تأهيل الجامعة اللّبنانيّة في طرابلس، والّذي تولّت أمره شركة تركيّة خاصّة. إضافةً إلى المنح التّعليميّة للّبنانيّين في المجالات والمراحل المختلفة، حيث وعد السّفير التّركيّ في بيروت هكان تشاكل في شباط 2019 بزيادة عددها.[64]

وكانت "الجمعيّة اللّبنانيّة التّركيّة" قد تأسّست في تشرين الأوّل 2010 في مدينة طرابلس، وهي تهدف إلى "توثيق الرّوابط الاجتماعيّة والثّقافيّة والتّعليميّة والعلميّة بين لبنان وتركيا، والمساهمة في توطيد العلاقات بين الشّعبَين اللّبنانيّ والتّركيّ"،[65] حيث تتعاون مع "الجمعيّة الثّقافيّة التّركيّة في لبنان" بشكلٍ أساسيٍّ في مواضيع نشر اللّغة التّركيّة، ومَعارض الجامعات الّتي تجري في لبنان دوريًّا، بالإضافة إلى الاهتمام بالتّراث العثمانيّ والتّركيّ في مدينة طرابلس.[66]

كما رمّمت تركيا التّكيّة المولويّة في مدينة طرابلس، وساعة التّلّ الّتي بناها السّلطان عبد الحميد الثّاني، وكذلك السّبيل الحميديّ أو النّافورة الحميديّة في حديقة الصّنائع في بيروت. وذلك تماهيًا مع ما يقوله أردوغان: "إنّ المساجد والجسور والنّوافير وأضرحة الجدود هي الذّاكرة الحيّة لحضارتنا"، فيجدر إذًا حماية هذا التّراث، بحسب الذّهنيّة التّركيّة، الّذي يشهد على عظمة تركيا ويضفي الشّرعيّة على مسار البحث عن المكانة والقوّة الّتي تسعى إليها تركيا النّاهضة.[67]

فقد أدّى إنشاء الجمعيّات إلى تعزيز الرّوابط بين لبنان وتركيا. وكان لهذه الجمعيّات علاقات متينة مع جمعيّاتٍ إقليميّةٍ تركيّةٍ أخرى كما مع السّفارة التّركيّة، ومنها - إضافةً إلى ما ذكرناه أعلاه: "رابطة الشّباب اللّبنانيّ التّركيّ"، "جمعيّة الصّداقة اللّبنانيّة التّركيّة في صيدا"، بالإضافة إلى جمعيّاتٍ للّبنانيّين من أصلٍ كريتيٍّ في بيروت وهي "نجم المستقبل" و"جيل المستقبل".[68]

كما قامت الوكالة التّركيّة للتّعاون والتّنسيق (تيكا) بإعادة تأهيل مستشفى صيدا. فالكثير من الخدمات والمساعدات التّركيّة، ومنها "برنامج تبادل الخبرات" بين الطلّاب، تأتي عبر وكالة "تيكا"، وهي مؤسّسة حكوميّة تابعة لوزارة الثّقافة والسّياحة التّركيّة.

من جهةٍ أخرى، يلعب "المركز الثّقافيّ التّركيّ" دورًا مهمًّا في تعزيز صورة تركيا في عيون الشّباب وفي تعليم اللّغة التّركيّة. أمّا السّفارة التّركيّة فدورها، أسوةً بعددٍ من السّفارات، لا يقتصر على العلاقات الدّيبلوماسيّة فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى توجيه رسائل سياسيّةٍ إلى الأطراف كافّة.[69]

ويبقى التّقدّم التّركيّ الكبير في لبنان في ناحية الإنتاج الفنّي وتحديدًا الدّراما التّركيّة والمسلسلات حيث باتت الأشَهر في لبنان والمنطقة، إضافةً إلى البضائع التّركيّة الّتي تكتسح السّوق اللّبنانيّة.[70]

وعليه، فالأتراك بدأوا ببناء الشّبكات ونسج العلاقات مع المجتمعات المحليّة وبخاصّةٍ السُّنّيّة في لبنان، وعلى مستوياتٍ مختلفة.[71] وبالرّغم من أنّ زخم هذه المبادرات غير كفيل بصناعة دور سياسيّ فاعل لتركيا في لبنان راهنًا، إلّا أنّ المستقبل يفتح الباب أمام متغيّرات عديدة في هذا المجال، لعلّ البعد الثّقافيّ والاجتماعيّ ينقلنا إلى البعد السّياسيّ.

الخلاصة

يمكن القول إنّ النّشاط التّركيّ في لبنان يتّخذ أشكالًا عديدة، تصبّ جميعها في اتّجاهٍ واحد، هو تعزيز النّفوذ التّركيّ.[72] فقد شكّل دعم الجماعة التّركمانيّة عاملًا مهمًّا في تعزيز النّفوذ التّركيّ في البيئة اللّبنانيّة، وهذه العلاقة بين تركمان لبنان وتركيا تبدو في المستقبل في ازديادٍ متصاعد، حيث تقوم تركيا في زيادة "استثمارها" الاجتماعيّ والثّقافيّ كلّ سنةٍ في تركمان لبنان، ما يعزّز وعيهم وشعورهم بأنّهم متمايزون عن محيطهم بشكلٍ متصاعد. في حين أنّ السّنوات المقبلة ستكون مسرحًا لزيادة الوعي لهذه الأقلّيّة اللّبنانيّة بشكلٍ أكبر.[73]

غير أنّ تنامي النّفوذ التّركيّ في أوساط الطّائفة السّنّيّة كان له مضاعفات سلبيّة على العلاقات بين الطّوائف في لبنان. فتركيا سعت إلى تبييض صفحة التّاريخ العثمانيّ وتمجيده، على الرّغم من أنّ ذلك مثار نزاعٍ في لبنان. فالعديد من المكوّنات الثّقافيّة اللّبنانيّة تتشاطر رؤيةً مؤلمةً وسلبيّةً حيال الحقبة العثمانيّة،[74] ومنها على سبيل المثال الأرمن وقضيّتهم في لبنان، الّتي تُؤشّر إلى أنّ أيّ دور تركيّ لن يكون سهلًا على هذه البلاد المنهكة، وأنّه يحمل مخاطر وجوديّةً لما تبقّى من تعدّديّة.[75] وكما يقول الدّكتور أمين إسكندر: "ليس باستطاعتنا التّطوّر والتّقدّم كشعبٍ أصيلٍ من خلال نكران تاريخنا الّذي هو مرآة وجودنا. لا يمكن بناء وطنٍ على كذبةٍ أو على إلغاء للذّاكرة الجماعيّة".[76] من هنا، فعلى تركيا أن تعترف بالإبادة الأرمنيّة وبمسؤوليّتها عن مجاعة جبل لبنان، لكي تبني علاقاتٍ جيّدةً ومتينةً مع المكوّنات اللّبنانيّة المختلفة.

أمّا عن مستقبل الدّور التّركيّ في لبنان، في ظلّ علامات الاستفهام الّتي تُرسم بشأنه، فإنّ هذا النّفوذ سيزداد بقدر ما تنقسم السّاحة السُّنّيّة على نفسها، وسيتراجع بقدر ما تلتفّ هذه السّاحة على شخصيّةٍ محدّدة. من هنا، فإنّ موضوع قدرة تركيا على لعب دورٍ مؤثّرٍ أو تعديل التّوازنات القائمة، يحتاج إلى متابعةٍ في المرحلة المقبلة، بحسب ما يظهر على أرض الواقع من تطوّرات.[77] إذ إنّ تركيا لم تكن تنتهج أجندةً سياسيّةً معلنةً في لبنان، وليس لديها حلفاء سياسيّون في مجلس النّوّاب أو الحكومة، على عكس إيران الّتي تدعم بشكلٍ علنيٍّ "حزب الله" بنفوذه السّياسيّ، فيما كان للسّعوديّة علاقات متينة بتيّار المستقبل، ولها علاقات متينة بحزب القوّات اللّبنانيّة وبأطرافٍ عديدة.[78]

نشير هنا الى كلام أردوغان عن معاهدة لوزان، والّتي وصفها بأنّها تُمثِّل جرحًا عميقًا في الذّاكرة التّاريخيّة التّركيّة، وأنّها قلّصت جغرافيًّا من خريطة الدّولة التّركيّة وألزمتها بالتّنازل عن 80 بالمئة من مساحتها، وقال أردوغان حرفيًّا في هذا السّياق:

"هناك مَن يريد إقناعنا بأنّ معاهدة لوزان كانت انتصارًا لتركيا وللأتراك... هدّدونا بمعاهدة سيفر في العام 1920، ليجعلونا نقبل بمعاهدة لوزان في العام 1923… لقد لوّحوا لنا بالموت لنقبل بالعاهة الدّائمة".[79]

إذن، لم تنسَ تركيا حتّى هذه اللّحظة أنّ معاهدة لوزان كانت بمنزلة عقوبةٍ عليها كطرفٍ مهزومٍ في الحرب العالميّة الأولى. وتحت ضغط الصّراع على غاز شرق المتوسّط، والخلاف على الحدود البحريّة بين تركيا وقبرص واليونان، وفي ضوء اتّفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة بين حكومة الوفاق الوطنيّ اللّيبيّة وبين تركيا الّتي وُقّعت في تشرين الثّاني من العام 2019 والّتي تصطدم مباشرةً بمعاهدة لوزان، وبعد التّدخّلات التّركيّة العسكريّة في جوارها الإقليميّ في سوريا والعراق وليبيا وأذربيجيان في السّنوات الأخيرة، وامتداد نفوذها إلى لبنان، بات يُطرَح السّؤال نفسه: ما هو الثّمن الّذي ستدفعه تركيا والشّرق الأوسط برمّته إذا تخلّت تركيا عن تلك المعاهدة في ذكراها المئة في العام 2023؟[80] إلّا أنّ تركيا تعاني من عدم التّوازن بين طموحاتها للسّيطرة والبروز كقوّةٍ وبين الموارد الّتي تمتلكها للوصول إلى هذه الوضعيّة.[81]

في نهاية المطاف، تمتلك تركيا، في حال قرّرت الدّخول إلى السّاحة السّياسيّة اللّبنانيّة، الأرضيّة، ولن تبدأ من الصّفر.[82] ويأتي كلام النّائب مصطفى علّوش ليفتح الباب أمام احتمالات مستقبليّة، منها حديثه عن تغيير وجه لبنان في المستقبل واتّجاهه نحو التّجزئة، وعن إمكانيّة وضعه تحت الوصاية التّركيّة بسبب الانكفاء العربيّ عنه، فيقول حرفيًّا "أنا على قناعةٍ تامّةٍ أنّ لبنان لن يبقى على ما هو عليه الآن، وحتّى في ظلّ الاتّفاق النّوويّ بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران، فنحن ذاهبون في لبنان إلى تجزئةٍ جديدة. وبالنّسبة إلى الفراغ الموجود في المناطق السُّنّيّة، فعلى الدّول العربيّة أن تملأه، وإلّا دولًا أخرى، ومنها على سبيل المثال تركيا. ولن يكون مُستغربًا إذا طلبت الأمم المتّحدة من تركيا ملء هذا الفراغ على غرار ما حصل في ليبيا".[83]

_____________________________________

الدّكتورة غريس الياس: حائزة دكتوراه دولة في العلوم السّياسيّة من الجامعة اللّبنانيّة. كاتبة وباحثة في الشّؤون السّياسيّة، صدر لها كتاب: "دور السُّنّة في لبنان بعد اتّفاق الطّائف".

[email protected]


[1]   شادية علاء الدّين، "لبنان في أواخر العهد العثمانيّ، التّقسيمات الإداريّة وشؤون الجند والدّرك"، مجلّة الجيش، العدد 341- تشرين الثّاني 2013، https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/%D

[2]    أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجيّ: موقع تركيا ودورها في السّاحة الدّوليّة، ترجمة جابر ثلجي وطارق عبد الجليل، ط.4 (بيروت - لبنان: الدّار العربيّة للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدّراسات، تمّوز 2017).

[3]   جنى جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، ترجمة جان جبّور، ط.1 (بيروت: المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، نيسان 2019)، 54.

[4]   علي مطر، "الدّور التّركيّ في لبنان: الأهداف والأدوات26/09/2020،

https://www.alahednews.com.lb/article.php?id=23973&cid=124 (تاريخ الدّخول في 21-11-2020)

[5]   أحمد زكريّا، "أردوغان: وقوفنا إلى جانب لبنان واجب وليس استعمارًا كما يفعل ماكرون"، https://tr.agency/news-107669 (تاريخ الدّخول في 13-11-2021)

[6]    "العلاقات بين تركيا ولبنان"، الصّفحة الرّسميّة لوزارة خارجيّة تركيا،

https://www.mfa.gov.tr/relations-between-turkey-and-lebanon.en.mfa

[7]   طوني منصور، "طرابلس ليست مشروعًا تركيًّا"،

3/12/2020، https://www.orsam.org.tr/ar/trablus-turkiye-projesi-degil (تاريخ الدّخول في 23/6/2021)

[8]    شهدت العلاقة السّياسيّة بين لبنان والسّعوديّة تدهورًا، على خلفيّة تعاظم دور حزب الله، الّذي تعتبره الرّياض منظّمة "إرهابيّة" تنفّذ سياسة إيران خصمِها الإقليميّ الأبرز. وكانت المحطّة الأبرز في 29 تشرين الأوّل في العام 2021 حين استدعت السّعوديّة سفيرها لدى لبنان للتّشاور، ومنحت السّفير اللّبنانيّ مهلة 48 ساعة للمغادرة، وأوقفت الواردات اللّبنانيّة إليها. فكانت القطيعة الدبلوماسيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة، في إثر تصريحات وزير الإعلام اللّبنانيّ جورج قرداحي عن حرب اليمن ودعمه الحوثيّين. راجع "محطّات مصيريّة.. تعرّف على مسار العلاقات السّعوديّة-اللّبنانيّة خلال 8 عقود"، الجزيرة، في تشرين الثّاني 2021، https://www.aljazeera.net/encyclopedia/

[9]   هلا نهاد نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟"، 2 فبراير 2021، https://daraj.com/65732/ (تاريخ الدّخول في 16-6-2021)

[10] غريس إلياس، دور السُّنّة في لبنان بعد اتّفاق الطّائف، ط.1 (جديدة المتن: دار سائر المشرق،2020)، 7.

[11] كمال الصّليبي، تاريخ لبنان الحديث، ط.10 (بيروت - لبنان: دار النّهار للنّشر، 2008)، 11.

[12] "تاريخ لبنان"، وكيبيديا الموسوعة الحرّة، https://ar.wikipedia.org/wiki (تاريخ الدّخول في 13-11-2021)

[13] ربيع داغر، موسوعة المجازر الكبرى في القرن العشرين، مج.4، الإبادة الأرمنيّة، ج.2، ط.1 (بيروت - لبنان: دار Perfection للنّشر والتّوزيع)، 2011.

[14] الصّليبي، تاريخ لبنان الحديث، 76-77 و85.

[15] عمران عبد الله، "عودة جدل "العثمانلي" إلى جبل لبنان.. وقائع التّاريخ في خضمّ السّياسة"، 6/9/2019،

https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/

[16] الصّليبي، تاريخ لبنان الحديث، 114 و130-131.

[17] عبد الله، "عودة جدل "العثمانلي" إلى جبل لبنان.. وقائع التّاريخ في خضم السّياسة".

[18] ENGIN AKARLI, The Long Peace ottoman Lebanon 1861-1920 (Los Angeles: University of California press, 1993). pp. 1, 188-189.

[19] جورج شرف، "التّوجُّهات السّياسيّة في الأوساط الشّيعيّة والمارونيّة إبّان قيام دولة لبنان الكبير"، المركز المارونيّ للتّوثيق والأبحاث.

[20] فوّاز طرابلسي، تاريخ لبنان الحديث من إلإمارة الى اتّفاق الطّائف، ط.3 (بيروت – لبنان: رياض الرّيّس للكتب والنّشر، 2011)، 10-11.

[21] شرف، "التّوجُّهات السّياسيّة في الأوساط الشّيعيّة والمارونيّة إبّان قيام دولة لبنان الكبير".

[22] داغر، موسوعة المجازر الكبرى في القرن العشرين، مج.4، الإبادة الأرمنيّة، ج.2.

[23] أمين جول إسكندر، " سرد لحقيقة حرب إبادة المسيحيّين في لبنان KAFNO ما بين عامَي 1914 و1916 الّتي نفّذها المحتلّ العثمانيّ/من أصل أربعماية وخمسين ألف مواطن مسيحيّ، سقط حوالى مائتين وعشرين ألفًا صرعى، فيما هرب نصف الباقين أحياء إلى الخارج"، 14 june 2019،

http://eliasbejjaninews.com/archives/7577/kafno%D

[24] راجع مداخلة الدّكتور يوسف معوّض في" طاولة مستديرة حول مئويّة المجاعة في لبنان"، في جامعة القدّيس يوسف، 23 نيسان 2015، بيروت، https://www.usj.edu.lb/actualites/news.php?id=

[25] "اتّفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها"، معاهدات،9-12-1948 ، اللّجنة الدّوليّة للصّليب الأحمر،

https://www.icrc.org/ar/doc/resources/documents/misc/62Sgrn.htm

[26] روبرت رابيل، "الإبادة الجماعيّة للأرمن ومجاعة الموارنة والدّروس المستفادة من فظائع الماضي"، منتدى فكرة، ١٢ مايو ٢٠٢١، https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/ (تاريخ الدّخول في 16-11-2021).

[27] داغر، موسوعة المجازر الكبرى في القرن العشرين، مج.4، الإبادة الأرمنيّة-ج.2.

[28] "الانقضاض على معاهدة لوزان.. هل اقترب انهيار الاتفاقيّة الّتي أسّست لظهور دول الشّرق الأوسط؟"، فريق التّحرير في ميدان الجزيرة، في 20-2-2020، https://www.aljazeera.net/midan/intellect/history/ (تاريخ الدّخول في 15-11-2021) .

[29] "آيا صوفيا: ما هي قصّة الكنيسة/المسجد الّتي أثارت ردودًا عالميّة واسعة؟ "، 13 يوليو/ تمّوز 2020،

https://www.bbc.com/arabic/middleeast-

[30] "وثيقة الأخوّة الإنسانيّة من أجل السّلام العالميّ والعيش المشترك"، في 4 فبراير 2019، أبو ظبي - الإمارات العربيّة المتّحدة،

https://www.vaticannews.va/ar/pope/news/2019-02/ar-pope-francis-uae-document-human-fraternity.html

[31]   تقرير رقم 11 الصّادرعن مركز الشّرق الأوسط للدّراسات الاستراتيجيّة أورسام، بعنوان "الأتراك المنسيّون الوجود التّركمانيّ في لبنان"، شباط 2010.

[32] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 125.

[33] تقرير رقم 11 الصّادرعن مركز الشّرق الأوسط للدّراسات الاستراتيجيّة أورسام.

[34] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 126-127.

[35] جبّور، المصدر نفسه، 128-129.

[36] جبّور، المصدر نفسه، الصّفحة نفسها.

[37] "العلاقات بين تركيا ولبنان"، الصّفحة الرّسميّة لوزارة خارجيّة تركيا.

[38] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 306-307.

[39] محمّد نور الدّين، "تركيا في لبنان: العقبة السّعوديّة"، الثّلاثاء 16 تشرين الثّاني 2021،

https://www.al-akhbar.com/Politics/ (تاريخ الدّخول في 17-11-2021)

[40] جبّور، المصدر السّابق، 311-312.

[41] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 312.

[42] "العلاقات الأرمنيّة اللبنانية"، من ويكيبيديا الموسوعة الحرّة، https://ar.wikipedia.org/wiki/%D (تاريخ الدّخول في 16-11-2021)

[43] نسرين مرعب، "أبو صعب يسترضي الأرمن ويغضب أهل طرابلس"، لبنان الجديد، في 22 نيسان 2015،

https://www.newlebanon.info/lebanon-n (10-11-2021).

[44] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[45] منصور، "طرابلس ليست مشروعًا تركيًّا".

[46] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[47] "زيارة وزير الخارجيّة مولود تشاووش أوغلو إلى إيران، 15 نوفمبر/تشرين الثّاني 2021"، وزارة الخارجيّة في الجمهورية التّركيّة، https://www.mfa.gov.tr/s (تاريخ الدّخول في 16-11-2021)

[48] علي الحسيني، "تركيا في لبنان... أيّ دور؟"، ليبانون ديبايت، 21 شباط 2021،

https://www.lebanondebate.com/news/518553 (تاريخ الدّخول في 16-6-2021)

[49] عرض بمنح الجنسيّة التّركيّة لتركمان لبنان يثير الجدل"، إندبندنت عربيّة، الإثنين 10 أغسطس 2020،

https://www.independentarabia.com/node/142271/

[50] الحسيني، المصدر السّابق.

[51] منصور، "طرابلس ليست مشروعًا تركيًّا".

[52] منصور، "طرابلس ليست مشروعًا تركيًّا".

[53] مطر، "الدّور التّركيّ في لبنان: الأهداف والأدوات".

[54] نور الدّين، "تركيا في لبنان: العقبة السّعوديّة"، الثّلاثاء 16 تشرين الثّاني 2021،

https://www.al-akhbar.com/Politics/ (تاريخ الدّخول في 17-11-2021)

[55] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[56] نور الدّين، المصدر السّابق.

[57] نصر الدّين، المصدر السّابق.

[58] نصر الدّين، المصدر السّابق.

[59] نور الدّين، "تركيا في لبنان: العقبة السّعوديّة".

[60] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[61] ماهر الخطيب، "الدّور التّركيّ في لبنان: بين "التّمدّد" وانزعاج عواصم إقليميّة فاعلة"، ٢٩ تمّوز٢٠٢٠،

https://www.elnashra.com/news/show/1433844/ (تاريخ الدّخول في 21-11-2020)

[62] ماهر الخطيب، المصدر نفسه.

[63] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[64] نصر الدّين، المصدر نفسه.

[65] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 85-186 و257.

[66] جو حمّورة، "ودائع تركية في لبنان التّركمان اللّبنانيّون: توزيعهم وعلاقتهم مع تركيا"،

Middle East Institute for Research and Strategic Studies (MEIRSS)، تشرين الأوّل 2014.

[67] جبّور، المصدر السّابق، 185-186 و257.

[68] حمّورة، المصدر السّابق.

[69] نصر الدّين، "تركيا في لبنان: أردوغان "أبًا جديدًا للسُنّة"؟".

[70] نصر الدّين، المصدر نفسه.

[71] مهنّد الحاج علي، "النفوذ التّركيّ إلى ازدياد في لبنان، حيث يتطلّع العديد من السُنّة إلى راعٍ إقليميّ"، 3 أيلول 2020،

https://carnegie-mec.org/diwan/82642 (تاريخ الدّخول في 22-11-2020)

[72] مطر، "الدّور التّركيّ في لبنان: الأهداف والأدوات".

[73] حمّورة، "ودائع تركية في لبنان التّركمان اللّبنانيّون: توزيعهم وعلاقتهم مع تركيا".

[74] الحاج علي، "النّفوذ التّركيّ إلى ازدياد في لبنان، حيث يتطلّع العديد من السُنّة إلى راعٍ إقليميّ".

[75] الحاج علي، "دور تركيّ في لبنان"، 24/8/2020،

https://www.almodon.com/opinion/2020/8/24/ )تاريخ الدّخول في 21-11-2020)

[76] إسكندر، "سرد لحقيقة حرب إبادة المسيحيّين في لبنان".

[77] الخطيب، "الدّور التّركيّ في لبنان: بين "التّمدّد" وانزعاج عواصم إقليميّة فاعلة".

[78] الحاج علي، "النفوذ التّركيّ إلى ازدياد في لبنان، حيث يتطلّع العديد من السُنّة إلى راعٍ إقليميّ".

[79] "الانقضاض على معاهدة لوزان.. هل اقترب انهيار الاتّفاقيّة الّتي أسّست لظهور دول الشّرق الأوسط؟".

[80] كما هو متداول منذ سنواتٍ بين الكثيرين في الأوساط الإعلاميّة والشعبيّة في تركيا، منذ أن ندّد أردوغان علنًا بالاتّفاقيّة. راجع: "الانقضاض على معاهدة لوزان.. هل اقترب انهيار الاتفاقيّة الّتي أسّست لظهور دول الشّرق الأوسط؟".

[81] جبّور، تركيا دبلوماسيّة القوّة النّاهضة، 97 و304.

[82] الحاج علي، "دور تركيّ في لبنان".

[83] الحسيني، "تركيا في لبنان... أيّ دور؟".

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق