حيث الحياة والحبّ والحريّة والمصالحة والوحدة والغفران... هناك المسيح! هناك الملكوت!

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب جان عزّام

أيّها المسيح! أين ملكوتك؟

مقدّمة

منذ وجوده على الأرض، يبحث الإنسان عن تأمين حياته وضمان حاضره ومستقبله. ولأنّ البشر يعيشون في مجتمعات، فقد حاولوا بشتّى الطّرق والوسائل أن يحقّقوا لأنفسهم "ملكوتًا" تعمّ فيه البحبوحة والأمان، لكنّهم اصطدموا دائمًا بأنانيّاتهم ومخاوفهم الّتي دفعتهم إلى الانقسام والتّحارب فيما بينهم، أو مع مجتمعات عدوّة تنافسُهم على خيرات الأرض للسّيطرة عليها.

يفتتح مرقس أنجيله بهذه الكلمات: بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله (1: 1ت). هكذا أيضًا متّى الّذي يعلن: "وكان يسوع يجول في الجليل كلّه معلّمًا في مجمعهم وكارزًا بإنجيل الملكوت، وشافيًا كلّ مرض وعلّة عند الشّعب" (4: 23؛ 9: 35).

فما هو هذا الإنجيل، وعن أيّ ملكوت مختلفٍ يتكلّم؟

أ - إنجيل الملكوت

1- إنجيل؟

كلمة Evangelion تعني الخبر المفرح؛ الإنجيل ليس "خطابًا إخباريًّا"، بل هو حدث يتحقّق في الواقع، فيحوّله ويجعله مقامًا للخلاص! ولذلك يقول مرقس: "إنجيل الله" لأنّ الخبر – الحدث، المزمع أن يخلّص العالم ويحوّله، هو إنجيل الله! وهذا هو أيضًا معنى إعلان متّى "إنجيل الملكوت"؛ لأنّ الملكوت الّذي يحقّق الخلاص هو ملكوت الله والمسيح.

من المرجّح أنّ الأباطرة كانوا يُرسلون كارزين يعلنون للنّاس "كِريغما"، أي قرارًا إمبراطوريًّا له صفة التّطبيق الفوريّ، داعين النّاس إلى إطاعته والعمل به. بعض هذه الكريغمات كان يُطلق عليها صفة "إنجيل" لأنّها كانت تتضمّن إرادة إمبراطوريّة مُفرحة للشّعب. ومن المرجّح أيضًا أنّ مرقس ومتّى استعملا كلمة "إنجيل" لمحتوى بشارتهما بيسوع المسيح، لأنّ ما حقّقه المسيح هو الحدث الخلاصيّ بامتياز، ولذلك استعمل بولس أيضًا كلمة "كريغما" ليصف بشارته بين الأمم! فالمسيحيّة لم تحمل للعالم تعليمًا دينيًّا أو أخلاقيًّا لكي يحقّقه البشر بقواهم وجهدهم! بل حملت خبرًا (حدثًا) تحقّق بالفعل بيسوع المسيح، أي بحياته وموته وقيامته، وهو ذو فعّاليّة مباشرة في حياة من يقبلونه، لأنّه يتحقّق بنفس الرّوح المُحيي الّذي حقّق حدث قيامة المسيح من بين الأموات؛ ولذا يؤكّد بولس: "وإِذَا كَانَ رُوحُ اللهِ الّذي أَقَامَ يَسُوعَ مِنْ بَيْنِ الأَمْواتِ سَاكِنًا فيكُم، فالّذي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يُحْيي أَيْضًا أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُم" (روم 8: 11).

2- ملكوت مَن؟

كريغما الأباطرة وأناجيلهم مُرتبطة فعلًا بقدرتهم على تحقيقها قوانينَ مُلزمة للنّاس التّابعين لمملكتهم. وبهذا المعنى، يمكننا أن نضع تعبير إنجيل الملكوت في متّى، في سياق الإعلان عن ملكوت جديد مُختلف عن ملكوت الأباطرة. لأنّ السّؤال الأساسيّ هو في قدرة كلّ ملكوت على أن يحقّق "الخلاص" الموعود، إمّا بقوّة إنجيل الأباطرة أو بقوّة إنجيل الله والمسيح. السّؤال الّذي واجهه المسيحيّون منذ البداية هو الآتي: من هو الـ"كيريوس" (الرّبّ) الّذي يخلّص الإنسان؟ هل هو "سيزار كيريوس" أي القيصر الرّومانيّ، أم "خريستوس كيريوس" أي المسيح؟ لقد كان على كلّ سكّان الإمبراطوريّة الرّومانيّة أن يعلنوا أنّ القيصر هو الرّبّ، أمّا المسيحيّون فرفضوا هذا الإعلان، وتشبّثوا بإعلان إيمانهم أنّ المسيح هو الرّبّ! لم يُضطهَد المسيحيّون أساسًا بسبب ديانتهم الجديدة ومعتقداتها اللّاهوتيّة أو الأخلاقيّة أو بسبب طقوسهم... بل اضطُهدوا جوهريًّا بسبب عدم اعترافهم بأنّ القيصر هو الرّبّ، بل المسيح وحده. ولذا فالملكوت الّذي تُبشّر به الأناجيل ليس مجرّد نظريّة بل واقع قريب (ملكوت الله قريب!). ولذلك يطلب الرّسل من النّاس جوابًا على هذا الملكوت الّذي يتحقّق: "لَقَدْ تَمَّ الزَّمَان، وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ الله، فَتُوبُوا وآمِنُوا بِالإِنْجِيل" (مر 1: 15).

3- ملكوت المسيح

إعلان هذا الملكوت يشكّل مركز تبشيرِ يسوع. ففي العهد الجديد، ترِد كلمة "ملكوت الله" 122 مرّة، منها 90 مرّة في الأناجيل الإزائيّة، موضوعة بأكثرها على فم يسوع نفسه. هذا يظهر أنّ موضوع الكرازة السّابقة للفصح هو ملكوت الله في المركز. وبعد الفصح صار الموضوع المركزيّ هو "الكرازة الكريستولوجيّة! هل هذا يعني تعارضًا؟ كلّا. لأنّ ملكوت الله هو يسوع نفسه الّذي يحقّقه: أي أنّ المعلِن هو نفسه موضوع الإعلان: يسوع يعلن تحقيق ملكوت الله، وما هو هذا الملكوت؟ هو يسوع المسيح نفسه الحاضر في العالم.

هذا التّفسير أكده التّقليد الكنسيّ ووسَّعه. ففي تقليد الآباء موضوع الملكوت الأساسيّ هو كريستولوجيّ. أوريجانس يقول إنّ الملكوت هو autobasileo أي أنّه الملكوت في شخص المسيح عينّه. الملكوت ليس مكانًا بل هو شخص. إنّه حضور الله شخصيًّا كما قلنا. من جهة ثانية، هذا الملكوت له طبعًا مَن يستقبله ومَن يرفضه! فالملكوت عندما نستقبله يصبح في داخلنا (وبيننا). من جهة ثالثة، هذا الملكوت عندما يستقبله المؤمنون، يتحقّق فيهم وعبرهم في الكنيسة الّتي هي حضور الله في العالم لكونها جسد المسيح.

4- الجماعة المسيحيّة والملكوت

يمكننا أن نتوقّف عند معانٍ عديدة أُعطيت لهذا الملكوت وكيفيّة تحقيقه: هل يحدُث في الحياة العمليّة الأخلاقيّة والاجتماعيّة للفرد، فيكون الملكوت الّذي جاء يسوع ليحقّقه هو تغيير في حياة الأشخاص فقط؟ هل يتحقّق في أحزاب دينيّة تتكتّل حول عقائد لاهوتيّة وأنظمة أخلاقيّة وليتورجيّة، كما كان الأمر عند شعب العهد القديم عندما تجسّد يسوع؟ أي هل يتحقّق من خلال أنماط من العبادة والطّقوس الاحتفاليّة اللّيتورجيّة، مع مزايدة كلّ من أصحابها في ادّعاء أفضليّتها على غيرها؟

الحقيقة أنّ الملكوت بالدّرجة الأولى هو حضور الله الفاعل في التّاريخ البشريّ، الّذي يغيِّر القلوب ويخلق جماعة متّحدة بالحبّ والشركة، وهي جماعةُ تسبيحٍ تقدّم العبادة لله وتكون نورًا للأمم، فتجذبها لتستعيد حضور الله الحقيقيّ في العالم.

لأنّ المشكلة الأساسية المطروحة اليوم في عالمنا، ليست في مَن يسمو أخلاقيًّا على غيره، ولا في مَن يمتلك الحقيقة العقائديّة وحده، ولا في مَن يقدّم خدمات اجتماعيّة أو حياتيّة للنّاس المُعوزين أو المظلومين! المُشكلة الكبرى في عالمنا هي في اختفاء صورة الله الحقيقيّة من التّاريخ البشريّ: لأنّ البعض يريدون بناء ملكوت أرضيّ بشريّ، ومجتمعات منظّمة تنظيمًا كاملًا تُحقّق لذاتها الخلاص بالتّكنولوجيا وبأن تؤمّن كلّ حاجات الفرد... فيختفي الحبّ والتّضامن ويتقوقع الأفراد على ذواتهم، فتزدهر الأنانيّة الماديّة والنّفعيّة والإيدونيّة (أي البحث عن الملذّات والتّمتّع بالأشياء). إنّه ملكوت خالٍ من وجود الله وحضوره الفاعل في البشر وقضاياهم، فينتهي بهم الأمر إلى تكوين عالم متفكّك وحضارة موت: وهذه هي حال أكثر المجتمعات الغربيّة الّتي صارت على طريق الزّوال! والبعض الآخر يريدون أن يبنوا عالمًا قائمًا على الادّعاء بتحقيق عدالة الله من خلال عقائدهم وأفكارهم وأحكامهم، وإلهٍ ديكتاتوريّ يحكم البشر من خلال مَن يدّعون تمثيله، وبواسطة التّكفير والقمع والمنع، فينتهي بهم إلى بناء عوالم متقاتلة باسم الله وباسم قضاياه السّامية، فيعيش النّاس في ظلّ هذا "الملكوت الإلهيّ"، في العنف والقهر والكبت، وهم يحتاجون دائمًا إلى عدوّ يقاتلونه، وإلّا فيتقاتلون في ما بينهم! ويتكلّمون عن الرّحمة والتّسامح والمغفرة، ولكنّهم في الواقع مُنشغلون دائمًا بالعنف والكراهيّة تجاه "أعداء الله" ، كما يدّعون.

ويحاول البعض أن يبني ملكوتًا قائمًا على كثرة الصّلوات والعبادات بينما قراراتهم الحياتيّة بعيدة كلّ البعد عن تقواهم... فيصبح الملكوت أمرًا منتظرًا في الاسكاتولوجيا، لأنّه في نظرهم ملكوت متسامٍ لا يمكن تحقيقه في الواقع المعيشيّ والاجتماعيّ الصّعب، بل المستحيل! يقولون لك إنّهم يؤمنون بالإنجيل، ولكنّهم لا يقدرون على إتمامه في الواقع!

الفرّيسيّ كان كاملًا أخلاقيًّا ولكنّه لم يكن على علاقة بالله، بل كان هو المركز الّذي يجب أن يراه الله والنّاس! والعشّارون والزّناة وكلّ الفاسقين كانوا –قبل توبتهم- يهدمون ملكوت الله فيهم وحولهم لكي يربحوا ملكوت قيصر، الّذي يمكن أن نرمز إليه بالمال والمصلحة الشّخصيّة. وحزب الغيارى، على خطى يهوذا المكّابيّ وأخوته، كان يلجأ إلى العنف والمقاومة المُسلّحة لكي يحقّق ملكوت يهوه بدلًا من سيطرة الإمبراطوريّة الرّومانيّة؛ ولكنّهم لم يُنتجوا إلّا العنف وسفك الدّماء، وبرأبّا نموذجهم الأعلى؛ ولو قُدّر لهم أن يطردوا الاحتلال الرّومانيّ، كما فعل المكّابيّون مع الاحتلال الهلّينيّ، لكانوا بنَوا مملكة فاسقة أكثر من تلك الّتي حاربوها، كما حصل مع كلّ الملوك المكّابيّين! والّذين أرادوا بناء عالمٍ قائمٍ على الانتظارات الاسكاتولوجيّة، مثل جماعة قمران، وجدوا أنفسهم يهربون من مواجهة واقعهم بالانعزال عن العالم وبإكثار الصّلاة والعبادات من دون أن يلتقوا بالله الحاضر والفاعل في قلب الظّلم وفي تاريخهم الحاليّ!

الموضوع الأساسيّ هو أنّ ملكوت الله حاضر في الواقع، في الوجود، في التّاريخ، في الظّلم والنّقص وفي الصّلبان! وهذا الحضور هو الّذي يعطي معنى للوجود و الحياة البشريّة؛ وبفضله يكتشف الإنسان طريق الحياة، فيعيش بحسب كلمة الله ويمتلئ من الرّوح الواحد، الّذي بدوره يخلق جماعة واحدة متضامنة؛ وهذه ترفع التّسبيح والشّكر لله، وهي تسير مسيرة توبة ونضوج لتحقيق إرادة الله الخلاصيّة، ولتحقيق التّضامن البشريّ الحقيقيّ القائم على محبّة القريب والعدوّ على حدٍّ سواء. أفرادها يعيشون حياة المسيح، لا هم، بل المسيح الّذي يحيا فيهم؛ لأنّ المسيح هو حياتهم وملكوتهم ورجاؤهم في هذه الدّنيا وفي الإسكاتولوجيا. وهم يحقّقون ملكوتًا حقيقيًّا بحياتهم البارّة الّتي يثمرها قبول النّعمة والعيش بها ومن خلالها.   

فالملكوت هو عطيّة مجانيّة يستقبلها تلاميذ إنجيل الملكوت، ويعيشون منها ويشاركون قريبهم بها، فيسبّحون الله معًا من أجلها، ويعملون على إعلانها إلى العالم، فتصبح الرّجاء المتجدّد بعالم أفضل، حتّى تحقيق ملكوت الله.

ب - التّلمذة لإنجيل الملكوت

1 - التّلاميذ؟

التلاميذ هم الـ "نحن" الّتي تشكل عائلة يسوع. وهذه الـ "نحن" ليست محدَّدة بالانتماء أو بالأصول العائليّة، بل بالشّركة مع يسوع، الّذي هو نفسه التّوراة الحيّة. وليست هذه العائلة من دون وجه! بل إنّ يسوع يدعو أشخاصًا معيّنين بأسمائهم ويفرزهم لإكمال رسالته، ولتكوين هذه العائلة الجديدة. ونواة هذه العائلة هم الإثنا عشر، والاثنان والسّبعون، الّذين أصبحوا الجماعة المسيحيّة الأولى، الّتي كانت في شركة تامّة بين جميع أعضائها: في الصّلوات وكسر الخبز وأيضًا في الخيرات والتّعاضد بين أعضائها. لم تكن الجماعة المسيحيّة الأولى بدعة أو حزبًا دينيًّا موجّها ضدّ الآخرين، بل جماعة تلاميذ إنجيل المسيح، والمؤمنين بموته وقيامته، والّذين نالوا عطيّة الرّوح، فكوّنوا جسد يسوع المسيح القائم من الأموات، الّذي يرغب في أن يستمرّ ببذل ذاته لأجل الآخرين، أتقياء كانوا أم أشقياء، بعيدين أو قريبين! إنّه هذا الجسد الّذي انكسرت فيه العداوة بين يهوديّ وأعجميّ، وبين مَن كان على شريعة موسى ومَن كان في ظلمة الوثنيّة وفسادها. القدّيس بولس يؤكّد بهذا المعنى هدف تجسّد المسيح وموته على الصّليب سافكًا دمه لخلاص البشر أجمعين: فـ"َإِنَّهُ هُوَ سَلامُنَا، هُوَ جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وفي جَسَدِهِ نَقَضَ الْجِدَارَ الفَاصِلَ بَيْنَهُمَا، أَي العَدَاوَة، وأَبْطَلَ شَريعَةَ الوَصَايَا بِمَا فِيهَا مِنْ فَرائِض، لِيَخْلُقَ الاثنَينِ في شَخْصِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، بإِحْلالِهِ السَّلامَ بَيْنَهُمَا، ويُصَالِحَهُمَا مَعَ الله، كِلَيْهِمَا في جَسَدٍ وَاحِد، بِالصَّليب، قَاتِلًا فيهِ العَدَاوَةَ بَيْنَهُمَا. فلَمَّا جَاءَ بَشَّرَكُم بِالسَّلامِ أَنْتُمُ البَعِيدِين، وبَشَّرَ بالسَّلامِ القَرِيبين، أَنَّنَا بِهِ نِلْنَا نَحْنُ الاثْنَينِ في رُوحٍ وَاحِدٍ الوُصُولَ إِلى الآب" (أف 2: 14-18).

2- ... والملكوت؟

كما جاء في إنجيل مرقس، فإنّ مهمّة الرّسل مزدوجة: أن يكونوا مع المسيح ليختبروا ملكوت الله فيه، وأن يرسلهم ليحقّقوا هذا الملكوت. كان يجب أن يكونوا معه ليعرفوه ويدخلوا في علاقة حميمة وشخصيّة معه، لا كعلاقة النّاس الآخرين الّذين عرفوه من الخارج، وأن يرسلوا ليحملوا رسالة يسوع إلى العالم، ابتداء من "الخراف الضّالّة من شعب إسرائيل، وحتّى أقاصي الأرض".

رسالتهم بالتّحديد هي " أن يعلنوا هذا الملكوت المُحقّق والحاضر بقوّة من خلالهم، والعلامة على ذلك هي قدرتهم على طرد الشّياطين" (مر 3: 14ت). لذلك، كما سبق أن قلنا، فإنّ إعلان إنجيل الملكوت ليس فقط تعليمًا، بل هو حدث فاعل: إنّه اللّقاء مع يسوع واختبار حدث الخلاص وعيشه في الحياة الواقعيّة، مع الذّات وفي العائلة، وفي الجماعة الصّغيرة، وفي قلب العالم المناهض للإنجيل، إن كان باسم الماديّة أو التّيوقراطيّة. فالأعداء ليسوا "لحمًا ودمًا" بل عدد لا يُحصى من "الأرواح الشّريرة" الّتي تبغض الخير والحبّ والجمال والنّظام والعدل، متحجّجة تارة باسم عظمة الإنسان من دون الله، وطورًا باسم عظمة الله على حساب الإنسان. لذلك، فالطّاعة لله بالمسيح يسوع، أي على مثاله، وبقدرة روح الحبّ المُطلق لله وللإنسان معًا، هي الطّريق الوحيد لإعادة الحياة إلى الجماعة البشريّة وتدبيرها بالحبّ! أما محاولة تحقيق "العدل والإنصاف" بروح أخرى، فهو الولوج إلى جهنّم! أليس هذا هو واقع عالمنا اليوم؟

البعض يحدّد المسيحيّة بأنّها أيضًا ديانة الشّفاء... ولكنّ قوّة الشّفاء الحقيقيّ هي في التّحرّر من الخوف من الآخر ومن اللّامعنى والعبثيّة، اللّذَين يقودان إلى حضارة الموت بكلّ تجلّياتها الإلحاديّة والتّيوقراطيّة. عندما تنجح المسيحيّة في جعل المسيح نفسه حاضرًا فيها ومن خلالها، تصبح الدّواء لعدم الموت، أي للعيش بحريّة حقيقيّة، وهو ما تصبو إليه رغبات كلّ أصحاب الإرادات الطّيّبة، حتّى من خارج المسيحيّة: "لم نتلقّ روح العبوديّة لنعود إلى الخوف، بل الرّوح الّذي به ندعو الله "أبّا" أيّها الآب". إنّها العودة إلى علاقة الحبّ مع الله، وبهذا الحبّ يتجلّى ملكوت الله الحاضر بيننا.

3- ثمار الملكوت

"من ثمارهم تعرفونهم"! هذا ما أكّده المسيح! لقد شبعنا من النّظريّات من هنا ومن هناك!

لقد أشبعنا الغرب من نظريّة أولويّة الإنسان من دون الله، وكلّ ما نتج من ذلك إفراغ الوجود البشريّ من معانيه السّامية. ولا نحتاج إلى المجادلة مع هؤلاء، لأنّ أعمالهم تتبعهم؛ ونتيجة نظريّاتهم، الّتي تتبدّل بتبدّل الأمزجة والأشخاص الموجودين في السّلطة، واضحة للعيان: عالم منظّم تنظيمًا رائعًا، وفيه كلّ شيء متاح، ولكنّ النّاس أشقياء، أغلبهم يعيش في الوحدة القاتلة: لا يتزوّجون ليعيشوا بحرّيتهم؛ وإن تساكنوا أو تزوّجوا، لا يُنجبون ليعيشوا حياتهم؛ وغالبًا ما ينفصلون سريعًا، ليتزوّجوا مرّة ثانية أو ثالثة، ثم ينتهي بهم الأمر في شقّة صغيرة باردة... عدا عن كلّ المآسي الّتي تعاني منها مجتمعاتهم، والعنف وعدم المساواة العميقة بين البشر، والرّأسماليّة المتوحّشة... فماذا تنفع النظريّات أمام الحقيقة المرّة لمجتمعات سرعان ما ستزول، كما بدأ يؤكّد الكثيرون من بينهم؟

وماذا عن الشّرق الرّازح بأكثره تحت نير الدّيكتاتوريّات والتّيوقراطيّات الّتي لا تقيم للإنسان وحرّيّاته وحقوقه وزنًا، تارة باسم الدّين وطورًا باسم القضايا الوطنيّة والقوميّة، الّتي تغذّي أجيالًا كاملة بالأحقاد والعنف والضّغوط الّتي لا تنتهي، والفقر والإذلال.... قد نفرح لأنّهم عندنا ما زالوا يتزوّجون وينجبون، وعساهم يستمرّون بذلك؛ لأنّ إعطاء الحياة أمر رائع! ولكنّنا نسأل: لمن يتزوّجون وينجبون؟ هل للحياة الكريمة، أم لحيوات لا ينتهي شقاؤها؟


خاتمة

أين ملكوتك أيّها المسيح؟ هذا عنوان حديثنا، وهو السّؤال الّذي يطرحه النّاس في أيّامنا، على وقع كلّ الأزمات الماديّة والأمنيّة والسّياسيّة... الّتي نعيشها.

الجواب بسيط. من ثمارهم تعرفونهم. هذا هو الدّليل إلى وجود الملكوت؛ فحيث الحياة والحبّ والحرّيّة والمصالحة والوحدة والغفران... هناك المسيح! هناك الملكوت!

المسيح هو نفسه الملكوت الّذي نبحث عنه! إن وجدنا المسيح نجد الملكوت، لأنّ كلّ الّذين يعيشون فيه ويعيش فيهم، يكوّنون حكمًا جماعة مسيحيّة تعيش في الوحدة والمحبّة بين مكوّنيها، وتصبو في الوقت عينه إلى عيش هذه المحبّة ونشرها من حولها تجاه المحيطين بها. حضور المسيح هو في قوّة قيامته الّتي يختبرها المسيحيّون في قلب الأزمات والموت اليوميّ الّذي يصيبهم كما يصيب باقي النّاس؛ ومع ذلك فهم لا يهاجرون، ولا يهربون، ولا يصبحون ذئابًا يستغلّون الظّروف للرّبح على حساب الآخرين، لا في متاجرهم، ولا في أفرانهم، ولا في مصانعهم، ولا في وظائفهم أيًّا تكن فرص الاستغلال متوفّرة عندهم.. يعيشون "الصّلب" مثل الآخرين، ولكنهم لا يسقطون تحت وطأته، بل يتمجّدون فيه ومن خلاله، لأنّهم يختبرون قدرة قيامة المسيح فيه! لذا يصبحون هم أيضًا، جماعةً وأفرادًا، المسيحَ الحاضر في العالم ولأجله. فهل يوجد بيننا ملكوت المسيح هذا؟ وهل هناك من يجعلون هذا الحضور منيرًا؟ أين ملكوتك أيّها المسيح؟ والطّوبى لمن يجدونه!   

 

____________________________

الخوري جان عزّام: حائز دكتوراه في العلوم البيبليّة من المعهد البيبليّ الحبريّ في روما. أستاذ متفرّغ في كّليّة اللّاهوت الحبريّة في الكسليك، وأستاذ زائر في كلّيّات ومعاهد لاهوت في لبنان وأوروبّا وأفريقيا. صاحب مقالات كثيرة بالعربيّة، وله كتاب عن سفر دانيال بالفرنسيّة.

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق