حوار المكان والعقل
هناك، على قمَّة الجبل وقف يستريح بعد رحلة بحثٍ طويلةٍ في الميتافيزيقا ومسائلها. سمع صوتًا جميلًا ممدَّدًا على صخرةٍ ملساء. اقترب منه قليلًا، حيَّاه ثمَّ دار بينهما حديثٌ طال وامتدَّ حتَّى بلغ حافَّة السَّماء... هما العقل والمكان.
العقل: أفكِّر فيك منذ زمنٍ... مَن أنتَ؟ وكيف أنتَ؟ هل أنتَ حادثٌ أم قديم ؟ مخلوقٌ أم خالق؟ هل أنتَ محدودٌ أو لا محدود؟ متناهٍ أو لامتناهٍ؟ ما أنتَ يا مكان؟
المكان: وهل توصَّلتَ إلى إجاباتٍ على أسئلتك؟
العقل: لم أنهِ بحثي بعدُ. وهل باستطاعتي ذلك وقد احتارت فيك العقول وكثُرت الأقاويل؟!
المكان: عقل فيلسوفٍ أنتَ.
العقل: نعم. أنا عقلٌ قلِقٌ قُذِفَ بي إلى عالمٍ لم أخترْه. أتيتُ من كونٍ صغيرٍ دافئٍ أمضيتُ فيه تسعة أشهر، ثمَّ غادرتُه إلى كونٍ أكثر اتِّساعًا وأقلُّ حبًّا.
المكان: يبدو أنَّك غير سعيدٍ في عالمك.
العقل: بالعكس. أنا سعيدٌ بالرَّغم من قلقي الوجوديّ وهمومي الفلسفيَّة... يشغلني التَّفكير في الوجود والزَّمان والمكان، وفي الحياة وعبثيَّتها...
المكان: قلتم، أنتم البشر، الكثير عن ماهيَّتي وطبيعتي. فقد ذكرت كتبكم الدِّينيَّة أنَّ الكون مخلوق، وأنَّ بقاءه وفناءه بأمر الله. فقد جاء في سفر التَّكوين أنَّ الله خلق الكون في ستَّة أيَّام، ثمَّ استراح في اليوم السَّابع. فخلق ابتداءً السَّموات والأرض، ثمَّ خلق النُّور والجَلَد واليابسة والبحار والشَّمس والقمر والكواكب والحيوانات، وأخيرًا خلق الإنسان على صورته. وذكر القرآن أنَّ الله خالق كلِّ شيء، وأنَّ أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كُنْ فيكون.
العقل: هذا قول الدِّين. أمَّا الفلسفة فلها قولٌ آخر. ثمَّة فلاسفةٌ قالوا إنَّ الكون قديمٌ بالذَّات وبالزَّمان، أو أنَّه قديمٌ فاض عن الإله، وآخرون قالوا إنَّه حادثٌ أو مخلوق. واختلفوا في تصوُّرهم المكان، فاعتبره بعضهم فكرةً فطريَّةً أو صورةً قبليَّةً موجودةً في العقل، بينما اعتبره آخرون الحيِّز الَّذي يحوي جميع الموجودات وتقع فيه الحوادث، وقالوا إنَّه يوجد بذاته سواء شغلته أشياء أو لم تشغله... وهذه كلُّها أفكارٌ قديمةٌ من تاريخ الفلسفة. والقول اليوم يجب أن يكون للعلم. فلنتأمَّل النَّظريَّة الَّتي تقول إنَّ الكون يتوسَّع، وأنَّه في تمدُّدٍ مستمر...
المكان: لمَ تحتارون، يا بشر، في تحديدي وتبحثون في أصْلي ووجودي؟ لمَ لا تحصرون اهتماماتكم وتصوُّراتكم في مستوى كونكم الصَّغير، أي عالمكم بما يحويه من أماكن؟
العقل: من طبيعتنا وفطرتنا النَّظر والتَّأمُّل في الوجود ومحاولة فهمه. أدرك جيِّدًا أنَّ التَّفكير شيء، وأمَّا الحقيقة فشيءٌ آخر. المكان بالنِّسبة لعامَّة النَّاس هو الأرض الَّتي يعيشون عليها، وفوقها السَّماء، وهما عند معظمهم مخلوقتان. وهذا التَّقسيم قديمٌ يرجع إلى أرسطو وفلاسفة اليونان الَّذين تخيَّلوا أكثر ممَّا أثبتوا. فقول أفلاطون بوجود عالمَين: عالم الحسِّ وعالم المثل ليس إلَّا خيالًا. وكذلك فقوله إنَّ النَّفس تتوق إلى العودة إلى العالم الَّذي كانت تعيش فيه قبل أن ترتكب إثمًا فتتكسَّر أجنحتها وتهبط إلى البدن وتُحبَس فيه، ما هو إلَّا اعتقادٌ خياليٌّ يشبه الاعتقاد أنَّ آدم وحوَّاء كانا يعيشان في الجنَّة قبل أن يعصيا الخالق ويهبطا إلى الأرض. وفي الحالَين المكان الآخَر هو المنشود، هو البداية والنِّهاية، هو الأصل والغاية.
المكان: صحيح. لذا يسعى المؤمنون بالمكان النِّهائيِّ أو الحياة الآخرة، كما يسمُّونها، إلى إحراز رضا الله لينالوا غايتهم. أرى النَّاس يقدِّسون أماكن ويتعلَّقون بأخرى... فمدينة القدس يعظِّمها اليهود والمسيحيُّون والمسلمون. ففيها هيكل سليمان، بيت الإله يهوه؛ وحائط المبكى، وهو الجدار المتبقِّي من الهيكل. وهذا الهيكل له مكانةٌ كبيرةٌ عند المسلمين أيضًا لاعتقادهم أنَّ النَّبي محمَّد ربط الدَّابَّة "البُراق" الَّتي ركبها ليلة الإسراء بحلقةٍ كبيرةٍ في ذلك الحائط، ولذلك فهم يسمُّونه حائط البُراق... ويبجِّل اليهود أيضًا جبل سيناء في مصر حيث كلَّم الله موسى (ويسمِّيه المسلمون جبل الطُّور). ويقدِّس المسيحيُّون كنيسة المهد في بيت لحم حيث ولد المسيح، ونهر الأردن حيث تعمَّد، وكنيسة القيامة الَّتي شُيِّدت فوق قبر المسيح، وكنيسة القدِّيس بطرس الَّتي يُعتقَد أنَّها تضمُّ جسده، وقانا الجليل الَّتي يقال إنَّ أولى معجزات المسيح حدثت فيها... ومن الأماكن المقدَّسة عند المسلمين مكَّة المكرَّمة الَّتي تضمُّ المسجد الحرام، وفيه الكعبة الَّتي بناها النَّبي إبراهيم ويحجُّ إليها المسلمون كلَّ عام، والمدينة المنوَّرة حيث قبر النَّبي محمَّد... وثمَّة أماكن أخرى لها دلالاتٌ دينيَّةٌ وتاريخيَّةٌ مثل مدينة أور حيث عاش النَّبي إبراهيم، والنَّجف والكوفة وكربلاء حيث مراقد أئمَّةٍ كبار...
العقل: أحترم هذه الأماكن كلَّها، وأتفهَّم تعلُّق النَّاس بها لما تحمله من معانٍ دينيَّةً ودلالاتٍ رمزيَّة.
المكان: هي أماكن لها وجودٌ واقعيٌّ بخلاف أماكنكم أنتم الفلاسفة. فتاريخ الفلسفة حافلٌ بيوتوبياتٍ يصعب تحقيقها، مثل جمهوريَّة أفلاطون، ومدينة الله للقدِّيس أوغسطينوس، والمدينة الفاضلة للفارابي، ويوتوبيا توماس مور، ومدينة الشَّمس لتوماسو كامبانيلا، وأطلنطا الجديدة لفرنسيس بيكون، وغيرها...
العقل: لأنَّ الفيلسوف، وإن كان واقعيًّا، فهو يكتب عن ما يجب أن يكون... لم تكن المدينة المكان الوحيد الَّذي اهتمَّ به الفلاسفة، ولا الكون المكان الأكبر. فقد تكلَّم باشلار عن البيت، الكون الأوَّل للإنسان، والرُّكن الأوَّل له في العالَم. يقول باشلار إنَّ البيت الَّذي يولد فيه الإنسان هو أكثر من مجرَّد تجسيدٍ للمأوى، هو تجسيدٌ للأحلام كذلك.كلُّ ركنٍ وزاويةٍ فيه كان مستقرًا لأحلام اليقظة...
المكان: والبيت كان خيار أبي العلاء المعرِّي الَّذي آثر العزلة فيه، وسمَّى نفسه رهين المحبسَين: محبس العمى ومحبس المنزل.
العقل: لكنَّه نظم لزوميَّاته فيه، وألَّف كتبًا ورسائل كثيرة. وكان يقصده إليه طلَّاب العلم من كلِّ حدبٍ وصوب.
المكان: ماذا عن هيدغر، ألم يختر العزلة في قلب الغابة السَّوداء؟ هناك كنتُ أراه يواجه البرد والعواصف.
العقل: كانت الغابة مكانًا خاصًّا له يستطيع أن يحقِّق فيه وجوده الحقيقيّ. وقد وصف بيته بالقول: "مَن أقام البيت ها هنا هو المثابرة على إدراج الأرض والسَّماء والأمور الإلهيَّة، والغاية بكلِّ بساطتها إدراجها في الأشياء. وهذه القوَّة هي الَّتي أقامت البيت على سفح الجبل، في مأمن من الرِّياح، وفي مواجهة الجنوب، بين المروج وقريبًا من الينبوع. وهي الَّتي وهبته سقفًا من الألواح بارزًا بروزًا كبيرًا يحمل شحنات الثَّلج وبانحناءٍ مناسب، وهو ينزل إلى أسفل جدًا، فيحمي الغرف من عواصف ليالي الشِّتاء الطَّويلة...". وقال إنَّ ما يعيشه ليس العزلة وإنَّما الوحدة. ففي المدن الكبيرة يستطيع الإنسان أن يكون منعزلًا أكثر من أيِّ مكانٍ آخر. غير أنَّه لا يستطيع أن يكون وحيدًا البتَّة. ذلك أنَّ الوحدة لها نفوذٌ متميِّزٌ تمامًا في ألَّا تعزلنا، ولكن بالعكس، في أن تلقي بحياتنا كلِّها بجوار جوهر كلِّ الأشياء.
المكان: أرى النَّاس في بحثٍ دائمٍ عن مكانٍ يسعدهم ويريحهم. يسكنون أماكن، ثمَّ يغادرونها إلى أخرى. يرحلون وهم يحملون في حقائبهم حنينًا وأفكارًا ومشاعر...
العقل: كلُّ مكانٍ نسكنه تبقى فيه أجزاءٌ منَّا وإن فارقناه، كما يقول المصطفى نبيُّ جبران الَّذي عبَّر عن كآبته قبيل مغادرته مدينة أورفليس الَّتي عاش فيها اثنَي عشر عامًا، فقال: "كثيرةٌ هي أجزاء روحي الَّتي فرَّقتها في هذه الشَّوارع، وكثيرٌ هم أبناء حنيني الَّذين يمشون عُرَاةً بين التِّلال، فكيف أفارقهم من غير أن أثقل كاهلي وأضغط روحي! فليس ما أفارقه بالثَّوب الَّذي أنزعه عنِّي اليوم ثمَّ أرتديه غدًا، بل هو بشرةٌ أمزِّقها بيدي".
المكان: وقال لهم لحظة الوداع: لا تنسَوا أنِّي سآتي إليكم مرَّةً أخرى... أنتم البشر تؤمنون بأشكالٍ مختلفةٍ من الحياة بعد الموت، بمكانٍ آخر تنتقلون إليه وتخلدون فيه. يعتقد كثيرٌ من النَّاس بوجود الجنَّة والنَّار. يقول البعض إنَّ مَن يؤمن بالمسيح يدخل في ملكوت الله حيث سعادة الصِّدِّيقين بينما يهلك الأشرار. ويقول آخرون إنَّ الجنَّة هي غاية المؤمنين، يجدون فيها ما يشاؤون وما يشتهون. ففيها ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر. وفيها حُور عينٍ كأمثال اللُّؤلؤ المكنون. أمَّا الكافرون فمصيرهم النَّار حيث يذوقون عذابًا شديدًا.
العقل: هذا قول الدِّين. الإيمان باللّه واليوم الآخِر أمرٌ جيِّدٌ لأنَّه يملأ قلب الإنسان أملًا ورجاءً. بيد أنَّ تصوُّر الجنَّة والنَّار ليس يسيرًا. فالنَّار لا يمكن أن تكون حسِّيَّة؛ إذ كيف يُعقَل أنَّ الله الرَّحمن الرَّحيم، الله المحبَّة قد يعذِّب بشرًا؟! أمَّا العيش في الجنَّة فأمرٌ لا يستطيع عقلي الصَّغير المحدود استيعابه. ما شكل الجنَّة؟ وما ألوانها؟ وما فيها؟ وكيف يمكن أن تكون الحياة فيها امتدادًا للحياة الحسِّيَّة على الأرض بملذَّاتها الجسديَّة والجنسيَّة؟ أيُّ خلودٍ هذا عنوانه الأكبر الجنس؟ أظنُّ أنَّك وحدك تملك أجوبةً على أسئلتي... قل لي هل ترى إلهًا في عليائك؟
المكان: أتتصوَّره جالسًا على العرش كما جاء في الكتب؟ لا أظنُّ ذلك. فأنت فيلسوفٌ، وهذا قول الدِّين والعامَّة.
العقل: صحيح. اعتبر البعض أنَّ الاستواء على العرش حقيقة، وأنَّ الإيمان به واجب. فقد جرت العادة بأن يتَّجه المؤمنون بالدُّعاء نحو السَّماء ممَّا يشهد بوجود العرش فيها. بينما أوَّل آخرون الاستواء، وقالوا إنَّ معناه الاستيلاء أو القهر أو الغلبة لأنَّ الاعتقاد أنَّ الله يحتلُّ مكانًا معيَّنًا، أو يوجد في جهةٍ محدودةٍ، يؤدِّي إلى أن يكون جسمًا. وها هنا معضلةٌ كبيرة؛ إذ كيف يمكن تصوُّر وجود إلهٍ ليس في جهةٍ ولا في محلّ ولا حالًّا في مكان؟
المكان: لكنَّ مَن يرى الاستواء حقيقةً يعتقد بجواز رؤية الله يوم القيامة، وهو يأمل ذلك وينتظره.
العقل: وهذه معضلةٌ ثانيةٌ إذ تفترض الرُّؤية وجود الشَّيء المرئيِّ في جهةٍ مقابلةٍ للرَّائي. وهذا يتعارض مع القول بالتَّنزيه ونفي المحلِّ والجهة. لكنَّها فكرةٌ جميلةٌ أن يرى الإنسان الله بوجهٍ ما. وقد نال هذا الفرح العظيم من رأى المسيح وآمن بقوله: مَن رآني فقد رأى الآب.
المكان: أيُّها أقرب إلى عقلك أن يكون الإله متحيِّزًا في مكانٍ أو غير متحيِّزٍ؟ أن يكون متعاليًا مفارقًا أو حالًّا في جسدٍ؟
العقل: أو أن يكون حالًّا في الطَّبيعة، فيكون هو والطَّبيعة شيئًا واحدًا؟
المكان: كيف؟
العقل: الإله إمَّا موجودٌ وإمَّا غير موجودٍ. وإذا كان موجودًا فلا يمكنني أن أتصوَّره خارج الكون ولا منفصلًا عنه. لا أفهم وجوده بعيدًا عن الكون متسلِّطًا عليه، يراقب الإنسان من علٍ ويحاسبه بعد حين. أتخيَّله قوَّةً عظيمةً تحلُّ في كلِّ جزءٍ في الكون. أتخيَّله حبًّا يسري في جسم الكون.
المكان: كالحبِّ الَّذي قلتَ عنه يومًا إنَّه جوهر الوجود...
العقل: أتذكر الكاتب والفيلسوفة اللَّذَين تحاورا على شاطئ البحر؟[1]
المكان: نعم. تلك الفيلسوفة الَّتي أحبَّت الكاتب أكثر من حبِّها الفلسفة.
العقل: لقد تركت الفلسفة واختارت السَّكن في قلب الكاتب. هجرت العالم واتَّخذت وسادته مكانًا لها.
[1] راجع مقال "فلسفة الحياة بين الكاتب والفيلسوفة" الَّذي صدر في العدد 18 من مجلَّة المشرق الرقميَّة، عدد حزيران 2021.
الدّكتورة نادين عبّاس: رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس بوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشّرقيّة التّابع لكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق