الذّكاء الاصطناعيّ وعفويّة البسطاء
حملت الأخبار نشأة الذّكاء الاصطناعيّ عبر انتشار واستقدام آلات تشبه البشر بملامحها، وإن لانت لهجتها وتمغنطت بحسب الحواسيب المزروعة في مفاصلها وشرايينها السّلكيّة ودوائرها الإلكترونيّة. هذا الفتح الآليّ المتذاكي المصطنع، هل يشبه أبواب البيوت المفتوحة بعفويّة في دوائر البلدات؟
هنا آلة تنطق وفق برمجة ثابتة محدّدة الإجابة المعلّبة المكبسلة، إزاء عفويّة النّاس وكلمات التّعزية الطّالعة من القلب الحيّ، تقوّي القلوب الواجفة، وتستقيم حيالها الرُّكَبُ المخلّعة، وتتآخى النّفوس دنيا وآخرة.
ها نحن ذاهبون إلى عالم آخر، تسود فيه التّجربة الّتي طالما ابتهل العفويّون أن ينجّينا المولى منها. تجربة الرّكون إلى آلة تجيبك ولا تسألك، تطيعك من دون أن تأمرك، تحلّ لك العقد من دون أن تعرقل عملك. ما هذه الحياة التّقنيّة المتجدّدة، مقابل تلك الحياة العفويّة البسيطة في القرى والدّساكر، تتشارك نوافذ البيوت، على اختلاف نسيجها الاجتماعيّ، وحيث تبرز وجوه المتعَبين والمساكين والمخلّعين والمتألّمين والمقهورين، فهم تجاربك الحقيقيّة في كلّ يوم. يطلعون في دربك لتعرف أنّك بخدمتهم تستقيم إيمانًا وهدأةَ بال، وأنَّ المولى تعالى يتنزّل بركاتِه عليك حين تلتفت إليهم بمكارم الأخلاق، وبودٍّ لا يعرفه إلّا من تهجّد ليلًا وتأمّل، وأصبح قابلًا لكلّ مُنْكَسِر ومُتْعَب، هل يواجه زمن الإلكترونيّات الكاسح الماسح جمالاتِ ملامح الوجوه في الأزقّة الموغلة في تاريخ الحاضر، المتنوّعة جمالات التّعاريج عوض بشاعة الأسلاك المتراكمة المتداخلة المتشابكة؟.
يوم صدور المرسوم رقم ١٠٢٢٧، بتاريخ ٨/ ٥/١٩٩٧ المتعلّق بتحديد مناهج التّعليم العامّ ما قبل الجامعيّ وأهدافها المرتكزة على الخطّة الجديدة الّتي حدّدت مسارات التّعليم وفروعه، مسهّلةً الانتقال بين التّعليم العامّ والتّعليم المهنيّ، وفي بداية انطلاق دورات التّدريب على هذه المناهج، بادر أحد المدرّبين إلى القول:" مَن ليس مقتنعًا بأنّ الكتابة بالقلم ستتراجع كثيرًا لمصلحة الكتابة الإلكترونيّة، فليس من مكان له هنا". لذا، علينا القبول بالتّطوّرات الحاصلة، ومواكبة حركتها المتسارعة المتغيّرة المتحوّلة، كي لا نبقى خارج الزّمن، لعلّ مقولة "أنا موصول، إذًا أنا موجود" تسود اليوم بحدّة، وربّما باستسلامٍ واضح للجيل الرّقميّ، ولم تعد هناك من مساحة بين دقّة الشّرائح وعفويّة العادات والتّقاليد والشّرائع. هنا يكمن التّحدّي الكبير لمن لا يزال يُؤمِنُ برجفة القلب ونفرة النّبض، في مواجهة التّحدّيات الوافدة والسّائدة بقوّة، والمُستَقْبَلة براحةٍ من أيدي النّشء الحاليّ عبر أجهزة ملوّنة مغرية تقدّم العالم إليه بسحر أخّاذ، وبرامج تخلب العقل والقلب.
في ذلك اليوم، 20 تمّوز 1969، خرج البسطاء إلى الشّوارع يراقبون السّماء ليعاينوا، على بساطتهم، بالعين المجرّدة، هبوط مركبة أبولو 11 على سطح القمر. هم نظروا بعينهم الثّالثة العفويّة السّاذجة، فيما كانت عيون العلماء وعقولهم تنظر، في نجاح هذه التّقنيّة المعقّدة الباهرة ما بين الأرض والسّماء، إلى هذا اليوم الّذي بدأت فيه آلات الذّكاء الاصطناعيّ تطرح قضيّة الاستمرار فيها، أو فرملتها، أو لجمها، تمامًا كما حدث يوم انطلاق عمليّة طفل الأنبوب، أو عمليّة الاستنساخ، أو الذّهاب إلى تفكيك الخريطة الجينيّة، ما يعني التّدخّل البشريّ التّقنيّ في عواطف النّاس، وسرّ الكون الّذي بات مهدّدًا بتسارع نبض شرايين الأسلاك المتوتّرة بالطّاقة. هذه قضيّة القضايا المعاصرة، أي التّدخّل البشريّ في "بشريّة" النّاس، بعدما أمعن فسادًا في الطّبيعة، حتّى بات الإنسان مشكلة البيئة، فهل هذا التّدخّل ينطلق من سلطة العلم، أو من علم السّلطة للتّملّك والسّيطرة واستغلال الموارد البشريّة بعد استغلال الموارد الطّبيعيّة؟
أيّ عالم نحن صاعدون إليه؟ أو هو قادم إلينا؟ هل صارت التّكنولوجيا دائرة الضّوء، أو بالأحرى برج بابل الحديث، حيث بلبلة البصيرة، في التّحدّي بين جودة الآلة ومتانة دوائرها وإنسان النّبض الشّريانيّ بعفويّته ومعطوبيّته وعجزه؟ لعلّ مفهوم الخضرمة ما عاد محصورًا بعصر أو بزمن، بل بين ثانية وأختها، بينهما تتبدّل الأحوال، وتتغيّر الأجيال، باختصار الأميال، وتوزّع الأدوار بين المدلول والدّالّ، والموفَّق من يبقى الثّابت في زمن المتحوّل.
الدّكتور جان توما: حائز شهادة دكتوراة في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللُّبنانيَّة، وسيِّدة اللّويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللُّغة العربيَّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيَّة، وشعريَّة، ورواية، ودراسات تربويَّة، وتحقيق مخطوطات.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق