الصّمت في مذكّرات الأرقش لميخائيل نعيمه، وآلام فرتر ليوهان فولفغانغ فون غوته
يهدف هذا البحث القصير إلى دراسة موضوع الصّمت في كلٍّ من كتاب مذكّرات الأرقش لميخائيل نعيمه، وكتاب آلام فرتر Die Leiden des jungen Werthers لـيوهان فولفغانغ فون غوتهJohann Wolfgang von Goethe. لقد اخترنا هذا الموضوع لأنّه الدّافع الرّئيسيّ لولادة مذكّرات الأرقش ورسائل فرتر.
يُقسم هذا البحث إلى ثلاثة أقسام: في القسم الأوّل، سنقدّم لمحة عن الكتابَين تمهيدًا للمعالجة الّتي ستحتلّ القسم الثّاني. أمّا القسم الثّالث والأخير فسنخصّصه لأبرز النّتائج الّتي توصّلت إليها هذه الدّراسة القصيرة.
وبما أنّني درستُ اللّغة الألمانيّة، من المفيد الإشارة إلى أنّ النّصوص والشّواهد الألمانيّة، قد نقلتُها إلى العربيّة بنفسي.
أوّلًا: حكاية الكتابَين
أ- حكاية مذكّرات الأرقش
بدأ ميخائيل نعيمه بكتابة مذكّرات الأرقش في إثر تخرّجه من الجامعة في العام 1917. وراحت شخصيّة الأرقش تتبلور في ذهنه أثناء خدمته العسكريّة في الجيش الأميركيّ آنذاك، حين كان في مدينة ريفيّة في ولاية بنسلفانيا Pennsylvania. انصرف وقتئذٍ عن ملاهي الحياة ودفعته الحرب إلى التّفكير العميق في نفسه وفي الكون حوله، وفي الإنسان والحياة[1]. وذات ليلة ماطرة خطّ نعيمه توطئة الكتاب الّذي لم تكن معالمه قد توضّحت كلّ الوضوح في مخيّلته. فمن هو ذلك الأرقش الّذي خلقه نعيمه؟
اسمه شكيب. هو شابّ أرجنتينيّ من أصل لبنانيّ في الثّالثة والثّلاثين من عمره. كان يعمل في مقهى عربيّ في نيويورك. لُقِّبَ بالأرقش نظرًا إلى تشوّه وجهه بداء الجدريّ. وصفه صاحب المقهى بأنّه لا يُعرف له أصل ولا فصل. ساكت، لا يكلّم النّاس إلّا بكلمتَي "نعم" و"لا". اختفى تاركًا في غرفته دفتر مذكّراته.
بعد أن سمع نعيمه (الرّاوي) قصّة الأرقش الغريبة من صاحب المقهى، سأله أن يبيعه تلك المذكّرات الّتي تركها شكيب في غرفته. فما كان من صاحب المقهى الّذي لا يعرف القراءة والكتابة إلّا أن أعطاها للرّاوي. فتناول نعيمه المذكّرات وقدّمها بكلّ أمانة إلى القارئ.
تتكشّف المذكّرات عن خبايا روح الأرقش وأفكاره بعد أن فَقَدَ ذاكرته تمامًا في إثر رؤيته منظر الدّم. وعلى الرّغم من كونه مهندسًا، فقد عملَ نادلًا في ذلك المقهى النّيويوركيّ. وقد خلق نعيمه للأرقش ظروفًا خاصّة وغريبة ساعدت في إظهار شخصيّته؛ إذ يتبيّن للقارئ في التّكملة الملحقة بالمذكّرات أنّ الأرقش ذبح عروسه ليلة العرس من الوريد إلى الوريد، ثمّ لاذ بالفرار تاركًا ورقة صغيرة خُطّت عليها العبارة الآتية:
"ذبحتُ حبّي بيدي لأنّه فوق ما يتحمّله جسدي، ودون ما تشتاقه روحي"[2].
والكتاب هو كناية عن مذكّرات يوميّة لا تتضمّن أيّ تواريخ، إذ اكتفى الأرقش فقط بكتابة اليوم (الاثنين، الثّلاثاء...)
يقول نعيمه في سبعون، سيرة حياته: "خلقتُ "الأرقش" من خيالي، فلم يلبث أن أصبح في حياتي أكثر من خيال. فَلَكَم سامرتُه وسامرَني، وماشيتُه وماشاني، وآكلتُه وآكلَني. ولَكَم توسّد وسادتي، وافترش فراشي، وتلحّف بلحافي. لقد جعلتُه يعيش على مستوى البصيرة أكثر منه على مستوى البصر"[3].
كان نعيمه يخطّ مذكّرات الأرقش غير واعٍ إلى أين سيصل وكيف سيختم الكتاب. وراح يرسل منه حلقات إلى مجلّة الفنون[4]. ولاقت مذكّرات الأرقش المنشورة آنذاك نجاحًا منقطع النّظير إلى حدّ أنْ كتب نسيب عريضه إلى نعيمه بتاريخ 18 كانون الأوّل 1918 قائلًا: "... "الأرقش" وصل. وقد هبّت على روحي نسمات لطيفة من خلال أوراقه. فانتعشتُ. وأظنّ - واسمح لي أن أقول ذلك - أنّ الأرقش هو أحسن ما صدر عن روحكَ (مع الاحترام اللّائق للآباء والبنون[5] وغيرها). "مذكّرات الأرقش" يا ميخائيل هي بحر واسع، خضمّ. وقد أعجبني في القسم الأخير منها القطعة الشّعريّة الّتي ختمتَ بها القطعة. فزدنا زادك الله من كلّ ما تشتهيه. واعلم أنّ الأدباء أصبحوا أسرى "الأرقش".[6]
إلّا أنّ الحرب لم تسمح لميخائيل نعيمه بمتابعة كتابة مذكّرات الأرقش، فسلخته عنها ثلاثين سنة، إذ أكملها في العام 1947 تحت سماء لبنان[7].
من الصّعب تصنيف كتاب مذكّرات الأرقش. إنّه عمل متعدّد الزّوايا، إذ تجد فيه غرابة السّرد وفلسفة التّعبير تمتزجان مع السّيرة الذّاتيّة ومع الرّمزيّة الشّاعريّة لتصل المذكّرات إلى ذروة التّصوّف. وما إن تكشف المذكّرات عن نفسها حتّى نتعرّف إلى الوجه الحميم للأرقش، وإلى صمته العميق وانسلاخه الكامل عن اضطراب العالم الخارجيّ. كما نشهد معركة من أعنف المعارك الّتي يمكن أن تعرفها نفسٌ إنسانيّة. إنّها معركة بين الأرضيّ والإلهيّ، بين ألوهيّة الأرقش الّتي تكافح وتناضل لترفعه إلى درجة الصّوفيّة والكمال الرّوحيّ، وبين ناسوت الأرقش المكبّل بسلاسل أرضيّة متشابكة مع أهواء العالم تشابكًا يصعب التّخلّص منه.
هكذا كتب الأرقش في إحدى المناسبات: "أنا أرقشان. واحد انسحب من حلقة البشر والْتَحَفَ بالسّكوت ليتّصل بالعالم الأعلى ويسير معه. وآخر انحجب عن البشر بستار من الأسرار البشريّة. وهو يحاول تمزيق السّتار ليعود إلى حظيرة البشر. فهو من العالم الأدنى ويتوق إلى العالم الأدنى. كأنّ بينه وبين هذا العالم حسابات قديمة لا بدَّ من تصفيتها"[8].
ب- حكاية آلام فرتر
عنوان الكتاب باللّغة الألمانيّة: Die Leiden Des jungen Werthers أي آلام الشّابّ فرتر. نشرته مطبعة فايغاند Weygand Buchhandlung في العام 1774 في لايبتسيغ Leipzig تحت اسم مجهول الهويّة. على الغلاف نقش دقيق وزخرفة من عمل فنّان يُدعى"أوزر -Oeser " كتابٌ بالقرب منه شمعة صغيرة تشتعل أمام المرآة[9]، وكأنّ قدر الكتاب أن يشعل حريقًا. أمّا مضمونه، فهو مجموعة رسائل موجّهة إلى فتاة تُدعى شارلوت أحبّها غوته بصمت، ولكنّها لم تتلقَّ تلك الرّسائل أبدًا. ففي مستهلّ شهر تمّوز/ يوليو من العام 1772، تعرّف غوته إلى يوهان كريستيان كستنر Johann Christian Kestner (1741- 1880) الّذي كان يشغل منصب سكرتير مفوّض في المحكمة، ثمّ تعرّف إلى خطيبته شارلوت بوف Charlotte Sophie Henriette Buff (1753-1828)[10]. وتحوّل الثّنائيّ إلى ألبير ولوتّه Albert und Lotte في الكتاب، إلى جانب فرتر نفسه.
احتلّت الرّسائل أهمّيّة كبيرة في حركة العاصفة والدّفع[11] Sturm und Drang في الأدب الألمانيّ، وكان لها تأثير في الحركة الرّومانسيّة في الأدب. أنهى غوته تأليف الكتاب خلال ستّة أسابيع في المرحلة الممتدّة من كانون الثّاني/ يناير حتّى آذار/ مارس من العام 1774.
بعد صدور الكتاب، ظهر وباء "فرتر"، وكانت "درجة فرتر" Werther Mode، إذ راح الرّجال يرتدون القميص الأصفر والسّترة الزّرقاء مثل فرتر. وكان انتحار على طريقة فرتر. وقد استمرّت حال فرتر لعشرات الأعوام في ألمانيا وإنكلترا وفرنسا والبلدان الاسّكندنافيّة[12]. وقد لاحظ غوته بنفسه رسومًا لفرتر وشارلوت على قطع من الخزف الصّينيّ[13].
ليست آلام فرتر قصّة حبّ كما عدّها معاصروها. "إنّها حالة أوّليّة لألم الحنين إلى القيم الّتي يستحيل بلوغها في الجهة الأخرى"[14]. يُدعى فرتر في الكتاب؛ أمّا في المطلق، فهو نيزكٌ حادَ عن النّظام فانطفأ. تأكّد فرتر من أنّ "أناه هي حدود، هي درع قويّة لا بدّ من تحطيمها لبلوغ الخلود. فالله موجود في كلّ مكان ولكنّه غير ملموس. ولكي يجده، عليه أن يمدّ "أناه" وينشرها. لا بدّ له أن ينكر نفسه وأن يتّسع للموت تمامًا كما يتّسع للحياة. فقلبه هو مصدر كبريائه ومنبع كلّ شيء فيه. "هو منبع كلّ قوّة وكلّ غبطة وكلّ ألم"[15]. هكذا يهيم فرتر على وجهه ويستبدّ به القلق، فهو حينًا "لا يرى في السّماء والأرض والقوى الفعّالة المحيطة به إلّا وحشًا يفترس كلّ ما حوله ليعيد اجتراره من جديد"[16]. وأحيانًا "يسود نفسه صفاء عجيب يشبه عذوبة الصّباح الرّبيعيّ فيتمتّع به من كلّ قلبه"[17].
لعلّ السّمة المشتركة بين كلٍّ من مذكّرات الأرقش ورسائل فرتر هي مسألة الصّمت. فقد وردت كلمة "سكوت" ومرادفها "صمت" كثيرًا في مذكّرات الأرقش، وكانت أحيانًا كثيرة عنوان يوم كامل. كذلك الأمر مع فرتر الّذي خطّ تلك الرّسائل وحمّلها الكثير من قلبه وفكره ولم يرسلها قطّ إلى حبيبته شارلوت. وإنّنا سنسعى في القسم الآتي أن ندرس مسألة الصّمت في كلٍّ من الكتابَين.
ثانيًا: الصّمت في مذكّرات الأرقش وآلام فرتر
يعدّ بعض الكتّاب والمفكّرين[18] اصطلاح الغربة قابلًا للتّطبيق في حال الموافقة على العبارة الآتية: "إنّني أشعر غالبًا بالوحشة"[19]، ويذهبون إلى القول "بأنّ الاغتراب هو الشّعور بافتقاد العلاقات ذات المعنى مع الآخرين والإحساس بالتّعاسة بسبب هذا الافتقاد"[20]. ولكن فاتهم أن يميّزوا بين نمطَين من الاغتراب: فالفرد الّذي يحاول أن يتّصل بالآخرين من غير نجاح، يختلف عن الفرد الّذي يختار الحياة وحيدًا لكي يحقّق غرضًا ما. فهذا الفرد قد يشعر بالوحشة وقد ينتابه الحنين؛ ولكنّه اختار عزلته بنفسه. لذلك يتّصف اغترابه بميزة تختلف عمَّن لم يختر عزلته بإرادته[21]. الأرقش وفرتر هما نموذجان لذلك الفرد الّذي اختار عزلته وصمته بنفسه. يقول الأرقش:
"النّاس قسمان: متكلّمون وساكتون.
أنا قسم الإنسانيّة السّاكت. وما بقي فمتكلّمون.
أمّا البكم والرّضّع فلغاية ختمت الحكمة الأزليّة على أفواههم فلا يتكلّمون. في حين أنّي ختمتُ على فمي بيدي. وقد أدركتُ حلاوة السّكوت ولم يدرك المتكلّمون مرارة الكلام.
لذلك سكتُّ والنّاس يتكلّمون"[22].
السّكوت فضيلة إذًا. ولا عجب أن تتكرّر كلمتا السّكوت والصّمت حوالي السّتّين مرّة في مذكّرات الأرقش. كان عليه أن يجد حلًّا لمحنته: إمّا الانغماس في مجتمعه ومحيطه لعلّه يشفى من غربته الدّاخليّة، وإمّا الانسحاب من المجتمع والتزام الصّمت لعلّه يتغلّب على حال الغربة. اختار الأرقش الحلّ الثّاني لأنّ ضجيج العالم الخارجيّ كان يقصيه عن الكنز الكامن في الفم الصّامت. فالصّمت يطهّر النّفوس؛ "والصّامتون هم في قلب الله"[23]. وعى الأرقش هذه الحقيقة، لذلك سكت وانطوى في عالمه الدّاخليّ لأنّ العالم الخارجيّ عالم متوحّش: "أنا ناسك بين النّاس. والتّنسّك بين النّاس أين من هوله التّنسّك بين الوحوش"[24]. صار مجتمع الأرقش وحشًا ضاريًا يسلّط براثنه على جسده، لذلك سَيَّجَ نفسه بالصّمت ليحمي روحه من براثن الوحش، وترك جسمه مشاعًا لألسنة البشر وبراثنهم.
الصّمت نعمة إلهيّة لأنّه ملجأ الإنسان المغترب في بيته وفي محيطه. وهو الكوّة الّتي منها ينظر الإنسان إلى نفسه ويعبر أغوارها بحثًا عن مصالحة أبديّة بينه وبينها. ولأنّ "قدر بعض النّاس أن يعيشوا في هذه الحياة غير مفهومين"[25]، فإنّهم يلجأون إلى مملكة العزلة والصّمت لعلّهم يظفرون بشيء من التّعزية للتّخفيف من غربتهم. فالعزلة توفّر للإنسان المتعقّل فائدتَين اثنتَين: الأولى أن يكون مع نفسه، والثّانية ألّا يكون مع الآخرين. فمن شأن الفائدة الثّانية أن تقيَ الإنسان من ضغط العالم وآلامه ومخاطره.
ولأنّ فرتر كان تلك النّوتة النّشاز في سمفونيّة مجتمعه، وجد نفسه غير مفهوم، فاعتزل العالم وصَمَتَ صمتَ المتصوّفين. فالعزلة "هي منبع الغبطة والطّمأنينة الفكريّة للإنسان"[26]. يقول فرتر: "آه يا فلهلم! إنّ الحجرة المنعزلة والمِسح والحزام الشّائك هي مصدر انتعاش لروحي العطشى"[27]. وحين يعتكف فرتر في حجرته الضّيّقة المنعزلة وينعش روحه بإكسير الصّمت والهدوء، يتبيّن له أنّ الحياة حلم، وأنّ الإنسان يستعمل قواه وجهوده لقضاء حاجاته الدّنيويّة وتحقيق رغباته البسيطة السّطحيّة الّتي غايتها إطالة حياته. فالإنسان لم يتوصّل بعد إلى حلّ أحاجي الحياة الغامضة، من أين وإلى أين؟ فيعود فرتر "إلى نفسه لينطوي على عالم فيه من الأحاسيس والشّهوات الغامضة أكثر ممّا نجده في عالم الحقيقة والأفعال"[28].
صار عالم فرتر الدّاخليّ تمامًا كما عالم الأرقش الدّاخليّ، مصدر صدق وعزاء بين أناس يكثرون الكلام والثّرثرة. صحيح أنّ الانسحاب من عالم البشر والانفراد بالذّات، قدّم شيئًا من التّعزية لكلٍّ من فرتر والأرقش، إلّا أنّ الصّمت فتح لهما عوالم الفهم والمعرفة الّتي لا تنفتح إلّا بالهدوء والتّأمّل الباطنيّ العميق.
فقد وجد الأرقش بصمته عينًا باطنيّة، فرأى ما لا يُرى وسمع ما لا يُسمع: "ولو قلتُ لأحدهم إنّ له عينًا باطنيّة، وأذنًا ليست من لحم ودم، وإنّه بالتّأمّل والسّكوت يبصر ما لا تبصره العين ويسمع ما لا تسمعه الأذن- ولو قلت له ذلك لرماك بالطّيش والجنون. وكيف لِمَن يبصر ما لا يبصره النّاس ويسمع ما لا يسمعونه إلّا أن يكون مجنونًا في عُرف النّاس؟"[29]
الصّمت إذًا يجترح العجائب. أمّا العجيبة الكبرى فهي إدراك الإنسان الصّامت عظمة الفكر وقوّته "فيصبح بإمكانه أن ينقل الجبال ويحمل البحار على أكفّ الرّياح"[30]. وإنّ الصّمت يخوّل صاحبه أن يتذوّق طعم الجنّة في نفسه وأن يتحسّس بلسم الطّبيعة المحيطة به من كلّ جنب. يقول فرتر: "أشعر أنّني سعيد هنا. فالعزلة هي بلسم قلبي في هذا المكان الفردوسيّ"[31]. ويكتب في مكان آخر من الكتاب: "لا أدري أهي أرواح ساحرة تجول في هذا المكان، أم أنّ هذه الفتنة هي وليدة تخيّلات سماويّة في قلبي؟ كلّ ما يحيط بي يبدو من الجنّة"[32].
دأب الإنسان مذ كان في هذا العالم أن يجول في نفسه مستقصيًا أسراراها. وهذا دليل قاطع على أن نفسه تحوي أمورًا يشعر بوجودها ولكنّه لا يتلمّسها. وإنّه فقط بالصّمت والتّأمل، يستطيع أن يقترب من تلك الأسرار والكنوز. ولهذا السّبب، يصل الصّامت المتصوّف إلى تلك الأغوار الباطنيّة، وحينها يتصالح مع ذاته ويتّحد بها. أمّا فرتر، فقد انغمس في تأمّلات طويلة جعلته يرى بعينه الباطنيّة ما وراء الجبال وما تحت الوهاد وما وراء الآكام، ويسمع دبيب الحياة الّتي تتجدّد وتفيض فوق الأرض وتحت السّماء: "مسكين أيّها الأحمق! إنّكَ ترى كلّ شيء صغيرًا لأنّك صغير. إنّ روح الخالق تنفث من الجبال المتعذِّر تسلّقها، مرورًا بالبيداء الّتي لم تمسّها قدم، وصولًا إلى المحيط المجهول. وتتمتّع هذه الرّوح بالذّرّات كلّها، وكلّ ذرّة تشعر بالخالق وتحيا به"[33].
الصّمت مفتاح الفكر والرّوح. والكلام تشويش للفكر والرّوح. تصوّر نفسكَ أمام وردة فوّاحة العبير، شغلكَ شذاها وأريجها عن كلّ أمر آخر. ثمّ يغرّد بلبل في وجه الوردة. فلا شكّ أنّ تغريده سيلهيكَ عن التّمتّع بعبيرها[34]. فعبير الوردة غير ملموس وغير منظور. نحسّه ونشعر به تمامًا كالفكر والرّوح، نحسّهما ونشعر بهما. إلّا أنّ السّبيل الأوحد لوعي معنى الفكر والرّوح هو بالصّمت والتّأمّل، لا بالكلام والثّرثرة الّتي تلهينا عن الجوهر. يقول الأرقش: "كثرة الكلام ملهاة للفكر. والبشر يهربون من السّكوت والتّأمّل"[35]. فحين تسربلت روح الأرقش برداء الصّمت، قدّست عظمة التّأمّل. لذلك، وعى أنّ الثّرثرة هي محنة الأمم؛ وتمنّى لو كان له السّلطان المطلق في الأرض ليكرّس يومًا واحدًا في الأقلّ من كلّ سنة للسّكوت والتّأمّل الّذي حرّره من سلطان المكان والزّمان ليكون ابن الكون الأوسع: "أمّا أنا قسم الإنسانيّة السّاكت- فما أدري، ولا يهمّني أن أدري، أين ولدتُ أو ممّن ولدتُ. لذلك لا وطن لي. ولو كان لي وطن لتبرّأتُ منه. فأنا ابن العالم الأوسع لا ابن جرم صغير ندعوه الأرض"[36].
عظيمة هي قدرة الصّمت والتّأمّل؛ فهي تُحدِثُ فيضانًا في النّفس البشريّة، فتمتدّ النّفس لتتّصل بالعالم اللّامتناهي وتتّحد به فتمتلئ سعادة وحبورًا. وقد ارتفع فرتر بتأمّله ووعى عظمة الطّبيعة السّامية، وأدرك عجائبها في الإنسان والحيوان والنّبات، واستمع إلى تغريد الأطيار، وراقب رقصة الذّباب أمام خيوط الشّمس فانكشفت له "هذه الحياة الدّاخليّة الملتهبة المقدّسة الّتي تحيي الطّبيعة"[37] فقال: "ولمّا كنتُ أُدخل كلّ هذا في قلبي، كنتُ أحسّني بما يفيض منّي كالمتألّه، لذلك فإنّ الصُّوَرَ العظيمة في العالم اللّامتناهي، كانت تتحرّك في نفسي فتملأها حياةً"[38].
من خلال التّأمّل الصّامت، اكتشف فرتر قداسة الحياة الدّاخليّة الّتي هي من عظمة الله. ولا يدرك عظمة الله سوى مَنِ ﭐلتَحَفَ بالصّمت والتّأمّل. أمّا الأرقش، فقد اشتعل قلبه بالعشق الإلهيّ فرأى مجد الله[39] في النّجوم لأنّه تأمّلها بصمت وخشوع: "أنا والنّجوم - تلميذ وأستاذ. فيها رأيتُ مجد الله. ومنها عرفتُ عظمتي كصورة الله ومثاله وحقارتي كتراب"[40]. استطاع الأرقش بقوّة الصّمت أن يتجاوز صفاقة المادّة وأن يشفّ ليدرك الله: "البشر يهربون من السّكوت والتّأمّل. فأنّى لهم أن يدركوا الله؟ والّذين ينادون باسم الله من غير أن يدركوه بالتّأمّل والسّكوت – من غير أن يجدوه في أنفسهم – إنّما ينادون باسم لا مُسمّى له"[41].
أمّا روح فرتر فتتحرّر، بفضل الصّمت، من أثقال الهموم، فيسودها الصّفاء، وينجلي بخار الشّكّ، فتظهر لفرتر عظمة الخالق المتجلّي في المخلوقات جميعها تمامًا كما تجلّى في روحه وفكره، فيقول مُكلِّمًا نفسه: "آه لو كنتَ تستطيع أن تعبّر عمّا تشعر به؟ لو كنتَ تستطيع أن تُبرز هذه الحياة الّتي تجري فيكَ بغزارة وحرارة وتدوّنها على القرطاس حتّى يصبح القرطاس مرآة نفسكَ كما إنّ نفسكَ هي مرآة الله"[42].
ثالثًا: الخاتمة
في مذكّراته، حاول الأرقش أن يتعرّف إلى ذاته ويحقّقها في عالم مطلق رآه بعينه الباطنيّة، وتاق إليه بكلّيته روحًا وفكرًا. لكنّ عالم المقاييس والميازين كان أبدًا يشدّ به إلى أسفل حيث يحيا في ثوب المادّة والجسد. أبى الأرقش أن يخضع لناسوته، فحاول أن يفكّ أحزمة ثوبه ويتعرّى من المادّة. حينها بدأت جلجلته، فوعى أن العبور من الإنسانيّ إلى الإلهيّ ممكن فقط بالاكتمال الرّوحيّ الّذي لا يتحقّق إلّا من خلال الانسحاب الكامل من دائرة البشر، واستنطاق العزلة والصّمت لفهم مكنونات الكون والإنسان. أدرك الأرقش في صمته قدرة الله في كلّ مظهر من مظاهر الطّبيعة حيث تتّحد الآزال والآباد، والأفراح والأتراح، والأنوار والظّلمات، والآلام والآمال في أنشودة واحدة تغنّي وحدة الوجود ومجد الله في الكون وفي الإنسان.
من خلال الصّمت، وجد الأرقش نفسه معلّقًا بين الجسد والرّوح؛ لا هو ينتمي إلى تحت، ولا هو ينتمي إلى فوق. وإنّ الانتقال من المحدود إلى المطلق يتحقّق عند فناء الجسد، حين تتخلّص الرّوح من ردائها الأرضيّ فيكون موت الجسد حياة أبديّة لها. بعد أن ذبح الأرقش حبيبته، وضع حدًّا لمأساته فذبح نفسه وحدّد انتماءه.
أمّا رسائل فرتر فهي نشيد "غوتيّ" (نسبة إلى غوته) إلى الله والطّبيعة والحبّ والموت. ففرتر، الشّابّ الّذي غمرته غربة المكان، لجأ إلى صمت العزلة، فاندفع إلى الطّرقات المستوحدة في مدينة فتسلار[43] Wetzlar الصّغيرة، يراقب غروب الشّمس وطلوع القمر من وراء الخمائل. في قلب عزلته وسكونه، أدرك أنّ درب المطلق تعبر من خلال القلب. فالحبّ إذًا هو عبور من الجسد إلى الرّوح، ومن المائت إلى الحيّ. صارت الحبيبة رمزًا مقدّسًا يخرّ أمامه ساجدًا وكأنّه ذوب مصفًّى من الألم والحنين. علّمه الصّمت أنّ سعادة الاكتمال لا تكون إلّا بتحديد الانتماء، فوجد في الموت تحرّرًا من سجن الجسد وتحطيمًا لحدود المكان والزّمان. فهو إذ لم يحقّق الاتّحاد بالحبيبة على الأرض، فقد حقّقه ساعة موته الّذي يعني موتًا جسديًّا وإشراقًا روحيًّا.
الدّكتورة زكيّه نعيمه: باحثة في اللّغة العربيّة وآدابها والفكر المعاصر، حائزة دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها من معهد الآداب الشّرقيّة، جامعة القدّيس يوسف ببيروت. مديرة مناهج اللّغة العربيّة في شبكة مدارس سابس SABIS® الدّوليّة. حائزة شهادة Mittlestuffe II باللّغة الألمانيّة من معهد غوته ببيروت. من منشوراتها كتاب المرأة في فكر ميخائيل نعيمه، بيروت: دار المشرق، 2017.
الحواشي
[1] ميخائيل نعيمه، المجموعة الكاملة (بيروت: دار العلم للملايين، 1986)، مج. 1/355.
[2] نعيمه، المصدر نفسه، مج. 4/446.
[3] نعيمه، المصدر نفسه، مج. 1/356.
[4] نُشرت الرّسائل الأولى للأرقش مع التّوطئة في مجموعة الرّابطة القلميّة في العام 1921. تنتهي الأقسام الّتي جُمعت في تلك المجموعة في الصّفحة 68. مجموعة الرّابطة القلميّة لسنة 1921 (بيروت: دار صادر ودار بيروت للطّباعة والنّشر، 1964)، 33-69.
[5] أوّل مسرحيّة لنعيمه، صدرت عن مطبعة الفنون في المهجر في العام 1917.
[6] نعيمه، المجموعة الكاملة، مج. 1/357.
[7] صدر كتاب مذكّرات الأرقش في العام 1949.
[8] نعيمه، المصدر السّابق، مج. 4/391.
[9] لقد عاينتُ بنفسي النّسخة الأولى من الكتاب في متحف غوته في فايمار Weimar. وصورة الغلاف موجودة في الكتاب الآتي:
Harenberg Literaturlexikon, S625.
[10] Gero von Wilpert, Goethe Lexikon (Stuttgart: Alfred Kröner Verlag, 1998), S558.
[11] هي حركة أدبيّة نشأت في سبعينيّات القرن الثّامن عشر، واستمرّت حتّى العام 1785. للمزيد من المعلومات عنها، من المفيد العودة إلى الكتاب الآتي: Gero von Wilpert, Goethe Lexikon, S1032- 1034
[12] Richard Friedenthal, Goethe sein Leben und seine Zeit (München: Piper Verlag, 2000), S137.
[13] عاينتُ بنفسي هذه القطع في متحف غوته في فرانكفورت Frankfurt.
[14] Herbert Schöffler, Die Leiden des jungen Werthers (Frankfurt am Main, 1938), S178.
[15] “Das noch meine einziger Stolz ist, das ganz allein die Quelle von alle mist, aller Kraft, aller Seligkeit and alles Elendes”. Herbert Schöffler, Die Leiden des jungen Werthers, S74.
[16] “Himmel und Freude und ihre webeden Kräfte um mich her: ich sehe nichts al sein ewig verschkingendes, ewig wiederkäuended Ungeheuer”. Herbert Schöffler, Die Leiden des jungen Werthers, S53.
[17] “Eine wunderbare Heiterkeit hat meine ganze Seele eingenommen, gleich den süβen Frühlingsmorgen, die ich mit ganzen Herzen genieβe”. Herbert Schöffler, Die Leiden des jungen Werthers, S9.
[18] ميدلتون Middleton وماكلوسكي Mc Closky وشار Schaar. راجع كتاب ريتشارد شاخت، الاغتراب، ترجمة كامل يوسف حسين، الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد 76، أبريل 1984، ص. 215-220.
[19] شاخت، المصدر نفسه، 216.
[20] شاخت، المصدر نفسه، 216.
[21] شاخت، المصدر نفسه، 217.
[22] نعيمه، المجموعة الكاملة، مج. 4/349.
[23] ربيعة أبي فاضل، الفكر الدّينيّ في الأدب المهجريّ، الطّبعة الأولى (بيروت: دار الجيل، 1992)، جزآن. 2/841.
[24] نعيمه، المصدر السّابق، مج. 4/349.
[25] “Und doch! Miβverstanden zu warden, ist das Schiksal von unsereinem”. Aus 17 Mai 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers ( Frankfurt am Main, Suhrkamp Verlag, 1998), S12.
[26] Arthur Schopenhauer, Aphorismes sur la sagesse dans la vie (Paris: Presses Universitaires de France, 1989), p. 103.
[27] “O Wilhelm! Die einsame Wohnung einer Zelle, das härene Gewand und der Stachelgürtel wären Labsale, nach denen meine Seele schmachtet”. Aus 30 August 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S55.
[28] “Ich Kehre in mich selbst zurück, und finde eine Welt! Wieder mehr in Ahnung und dunkler Begier als in Darstellung und Lebendieger Kraft”. Aus 22 Mai 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S13.
[29] نعيمه، المجموعة الكاملة، مج. 4/359.
[30] نعيمه، المصدر نفسه، مج. 4/360.
[31] “Übrigens befinde ich mich hier gar whol. Die Einsamkeit ist meinen Herzen köstlicher Balsm in dieser paradiesischen Gegend”. Aus 4 Mai 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S7.
[32] “Ich weiβ nicht, ob täushende Geister um diese Gegend shweben, ode rob ie warme, himmlishe Phantasie in meinem Herzen ist, die mir alles rings umber so paradiesish macht”- Au 12 Mai, 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S9.
[33] “Armer Tor! Der du alles so gering achtest, weil du so klein bist. – Vom unzugänglichen Gebirge- über die Einöde, die kein Fuβ betrat, bis ans Ende des unbekannten Ozeans weht der Geist des Ewigschaffenden und freut sich jedes Staubes, der ihn vernimmt und lebt”. – Aus 18 August, 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S52.
[34] جلال الدّين الرّوميّ، مثنويّ، ترجمة وشرح إبراهيم الدّسوقي شتا (الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميريّة، 1997)، 6/87.
[35] نعيمه، المجموعة الكاملة، مج. 4/359.
[36] نعيمه، المصدر نفسه، مج. 4/362.
[37] “… das innere, glühende, heilige Leben der Natur eröffnete…”- Aus 18 August, 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S52.
[38] “Wie faβte ich das alles in meinem Herz, fühlte mich ich in der überflieβenden Fülle wie vergöttert, und die herrlichen Gestalten der unendlichen Welt bewegten sich allbelebend in meiner Seele”.- Aus 18 August. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S52.
[39] من المفيد مراجعة الفصل بعنوان: "السّكوت والله في مذكّرات الأرقش" من كتاب: متري بولس، أدب الأعماق والأبعاد (جونيه - لبنان: المطبعة، 1987)، 43-72.
[40] نعيمه، المجموعة الكاملة، مج. 4/356.
[41] نعيمه، المصدر نفسه، مج. 4/359.
[42] “Ach köntest du das wieder ausdrüken, könnest du dem Papiere das einhauchen, was so voll, so warm in dir lebt, daβ es würde der Spiegel deiner Seele, wie deine Seele ist der Spiegel das unendlichen Gottes”. – Aus 10 Mai, 1771. J. W. Goethe, Die Leiden des jungen Werthers, S9.
[43] فتسلار، حيث كتب غوته آلام فرتر. هي مدينة تقع على نهر لان Lahn في ولاية هيسن Hessen، بالقرب من فرانكفورت في ألمانيا.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق