article_cover_image

كان المسلمون يسكنون إلينا ونسكن إليهم. أليست المدينة، تاريخيًّا، مكان الانصهار؟

author_article_image

الدُّكتور جان توما

جورج خضر وطرابلس كُنْ مدينتَك، ولو بعد مائة عام

يعبّر كثيرون من دارسي لاهوت جورج خضر وأدبه عن "المكان" الّذي نما فيه ونشأ، وكان الرّافد الفكريّ والثّقافيّ المعيوش الّذي كوّن عنده هذا المعجم المحيط من المثاقفة والموازنة والمقارنة النّقديّة العلميّة. هي الكلام الأوّل عنده إذ "كانت لحظة خروجي من طرابلس نوعًا من الفطام الجسديّ والرّوحيّ، لأنَّ طرابلس[1] بالنّسبة لي مسقط رأسي ولو لم أكن مطرانًا، ويجب أن أدفن في أبرشيّتي، لطلبت دفني في تراب طرابلس"[2]، لأنّها "مثال لتلك المدن المشرقيّة العربيّة المختلطة تحتضن التّاريخ والثّقافة والتّقاليد، وتختزن في أحيائها وعمارتها وأقبيتها حضارة كثيفة، إحدى ميزاتها التّنوّع في السّكّان والأديان والوحدة في التّاريخ والحضارة"[3]. هذه طرابلس تعيش يوميّاتها من دون تمييز أو تفرقة، إذ إنّ "القسس والشّمامسة يتحلّقون ويعبرون الطّريق معًا، بوقار كبير، وكانوا مع المسلمين في آداب واحدة، وما أحسّوا يومًا بحاجة إلى حماية (...) وكان المسلمون يسكنون إلينا ونسكن إليهم. أليست المدينة، تاريخيًّا، مكان الانصهار؟"[4].


كان يتلو، في طفولته، الكتاب المقدّس على مريم وعبد المسيح، "وهما جاران لي أمّيّان في طرابلس"[5]، وفي الوقت نفسه أحبَّ لغة القرآن وأهله في أحياء المدينة القديمة، فانتسب، بعد إنهاء دراسته الثّانوية، إلى كلّيّة الآداب إيمانًا بأنّ "الإنجيل يحتاج إلى قالب يودّى به"[6]. ويقول بصراحة: "لم أنتسب إلى كلّيّة الآداب إلّا لأجعل بين النّاس رسالة المسيح تنطق بالعربيّة"[7]. ولكنّ هذه اللّغة المطلوبة تكمن في اكتشاف روائع الآيات القرآنيّة الرّوحيّة الّتي حملتها المفردات والكلمات والجُمل. هذا جعلني "أتعاطى القرآن بودٍّ. كنت أفتّش عن الجمال، كلّ جمال، فانكببت عليه فترة، ولمست فيه القربى والبُعد واضطررت، في حقبة قصيرة على طريق أبحاثي، أن ألمّ بالأدب القرآنيّ"[8]، بخاصّة أنّ جورج خضر المولود في منطقة باب الرّمل، مقابل مقابر المسلمين، عاين جموع المصلّين يسجدون وينتصبون في مسجد الحيّ، من خلال النّوافذ (...)، خاصّة وأنّ هذه الطّريق توصله إلى المدرسة وإلى محلّ أبيه في سوق الصّاغة"[9].


تعني طرابلس الكثير لجورج خضر. لقد توجّع زمن التّقاتل في العام 1984، فأعلن أنّ: "طرابلس من ثوابت المجد في تاريخنا (...) إنَّ موت طرابلس يقضي على البقيّة الباقية من مصداقيّة العرب. فأيّ إله يسري بعبيده من مساجد المدينة المدمّرة إلى المسجد الأقصى؟ كيف يحتمل ذهنُ عربيّ أن يُذهب بتلك الّتي كانت تُعتبر، في عصر المماليك، أجمل مدينة إسلاميّة من بعد القاهرة؟"[10]. فهي، بالتّالي، ليست مسرى طفولة، وليست انتسابًا لبقعة جغرافيّة، حيث عاش فيها تجربة فكريّة منفتحة، إذ من هذا البحر الزّاخر بالعلم والآراء، يأتي الشّهيد الشّيخ صبحي الصّالح[11] ليسأل الخوري جورج خضر عن رأيه في مخطوطه عن النّظم الإسلاميّة، قبل أن يدفعه للطّبع[12]، ويوضح الشّيخ ناصر الصّالح: "كان مدير المدرسة مكاريوس موسى[13] يؤمّن للتّلاميذ المسلمين أداء صلاة الجمعة، في "مسجد الميناء الكبير"، يصحبهم بنفسه، أو يرسل معهم أحد المدرّسين، (....) وكان كلّ طلبة صفّنا يحضرون درس الدّين، دون حرج، وكان مدرّس الدّين يومئذٍ الأب جورج خضر"[14].


هذا "المكان" الطّرابلسيّ والميناويّ رسم خطّ جورج خضر الفكريّ الثّقافيّ الأساسيّ الّذي بنى عليه لاحقًا ثقافته المسكونيّة الّتي تتقبّل الآخر وتحترم تعدّديّة الأفكار وتنوّعها مصدرَ غنى للإنسانيّة. تعامل مع مجمتعه المحليّ منصّةَ انطلاق إلى المنصّة الشّابكة جَهويّات العالم كلّه، لذا كان هاجسه النّهضة الإنسانيّة انطلاقًا من نهضة المؤمنين، فكان الصّخرة الّتي انطلقت منها حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة في العام 1942، إضافةً إلى المؤسّسات ومنها إنشاء مستوصف حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة في العام 1967، في الميناء، إيمانًا بأنّ المسيح "كان زعيم حركة فقريّة هي بحدّ نفسها احتجاج، مذكّرًا بأنَّ المؤمنين في أورشليم بنوا نظامًا تكافليًّا كاملًا "وكان جميع المؤمنين معًا وكان كلّ شيء مشتركًا بينهم، وكانوا يبيعون أملاكهم وأمتعتهم يوزّعونها على الجميع على حسب حاجة كلّ واحد" (كتاب أعمال الرّسل 2:44 و45). من هنا كان اهتمامه بالتزام شؤون الأرض، وقضيّة المسيح الاجتماعيّة في العالم، فبلوَرَ مجموعة من مفردات استعادت روحيّتها ومداها الإيمانيّ، كما فـي مفرداته "الفقراء جرحه"[15]، وهم "إخوة السّيّد"المسيح[16]"السّاكن في المقهور أبدًا"[17]، انعكس ذلك على أدبه وكتاباته، فكتب للعمّال ترتيلة دخلت في سياق القدّاس الإلهيّ الّذي تقيمه الكنيسة الأرثوذكسيّة في عيد العمّال في الأوّل من أيّار.


لم تأت كلماته من نظريّات بل من عمل واقعيّ، فقد اشتغل جورج خضر في الصّياغة وفي النّجارة، والتزم الخدمة النّقابيّة أيضًا؛ "إذ تسجّلتُ في نقابة النّجّارين، ولم تمض عليّ سنة حتّى أُسندت إليّ أمانةُ السّرّ. كان يسرّ المسؤولين أن أكتب بالفصحى"[18]، ويضيف: "تعبتُ وتعذّبت في جوّانيتي لأنّني "أدركت أنّ أبي لم يتكلّم لغة، ولا أفصح العربيّة، لأنّه كان ينتمي في حداثته إلى طائفة الفقراء"[19]. من هذا الخطّ البيانيّ في الفقر جنحتُ إلى صورة المسيح الفقير، منذ طفولتي "خرجتُ إلى العالم والفقراء جرحي"[20].


انطلاقًا من هذا "المكان" خرج إلى التّراث العربيّ فرأى: "أنَّ المسيحيَّ العربيَّ لا يحاورُ الإسلامَ َمن موضعِ استشراقٍ، ولكنَّهُ يخاطبُهُ من داخلِ المسيحيّةِ الشّرقيّةِ الّتي كانَ الإسلامُ إطارَ عيشِهَا الاجتماعيِّ منذ خمسةَ عَشَرَ قرنًا، وله منها عمارةُ مساجدِهِ، وبعضُ فنِّهِ، وتَشبُّهٌ بعباداتِها الّتي لم يفصِّلْها الوحيُ تفصيلًا. والمسيحيّةُ الشّرقيّةُ تَعَرَّبَ لسانُها بعدَ الفتحِ وكتَبَتْ في القرنِ الثّامنِ الميلاديّ العربيّة الفصحى البليغةَ حتّى أَعادَتْ، منذُ القرنِ السّابعَ عَشَر، إلى العربيّة الرّونقَ الّذي فَقَدَتْهُ في عصورِ الانحطاط. نحنُ في هذه الدّيارِ لسنا مستشرقينَ. نحن شرقيّونَ وورثةٌ للغةِ القرآنِ، وليس عاميٌّ منّا لا يعرفُ منه آياتٍ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ. لذلك حق َ لنا (...) بفضلِ التّراثِ الّذي ننتمي إليه، أن يكونَ الواحدُ منّا حريصًا على أنْ يحيا المسلمونَ في سلامٍ وأن يُؤْتُوه، إذا صَحَّ أَنَّ الإسلامَ مُشتقٌّ من السَّلام"[21]، والاعتصام بحبل الله، كما في المسيحيّة، حيث وردت لفظة الكنيسة، وهي وردت "بالآراميّة السّريانيّة الّتي كان يتكلّمها السّيّد "كنيست" أي المجمع، الجماعة، تقابلها باللّغة اليونانيّة لفظة "إكليسيا" الّتي تشتقّ من فعل يونانيّ بمعنى ادْعُوا، والجماعة مدعوّة لتكون معًا، الجماعة مدعوّة، أي معتصمة، بكلمة الله"[22].


من هذه المدينة، طرابلس، من مسالكها وتعرّجاتها، وامتدادها ما بين نهر أبي عليّ وميناء البحر المالح، حمل جورج خضر همّه في تظهير صورة الفيحاء الحضاريّة، ومكانتها في ضميره وتأثيرها فيه، وكان يرتكز عليها في تفاعله اليوميّ مع السّكّان، متسائلًا عن كيفيّة الاستفادة من إرثها التّاريخيّ والأثريّ الكبيرين. كما كان صيّادو السّمك والفَعَلة والحرفيّون يعنون له، فهم على صورة رسل المسيح الأوائل، يعتاشون من البحر الكبير الواسع، كما من المهن الحرفيّة الّتي تعرّف إليها جورج خضر في أسواق طرابلس والميناء، ومنها خرج إلى.... العالميّة.





الدّكتور جان توما: حائز شهادة دكتوراة في اللُّغة العربيَّة وآدابها من الجامعة اللُّبنانيَّة. أستاذ محاضر في جامعات: القدِّيس يوسف، واللُّبنانيَّة، وسيِّدة اللّويزة، ويشغل منصب رئيس قسم اللُّغة العربيَّة في جامعة الجنان. له أكثر من سبعة عشر إصدارًا يتراوح بين كتب أدبيَّة، وشعريَّة، ورواية، ودراسات تربويَّة، وتحقيق مخطوطات.

[email protected]





الحواشي


[1]   مسقط رأس جورج خضر في 6 تمّوز 1923 (مطران أبرشيّة البترون وجبل لبنان الأرثوذكسيّة : 15 شباط 1970 - استقالته 3 آذار 2018).

[2]  قول له على هامش تكريمه في اللّيونز 28 تشرين الثّاني 2013 في طرابلس.

[3]  خالد زيادة، مجلّة النّور، العدد الثّاني التّوثيقيّ، السّنة الثّالثة والخمسون، 1997، ص 109.

[4]   جورج خضر، "طرابلس في المحنة الكبرى"، 13 كانون الثّاني 1985 في: الرّجاء في زمن الحرب (بيروت: دار النهار للنشر، 1987)، 129 و130.

[5]  خضر، مواقف أحد، (دار النّهار، بيروت، لبنان، 1992)، 172.

[6]  خضر، لو حكيت مسرى الطّفولة، (بيروت: دار النّهار للنّشر، لا ط.، 1979)، 27.

[7]   خضر، المصدر نفسه،37.

[8]  خضر، المصدر نفسه، الصّفحة نفسها.

[9]  خضر، المصدر نفسه، 6.

[10] خضر، "مقالة في طرابلس" 7 تشرين الثّاني 1983 في: الرّجاء في زمن الحرب (بيروت: دار النّهار للنّشر، 1987)، 72.

[11] ولد في الميناء في العام 1926. وحائز إجازة من كلّيّة أصول الدّين في الأزهر (1947)، والدّكتوراه (1949)، وإجازة في الأدب العربيّ من جامعة القاهرة (1950). غادر إلى باريس ونال من السّوربون دكتوراه في الآداب مع أطروحتين. عاد إلى طرابلس في العام 1954 مؤلِّفًا وباحثًا. اغتيل في بيروت في 7 تشرين الأوَّل 1986. (الجنابي، أحمد قاسم: الشّيخ الشّهيد الدّكتور صبحي الصّالح وجهوده اللّغويّة (طرابلس: جامعة الجنان، 2001)، 5).

[12] اللّجنة العلميّة لتطوير المينا، الميناء في ذاكرة الغد (طرابلس: دار الإنشاء، 2001)، (المطران جورج خضر: ص. 34)

[13] مدير مدرسة مار الياس من 1933 إلى 1957 – توفّي في العام 1964.

[14] اللّجنة العلميّة لتطوير الميناء، الميناء في ذاكرة الغد (الشّيخ ناصر الصّالح، 39).

[15] خضر، لو حكيت مسرى الطّفولة، 17.

[16]  خضر، نشرة رعيّتي، أبرشيّة جبيل والبترون وما يليهما، 1995، العدد 2.

[17] خضر، المرجع السّابق، 17.

[18] خضر، المرجع السّابق، 44.

[19] خضر، المرجع السّابق، 16.

[20] خضر، المرجع السّابق، 17.

[21] جورج ناصيف، الجرح، مقدّمة جورج خضر للكتاب، ط.1 (بيروت: دار النّهار، 2005)، 12.

[22] خضر، آراء أرثوذكسية في الكنيسة، مجموعة مؤلّفين، ط.1 (منشورات النّور، بيروت، لبنان، 1982)، 41.


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق