article_cover_image

نصّ الإرشاد الرّسوليّ "سبّحوا الله": أمل بيقظة الضّمائر والالتزام بما فيه الخير العامّ لمستقبل البشريّة.

author_article_image

الأب سامي حلّاق اليسوعيّ

صرخة البابا لأجل البيئة 2023

في 4 تشرين الأوّل/أكتوبر من العام 2023 في عيد القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، أصدر البابا فرنسيس إرشادًا رسوليًّا عن البيئة بعنوان: "سبّحوا الله LAUDATE DEUM". العنوان مستوحًى من المزمور 150، وقد استعمل القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، شفيع البيئة، هذا التّعبير في صلواته وأناشيده.

يأتي هذا الإرشاد صرخةً مهّد لها البابا فرنسيس في أحاديث سابقة ومقابلات، ووعد بإطلاقها. واختار عيد القدّيس فرنسيس الأسّيزيّ، شفيع البيئة، ليطلقها. صرخة تحذيريّة، توجّه إصبع الاتّهام إلى الأنظمة العالميّة الّتي تدمّر كوكبنا في سبيل أرباحٍ آنيّة، وتستعمل جميع أساليب القمع لفرض أسلوبها وسياساتها على الشّعوب والأمم.


مقدّمة الإرشاد قصيرة، تعلن عن دوافع كتابته: مرّت ثماني سنوات على الرّسالة العامّة "كن مسبّحًا"، لكنّ "ردود الفعل [العالميّة] ليست كافية، والعالم الّذي يرحّب بنا ينهار، وربّما يقترب من نقطة النّهاية"
(§ 2). فدواعي إصدار إرشادٍ رسوليّ في الموضوع نفسه هي الضّرورة الملحّة، لأنّ تغيّر المناخ لن يؤذي بعض النّاس أو بعض البلدان، بل القضيّة صارت "مأساة تلحق الضّرر بنا جميعًا" (§ 3).


الفصل الأوّل: أزمة المناخ العالميّة

يبدأ البابا هذا الفصل بكلامٍ واضحٍ ومباشر، فيؤكّد أنّ الكارثة قد بدأت رغم إنكار بعضهم لها (§ 5). ويكرّس الفقرات التّالية لدحض ادّعاءات مَن يُنكرون صحّة هذا الكلام، وتبيان بطلان حججهم بسرد إحصاءات وأرقامٍ باتت معروفة عالميًّا (§ 6-14). ففي حين يرفض بعضهم ربط الأخطار البيئيّة بالنّشاط البشريّ، ويقولون إنّ ما يحدث هو أمر طبيعيّ، يؤكّد البابا أنّ النشاط البشريّ الحاليّ هو السّبب. ويزيد على ذلك أنّ المسألة بدأت تدخل طريق اللّاعودة. فإن لم تُتَّخَذ إجراءات سريعة "سيكون الوقت متأخّرًا دائمًا، لأنّه لن يكون ممكنًا التّدخّل لوقف العمليّة الّتي بدأت" (§ 17).

"لذلك، إنّنا نحتاج بصورة مُلِحَّة إلى رؤية أوسع تسمح لنا لا بالتّعجّب أمام إنجازات التّقدّم وحسب، بل تسمح لنا أيضًا بالاهتمام بالآثار الأخرى الّتي ربّما لم يكن من الممكن حتّى تصوّرها قبل قرن من الزّمان. لا شيء يُطلَب منّا سوى بعض المسؤوليّة تجاه الميراث الّذي سنتركه بعد مرورنا في هذا العالم" (§ 17).


الفصل الثّاني: النّموذج التّكنوقراطيّ المتنامي

في هذا الفصل، يعرض البابا الجوانب السّلبيّة للنّشاط البشريّ، ويختزلها بما يلي معتمدًا على ما أورده في الرّسالة العامّة "كن مسبّحًا":

- النّموذج التّكنوقراطيّ الّذي يقف وراء عمليّة التّدهور البيئيّ الحاليّة. إنّه "طريقة منحرفة لفهم الحياة والعمل الإنسانيّ، وتناقض الواقع إلى حدّ الإضرار به" (§ 20).

- الذّكاء الاصطناعيّ وآخر التّطوّرات التّكنولوجيّة الّتي تعتمد على فكرة الإنسان بلا حدود، ويمكن أن تمتدّ قدراته وإمكانيّاته إلى ما لا نهاية بفضل التّكنولوجيا (§ 21).

- الاعتقاد بأنّ الموارد الطّبيعيّة الّتي تتطلّبها التّكنولوجيا هي لامحدودة (§ 22).

- هيمنة الّذين لديهم المعرفة، ولاسيّما القوّة الاقتصاديّة، هيمنةً مذهلة على البشريّة جمعاء وعلى العالم أجمع (§ 23).

ويرفع البابا صوته مندّدًا بكلّ مَن يزدري الرّوابط العضويّة المتينة بين الإنسان والبيئة حوله. "البيئة السّليمة هي ثمرة تفاعل الإنسان مع البيئة، [...] والمشكلة الكبرى اليوم هي أنّ النّموذج التّكنوقراطيّ دمّر هذه العلاقة السّليمة والمتناغمة" (§ 27).

ويفضح البابا الكذب الّذي تلجأ إليه قلّة من أصحاب الأموال حين يخفون الكوارث البيئيّة لمشاريعهم عن السّكّان المحلّيّين، فيجنون الأرباح، ويتحمّل السّكّان العواقب الوخيمة.


الفصل الثّالث: ضعف في السّياسة الدّوليّة

في هذا الفصل، يشير البابا إلى هيمنة سلطةٍ محصورةٍ ببعض الأشخاص، تدّعي التّعدّديّة، على القرارات الدّوليّة. وهي هيمنة حرمت المنظّمات الّتي تُعنى حقًّا بخير الإنسان من أيّ سلطةٍ حقيقيّة. وهنا يقترح البابا بعض الحلول:

- إعادةُ صياغة التّعدّديّة وإنشاؤها من جديد، ومنحُ جمعيّات المجتمع المدنيّ ومنظّماته سلطةً حقيقيّة للقرار (§ 37).

- يرى البابا أنّ عولمة التّبادلات الثّقافيّة التّلقائيّة، وزيادة المعرفة المتبادلة، الّتي نشهدها اليوم، "تؤدّي في نهاية المطاف إلى إقامة تعدّديّة الأطراف "من الأسفل"، وليس نتيجة قرار من النّخب الحاكمة وحسب". لذلك يجب تشجيع هذه التّبادلات، لأنّ نشاط "الأشخاص الملتزمين من مختلف البلدان ويرافقون بعضهم بعضًا، يمكن أن يؤدّي في نهاية المطاف إلى الضّغط على عوامل القوّة" (§ 38).

- ولّدت ثقافة ما بعد الحداثة حساسيّة جديدة تجاه الضّعفاء والمحرومين من السّلطة، فيجب الاستفادة من هذه الحساسيّة الإنسانيّة الجديدة، وتعزيزها لتصبح ثقافةً راسخة في الأذهان (§ 39).

- تعزيز حرّيّة كلّ بلد في اتّخاذ القرار (§ 40)، تعزيز "للدّبلوماسيّة المتعدّدة الأطراف القادرة على الاستجابة لصياغة جديدة للعالم" (§ 41)، "التّفكير في ضرورة الاستجابة للتّحدّيات الجديدة والرّدّ عليها بآليّات عالميّة" (§ 42)، " إيجاد طرق جديدة لاتّخاذ القرار وإضفاء الشّرعيّة على تلك القرارات" (§ 43).


الفصلان الرّابع والخامس: مؤتمرات بشأن المناخ: التّقدّم والإخفاقات

يعرض البابا في البداية كلّ المؤتمرات العالميّة البيئيّة (COP)، وفشلها في الوصول، لا إلى اتّفاق، بل إلى تطبيق ما تمّ الاتّفاق عليه. وحيث إنّ المؤتمر الثّامن والعشرين سينعقد في دُبَي (COP28)، يعرض البابا ما يمكن توقّعه.

ردًّا على اليائسين الّذين يقولون: لا يُرجى من هذا المؤتمر شيء، يقول البابا:

"إن كنّا نثق بقدرة الإنسان على تجاوز مصالحه الصّغيرة وأن يفكّر بصورة شاملة، فلا يسعنا إلّا أن نحلم بأن يؤدّي مؤتمر الأطراف الثّامن والعشرون إلى تسريع ملحوظ في التّحوّل في مجال الطّاقة، مع التزامات فعّالة وقابلة للمراقبة الدّائمة" (§ 53).

فعلى الرّغم من الفشل النّسبيّ لهذه المؤتمرات في فرض تشريعاتٍ مُلزِمة على الدّول، يشير البابا إلى أنّ هناك بعض التقدّم، ويدعو إلى عدم اليأس، ويختم بقوله: "ونأمل أن يكون العاملون في هذا المجال استراتيجيّين قادرين على التّفكير من أجل الخير العامّ ومستقبل أبنائهم، أكثر من اهتمامهم بمصالح ظرفيّة لبعض البلدان أو الشّركات" (§ 60).

 

الفصل السّادس: الدّوافع الرّوحيّة

يختم البابا رسالته بهذا الفصل. فبعد عرضٍ كتابيٍّ لضرورة الحفاظ على البيئة، يدعو النّاس إلى العمل فرادى وجماعات من أجل العمل البيئيّ: "إنّ الجهود الّتي تبذلها الأسر للحدّ من التّلوّث، والحدّ من النّفايات، والاستهلاك بحكمة، تَخلق ثقافة جديدة. وإنّ إصلاح العادات الشّخصيّة والعائليّة والمجتمعيّة تنبِّه قلقنا تجاه المسؤوليّات الّتي لم تَفِ بها القطاعات السّياسيّة، وتثير السّخط على عدم اهتمام الأقوياء" (§ 71). ويوجّه البابا هذه الدّعوة بشكلٍ خاصٍّ إلى المجتمع الغربيّ، لأنّه السّبب الأساسيّ في الانبعاثات الحراريّة: "فإنّنا نؤكّد أنّ التّغيّرات العامّة في نمط الحياة المرتبط بالنّموذج الغربيّ، سيكون لها تأثير كبير على المدى الطّويل" (§ 72).


الخلاصة

نصّ الإرشاد الرّسوليّ "سبّحوا الله" واضح، مباشر، يوجّه إصبع الاتّهام إلى فئاتٍ معنيّة من دون مواربةٍ أو تلميح. إنّه لا يحلّق في الاعتبارات النّظريّة، والأقوال المجرّدة، والعبارات المروحنة، بل يضع رجليه بثباتٍ على أرض الواقع. وصدوره قبل (COP28) في دُبَي ربّما يشي بغايته: الأمل بأن يوقظ هذا الإرشاد الرّسوليّ الضّمائر ويحثّ الهمم، لعلّ هذه اليقظة تزرع خشيةً لدى عشّاق "الكسب مهما كلّف الثّمن"، فيكفّوا عن الضّغط لمصلحة الرّبح الأكثر، ويلتزموا بقراراتٍ تصبّ في الخير العامّ للأجيال الحاضرة والمستقبليّة.




الأب سامي حلّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ محاضر في جامعة القدّيس يوسف - بيروت. له مؤلّفات وترجمات عدّة منشورة في لاهوت البيئة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيّة في مجلّة المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق