article_cover_image

التكنولوجيا الحديثة تعدنا بالتّحرّر من حدود المكان والزّمان... وحتّى الهويّة.

author_article_image

الدُّكتور نمر فريحه

الهويّة المركّبة وتأثير العولمة واللّيبراليّة والتّكنولوجيا فيها

1 - مقدّمة

عندما نقول هويّة، ما الّذي نقصده؟

إنّنا نتكلّم على تعريف فرد ضمن مجموعة أو مجموعات، وليس منفردًا. إذ لا معنى ولا حاجة إلى هويّة لإنسان يعيش منعزلًا في غابة أو جزيرة صغيرة. فلمن سيعرّف عن نفسه؟ لا أحد. ومن سيمنحه هويّة؟ لذلك فإنّ الإطار الأوّل الّذي يحتوي مفهوم هويّة الفرد هو مجموعة أناس يعيش ضمنها، ثمّ المجموعات الّتي يتفاعل معها. وقد تضعف أهمّيّة الهويّة الفرديّة في مجتمعات معيّنة وتقوى في مجتمعات أخرى كما سنبيّن لاحقًا.

الهويّة، إذًا، من حيث الشّكل، هي وثيقة ذات صفة قانونيّة يحملها الفرد لتُظهر انتماءه إلى بلد معيّن. أمّا من حيث البعد فهي مجموع السّمات الخاصّة بأفراد وطن معيّن، وتتمتّع بخصوصيّة وتميّزٍ عن غيرها من الهويّات الأخرى. فالهويّة الوطنيّة تُكتسب بالولادة، لكنّها تُبنى في المجتمع منذ الصّغر حيث يتشارك المولود الجديد مع الآخرين، وبالتّدرّج، اللّغة ورموز الوطن وتاريخه وثقافته وقيمه.

وهكذا، فالهويّة هي الوثيقة الّتي تعكس الذّات والخصوصيّة والفرادة. أي إنّها تجعل كلّ إنسان فريدًا في العالم.


2 - لمحة تاريخيّة عن تطوّر الهويّة فكرةً ووثيقةً مادّيّة

إذا عدنا إلى الماضي لاستكشاف مفهوم الهويّة وكيف تطوّر، نجد أنّ اسم الفرد ووالده (فلان بن فلان) كان هوّيته التّعريفيّة قديمًا. ومع نشوء تجمّعات تستند إلى رابطة الدّم، أصبحت هويّة الفرد كناية عن انتسابه إلى عشيرة أو قبيلة، ولاحقًا مع بروز الدّولة أو الإمبراطوريّة ذات المؤسّسات، أصبح الفرد ينتسب إليها بشكل رئيسيّ، وأصبحت هويّته القبليّة الهويّة الثّانويّة. لكن، لا يمكن تعميم ذلك إذ بقيت الهويّة القبليّة قويّة في مجتمعات كثيرة، واعتبرها الفرد الأولى وليس الثّانوية.

أمّا التّعبير عن الانتساب إلى القبيلة أو الدّولة فكان يقتصر على التّعريف الشّفويّ حتّى بروز الدّولة الرّومانيّة الّتي اقتبست مفهوم المواطَنة عن الإغريق، ثمّ تولّت إصدار هويّة مادّيّة للمواطنين الرّومان، وهي كناية عن لوحين خشبيّين، سمّيت شهادةَ مواطنة تدوَّن عليها معلومات عن حاملها تعرّف عنه. لكن، تُعتبر الإمبراطوريّة البابليّة أوّل دولة قامت بعملٍ ضمن حقل الهويّة بأن جمعت معلومات عن رعاياها كأفراد، ووضعتها في ما يشبه الأرشيف اليوم.

كما أنّ بعض الدّول، وبغضّ النّظر عن حجمها، قرنت الهويّة بالمواطَنة كاليونانيّين الّذين استخدموا عبارة "مواطن حرّ" ليصفوا بها أحد أعضاء المجتمع اليونانيّ، ولتمييزه عن العبد أو الأجنبيّ الّذي يقيم في أثينا. وهكذا كانت المواطَنة هي هويّة الأثينيّ حتّى لو لم تكن وثيقة مادّيّة. والشّيء ذاته حصل في روما، كما ذكرنا. ومَن كان يحقّ له المواطَنة الرّومانيّة هم المتحدِّرون من القبائل الأساسيّة الّتي تَشكَّل من أعضائها مجتمعُ روما القديمة. هذا في البداية، لكن مع توسّع الإمبراطوريّة دخلت مجموعات كثيرة في إطار المواطَنة الرّومانيّة خصوصًا مَن خدم في الجيش. وقد دشّنت الإمبراطوريّة الرّومانيّة أمرين لم تسبقها إليهما أيّ دولة وهما تقديم هويّة مادّيّة من الخشب للمرّة الأولى في التّاريخ، وإدخال أجانب في المواطَنة الرّومانيّة ضمن شروط حدّدها القانون. واقتبست ذلك معظم الدّول لاحقًا، وفي مراحل مختلفة من تاريخها.


وثمّة سؤال لا بدّ من التّوقّف عليه: هل كانت هناك أشكال أخرى للهويّة غير اللّقب "مواطن حرّ"، والهويّة الخشبيّة الرّومانيّة؟ والجواب هو نعم، ولو أنّ الوقائع نادرة. إذ كان أعضاء قبيلة (Maori of New Zealand) يستعملون "التاتو" على وجوههم وأياديهم دليلًا على هويّتهم ومستواهم الاجتماعيّ. إذ حملت النّقوش على الجسد أسماء ومعاني يعرفها أبناءُ القبيلة ويتعاطَون بعضُهم مع بعض على أساسها. والسّؤال الّذي يطرح نفسه في هذا السّياق: هل اللّوحة أو التّمثال هويّة؟  إنّه يعرّف عن شخص معيّن، فهل تنطبق على صورة الشّخص أو تمثاله مواصفات الهويّة؟

بالإضافة إلى الهويّة التّعريفيّة داخل البلد، هناك هويّة أخرى يحتاج إليها المرء للتّعريف به، عندما ينتقل أو يسافر من بلده إلى بلد آخر. وإصدار هذه "الهويّة" هدفُه التّعريف بحاملها لدى جهات أخرى في غير بلده، وكانت تسمّى أوراقَ مرور، وعُرفت لاحقًا بجواز السّفر. وقد حصل هذا للمرّة الأولى في بريطانيا في العام 1540، وأصبح بإمكان حامل هذه الأوراق أن يتنقل من مرفأ إلى آخر مزوَّدًا بها وثيقة تعريفيّة.

أمّا أقدم وسيلة لتأكيد هويّة الشّخص فكانت البصمة نظرًا إلى دقّتها، واليوم هي الحمض النّوويّ (DNA)، إلى جانب البصمة.


3 - الهويّة وجدانيًّا

نودّ تعريف الهويّة وجدانيًّا بأنّها إحساس الفرد بذاته المستقلّة، وكيانه الفرديّ، بمن هو، ومَن ينتسب إليهم. ويدفعه هذا الشّعور غالبًا إلى التّعاطف مع الّذين يحملون هويّة مثلها من بلده، حتّى ولو لم يكن يعرفه شخصيًّا. ويتجلّى هذا الأمر بأبهى صوره عندما يلتقي شخص بآخر خارج الوطن، ويحمل الاثنان الهويّة الوطنيّة ذاتها، فيتعارفان ويتبادلان أرقام الهاتف، ويطوّران صداقة بينهما.

لكن لم يقتصر أمر الهويّة على هذا الشّكل الإيجابيّ. إذ إنّ بعض النّاس لم تكن لديهم هويّة فرديّة خاصّة بهم، بل كانت ترتبط بوضعهم كهويّة المستعبَد، هويّة التّبعيّة للإقطاعيّ أو السّيّد. ولنا في ذلك إثبات حديث نسبيًّا. إذ عندما تمّ تحرير العبيد في أمريكا بعد الحرب الأهليّة (1860-1864)، وأرادت الدّوائر المختصّة في الولايات تسجيل المحرّرين مواطنين أمريكيّين، لم يكن لهم اسم عائلة بل كانوا يذكرون اسمَهم الأوّل. وعندما يُسألون عن اسم عائلتهم، كانوا يسمّون عائلة السّيّد الّذي كانوا عبيدًا عنده. لذلك هناك أسماء عائلات مثل جفريسون وجاكسون وفورد وهاملتون وجونسون وغيرها هي في الواقع أسماء عائلات معظم السّود.

والهويّة الفرديّة تصبح مجتمعيّة عندما يتشارك في سماتها أفراد مجتمع معيّن. ونلمس هذا بشكل واضح عندما تُطرح فكرة تقرير المصير. ومن أحدث الأمثلة على ذلك مجموعة الرّوهينغا الّتي طُردت من بلدها "بورما"، وتقدّمت بطلب إلى المؤسّسات الدّوليّة بهدف الاعتراف بحقّها في تقرير مصيرها، وهويّتها كمجموعة إثنيّة تعرّف هي نفسها بأعضائها، وتميّزهم من بين النّاس بحسب مطالبهم وحاجاتهم.


4 - ربط فكرة الهويّة بالانتماء إلى القبيلة أو الدّولة

إنّ أساس الارتباط القبليّ هو مزيج من رباط الدّم المادّيّ، والرّباط الوجدانيّ. إذ يشعر الفرد بأنّه جزء من مجموعة متجانسة بكلّ أشكال حياتها، ومترابطة بعامل القربى. لذلك استمرّت القبيلة بالوجود منذ زمن قديم حتّى اليوم. ومن ضمنها يصل انتماء الفرد إلى حدّ الذوبان في المجموعة، حيث تضيع الهويّة الفرديّة نسبيًّا ضمن الانتماء القويّ، إذ كلّما ضعفت الهويّة الفرديّة قويت هويّة المجموعة، والعكس صحيح.

أمّا في الدّولة فيتشارك الفرد حبًّا، مع آخرين، لدولة هي دولته، ويكون مقتنعًا بتميّز ثقافتها ولغتها وعاداتها، فيصبح مخلصًا لها. ففي زمن الدّولة- المدينة كان الانتماء قويًّا وعاطفيًّا بشكل كبير. وفي أوروبا القرون الوسطى، كان الدّين هو العامل الجامع بين النّاس، فكان الانتماء إليه، وكان إخلاصهم وولاؤهم للحاكم الدّينيّ. وعندما نشأت الدّولة-الأمّة في القرن السّابع عشر، أصبح الانتماء إليها، واستُبدلت الهويّة الدينيّة والانتماء الدّينيّ بالهويّة المدنيّة السّياسيّة، وأصبح الانتماء إلى الدّولة ومؤسّساتها. إذ كان الفرد على سبيل المثال يقول إنّه مسيحيّ، ثمّ بورغنديّ، وأخيرًا يقول إنّه فرنسيّ. وحديثًا، انقلبت صياغة الانتماء، فأصبح يقول إنّه فرنسيّ ثمّ أوروبيّ ثمّ عالميّ.


5 - الهويّة والانتماء والولاء

الهويّة مؤشّر إلى الانتماء، لكنّها لا تعني الولاء تلقائيًّا. فقد ينتمي الفرد إلى دولة معيّنة، ولا يكون مخلصًا لها. قد يخالف قوانينها المتعلّقة بأمنها وسيادتها، وقد يرتكب خيانة ضدّها مستغلًّا الهويّة الّتي حصل عليها بعامل الولادة أو من خلال إجراء قانونيّ آخر. لذلك لا يجب توافر الشّرطين معًا (انتماء وولاء) عند تناول موضوع الهويّة. هذا بالرّغم من أهمّيّة ترابط العنصرين في نظر أيّ إنسان، إذ لا يقبل التّفكير العقلانيّ أن يعيش شخص في بلد، ويستفيد من تقديمات حكومته وخدماتها له، ثمّ ينكر كلّ ذلك، ويتّخذ موقفًا معاديًا لها.


 6 - الهويّة المركّبة

تناولنا حتّى الآن الهويّة الوطنيّة وارتباطها بعناصر أخرى داخل البلد. لكنّ هناك نوعًا آخر من الهويّات، عندما تصبح لدى الفرد أكثر من هويّة، وهذه تُسمّى الهويّة المركّبة. فمنها ما هو محليّ بأن تكون للفرد هويّة وطنيّة وقبليّة ودينيّة وجندريّة وإثنيّة داخل حدود بلده، أو أن تكون لديه هويّة أخرى مرتبطة بعناصر خارج وطنه. إذ يكون الفرد قد حصل على هويّة بلد آخر (أو حتّى بلدين)، وهكذا أصبح لديه هويّتان وجنسيّتان وانتماءان على الأقلّ. وبما أنّ هذه المقالة تدور بشأن الهويّة المركّبة وما يرتبط بها من عناصر مختلفة في عصر التّكنولوجيا والعولمة، وفي ظلّ اللّيبراليّة الحديثة، فلا بدّ من التّطرّق إلى هذه العناصر ببعض التّفصيل.


7 - العولمة واللّيبراليّة والتّكنولوجيا والهويّة المركّبة

أ - اللّيبراليّة ودورها في الهويّة المركّبة

لقد ساهمت العوامل الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة، بشكل كبير، في إيجاد العولمة وهيمنتها في العالم. وجمعت العولمة تعريفات كثيرة، لكن غير متباعدة، منها أنّها ظاهرة اقتصاديّة واجتماعيّة تفاعليّة تتّسم بالحريّة الّتي نادت بها اللّيبراليّة، وساهمت التّكنولوجيا في ولادتها، وجعلتها سهلة الانتشار والتّأثير، وأمدّتها بقوّة التّواصل السّريع ما جعلها تصل إلى كلّ مجتمع وفرد وتؤثّر فيه. وقد رأى بعض المفكّرين أنّ العولمة هي حتميّة علميّة اجتماعيّة. وارتبطت عمليّة العولمة بعوامل اجتماعيّة وثقافيّة أثارت تحفّظ عدد من المجتمعات خوفًا على ثقافتها وقيمها عندما تتعرّض لشيء من المنافسة أو المقارنة مع تلك الّتي تؤمن بها مجتمعات أخرى. ويمكن القول إنّ معارضة العولمة كانت قويّة في تسعينيّات القرن العشرين، لكن ضعُف التّعرّضُ لها حاليًّا بعد أن أصبحت واقعًا.


وقد قسّم علماء الاجتماع العولمة ثلاثة أنواع:

(1) عولمة اقتصاديّة: أجواء مفتوحة لتخفيف كلفة النّقل، ومعاهدة الغات (GATT)، وسهولة تنقّل الأفراد والعمّال ورؤوس الأموال، ومنافسة مفتوحة لبيع أو شراء السّلع، وما شابه. إذ يخترع مبرمج برنامجًا في الهند، ويبيعه لشركة في لندن، ويقبض ثمنه من بنك في دولة ثالثة لديه فيها حساب مصرفيّ. ويحصل هذا من دون أن يأتي المخترع إلى لندن أو يذهب الشّاري إليه. هذه تسهيلات ما كانت تحدث سابقًا قبل عصر العولمة، وهي ليست سيّئة أبدًا. وقد وُضع إعلان منذ فترة قصيرة يدعو المستثمر إلى شراء عقار في اليونان بحوالى مئتي وخمسين ألف دولار أمريكيّ ليحصل على إقامة أوّلًا، وهذا يسهّل له الحصول على الجنسيّة اليونانيّة لاحقًا. والنّتيجة أنّه يمكن هذا المستثمر الغريب الحصول على هويّة دولة أوروبيّة كاليونان مثلًا، أو في البرتغال مقابل مبلغ أكبر بقليل. أنت لبنانيّ، وتشتري عقارًا في اليونان، فتصبح يونانيًّا. أنت لم تولد هناك، ولا تحسن التّكلّم باليونانيّة، ولم تنمُ في أحضان الثّقافة اليونانيّة، وبالرّغم من كلّ هذا فقد أصبحت يونانيًّا. ما قيمة الهويّة الجديدة الّتي اكتسبتها نتيجةً لعوامل الاقتصاد واللّيبراليّة والعولمة؟ وأين الشّقّ الوجدانيّ فيها؟ فهل مجرّد شراء عقار يخلق في الشّاري شعور الانتماء والمحبّة للبلد؟ أو الاستعداد للدّفاع عنه إذا تعرّض لأيّ سوء؟ نجد في اللّيبراليّة والعولمة تجريدًا للهويّة لتتحوّل إلى مجرّد إثبات مادّيّ للانتماء.


(2) عولمة سياسيّة: لقد قلّصت العولمة أهمّيّة الحدود مع اجتياح التّكنولوجيا ووسائطها الكون، واعتُبر هذا بمثابة إضعاف لسيادة كلّ دولة لأنّه لم يعد بمقدورها عزل نفسها عن باقي الدّول والمجتمعات، والتّحكّم بشؤون مجتمعها كما تشاء السّلطة السّياسيّة. كذلك انتشرت مؤسّسات سياسيّة إقليميّة وعالميّة لم تكن موجودة في السّابق، وراحت تتدخّل في شؤون دول أخرى ما جعل السّيادة الوطنيّة الكاملة مجرّد فكرة أكثر من واقع معاش يوميًّا.


(3) عولمة ثقافيّة: وتتمثّل بانتقال الأفكار والقيم من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، بواسطة وسائل الإعلام ووسائط التّواصل الحديثة الّتي قدّمتها التّكنولوجيا. وساهم هذا الأمر في تبادل آراء وأفكار وتعلّم لغة غير اللّغة الأمّ، والاطّلاع على آداب شعوب أخرى وعاداتِها وعلى الأداب العالميّة، وغير ذلك. كما ساهمت العولمة بإدخال تقاليد من مجتمع إلى آخر، وازداد التّفاعل الثّقافيّ بين الأفراد بواسطة الإنترنت. ونشأت صداقات وعلاقات اجتماعيّة واقتصاديّة بين أناس ومؤسّسات من دول مختلفة. وكلّ هذا ما كان ليحدث لولا العولمة.


ومن النّاحية اللّغويّة، فقد ظهر طغيان اللّغة الإنكليزيّة على باقي اللّغات العالميّة والمحليّة، وقد أضحت وكأنّها اللّغة المشتركة بين شعوب العالم. والسّبب الرّئيسيّ في ذلك هو أنّ الثّورة التّكنولوجيّة قد انطلقت من الدّول النّاطقة بالإنكليزيّة خصوصًا الولايات المتّحدة. كما أنّ معظم الأبحاث الّتي تُنشر في العالم قد وضعت باللّغة الإنكليزيّة.

وهكذا، فقد أتت العولمة لتساهم في سهولة تنقّل النّاس وتواصلهم، وإنشاء مؤسّسات اقتصاديّة في دول غير دولهم، وتسهيل الحصول على هويّة البلد حيث يتمّ الاستثمار الاقتصاديّ. كما أنّ الهويّة العالميّة هي انعكاس للمواطَنة العالميّة الّتي دعت إليها اليونسكو منذ فترة غير بعيدة، وتساهم بها مؤسّسات تربويّة عديدة في دول العالم كما سنبيّن لاحقًا.

 وتحاول الورقة ربط العوامل الخارجيّة بعضها بالآخر، وإظهار كيفيّة حصول الهويّة المركّبة وتأثيرها في الفرد أوّلًا ثمّ في المجتمع ككلّ.


ب -  اللّيبراليّة ودورها في الهويّة المركّبة

في المسيرة الطّويلة للحياة الاقتصاديّة والنّظريّات الّتي رافقتها، تبرز اللّيبراليّة مدرسةً فلسفيّة-اقتصاديّة –سياسيّة تشتمل على أنشطة الإنسان كافّة، لحدّ أنّها تتدخّل في بنية العائلة وسلطة الأهل من خلال مبدئها الّذي يركز على الحرّيّة المطلقة للفرد. إذ إنّ الفرديّة والحرّيّة الفرديّة انبثقت من فلسفة وممارسة اللّيبراليّة بمفهومها الكلاسيكيّ مع "فرنسيس بيكون" (Francis Bacon)، ومن ثمّ هوبز، وديكارت، وآدم سميث، وغيرهم. وأكّدت الفرديّة، وحرّيّة الفرد، والمساواة في الحقوق. لقد قدّمت اللّيبراليّة فهمًا جديدًا للحرّيّة بأن تمادت في هذا الفهم مع الوقت لحدّ أن جعلتها حرّيّة مطلقة. وهذا تجاوزٌ لما هو مقبول عالميًّا وديموقراطيًّا، والّذي تمثّل بمقولة: إنّ حرّيّة الفرد أو المجموعة تنتهي عند بدء حرّيّة الآخرين. وساهمت اللّيبراليّة في تطوير فكرة واقع النّاس من رعايا إلى مواطنين، وهذا إنجاز إيجابيّ يُحسب لها. لكنّها بدأت أخيرًا بتحويل المواطنين إلى مستهلكين، مستفيدة من التّكنولوجيا والعولمة وحرّيّة السّوق وتبادل السّلع. ويُعتبر جون لوك أبَا اللّيبراليّة الحديثة الّتي بدأت عملية سيطرتها بعد إنشاء "مجتمع مونت بيلاران" (The Mont Pelerin Society) في العام 1947 على يد فريدمان، وبوبر، وستيغلر وغيرهم.

وقد غيّرت هذه الفلسفة مسيرة المجتمعات الغربيّة بما فيها نظرتها إلى الهويّة الوطنيّة، وعدم حجبها عن الرّاغبين في الحصول عليها من خارج الوطن، أي إعطاء الجنسيّة لأناس من غير الدّولة، مقيمين فيها مع توافر أبسط الشّروط.


لم تكن اللّيبراليّة في البداية تشتمل على منحى متطرِّف لأنّها اهتمّت بالاقتصاد. لكن بعد الحرب العالميّة الثّانية وإنشاء IMF و Mont Pelerin Society ، شعر مؤيّدوها بقوّتها، فراحوا، بواسطة المؤسّسات الّتي أنشأوها، يتدخّلون في أمور كثيرة تتجاوز الاقتصاد والسّياسة، وحتّى حدود بلدانهم، خصوصًا وأنّهم قادة ومسؤولون في دول كبرى وقويّة. ففكّروا بإنشاء الاتّحاد الأوروبيّ منذ خمسينيّات القرن العشرين، ورافق ذلك فكرة هويّةٍ أوروبيّة إلى جانب الهويّة الوطنيّة لمواطني دول أوروبا. وقد تحقّق هذا لاحقًا. وبات الأوروبيّ يحمل هويّة بلده وهويّة الإقليم (أوروبا). وانطبق هذا أيضًا على غير الأوروبيّ الّذي هاجر إليها وحصل على جنسية البلد الّذي أقام فيه، ثمّ هويّة الاتّحاد الأوروبيّ.

كما أنّ اللّيبراليّة ساهمت، إلى جانب التّكنولوجيا، في ولادة العولمة خصوصًا مع الاختراعات التّكنولوجيّة واستخدامها في سائر مجالات حياة الإنسان. فضمن إطار فكرها الفلسفيّ الّذي لا يضع حدودًا لطموحات الفرد وحرّيّته في العمل والإنتاج واختيار المكان الّذي سيعيش فيه، ترعرعت الثّورة التّكنولوجيّة وعمّت العالم، وهكذا نشأت ظاهرة العولمة.


وبالرغم من ترابط العولمة واللّيبراليّة والتّكنولوجيا، لا بدّ لنا من استعراض تأثير كل عامل على الهويّة المركّبة. إذ دعت اللّيبراليّة حديثًا إلى تجاوز الحدود الجغرافيّة لكلّ بلد، حرّيّة اختيار المكان، وبالتالي تجاوز العوائق الّتي واجهها مواطنو الدّول الأخرى إذ كانوا خاضعين لشروط كثيرة ومعقّدة ليحصلوا على هويّة البلد المضيف. فقد دعت اللّيبراليّة إلى فتح الحدود، من دون أيّ تحفظ، لكلّ إنسان يرغب في الانتقال إلى بلد آخر والعيش فيه، وهذا كان ليسهّل له الحصول على هويّة هذا البلد فيما بعد.

لكن تبقى هناك عوائق عند تطبيق المبادئ. فإذا اختار هذا الشّخص العيش في سويسرا، وسويسرا ترفض دخوله أراضيها، فماذا يحصل عندئذ؟ يسقط هنا مبدأ حرّيّة اختيار المكان بسبب قانون الهجرة والمواطَنة الّذي تضعه بعض الدّول ومنها سويسرا. لكن بوجه عامّ فإنّ اللّيبراليّة بتطرّفها في نظرتها إلى الفرد وحرّيّته سهّلت له الحصول على هويّة أخرى غير الهويّة الأمّ، وأصبح لديه هويّة مركّبة من حيث الانتماء على الأقلّ. وغالبًا تقتصر هذه الهويّة على الشّقّ القانونيّ، وتخلو من الشّقّ الوجدانيّ. فكثير من المهاجرين الّذين يعيشون في دول الغرب ويحصلون على الجنسيّة يرفضون الاندماج الاجتماعيّ، وكثيرون يرفضون تعلّم لغة البلد ليتواصلوا مع الآخرين. وليس لدى اللّيبراليّين جواب على هذا الواقع سوى القول إنّ هناك أمورًا استثنائيّة تحصل.

فاللّيبراليّون الجدد في أوروبا وكندا وأمريكا يدعون إلى إسقاط مفهوم الحدود، وتسهيل استيطان أيّ فرد بلدانَهم أو أيّ بلد آخر. وهذا ما أظهروه في تعديل قوانين الهجرة لديهم لاستيعاب أعداد كبيرة لم يكن مسموحًا لها سابقًا بالهجرة إلى كندا مثلًا، والحصول على الجنسيّة الكنديّة. وقد أدّى هذا إلى ردّة فعل من فئات راديكاليّة في بلدان الغرب بإظهار العداء للمهاجرين.


ولا يكتفي اللّيبراليّون أصحاب القرار بتسهيل استقرار فئات معيّنة في بلدانهم، بل يفعلون ذلك في غير بلدانهم أيضًا. ففي مؤتمر بروكسل (حزيران 2023) بشأن النّزوح السّوريّ، طلب المجتمعون إلى الحكومة اللّبنانيّة، بطريقة غير مباشرة، إبقاءَ النّازحين على أراضيها ودمجهم مع الوقت في المجتمع اللّبنانيّ، وهذا بالرّغم من المشكلات الكثيرة الّتي يسبّبها تواجدهم في لبنان. إضافة إلى هدف خفيّ، وهو عدم ترك النّازحين يتوجّهون إلى أوروبا بطرق غير شرعيّة كما حدث في بداية الأزمة السّوريّة. وهذا مظهر للاضطراب والتّناقض الّذي يرافق قرارات اللّيبراليّين تحت شعار حقوق الإنسان وحرّيّته وكرامته. وها هم رموز اللّيبراليّة المعاصرون يفرضون توطين شعب في بلد غير بلدانهم. فهم بقرارهم هذا يخرقون سيادة لبنان، ولا يحترمون حرّيّة اللّبنانيّ، بل تجاوزوها بشكل يشبه تجاوز حرّيّة الشّعوب الّتي استعمرها آباؤهم وأجدادهم سابقًا. ويُعتبر قرار الاتّحاد الأوروبيّ وجهًا لاستعمار جديد لم يشهده التّاريخ المعاصر بأن يتمّ فرض شعب وهويّة على شعبٍ آخر. ولن نتناول هنا ارتخاء الحكومة اللّبنانيّة وضعف قراراتها أمام الأوروبيّين لأنّ هذا يقودنا إلى موضوع آخر.

وهكذا تستفيد اللّيبراليّة من العولمة بأنّها تساعد على توليد هويّات مركّبة من خلال السّماح للفرد بالانتساب والانتماء إلى أكثر من بلد. فمع نشوء العلاقات التّفاعليّة من بُعد، نشأ مفهوم تقبّل الآخر بوجه واسع. وهذا يُعتبر عاملًا مسبقًا ومسهّلًا (Prerequisite) للسّماح لهذا الآخر بالقدوم إلى البلد. وتبدأ إجراءات منح الجنسيّة مع الوقت بحسب قانون كلّ بلد. إذ يحصل الإنسان عادة على هويّة بلده تلقائيًّا بمجرّد ولادته من أب أو أمّ يحملان هويّة البلد. لكن عند حصوله على الهويّة الثّانية والثّالثة يكون عمله قصديًّا وصادرًا عن وعي بما يفعل.


ج - التّكنولوجيا والهويّة

سبق أن أشرنا إلى أنّ العولمة نشأت بفضل التّطوّر التّكنولوجيّ الّذي حدث أخيرًا في ظلّ نظام ليبراليّ حمى عمليّة اختراعها وإنتاجها وتطويرها ومكوّناتها التّواصليّة باعتبار أنّ حرّيّة الفرد تأتي أوّلًا، وتأمين وسائل لممارسة حرّيّته في التّواصل والتّنقّل هو مبدأ أساسيّ في هذه الفلسفة السّياسيّة والاقتصاديّة، أي اللّيبراليّة. لذلك كانت الحرّيّة الاقتصاديّة وحمايتها من نتاج الأنظمة اللّيبراليّة في العالم. وأتى التّطوير التّكنولوجيّ ليصبّ في مصلحة اللّيبراليّة والعولمة. ومن السّهل اكتشاف الفرق بين فترة ما قبل الثّورة التّكنولوجيّة مع بداية تسعينيّات القرن العشرين وما بعد هذا التّاريخ، وكيف أنّ العالم تغيّر في معظم مناحي أنشطته الاقتصاديّة والسّياسيّة والفكريّة والثّقافيّة. كما نشأ نوع من المواطَنة لم يكن معروفًا سابقًا، وهو "المواطَنة الرّقميّة" (Digital Citizenship) الّتي تقوم على أسس عدّة مثل: الاستخدام الرّقميّ، والهويّة الرّقميّة، والأمان الرّقميّ، والقراءة الرّقميّة، والحقوق الرّقميّة، والتّواصل الرّقميّ. وهذه المفاهيم ولّدت بدورها مفاهيم أخرى للمواطَنة مثل: مواطنة الإنترنت، والمواطَنة الإلكترونيّة، والمواطَنة التّكنولوجيّة، وما شابه.


إذًا، إنّ ما أنتجته التّكنولوجيا هو المواطَنة الرّقميّة، فهل هناك هويّة رقميّة؟ يقول أحد الخبراء في هذا الحقل إنّ "الهويّة الرّقميّة هي وسيلة إلكترونيّة لتعريف الشّخص، وتتكوّن من شهادة تحتوي على مفتاح عامّ يمكن مشاهدته ومفتاح خاصّ يظلّ سرًّا. يتيح لك المفتاح الخاصّ التّوقيع على مستند إلكترونيّ بتوقيع يمكن الآخرين التّحقّق منه باستخدام المفتاح العامّ الخاصّ بك فقط". تعرّف ويكيبيديا "الهويّة الرّقميّة بأنّها هويّة اجتماعيّة يؤسّسها مستخدِم الإنترنت في المجتمعات الرّقميّة والمواقع الإلكترونيّة. ويمكن أن تُعَرّف أيضًا على أنّها تمثِّل ما يبنيه الفرد لنفسه. ومع أنّ بعض النّاس يختارون استخدام أسمائهم الحقيقيّة على الإنترنت، فإنّ بعض المستخدمين يفضّلون أن يبقَوا مجهولين، فيعرّفون أنفسهم بأسماء مستعارة تدلّ على قدرٍ من معلوماتهم الشّخصيّة". وتبقى الهويّة الرّقميّة الاجتماعيّة الصّحيحة بتعريف النّاس أنفسهم علنًا بواسطة تسجيل حساب في شبكات التّواصل الاجتماعيّ. وهكذا نرى كيف أنّ هذا التّطوّر التّكنولوجيّ الحديث قد انعكس على الهويّة المركّبة لدى الأفراد والمجموعات.


8 - الهويّة العالميّة

لقد ساهمت اللّيبراليّة والعولمة في إضعاف الهويّة الوطنيّة والمحليّة، وعملتا في الوقت ذاته على تعزيز الهويّة المركّبة. إذ تشاركتا والتّكنولوجيا في تعديل هويّة الفرد ليصبح إقليميًّا وعالميًّا بدل الاكتفاء بما هو محليّ في تطلّعاته وأنشطته كافّة. فهذا التّطوّر الّذي أتى نتيجة تفاعل العوامل الثّلاثة المذكورة فيما سبق، ساهم في انتقال تفكير المرء في تركيزه من الخاصّ إلى العامّ، ومن التّزمّت غالبًا إلى التّسامح، ومن الرّفض إلى القبول، ومن الانعزال إلى الانفتاح. وهكذا تمّ تمهيد الطّريق للدّعوة إلى الهويّة المركّبة، والقبول بها من قِبل أطراف ودول كانت ترفضها سابقًا.


أمّا الهويّة العالميّة فهي تعود إلى نشأة فكرة المواطَنة العالميّة منذ زمن طويل، والّتي بقيت محصورة لدى نخبة فكريّة في مختلف أنحاء العالم، لكن مع التّطوّر التّكنولوجيّ وسهولة التّواصل وقوّة الإعلام، أصبح كلّ فرد يرى ويتابع ويتأثّر بما يجري في العالم، وعبّر كثيرون في مواقفهم وكتاباتهم عن شعورهم بالانتماء الكونيّ، وليس المحليّ فحسب، وهذه هي المواطَنة العالميّة. وقد شجّعت اليونسكو مؤخّرًا الأنظمة التّربويّة على تبنّي هذه المواطَنة نظرًا إلى الإيجابيّات المتوقّعة منها كالانفتاح على الشّعوب الأخرى وتعزيز التّواصل فيما بينها، والعمل على استقرار العالم السّياسيّ والاقتصاديّ والبيئيّ، ومكافحة الأمراض والجوع. كلّها أمور إيجابيّة تخدم البشريّة كلّها، والمواطن العالميّ هو من يتحسّس هذه الأمور ويعمل على تعزيز النّواحي الإيجابيّة ومكافحة الأمور السّلبيّة.

هذا ولا بدّ من ذكر أحد المفكّرين اللّبنانيّين الّذي غرّد خارج السّرب الطّائفيّ وحتّى الوطنيّ في القرن التّاسع عشر، حين اقترح الانتماء العالميّ، وهو الدّكتور شبلي الشّميّل (1850 - 1917) في محاولة لتجاوز السّمة الدّينيّة والمحليّة والقوميّة للهويّة، معتبرًا أنّه لا بدّ للوطنيّة العالميّة من أن تحلّ يومًا مكان الوطنيّة الخاصّة بالوطن والولاء له، وهي ستلغي أسباب التّعصّب الدّينيّ والقوميّ، وستؤمّن الانفتاح الفكريّ والرّوحيّ نحو الآخرين.

لكن ليس من هويّة مادّيّة للمواطَنة العالميّة والانتساب إلى الكون، بل هي قناعة فكريّة وشعور وجدانيّ بأنّ الفرد لم يكتف بانتمائه المحليّ، فتجاوزه ليكون هو جزءًا من البشريّة الكونيّة، وليس لنظام سياسيّ محدّد. ويترجَم هذا الانتساب بواسطة أنشطته الّتي تصبّ في مصلحة القضايا العالميّة.


9 - خلاصة

غيّرت اللّيبراليّة، كفلسفة سياسيّة واقتصاديّة، مسيرة المجتمعات خصوصًا الغربيّة منها، وساهمت في تطوّر فكرة واقع النّاس من رعايا إلى مواطنين ومن ثمّ مستهلكين. ومن تناقضاتها أنّها ساهمت في أذيّة البيئة من أجل المنفعة الخاصّة، وانحازت كلّيّة إلى الفرد وحرّيّته على حساب مفاهيم مجتمعيّة أخرى إيجابيّة. وفي الحالة الثّالثة (أي من رعايا إلى مواطنين فمستهلكين) يظهر ضررها على الإنسان والمجتمع. وقد "عملت على اقتلاع الأفراد من علاقاتهم الأسريّة والمكان والمجتمع والمنطقة والدّين والثّقافة ليتمّ تشكيلهم من جديد بهدف أن يؤمنوا أنّ هذه الأشكال من الرّوابط تحدّ من استقلاليّتهم، وفي الوقت ذاته يسعون إلى الشّعور بالانتماء وتعريف الذّات من خلال الشّكل الشّرعيّ الوحيد الباقي والمتاح لهم ألا وهو الدّولة"[1]، وما نشهده حاليًّا من تدخّلها في الهويّة الجنسيّة للأطفال وحماية الشّواذ في المجتمعات الغربيّة بات دليلًا على انحطاطها الأخلاقيّ الّذي لا يعرف أحدٌ نتائجَه.

وانتقل "اللّيبراليون التّقدميّون والحدثيّون" من الانتماء إلى الدّولة اللّيبراليّة فإلى الانتماء إلى السّوق العالميّة باعتباره كيانًا شاملًا يضمّ جميع المنظّمات السّياسيّة ومواطنيها الّذين أعيد تعريفهم باعتبارهم مستهلكين". وهنا لا توجد هويّة فعليّة لمن ينتسبون إلى السّوق الاستهلاكيّة. ويعلّق (دينين(Deneen  بالقول:"نُشكَّل، بنحو متزايد، من قبل تكنولوجيا تعدنا بالتّحرر من حدود المكان والزّمان وحتّى الهويّة"[2]. إنّ استمرار اللّيبراليّة والعولمة بالسّير في العالم بقوّة نحو مآربهما ومن دون قيود أخلاقيّة، قد هدّد الهويّة الوطنيّة وحتّى العالميّة بإفراغهما من مضمونهما الإنسانيّ والأخلاقيّ لمصلحة السّوق والمال. كما يغالي اللّيبراليّون اليوم في تدخّلهم بالهويّة الجندريّة حتّى للأطفال، مقدِّمين النّوع الجندريّ الثّالث. ولم يكتفوا بهذا، بل بدأوا يطرحون فكرة أنّ السّيّد المسيح لا يجب أن يكون رجلًا ولا امرأة!!! إنّهم يحاولون إعادة تشكيل الهويّات لينسفوا كلّ الأسس الّتي بنيت عليها الأسرة والمجتمع بهدف إنشاء مجتمع بديل فوضويّ، تقدّم فيه أفكار لا توافقهم عليها أكثريّة الشّعوب كتبنّي الأطفال من قِبل المثليّين، واحتقار الأسرة وتقاليدها لأنّها تتدخّل في سلوكيّات أفرادها، وإطلاق العنان للرّغبات الشّخصيّة، خصوصًا الجنسيّة بما فيها من شذوذ وإغواء نحو الدّناءة.


وخلاصةً نقول: إنّ اللّيبراليّة الحديثة تجاوزت كلّ القيم المجتمعيّة بإغراء الأفراد بالحرّيّة المطلقة والمستندة إلى المفاهيم المادّيّة ومبدأ الحرّيّة الجنسيّة لتجعل الإنسان شبه حيوان تسيّره الغرائز وليس العقل المصقول بأخلاق المجتمع. كما أنّ هناك فرقًا شاسعًا بين أن نكون مواطنين، لدينا هويّتنا الّتي نعتزّ بها، وبين أن نصبح مجرّد مستهلكين نسعى طوال حياتنا إلى تأمين احتياجاتنا المادّيّة وجمع المال من دون الشّعور بالانتماء إلى المكان الّذي نشأنا فيه، وتجريد ذواتِنا من أيّة مشاعر نحو بلدنا ومجتمعنا وعقائدنا الّتي هي مصدر قيمنا وميزان سلوكيّاتنا كبشر.

إذا استمرّت اللّيبراليّة في فرض أفكارها على الأفراد والمجتمعات والدّول، مستفيدةً من العولمة والتّكنولوجيا، فلن يكون للهويّات الّتي استعرضناها في هذه المداخلة أيّ قيمة، بل سيتمّ تشكيل النّاس ليكونوا أشبه بالرّوبوت، يسعَون للمنافسة وجمع المال، ويتحكّم بهم جموح غرائزهم من دون أيّ اعتبار لمقوّمات المجتمعات الّتي اعتدنا عليها، وقيمها الأخلاقية الّتي تسيّر سلوك النّاس.




الدّكتور نمر فريحه: حائز ماجستير في العلوم السّياسيّة من جامعة "ستانفورد" الأميركيّة، ثمّ دكتوراه في التّربية. أستاذ مشرف على أطاريح الدّكتوراه في الجامعة اليسوعيّة في بيروت. وله مؤلفات عدّة في التّربية والسّياسة والأدب. تولّى سابقًا رئاسة المركز التّربويّ للبحوث والإنماء.

[email protected]




الحواشي



[1]   باتريك دينين، لماذا فشلت اللّيبراليّة؟ ترجمة يعقوب عبد الرّحمن (الكويت :المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، 2020).

[2] دينين، المرجع نفسه، 39.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق