article_cover_image

الرّحلات المدرسيّة: ترفيه وسياحة داخليّة وتربية على القيم والمواطنيّة.

author_article_image

الدُّكتورة ليليان ريشا

السّياحة المدرسيّة ممارسة فعليّة لمهارات المواطنيّة وقيمها

مقدّمة

تدخل السّياحة المدرسيّة الخارجيّة أو الرّحلة المدرسيّة الدّاخليّة في إطار الأنشطة اللّاصفيّة الّتي تفرد لها المناهج التّربويّة والبرامج الدّراسيّة حيّزًا من الاهتمام، تسعى من خلالها إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التّربويّة والتّعليميّة والتّرفيهيّة. وممّا لا شكّ فيه أنّ لهذه الرّحلات أثرًا فعّالًا في تنمية مهارات المتعلّمين في شتّى المجالات المعرفيّة العلميّة والاجتماعيّة والتّاريخيّة والثّقافيّة وبشكل خاصّ في تنمية مهارات المواطنيّة وتعزيز القيم الإنسانيّة والوطنيّة والأخلاقيّة.

وقد أوردَت الأهداف العامّة للمناهج الصّادرة في العام 1997 (مناهج التّعليم العامّ وأهدافها. 1997. ص.4-6) مجموعتين من الأهداف الّتي تتوخّى التّربية المدرسيّة تحقيقها:

1- بناء شخصيّة الفرد من خلال ثلاثة ميادين: الذّهنيّ المعرفيّ (معارف ومهارات)، والعاطفيّ الوجدانيّ (المواقف والقيم)، والحركيّ (السّلوك).

2- تكوين المواطن من خلال مجموعة مواصفات (عددها 13) يُتوقّع أن يتحلّى بها المتعلّم بعد تخرّجه لممارسة حياته كمواطن راشد.

ثم تتفرّع من هذه الأهداف العامّة أهداف خاصّة بكلّ مادّة تعليميّة، ولكلّ مرحلة عمريّة، فلا تخلو أيّ مجموعة أهداف من روحيّة توجيهيّة نحو التّربية على المواطنيّة. وقد أكّدت المناهج (1997) في محتوى الموادّ ضرورةَ ربط التّعلّم بالحياة، وتعزيز التّفاعل بين المدرسة والمجتمعَين المحلّي والوطنيّ، والانفتاح على العالم، من خلال اقتراح مواضيع وأنشطة مدرسيّة ولامدرسيّة في مواقع متعدّدة.


وفي هذا السّياق نورد مثالَين اثنين:

1- مادّة التّربية البدنيّة والرّياضيّة الّتي أفردت في منهج كلِّ صفّ محورًا مخصّصًا للأنشطة اللّاصفيّة كالرّحلات والمخيّمات وسواها (المناهج، ص.807 -830)؛

2- مشروع خدمة المجتمع الّذي أُقرّ للمرحلة الثّانويّة في العام 2017 ومن ثمّ توقّف تطبيقه بسبب الأزمتَين الصّحيّة والاقتصاديّة (دليل خدمة المجتمع، 2017).

وحيث لا مجال للتّوسّع بأهمّيّة الرّحلة المدرسيّة من النّاحية التّربويّة فإنّ التّحليل السّريع لأهداف المناهج ومحتواها يؤكّد أنّ للرّحلة المدرسيّة أهدافًا تربويّة وتعليميّة، وهي، تاليًا، تحقّق الأهداف العامّة للمناهج، وبشكل خاصّ هدف تكوين المتعلّم المواطن، أي إنّها تدخل في سياق التّربية على المواطنيّة.

بيد أنّ بعض الرّحلات المدرسيّة في لبنان لا يعدو كونه رحلة ترفيهيّة تتخلّلها زيارة مدينة الملاهي وغداء في مطعم المأكولات السّريعة، وإنْ كان بعضها الآخر يُنظّم لأهداف تربويّة أو علميّة. كيف يمكن كلَّ رحلة مدرسيّة أن تحقّق أحد أسمى أهداف التّربية المدرسيّة: "تكوين الإنسان المواطن"؟


لا يدّعي هذا النّصّ الإحاطة بكامل الموضوع المطروح، بل إنّه محصور في أربع نقاط أساسيّة تعبّر عن جوهر الموضوع من دون الخوض في تفاصيله:

النّقطة الأولى، أبرهن فيها أنّ الرّحلة المدرسيّة تدخل في إطار السّياحة الدّاخليّة إضافة إلى وظيفتها التّربويّة والوطنيّة؛

النّقطة الثّانية، تركّز في بعض الممارسات التّربويّة الّتي، في حال رافقت التّحضير للرّحلة المدرسيّة، قد تنمّي لدى المتعلّمين مجموعة من مهارات المواطنيّة؛

أمّا النّقطة الثّالثة فتوضّح إمكانيّة تعزيز تبنّي قيم إنسانيّة ووطنيّة من خلال الرّحلات المدرسيّة في حال تمّ استثمارها لتحقيق أهداف قيميّة محدّدة مسبقًا.

في النّقطة الرّابعة، نورد دراسة حالةٍ تبيّن رأي مجموعة من طالبات كلّيّة التّربية-الجامعة اللّبنانيّة - قسم اللّغة الفرنسيّة في موضوع السّياحة المدرسيّة، والأثر الّذي تركه مشروع بحثيّ تمّ تنفيذه، في إطار مقرّر التّربية على المواطنيّة، طوال السّنة الدّراسيّة 2022-2023، على سلوكهم المواطنيّ وفي تطوير مقاربتهم مفهومَ المواطنيّة والمفاهيم ذات الصّلة وفي مجالات تطبيقه.

 لعلّنا بذلك، كتربويّين، نضيف مدماكًا يُشيِّد فوقه المتعلّمون جسرًا إضافيًّا يعبرون بواسطته من ضفّة "الإنسان الفرد" إلى ضفّة "الإنسان المواطن" المترسّخ في هذه الأرض، الرّاغب بشدّة ببذل الجهد لبناء لبنان، والنّهوض به، بدل الهروب إلى أوطانٍ بديلة يعتبرونها "أكثر إغراءً" للعيش بكرامة وأمان، فيتيهون فيها ويغتربون.


الرّحلة المدرسيّة سياحة تربويّة داخليّة

بدايةً، نوضّح أنّ الرّحلة المدرسيّة، كما نراها في بعض المدارس، توحي بشكل واضح بقصور بعض المهتمّين والعاملين في قطاع التّعليم في لبنان عن "فهم" روح المنهج. وهي تشي كذلك، بإهمال فاضح لنموّ الطّفل في الميدان الوجدانيّ، وإيلاء أهمّيّة للجانب المعرفيّ على حساب مجال مهارات بناء العلاقات والتّواصل والتّكيّف الاجتماعيّ والتّفاعل الإنسانيّ والبيئيّ والحضاريّ. لذا، من خلال خبرتي، لاحظتُ أنّ معظم الرّحلات تتوخّى، بشكل أساسيّ، التّرفيه للمتعلّمين، والكسب المادّي للمدرسة. 

وعلى الرّغم من أنّ هذه الرّحلات وردت في منهج التّربية الرّياضيّة في محور خاصّ تحت عنوان "النّشاطات اللّاصفيّة"، وهي تشمل المباريات التّنافسيّة الدّاخليّة والوطنيّة والدّوليّة والرّحلات والمخيّمات، إلّا أنّني، وأنا أقوم بالبحث هذا، لم أجد في لبنان أيّ مرجع (رسميّ) ينظّم أو يضع قواعد وضوابط للرّحلات المدرسيّة.

ولكنّني صادفتُ على المواقع الرّسميّة لبعض المدارس الخاصّة صورًا وتقارير توثّق إقامة مخيّمات لأيّام عدّة، سواء إلى مراكز التّزلّج أو إلى مواقع أثريّة أو تاريخيّة أو دينيّة مع مبيت في أديرة أو قاعات عامّة مؤجّرة في معظم الأحيان. أضف إلى ذلك المخيّمات الكشفيّة الّتي تهتمّ بعض المدارس بتشجيع الانضمام إليها بهدف تنمية المهارات الحياتيّة والقيم الإنسانيّة والاجتماعيّة من خلالها.


أمّا وزارة التّربية والثّقافة الفرنسيّة فتحدّد 3 أنواع من الرّحلات المدرسيّة:

الرّحلات الدّوريّة،

والرّحلات الظّرفيّة من دون مبيت (sans nuitée)،

والرّحلات الظّرفيّة مع مبيت (avec nuitée)،

(Sorties et voyages scolaires dans le second degré. 2023)

(Sortie ou voyage scolaires à l'école primaire maternelle ou élémentaire. 2023)

وتنظّمها وترعى دقائق تنفيذها وزارة الدّاخليّة.


وفي واقع الحال تتوافق ممارسات المدارس المذكورة أعلاه وتصنيف وزارة التّربية الفرنسيّة مع تعريف السّياحة الدّاخليّة على أنّها: "الزّيارات والتّنقّلات الّتي يقوم بها المواطنون داخل حدود دولهم إلى مناطق سياحيّة معيّنة، غالبًا لا تقلّ مدّة الزّيارة عن 24 ساعة" (الحميداني، السّياحة تعريف السّياحة). هذا، وتُعتبر السّياحة التّربويّة، وإنْ كان المصطلح نادر التّداول، من أنماط السّياحة الدّاخليّة.

مثال: تُنظّم إحدى المؤسّسات في بوركينا فاسو رحلات سياحيّة تربويّة تستهدف معلّمي التّاريخ والجغرافيا. وجهة هذه الرّحلات مواقع جغرافيّة وتاريخيّة مطلوبٌ دراستها في المنهج التّعليميّ. وقد صرّح المشاركون أنّهم  أفادوا من هذه الرّحلة؛ أولًّا، لزيارة مواقع لم تتسنَّ لهم فرصة زيارتها، وثانيًا، أصبح بإمكانهم جعل تدريسهم طلّابهم تدريسًا أعمق وأقوى جاذبيّة.(KIMA,  2017).


وعليه، يمكن اعتبار الرّحلة المدرسيّة سياحة تربويّة داخليّة. أمّا الأسئلة البديهيّة الّتي تطرح نفسها فأبرزها اثنان:

1- هل كلّ رحلة مدرسيّة هي رحلة سياحيّة تربويّة؟

2- ما هي المهارات المواطنيّة والقيم الوطنيّة الّتي قد تشكّل أهدافًا تربويّة تسعى إلى تحقيقها المدرسة من خلال الرّحلات التّربويّة؟

في حدود هذا النّصّ، لا يتّسع المجال للحديث عن مجمل المعارف والمهارات والقيم، ولكن سوف نختار بعض الأمثلة الّتي تهمّنا في موضوع الرّحلة المدرسيّة.


ممارسة مهارات المواطنيّة في أثناء الرّحلة/السّياحة المدرسيّة

من أهمّ المهارات الّتي يحتاج إليها المتعلّم لممارسة مواطنيّته المهارات الفكريّة ومهارات المشاركة بما فيها مهارات التّواصل والتّطوّع والقيادة، والمهارات الرّقميّة الّتي يفرضها واقع العيش في العصر الحاليّ، مثال تنمية الوعي الاجتماعيّ والسّياسيّ لديه، والحسّ بالمسؤوليّة، واحترام الموروث الثّقافيّ والتّراثيّ والمحافظة عليه وإغناؤه. ويتحقّق ذلك من خلال الممارسة الفعليّة خارج أسوار المدرسة وأبعد من النّصوص المرصوفة في الكتاب المدرسيّ. فالمشاركة المجتمعيّة، والتّعاون مع الآخرين، والتّفاعل الإنسانيّ والاجتماعيّ، والتّعاطف والتّسامح، والمشاركة الدّيموقراطيّة تشكّل ممرًّا إلزاميًّا لاكتساب المهارات بشكل مستدام وممارستها. 

لذا، فإنّ تنظيم الرّحلة التّربويّة المدرسيّة النّاجحة، الّتي يمكن أن تحقّق أهداف المنهج، يحتّم على المنظّمين استثمار الوقت المخصّص للرّحلة لتوجيه المتعلّمين في توظيف المعرفة الذّهنيّة الّتي تلقّوها في الكتب المدرسيّة وحفظوها، من خلال اختبارها بواسطة حواسّهم الخمس ومهاراتهم الفكريّة الّتي لا تنمو إلّا بالتّدريب والممارسة والتّواصل مع الآخر والتّفاعل مع البيئة.


إنّ دراسة حقبة من تاريخ الوطن في موقع جغرافيّ، تبدأ مثلًا بـ:

- تحديد موقع المتعلّم في المكان والزّمان الحاضر،

- رسم خارطة أو صورة أو مسار أو تحديد المحطّات والعلامات الفارقة الّتي تميّز الحقبة التّاريخيّة،

- ربطها بالبيئة الجغرافيّة والثّقافة والتّراث. (وهذه مهارات مرافِقة للمعرفة المطلوبة.)

- وبعدها يكتسبُ المتعلّمُ الخبرة على أرض الواقع ومن خلال حواسّه أوّلًا، ومن ثمّ مستعينًا بمهارات التّحليل والاستنتاج والتّفكير النّاقد.

وقد يتمكّن المتعلّم، بحسب المرحلة العمريّة الّتي ينتمي إليها، من تنمية مهارات التّواصل الإيجابيّ للاستفسار عمّا يراه ويختبره، ومهارة النّقاش وطرح الأسئلة، والتّعبير عن رأيه وانطباعاته، وربط ما اختبره في أثناء الرّحلة بالمجتمع والوطن، وبالحاضر والمستقبل، وبالبيئة والإنسان ...

إنّ الرّحلات المنظّمة وفق أهداف محدّدة تثير لدى المتعلّمين مزيدًا من التّساؤلات في بيئة أكثر انفتاحًا من غرفة الصّفّ، وبحضور موارد غنيّة وحقيقيّة وملموسة، تحفّزهم على التّعمّق في البحث عن جذورهم الوطنيّة، ويكتشفون العناصر الجوهريّة للهويّة الّتي يتشاركونها مع كلّ اللّبنانيّين.


وفي سياق المثال المذكور أعلاه، نورد مجموعة أخرى من المهارات الخاصّة بمجال المشاركة والعيش مع المجموعة/الجماعة، الّتي يمكن أن تنمّيها الرّحلة/السّياحة المدرسيّة. التّواجد ضمن مجموعة منظّمة والخروج إلى ما بعد أسوار المدرسة هو بذاته خبرة حياتيّة تتطلّب ممارسة مجموعة من المهارات، منها:

- احترام القواعد/القوانين الّتي يفرضها المنظّمون على كلّ المشاركين في الرّحلة، ويشرحونها بدقّة مع ذكر أسبابها الموجبة في أثناء مرحلة التّحضير للرّحلة (احترام الوقت، الدّور، التزام الباص المحدّد..)

- تطبيق سائق الباص قوانين السّير وأماكن ركن الباص، وآداب التّخاطب مع الرّكّاب والسّائقين الآخرين والامتناع عن التّدخين ...

من البديهيّ الافتراض أنّ منظّم الرّحلة المدرسيّة النّاجح يحفّز المشاركين على ملاحظة البيئة المحيطة وعلى تحليل ما تختبره حواسّهم وتقييمها ومقارنتها لإبراز الجميل والأجمل، والجيّد والأجود؛ وبدل مقارنة القبيح/الجميل تجوز مقاربة الموضوع من حيث اقتراح تجميل/تحسين... هذا الموقع أو هذا الطّريق ...

وغنيّ عن التّأكيد أنّ النّزهة المدرسيّة، حتّى تلك الّتي تنظّمها المدارس بكثرة بهدف التّرفيه في الطبيعة، يمكن توجيهها نحو التّربية على المواطنيّة كملاحظة تنوّع الأشجار ومقارنة الجذور الظّاهرة لبعضها وتمسّكها بالتّربة، تشابُه جذوع أشجار أخرى وأغصانها وتنوّع أوراقها/ إبرها وثمارها، والصّخور المحيطة والأنهار والسّواقي والينابيع والنّباتات والحيوانات والحشرات والطّيور الّتي تتّخذ من هذه الحديقة أو تلك الغابة موطنًا لها... ولفتُ تفكير المتعلّمين إلى أنّ هذه المخلوقات الحيّة تنمو وتزدهر أكثر في هذا الموقع الجغرافيّ لأنّه تاريخيًّا شكّل الموطن الأنسب لها والبيئة الملائمة لبقائها على مرّ السّنين.


هذه الرّحلات تكون مناسبة لتحفيز المتعلّمين على مراقبة ما يجب ألّا يكون: كالمقالع والأشجار المقطوعة أو مكبّات النّفايات العشوائيّة أو القمامة الّتي تسدّ مجاري المياه أو أيّ شيء آخر يشوّه إرث أجدادنا وإرث الأجيال المقبلة أو يهدّدها كالحرائق. وبطبيعة الحال، أهمّيّة إدارة النّقاش ناحية الحلول الممكنة ومشاركتنا في تنفيذ كلّ هذه الحلول المقترحة. قد يتحسّب منظّمو hiking أو picnic للموضوع فيوزّعون أكياس القمامة والقفّازات، ويبادر المتنزّهون إلى لَمّ القمامة الّتي يجدونها وفرزها وإيداعها في الأماكن المخصّصة...

قد يكون أهمّ ما يمكن فعله ابتكار ألبوم خاصّ بالمجموعة، أو موقع على شبكة تواصل يتشارك الجميع بتغذيته بالصّور والملاحظات والخرائط والانطباعات ...

وعليه، يكون المتعلّم قد شارك في أنشطة مجتمعيّة في أثناء الرّحلة، من خلال قيامه بأعمال تطوّعيّة في المجتمع المحليّ أو مساهمته في مشاريع المجتمع، بالتّعاون مع رفقائه ومعلّميه في التّخطيط وتنظيم النّشاطات وحلّ المشكلات المشتركة. وهو بذلك رفع مستوى التّفاعل الاجتماعيّ الإيجابيّ بالانفتاح على البيئة الخارجيّة المحيطة بالمدرسة والتّوسّع إلى كامل المساحة الوطنيّة. وكما ذكرنا أعلاه فإنّ الرّحلة المدرسيّة أتاحت الفرصة للمتعلّمين لتطوير مهارات القيادة واتّخاذ القرارات والتّحكّم في الظّروف الصّعبة وتولّي المسؤوليّة وللتّعبير عن آرائهم واقتراحاتهم عند اتّخاذ القرارات المشتركة، ما يشكّل ممارسة فعليّة للدّيموقراطيّة الّتي تتعزّز بفعل الاحتكاك بثقافات متنوعّة وتجارب جديدة يختبرها المتعلّم طوال الرّحلة المدرسيّة، ويعمّق الشّعور بالتّعاطف والتّسامح تجاه الآخرين ويفهم تنوّع العالم ويحترم الثّقافات المختلفة والتّراث المحليّ الّذي يميّز كلّ منطقة، ويطلّع على قيم وعادات وتقاليد جديدة ويقبلها ويثمّن أهمّيّتها في إغناء الثّقافة الجماعيّة والتّراث الوطنيّ. وبذلك، يتعزّز الحسّ بالمسؤوليّة لدى المتعلّمين من خلال الاهتمام بالبيئة والمحافظة عليها، وترك أثر إيجابيّ في أثناء زيارتهم المواقع الطّبيعيّة، وينمو لديهم الوعي الاجتماعيّ والسّياسيّ بالقضايا المجتمعيّة والسّياسيّة وتأثيرها في المجتمع.

قد يكون اكتساب المهارات المواطنيّة أحد الأهداف المميّزة الّتي تسعى الرّحلة المدرسيّة إلى تحقيقها، ولكنّها تُصقل وتتعزّز بتبنّي منظومة قيم ذات مناعة تضمن استدامة المكتسبات المهاريّة، وتثبّتها قواعدَ حياتيّة تنمو وتتطوّر.


الرّحلة المدرسيّة تعزيزٌ لقيم المواطنيّة  

إنّ الادّعاء بأنّ الرّحلة/السّياحة المدرسيّة تربّي على القيم المواطنيّة قد يبدو مضلِّلًا بعض الشّيء، وخصوصًا إذا راجعنا عن قرب لوائح القيم المواطنيّة الّتي نجدها في أدبيّات التّربية على المواطنيّة (فريحة: 2012، ص. 234-239)، والإضافات الّتي تغنيها بشكل مستدام مع تطوّر المفهوم وشموله مجالاتٍ جديدة كالرّقميّة والعالميّة على سبيل المثال لا الحصر.

لذا يبدو من الأجدى مقاربة الموضوع من باب العلاقة الجدليّة بين الوطنيّة، أي ما يختزنه وجدان الإنسان المواطن من مشاعر الانتماء إلى الوطن والاعتزاز به والتعلّق بأرضه والدّفاع عنه من جهة، وبين المواطنيّة الّتي يعبّر من خلالها المواطن عن قيمه المواطنيّة بمواقف ثابتة وبأفعال وتصرّفات "صائبة".

في وجدان الفرد، وبشكل خاصّ الطّفل، يتولّد الشّعور بالانتماء من أمور ملموسة، أوّلها الجمال والاكتفاء (المأكل والمشرب والملبس...). ويتعزّز هذا الشّعور وينمو عندما يفتخر المواطن بانتمائه وهويّته، ويجد أنّ مواطنيه وشركاءه بالتّاريخ والجغرافيا لديهم أشياء فريدة ونادرة، أو مهمّة، أو خالدة، أو مشهورة، أو أسطوريّة، أو قاموا بابتكارات واختراعات (أوّل من اخترع الحرف، أوّل من اكتشف...،  أكبر مبنى، أكبر صحن، أكبر شجرة معمّرة، أقدم تنظيم مدنيّ...). ويزيد افتخاره عند وجود أمور يحلو له أن يتحدّث عنها كشخصيّات بطوليّة من التّاريخ، أو فنيّة (فرقة ميّاس)، أو رياضيّة (المنتخبات اللّبناينّة الّتي حصدت بطولات متتالية هذا العام)، أو علميّة (الأطبّاء الّذين تألّقوا في الخارج في مجالاتهم وفي زمن جائحة كورونا)، يمكنه أن يتماهى معها ويعتبرها مثاله، فيتعلّق بهويّته الوطنيّة الجامعة، ويفتخر بانتمائه إليها ويقف سدًّا منيعًا في وجه من يتعرّض لها بالإهانة أو التّشويه أو من ينتهك سيادة وطنه أو يتعرّض للأملاك العامّة بالتّخريب، ويبذل نفسه دفاعًا عن الأرض والشّعب والهويّة، ويمارس دوره المواطنيّ الأسمى بالمراقبة والمساءلة والمحاسبة، ويسعى جاهدًا لأن يكون شريكًا فاعلًا في اتّخاذ القرارات، وإيجاد الحلول للمشكلات عند وجودها.


وفي السّياق عينه، تشكّل السّياحة المدرسيّة إحدى أهمّ الحلول لمعوّقات العيش معًا في لبنان.

فالتّعرّف على الآخر المختلف في بيئته، يسهّل فهم انتمائه المختلف، سواء أكان الاختلاف لأسباب مناطقيّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو عقائديّة؛ يساهم في وعي إنسانيّته الّتي يتشارك في قيمها العالمُ أجمع؛ ويحفّز استكشاف الوجدان الجماعيّ للجماعة الوطنيّة الّتي ينتمي إليها.

وبالاستعانة بمهارات التّفكير النّاقد، والتّواصل الإيجابيّ، والتفاعل الإنسانيّ الصّحيّ المذكورة أعلاه، قد يتوصّل الإنسان المواطن إلى تبنّي قيم الدّيموقراطيّة وعيشها.

وعليه، يختبر المتعلّم في أثناء الرّحلة المدرسيّة مجموعة كبيرة من الخبرات الحسيّة والمشاعر المتناقضة، ويتعرّف إلى أحداث من حقبات متنوّعة من التّاريخ، ويكتشف الجغرافيا والبيئة والثّقافة ويربطها بالإنسان المواطن الّذي يعيش في نطاق مكان الزّيارة وزمانها. ويكتشف أنّه يتشارك معه الألم والغضب والحرمان والمعاناة، ويبحث مثله عن الحلول، ويسعى للنّهوض والتّطوّر. ومثله يفتخر بإنجازات مواطنيه والجمال، ومثله يرنو إلى السّلام والعيش الهانئ بكرامة ...

 ولكنّ كلّ خبرة/معلومة إنْ لم تنتظم في عقل المتعلّم بشكل متناسق وممنهج يسمح له بإقامة علاقة بنائيّة بين المعرفة والمهارات المكتسبة وبين المختزنات الوجدانيّة المستجدّة لن يستطيع أن يعدّل سلوكه المواطنيّ، لأنّ منظومة قيمه الوطنيّة والمواطنيّة لم تثبُت في ضميره، ولم تصر بعد جزءًا من الضّمير الوطنيّ. 

بذلك نستنتج أنّ الرّحلة المدرسيّة تُعتبر تعزيزًا فعّالًا لقيم المواطنيّة لدى المتعلّمين فتعرُّفهم على التّراث والتّاريخ الوطنيّ ممّا يعزّز انتماءهم إلى وطنهم وتمسّكهم بهويّتهم الوطنيّة، ويُشجّعهم على تحمّل المسؤوليّة تجاه المجتمع والبيئة والمحافظة على الموروث الثّقافيّ وتبنّي قيم الدّيموقراطيّة الفاعلة الّتي تضمن التّماسك الوطنيّ وترعى السّلام الاجتماعيّ الواجب صيانته لبناء وطن الحقّ ودولة القانون بما يليق بالإنسان اللّبنانيّ.

باختصار، إنّ الرّحلة المدرسيّة قد تعتبر فرصة قيّمة لتعزيز قيم المواطنيّة وتنمية الرّوح المواطنيّة لدى المتعلّمين، ما قد يعزّز من تشكيل جيل قادر على المساهمة الإيجابيّة في المجتمع. وفي محاولة لاختبار مدى تأثير ممارسة المهارات المواطنيّة في أثناء الرّحلة المدرسيّة على تبنّي قيم المواطنيّة، نورد في الفقرة التّالية دراسة حالة وآراء مجموعة من طالبات كلّيّة التّربية بعد تنفيذ مشروع بحثيّ في إطار مقرّر التّربية على المواطنيّة.


الرّحلة المدرسيّة من منظور بعض طالبات كلّيّة التّربية: دراسة حالة.

دراسة الحالة هي منهج بحثيّ يهدف إلى فهمٍ عميق وشامل لظاهرة معيّنة أو حدث أو مشكلة في سياقها الطّبيعيّ. يتمثّل هدف دراسة الحالة في تحليل الظّاهرة المعنيّة وتفسيرها بشكل مفصّل ومعمّق، من خلال جمع البيانات والمعلومات من مصادر متعدّدة، وفي الكشف عن العوامل المؤثّرة والتّفاعلات والسّياق الّذي يحيط بالظّاهرة.

ففي إطار مقرّر التّربية على المواطنيّة في كلّيّة التّربية - الجامعة اللّبنانيّة – الفرع الثّاني - قسم اللّغة الفرنسيّة، تمّ تنفيذ مشروع بحثيّ بهدف التّعمّق في تعرّف الهويّة الوطنيّة وتعزيز الانتماء، وممارسة مهارات المواطنيّة من خلال السّياحة الدّاخليّة. بلغ عدد الطّالبات المشارِكات 24 طالبة. فكان على كلّ طالبة أن تختار أحد مكانَي السّكن أو الولادة (مع تبرير الاختيار). وقد بلغ عدد القرى أو المدن موضوع الدّراسة 20 وهي حراجل (2)، الحدت (2)، رياق، زحلة، البوار، عكّار العتيقة، جزّين، مغدوشة، الأشرفيّة (2)، المدوّر، سنّ الفيل، المنصوريّة، أنطلياس، قرنة الحمرا، ذوق مصبح، راشيّا، البرجين، بيت ملّات، رحبة، ذوق مكايل لتعريف مجموعة الصّفّ على:

1) أبرز ما تفضّله في البلدة/المدينة 2) وأبرز المشكلات الّتي تزعجها أو تنفّرها منها. وأن يكون البحث معمّقًا وموثّقًا بالصّور والمراجع عن أبرز المواقع الطّبيعيّة أو التّاريخيّة أو الهندسيّة أو سواها، الّتي تميّز البلدة/المدينة موضوع البحث. 3) ثمّ، تنظيم يوم سياحيّ افتراضيّ في البلدة/المدينة ومحيطها. 4) واقتراح حلول أو مبادرة لحلّ مشكلة أو أكثر. وفي خلاصة البحث، 5) أن تُعبّر كلّ طالبة عن تغيّر انطباعاتها تجاه البلدة/المدينة موضوع البحث.


 كعادتي في بداية كلّ فصل أسجّل مجموعة من الملاحظات الّتي توجِّه اختيار المشاريع البحثيّة الّتي أقترحها على الطّلّاب. وقد تمّ تسجيل مجموعة مواقف عبّرت عنها الطّالبات في سياق النّقاشات التّمهيديّة للمقرّر. وقد رُصدت مواقف سلبيّة مركّزة على موضوعَي الهويّة والانتماء وصورة جدّ دونيّة غير جميلة عن لبنان الوطن، مقارنةً بجمال دول أخرى ونظافتها وطبيعتها وبيئتها، وهي بمعظمها دول أوروبيّة. كان السّفر ومغادرة لبنان إلى أيّ مكان في العالم، لا يهمّ إلى أين، هو الهاجس الّذي يطغى على نقاشاتنا الصّفيّة. برأيهنّ، أيّ مكان سيكون أفضل وأحلى من لبنان الّذي ليس فيه سوى التّعاسة والبؤس. كما كان التّعاطي مع المقرّر يمرّ بحالات من الترجُّح المتفاوت بين التّفاؤل والتّشاؤم. لذا تمّ اختيار هذا المشروع البحثيّ مع التّركيز على أن يكون أحد مكانَي السّكن أو الإقامة لارتباط كلّ منهما بمفهومَي الانتماء والهويّة. وعندما طُلب إلى الطّالبات تنفيذ هذا البحث حاولت بعضهنّ الالتفاف على الموضوع، واختيار بلدة مجاورة أو "ضيعة أمّي" فحسب، لأنّها اعتبرت أنّ شهرة أو مكانة بلدتها غير مهمّ، ولا يوجد فيها ما يستحقّ جولة سياحيّة.

تمّ تفريغ المعلومات الّتي جُمعت في شبكة مقارنة اعتمدت فيها وحدة المعنى. أجمعت الإجابات على أنّ المشروع البحثيّ المنفّذ ميدانيًّا أحدث تغييرًا إيجابيًّا في نظرة الطّالبات إلى بلداتهنّ، باستثناء إجابة واحدة اعتبرت أنّه بالرّغم من الأمور الإيجابيّة الّتي اكتشفتها وتعرّفت عليها إلّا أنّها ما زالت ترى أنّ الوضع معقّد بحيث يصعب عليها الخروج من الشّعور السّلبيّ الّذي يطغى على علاقتها بلبنان الوطن بشكل عامّ.


في معظم الإجابات ظهر مدى تأثير الرّحلة الميدانيّة على تحفيز الطّالبات على استكشاف البيئة المحيطة من خلال مجالات متنوّعة: تاريخ البلدة/المدينة "لأوّل مرّة أكتشف تاريخها"، وأماكنها التّراثيّة والطّبيعيّة "تعرّفت على تراث بلدتي وتاريخها"، الحِرَف التّراثيّة الّتي تُميّزها، الشّخصيات الّتي من خلالها "اكتشفت مواقع ومعالم كثيرة لم أكن أتوقّع أنّها موجودة في ضيعتي". لقد عبّرت معظم الطّالبات عن مفاجأتهنّ لوجود الغنى الثّقافيّ والبيئيّ والمعالم السّياحيّة والسّمات المميّزة، حتّى في البلدات غير المصنّفة سياحيّة، "يمكننا إيجاد الجمال في الأماكن الصّغيرة واكتشاف كنوز في يوميّاتنا فقط بالنّظر إلى ما حولنا". "كلّ منطقة في لبنان لديها طابع خاصّ وسحر خاصّ يجعلها متميّزة وفريدة من نوعها"، "اكتشفتُ مواقع ومعالم كثيرة لم أكن أتوقّع أنّها موجودة في ضيعتي". وعبّرت معظمهنّ عن أسفهنّ لأنّهنّ لم يكنّ على علم بها رغم وجودها في مرمى نظرهنّ، وأنّهنّ يُردن التّعويض بالتعرّف أكثر على محيطهنّ القريب، كما بالتّعرّف على كلّ المناطق اللّبنانيّة. كان لافتًا أنّ هذا الجمال لم يطغَ على واقع بعض المشكلات الّتي تعاني منها البلدات، موضوع الرّحلة السّياحيّة، بل حفّز الطّالبات على التّفكير النّاقد وعلى اقتراح حلول للمشكلات والمشاركة في تنفيذها. فضمّنت معظم الطّالبات مشروعهنّ البحثيّ مبادرات وحلولًا لمشكلاتٍ رصدنها في أثناء جولتهنّ السّياحيّة. وبعد أن كانت كلّ طالبة تعتبر أنّ "الدّولة" أو البلديّة لا تفعل شيئًا تمكّنت معظمهنّ من التّفكير بحلول ممكنة لمشكلات يوميّة أو بمبادرات يسهل تطبيقها بمشاركة مجموعة من المهتمّين من أجل تحسين موقع ما أو تنمية في مجال ما. "جعلني أفكّر بطريقة إيجابيّة لحلّ المشاكل الّتي تسبّب ضررًا كبيرًا". "كنتُ أرى المشاكل أمامي وأفكّر أن لا حلّ لها بما أنّ البلديّة بذاتها لن تفكّر لإيجاد حلول". "جعلني أفكّر في بعض الحلول وأقوم بالمبادرات لجعل البلدة جميلة." "يمكننا أن نكون يدًا واحدة ونطوّرها نحو الأفضل". تؤكّد هذه الإجابات مدى الأثر الإيجابيّ للرّحلة التّربويّة أو ما سبق تسميته السّياحة التّربويّة على تنمية بعض المهارات المواطنيّة.

وكان لافتًا أثر هذه الجولة السّياحيّة السّريعة في تعزيز قيم الانتماء وتعميق مفهوم الهويّة من خلال ورود تعابير مكرّرة في الإجابات الّتي تمّ جمعها. مثال: "أصبحت أحبّ وطني أكثر"؛ "أعطتني درسًا في حبّ الوطن"؛ "عند استكشاف المزيد من الأماكن والمناطق، تعزّز وعيي بالمنطقة وتنوّعها وجمالها، كما تمّ تحسين شعوري بالانتماء وتعرّفت على البيئة المحيطة"؛ "تعزّز انتمائي"؛ "شعرتُ بأنّني لا أنتمي إليها على الهويّة وحدها"؛ "تغيّرتُ وأحببت بلدتي أكثر وأحسّ بأنّني أنتمي إليها"؛ "سوف أتمسّك بحبّي لبلدتي وبجذوري وأصلي".

يبدو واضحًا من خلال دراسة الحالة أعلاه أنّ الرّحلة المدرسيّة الّتي تدخل في إطار السّياحة التّربويّة الدّاخليّة يمكن أن تكون أحد أهمّ مجالات التّربية على المواطنيّة، وأنّ أثرها يمكن أن يكون حاسمًا في تنمية المهارات وتعزيز القيم المواطنيّة. وأبرز أثر تمّ التعبير عنه في معظم الإجابات "استعادة الثّقة بلبنان الوطن"، و"الافتخار بالانتماء إليه."


يمكننا استخلاص مجموعة من النّقاط الّتي أضاءت عليها دراسة الحالة أعلاه في حياة الطّالبات وأنماط سلوكهم، ومدى أهمّيّة السّياحة المدرسيّة في تعزيز التّربية على المواطنيّة، نذكر أهمّها:

- تعرّفت الطّالبات على التّراث والثّقافة المحليّة والوطنيّة، من خلال زيارة المعالم التّاريخيّة والمتاحف والمواقع الثّقافيّة لفهم جذورهنّ وتطوّرهنّ الثقافيّ.

- تعزَّزَ انتماؤهنّ وتمسّكهنّ بالهويّة الوطنيّة من خلال تجربة الانتقال واستكشاف المناطق داخل الوطن، حيث تعرّفت الطّالبات على تنوّع المناظر الطّبيعيّة والبيئات الثّقافيّة المختلفة في بلدهنّ.

- نما حسّ المسؤوليّة الاجتماعيّة لدى الطّالبات من خلال إدراكهنّ أهمّيّة الحفاظ على المعالم الثّقافيّة والبيئيّة في وطنهنّ.

- اختبرن التّعلّم التّجريبيّ من خلال الخروج من البيئة التّعليميّة التّقليديّة والتّفاعل مع محيطهنّ الواقعيّ، وهذا ما سمح بتطوير مهاراتهنّ العمليّة والبحثيّة.

- تعزّز التّواصل والتّعاون بين الطّالبات من خلال التّخطيط للرّحلات وتنظيمها ومواجهة التّحدّيات الّتي قد تنشأ.

- تعزّز الوعي بأهمّيّة الحفاظ على البيئة والاستدامة من خلال زيارة المناطق الطّبيعيّة وفهم تأثير الأنشطة البشريّة فيها.

- تمّ تطبيق المفاهيم والمعلومات الّتي سبق تعلّمها في الفصل الدّراسيّ في سياقات واقعيّة في أثناء الرّحلات الدّاخليّة.

باختصار، أسهمت السّياحة المدرسيّة الدّاخليّة في تعزيز مفهوم المواطنيّة والانتماء إلى الوطن من خلال توفير فرصٍ للتّفاعل مع التّراث والثّقافة المحليّة، وتعزيز الوعي الاجتماعيّ والبيئيّ، وتطوير مهارات التّفكير والتّعلّم التّعاونيّ.


خلاصة

مع علمنا المسبق أنّ ما أوردناه أعلاه قد يكون صعب المنال في ظلّ الأوضاع الّتي يعاني منها معظم القطاع التّربويّ، وغياب التّنسيق بين مختلف شركاء التّربية، وضعف التّعاون في ما بينهم، إلّا أنّنا نأمل خيرًا. ونعوّل على مبادرات تربوبّة فرديّة أو جماعيّة كمجموعات الضّغط المختصّة بالتّربية، الّذين يدركون أهمّيّة السّياحة الدّاخليّة ولديهم الوعي والنّيّة لتوسّل السّياحة المدرسيّة في خدمة التّربية على المواطنيّة.

فإعداد الإنسان المواطن هو مسؤوليّة تربويّة وطنيّة. وأهمّ واجبات المدرسة، ابتكار كلّ وسيلة ممكنة لاكتساب المتعلّمين المعارف والمهارات الّتي تسمح لهم بالتّصرّف وفق أنماط السّلوك المتوقّعة منهم عند ممارسة مواطنيّتهم، استنادًا إلى منظومة قيم المواطنيّة. ولا يكون هذا السّلوك خوفًا من عقوبة القانون، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأهمّيّة القيم الّتي يتبنّاها المتعلّم المواطن، ويستند إليها عند اتّخاذ القرار باعتماد السّلوك الصّائب وجدوى عيشها ونشرها وتعزيزها وتثبيتها كنظام حياة وفلسفة وجود.

لكنّنا نرى أنّ السّياحة المدرسيّة توفّر فرصًا حقيقيّة لتعزيز المهارات المواطنيّة والقيم الأخلاقيّة من خلال تعزيز التّعاون، والاحترام، والتّفاعل مع الثّقافات المختلفة، وتوفير تجارب تعلّمٍ تطبيقيّة.

إضافةً إلى أنّها تشكّل تحوّلًا مبتكرًا يمكن التّعويل عليه من أجل تعزيز التّعلّم عبر التّجربة من خلال التّنقّل بين المناطق واستكشاف المواقع التّاريخيّة، والمعارض العلميّة، والحدائق الطّبيعيّة وغيرها، والتّحفيز على الابتكار والإبداع حيث إنّ التّجارب الجديدة تشكّل تحدّيات مختلفة تحفّز التّفكير المبدع وحلّ المشكلات. وقد يكون تعزيز الثّقة بالنّفس النّاتجة من التّحدّيات الّتي تفرضها الرّحلة المدرسيّة التّربويّة من أهمّ المكتسبات الّتي تحقّق الاستقلاليّة في التّفكير واتّخاذ القرارات الّتي يحتاج إليها الجيل الجديد لممارسة المواطنيّة بروح ديموقراطيّة صحيّة.


   وفي الختام، أورد بعض الأفكار الّتي تراودني في كلّ مرّة أزور فيها مدينة أو بلدة لبنانيّة، على شكل مقترحات قد تلقى صدًى وتؤتي ثمارًا.

• تعزيز دور وزارات التّربية والثّقافة والسّياحة والبلديّات بالتّنسيق في ما بينها في "التّسويق" والتّحفيز للسّياحة التّربويّة الدّاخليّة؛

• استحداث مكاتب سياحة تربويّة وتعيين مرشدين سياحيّين متخصّصين على أن لا يقتصر دوام عملها على الدّوام الرسميّ حيث إنّه لا يلائم مواعيد الحركة السّياحيّة الّتي تنشط خارج دوام العمل الرّسميّ؛

• استقطاب متطوّعين من فئة الشّباب لمشاركة المرشدين السّياحيّين في بعض الأنشطة الموجّهة إلى الأطفال أو المسنّين بصفة مرافقين مشاركين في خدمة المجتمع؛

• إنشاء مواقع إلكترونيّة غير تقليديّة مُحدّثة دوريًّا، مهمّتُها تثقيفيّة وتروجيّة وتفاعليّة، وإفساح المجال لمشاركة زوّار الموقع الصّور والانطباعات والاقتراحات والشّكاوى عند الحاجة؛

• تنظيم نشاطات تربويّة سياحيّة دوريّة يُعلن عنها قبل فترة ملائمة تسمح للمَدارس بالإفادة منها؛

• اقتراح أسعار تشجيعيّة لفئات عمريّة شابّة أو للطّلّاب، نشرات سياحيّة، استقبال الشّكاوى ومتابعتها... (للأمانة تصدر أحيانًا قرارت تقضي بإعفاء الطّلّاب أو المواطنين عامّة من رسم الدّخول إلى بعض المواقع الأثريّة على الأراضي اللّبنانيّة في مناسبات وطنيّة معيّنة).  

• دور المدرسة في استثمار الرّحلات المدرسيّة لتربية المتعلّم المواطن بمعنى متعلّم خفير يلاحظ، ويحلّل، ويتصرّف، ويبلّغ، ويقترح، ويتابع .





الدّكتورة ليليان ريشا: أستاذة محاضرة في كلّيّة التّربية – الجامعة اللّبنانيّة. حائزة شهادة دكتوراه في التّربية العامّة (مناهج وتربية على المواطنيّة). لها مساهمات عديدة في مجال تطوير المناهج وتأليفها، والتّربية على المواطنيّة، بالتّعاون مع المركز التّربويّ للبحوث والإنماء. مؤلّفة كتب مدرسيّة لصفوف التّربية الحضانيّة في لبنان والمغرب والجزائر والسّعوديّة.

[email protected]




ثبت المراجع


• الحميداني، عبد الله. "السّياحة، تعريف السّياحة". تمّ استرجاعه بتاريخ 29/8/2023.

https://fac.ksu.edu.sa/sites/default/files/mlkhs_mqrr_lmdkhl_l_lsyh_wlfndq.docx.

• فريحة، نمر. من المواطنة إلى التّربية المواطنيّة، سيرورة وتحدّيات. بيبلوس: المركز الدّوليّ لعلوم الإنسان، 2012.

• المركز التّربويّ للبحوث والإنماء. مناهج التّعليم العامّ وأهدافها. لبنان: 1997.

• موقع المركز التّربويّ للبحوث والإنماء. "خدمة المجتمع". لبنان: 2017. تمّ استرجاعه بتاريخ 29/8/2023).

https://www.crdp.org/project-details/626.

• Olivier KIMA. "Excursion pédagogique au profit des acteurs de l'éducation dans la partie Ouest du Burkina". 2017.

• "Sortie ou voyage scolaires à l'école primaire (maternelle ou élémentaire)", https://www.service-public.fr/particuliers/vosdroits/F21765, Vérifié le 29/8/2023.

• "Sorties et voyages scolaires dans le second degré".


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق