article_cover_image

هل من حاجة إلى تدريس النّحو العربيّ في صفوف المرحلة الأولى؟

author_article_image

الدُّكتور سليم فضل الله

اللّغة العربيّة في التّعليم الأساسيّ، بين حجرَي الواقع والمرتجى

بين مقاعد المتعلّمين ومنبر المعلّم، تجول اللّغة العربيّة باحثةً عن مأوى ومسكن في قلب ولد متعلّم أصابه الخوف فانكفأ، أو غمره الضّجر فاختنق، أو حرّرته الفوضى فطاح وساح، أو اجتمعت فيه كلّ هذه الأمور دفعة واحدة. تسافر اللّغة العربيّة من مطار معلّم، اجتهدَ في أن يقدّم لعناصرها أفضل الخدمات وأحسنها، وكدّ كي تلقى راحة وطمأنينة في سفرها، مناهُ أن تصل إلى ربوع التّلاميذ مرتاحةً قويّة، نضرة الوجه، حسنة المظهر، فلا يخافون منها، ولا يخشَون استقبالها واستضافتها في منازلهم، والتّباهي بصحبتها أمام رفاقهم، والاستماع إلى أحاديثها وأخبارها فرحين، وتحميلها همومَهم وعواطفهم ورؤاهم مغبوطين. 

ولكنّ أنواء الواقع تجري عكس شهوة السّفن، فالمشاكل والعثرات كثيرة، وهي تقف حائلًا دون اقتراب هذا المسافر الغريب من عقول أولادنا، ودنوّه من قلوبهم. وهي عثرات قديمة متجدّدة، ومن يومِ هبّت عواصف الثّورات التّكنولوجيّة، وربا الكلام التّجاريّ على أيّ كلام، واكتسحت اللّغة الاستهلاكيّة أيّ لغة، وصار همّ الأولاد الشّاشة والصّورة والفيلم والأغنية والتّخاطب الإلكترونيّ، تفاقمت مشاكل اللّغة العربيّة، وتأزّمت قضاياها.


بعد خبرتي الّتي تزيد على الثّلاثين عامًا، في تعليم اللّغة العربيّة في الصّفوف التّكميليّة والثّانويّة في إحدى مدارس لبنان الشّماليّ، وعملي منسّقًا على صفوف الحلقتَين الأولى والثّانية من التّعليم الأساسيّ مدّةً لا تقلّ عن العشر سنوات، واحتكاكي المباشر بمعلّمين ومعلّمات يشاركوننا حبّ تعليم هذه اللّغة في صفوف وحلقات مختلفة، جمعتنا بخبراء تربويّين يدرسون حالاتٍ معيّنة، ويعلّلون أسبابًا، ويصفون علاجًا، ويستشرفون شفاء وخلاصًا... أو من خلال التّلاقي مع زميلات وزملاء من مدارس رسميّة وخاصّة يناقشون معايير تصحيح مسابقات التّاسع أساسيّ (بريفيه)... أستطيع أن أشير إلى أهمّ العقد الّتي كانت تكبّدنا جهودًا، وهمومًا، وشكاوى، وهي على الشّكل التّالي:

1. الازدواجيّة بين لغة البيت (اللّغة العاميّة) واللّغة الفصحى، واعتبارهما كيانًا واحدًا، مع العلم أنّهما لا يتشابهان سوى بصورة الأحرف ونطق أغلبها.

2. إهمال الأهل مادّة التّعليم هذه، وبخاصّة في المدارس الخاصّة، إذ يسرعون للسّؤال عن حال ابنهم في الموادّ العلميّة، ودرءًا للإحراج، يعرّجون على معلّم اللّغة العربيّة في سؤال عابر.

3. أولويّة التّجارة والطّبّ والهندسة، المدرّة للمال، في ميادين العمل، وليس للّغات، ولاسيّما اللّغة العربيّة الّتي انحسر سوقها التّجاريّ والعلميّ والطّبّي والهندسيّ بشكل متعثّر.

4. انكماش اللّغة العربيّة عن الاستخدام الشّفهيّ في البيت أو الشّارع أو المسرح أو الأغنية أو الفيلم، أو في تصاريح المسؤولين، وفي النّقل المباشر لأكثريّة المقرّرين الصّحافيّين، وفي أغلب البرامج التّلفزيونيّة، واقتصارها على المدوَّن والمكتوب.

5. علّة المناهج التّربويّة المعنيّة بتعليم هذه المادّة. إذ تهبط اللّغة بصعوباتها على المتعلّم الفتيّ، وعليه أن يعرف نحوها وصرفها بما استتر منه، تحت خباء القاعدة وما نفر بعيدًا منها، وصار غريبًا عليها. وسيكون لنا الحديث مطوّلًا في هذا الموضوع. 

6. اعتماد غالبيّة إدارات المدارس الخاصّة، بهدف التّوفير على ماليّة المدرسة، توظيف معلّمات ومعلّمين للّغة العربيّة في حلقات التّعليم الأساسيّ (بخاصّة الحلقتين الأولى والثّانية) لا يحملون إجازات جامعيّة في هذا المجال، بل هم يكتفون منهم بحسن ضبطهم الصّفّ وإدارته. ولا يبعد ليل هذا الأمر عن صفوف المدارس الرسميّة الّتي تضمّ معلّمات ومعلّمين أدخلتهم الوساطة السّياسيّة والمحسوبيّات.

قد يقول قائل: "ما حاجة معلّم هذه الصّفوف إلى الاختصاص، ولاسيّما في صفوف المرحلة الأولى؟" الجواب: نحن في حاجة قصوى إلى ذوات وذوي الاختصاص في هذه الصّفوف، لأنّ ما يثبت في أذهان الأولاد، في هذه الأعمار، من سوء نطق للحروف، يكون قد اكتسبه من كلام المعلّم، ومن تغاضٍ عن كتابة رديئة، أو تعبير مستهجن، من الصّعب جدًّا تصويبُه في ما بعد.

7. عدم إجادة معلّمات ومعلّمي الموادّ الرّديفة اللّغةَ العربيّة (مقرّرات التّاريخ والجغرافيا والتّربية...) لا نطقًا ولا كتابة، فيدمّرون في لحظةٍ عابرة ما نسعى إلى بنائه في شهور.


اللّغة العربيّة هي لغة رسميّة لاثنتين وعشرين دولة عربيّة، يتكلّمها، على الصّعيد الرّسميّ، ما يزيد على أربعمائة مليون نسمة، ولها أهمّية دينيّة قصوى عند المسلمين، فهي لغة القرآن الكريم، كما أنّها حافظة ذاكرة مناجم ذهب الفروسيّة، ومعلّقات الجاهليّة، ونقائض جرير والأخطل والفرزدق، وهي رافعة رايات المجد في زمن عبّاسيّ كان عنوان قبّة الانتصار العلميّ والفكريّ والأدبيّ والفلسفيّ، قبلة أنظار أهل ذاك الزّمان، ومحجّة طلّاب الشّهرة والمال من أصقاع الدّنيا كافّة، وهي الّتي تلاقحت ولغةَ أهل الأندلس، فأثّرت وتأثّرت، وهي بساط المَهجريّين النّهضويّين الّذين حرّروا بها بلدانهم وأناسها، وبها تحرّروا من الجهل والعبوديّة والظّلّام، فكتبوا قصصهم ودوواينهم ومقالاتهم ومسرحهم وأغانيهم. ولا تزال هذه اللّغة لغة النّخبة المبدعة من رجال الفكر والعلم والدّين والأدب في عالمنا العربيّ. وقد أقرّت الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في العام 1973 اللّغة العربيّة لغة رسميّة في المنظّمة، ودعت إلى الاحتفال بها، وإعلان يوم 18 كانون الأوّل من كلّ عام اليومَ العالميّ للّغة العربيّة.[1] 


لكلّ هذه المعطيات، لم يقف الغيارى منذ عشرات السّنين أمام مشاكل اللّغة العربيّة مكتوفي الأيدي، سواء فرادى، أمثال: طه حسين، أنيس فريحة، إميل يعقوب وكثيرين غيرهم، أو في مجامع اللّغة العربيّة، وفي مؤتمرات ترعاها دول أو جمعيّات، وآخرها المؤتمر الدّوليّ التّاسع للغة العربيّة في دبي. صوّب المنتدون على الأسباب، واقترحوا حلولًا طالت الأنظمة والعائلات والمدارس، ورأَوا أنّ على الجميع، أي كلّ القطاعات، إعادة تفعيل مبدأ التّحفيز على التّكلّم بها، وتشجيع المبدعات والمبدعين على التّعبير بها، وقد كانت المدرسة هي هدف الأهداف، بحيث دعَوا إلى إعادة النّظر في المناهج والتّخفيف من أوزار النّحو.

يبرّر الدّكتور طه حسين، مستندًا إلى دليل من التّاريخ اللّغويّ في أنّ الكتابة العربيّة تأخّر ضبطها كثيرًا، دعوته إلى تسهيل الكتابة، ويستغرب إنكار الاجتهاد عليه من بعضهم، وقد كان مباحًا للأقدمين. ويُعدّ طه حسين من روّاد الدّعوة إلى تبسيط قواعد اللّغة العربيّة في العصر الحديث، وقد خصّص جائزة قدرها 1000 جنيه مصريّ لأفضل اقتراح في تيسير اللّغة العربيّة. وقد قرن دعوته هذه بتوقيع مقالاته في جريدة الجمهوريّة بـ "طاها حسين"، متيقّنًا من أنّ السّبيل الوحيد في تعميم التّعليم وشيوعه هو تسهيل الكتابة والقراءة والابتعاد عن التّعقيد.[2]

وبدوره، دعا عليّ الوردي العراقيّ إلى ردم الهوّة بين العامّيّ والفصيح. لقد وجد أنّ الاختلاف بينهما يؤثّر في شخصيّة الإنسان العربيّ، فطالب في كتابه أسطورة الأدب الرّفيع، بكسر هذا الجمود اللّغويّ، والابتعاد عن الزّخرفة والحذلقة "فنحن الآن نكتب للجمهور، لا للطّبقة الخاصّة. والحياة الجديدة تقضي علينا أن نغيّر من أسلوب لغتنا كما غيّرنا من أسلوب مسكننا وملابسنا وغيرها".[3]

وفي كتابه نحو عربيّة ميسّرة، وبعد عرض المشاكل الّتي تنوء تحت وِزرها لغتُنا العربيّة، من ازدواجيّة اللّغة، والعصرنة، وفظاظة النّحو وغرابته، ومشاكل مناهجها وطرق تدريسها، والحديث عن مبدأ علم اللّسانيّة ونظريّاتها، وتحديد مستويات ارتقاء اللّغة المحكيّة إلى مصافّ اللّغة الرّسميّة، وصل أنيس فريحة إلى القول إنّ "اللّغة الجيّدة هي الّتي تقوم بوظيفتها على أكمل وجه، إنْ في الفهم أو في الإفهام، أو في التّعبير عن دواخل النّاس بيُسر ومن دون إجهاد. ويَعتبر علمُ اللّغة كلّ كلام يخالف ما عليه الجمهور الشّذوذ بعينه.... ولكنّ اللّغة الحيّة هي الّتي وصلت في مجراها الطّبيعيّ إلى النّقطة الّتي نحن فيها، وكما هي في النّقطة الّتي نحن فيها هي اللّغة الصّحيحة."[4] برأي فريحة أنّ إيلاء أولويّة للغة الجمهور، لغة السّوق، لغة الحياة، هو التّطوّر الطّبيعيّ للّغة، والّذي يسلك بيسر بين النّاس ومن دون كلفة في"الفهم والإفهام".

ويدعو إميل يعقوب مجامع اللّغة العربيّة إلى تيسير تعليم اللّغة العربيّة، إنْ في كتابتها، كما ورد في بحثه يا مجمع اللّغة العربيّة، أجلس الهمزة وأوقف الألف[5]، أو في تبسيط نحوها، كما في يا مجمع اللّغة العربيّة، أرحنا من حركات الإعراب[6]، وفي يا مجمع اللّغة أنقذنا من هذا النّحو. وله فيها حجج معلّلة، على أحقيّة هاتَين الدّعوتين، يدعو إليها في كلّ منبر؛ المحاضرات الجامعيّة، والمناظرات في غير مؤتمر ومنتدى، كما في وسائط الإعلام كافّة. وتتمثّل دعوته في إعادة النّظر في كلّ ما يشكّل صعوبة وعقبات أمام المتعلّم من نافر أصول كتابتها، أو من تشعّبات نحوها، مُظهرًا فساد العامل في الرّفع والجرّ والنّصب، رادًّا، على من يرى في حركات الإعراب ضرورة للفهم، بأمثلة وشواهد تُظهر عقم الحاجة إلى الحركة لتبرير الفهم. فالحركة الإعرابيّة بنظره لا تأثير لها البتّة في فهم الكلام، إذ يردّ الفهم إلى السّياق.[7]

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى جهد بذلته مجامع اللّغة العربيّة للوصول إلى عصرنة اللّغة، والبحث عن منافذ تخرج لغتنا إلى نور حياة شباب اليوم، سواء بمفردات وعبارات تعرّب التّكنولوجيا والعلوم، أو من خلال تحديث وسائل تناولِها في الصّفوف التّعليميّة، وكان لكلّ منها اجتهاداته الآيلة إلى التّخفيف من ثقل واقع اللّغة المرير. وهذا جدول بمجامع اللّغة العربيّة ومواقعها.[8]  


اسم المجمع

تاريخ التّأسيس

1

مجمع اللّغة العربيّة بدمشق

1919

2

مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة

1932

3

مجمع اللّغة العربيّة بالعراق

1947

4

مجمع اللّغة العربيّة بالأردن

1976

5

مجمع اللّغة العربيّة بالجزائر

1986

6

المجمع التّونسيّ للعلوم والآداب والفنون - بيت الحكمة

1989

7

مجمع اللّغة العربيّة بالسّودان

1993

8

مجمع اللّغة العربيّة بفلسطين - رام الله

1994

9

مجمع اللّغة العربيّة بليبيا

1994

10

مجمع اللّغة العربيّة بفلسطين - حيفا

2007

11

مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة اللّغة العربيّة-السّعوديّة

2008

12

مجمع اللّغة العربيّة بفلسطين - غزّة

2013

13

المجمع العلميّ اللّغويّ اليمنيّ

2013

14

مجمع اللّغة العربيّة بالشّارقة

2016

15

مجلس اللّسان العربيّ بموريتانيا

2017


وهناك جمعيّات تُعنى بشؤون اللّغة العربيّة وموضوعاتها، محاولةً تقديم المساعدة للتّطوير والتّحديث والتّحفيز، فتقيم المنتديات وتعقد المؤتمرات، وتعطي جوائز تحفيزيّة، في محاولة للتّشجيع على التّعبير والإبداع باللّغة العربيّة. وهذا جدول بأبرز هذه الجمعيّات[9].


اسم الجمعيّة

الدّولة

تاريخ التّأسيس

1

جمعيّة تعريب العلوم الطّبّيّة

الأردن

1989

2

الجمعيّة الجزائريّة للدّفاع عن اللّغة العربيّة

الجزائر

1990

3

جمعيّة لسان العرب

مصر

1992

4

جمعيّة تعريب العلوم

مصر

1994

5

الجمعيّة المصريّة لهندسة اللّغة

مصر

1996

6

جمعيّة الضّاد لنشر العربيّة والدّفاع عنها

موريتانيا

1997

7

جمعيّة الثّقافة العربيّة في حيفا

فلسطين

1998

8

جمعيّة حماية اللّغة العربيّة

الشّارقة- الإمارات

1999

9

جمعيّة حُماة اللّغة العربيّة

مصر

2000

10

الجمعيّة العلميّة السّعوديّة للغة العربيّة

السّعوديّة

2001

11

الجمعيّة المغربيّة لحماية اللّغة العربيّة

المغرب

2007

12

جمعيّة حُماة الضّاد

لبنان

2010

13

جمعيّة تنمية اللّغة العربيّة وحمايتها

تونس

2011

14

الجمعيّة الليبيّة لأصدقاء اللّغة العربيّة

ليبيا

2011

15

جمعيّة أساتذة اللّغة العربيّة

المغرب

2011

16

الائتلاف الوطنيّ من أجل اللّغة العربيّة

المغرب

2012

17

جمعيّة حوسبة اللّغة العربيّة

الأردن

2012

18

الجمعيّة الليبيّة لحماية اللّغة العربيّة

ليبيا

2017


وتؤدّي المجلّات المتخصّصة والإصدارات وبعض البرامج التّلفزيونيّة وغيرها دورًا مهمًّا في تدعيم دور اللّغة، كونها منصّات حافلة بالباحثين والباحثات، وغايتهم إرجاعُ اللّغة العربيّة إلى مراتب الاعتبار، واعتلاؤها المنابر بفخر، وارتيادها المسارح بحماسة، وتثبيت مكانتها في المدارس بجدارة وامتياز.

   بناءً على ما تقدّم، وضع اللّغويّون الإصبع على الجرح، ونادوا بإصلاح في بناء النّحو العربيّ، ودعَوا إلى تعديل في مناهج التّعليم، ونظّموا احتفالات، وأقاموا مباريات، وبحثوا عن محفّزات تشجّع على التّعبير والكتابة والتّأليف بلغة الدواوين الشّعريّة، ولغة الإبداع النّثريّ، ووسيلة إيصال الأبحاث العلميّة والفلسفيّة والدّينيّة، بأبهى مظهر.

ولكن، ما نريد قوله، من هذه المقالة، هو الآتي:

1. إنّ السّعي إلى التّوفيق بين اللّغة المحكيّة واللّغة الفصحى هو محاولة غير مجدية، لأنّ لكلّ منهما أصولًا وقواعد في التّعبير والكتابة واللّفظ والنّطق، ولو تشابها بالحرف. فللمحكيّة روافد لغويّة عربيّة وأجنبيّة لا تحصى، ولها يسرٌ في التّعبير خاضع للمنفعة والمصلحة والسّوق التجاريّة...، وهو لا يخضع لأصول واحدة موحّدة بين كلّ البلدان العربيّة، ولا حتّى بين مكوّنات المجتمعات العربيّة كافّة ضمن البلد الواحد.

2. إنّ محاولات تطوير النّحو وتحديثه بهدف تيسيره، وجعله في متناول التّلاميذ في التّعليم الأساسيّ، هي أيضًا محاولات تقف قبالتها سدود وحواجز غير قليلة، مثلًا: الخوف من أن يصبح هذا التّغيير والتّعديل إضافاتٍ على النّحو تزيد أحمالَه أحمالًا، وتجعل النّحو والتّحريف سيّدًا. فالدّعوة إلى إهمال الحركات قد تترك الحبل على غاربه للمتكلّمين بهذه اللّغة، ومع مرور الزّمن سوف يعمد اللّغويّون، لتبيان المعاني المستحدثة، إلى كتابة مجلّدات نحوٍ جديدة لتأطير هذه التّعديلات وتدوين التّغييرات.

3. أصاب مصلحو اللّغة عندما دعَوا إلى تعديلٍ في المناهج وإعادة النّظر في الكتاب المدرسيّ، ولكن، فلنبدأ بهذا الإصلاح الّذي أراه أساسيًّا وفعّالًا، بخاصّة في مراحل التّعليم الأساسيّ، بحيث يستطيع المتعلّم أن يقترب من اللّغة غيرَ خائف من رسوب، أو تأنيبٍ من أستاذ، أو سخرية من زملاء.


ولكي نبدأ مرحلة الإصلاح اللّغويّ، ونجعل من لغتنا ضيفًا دائمًا لدى أولادنا، ولاسيّما في مراحل التّعليم الأساسيّ، علينا الإقرار بالآتي:

1. إنّ اللّغة العربيّة الفصيحة ليست لغة شفهيّة، بل هي لغة الكتابة سواء في امتحاناتنا، أو في دواويننا الحكوميّة، أو في تقاريرنا الرّسميّة، أو في مؤلّفاتنا الأدبيّة. وإنّ المتعامين عن حقيقة أنّ كلّ بلد من بلداننا العربيّة يتكلّم لغة محكيّة خاصّة به، لا علاقة لها باللّغة العربيّة ولا علاقة لها بشعبِ بلد عربيّ آخر، يضعون رؤؤسهم في الرّمال. ففي الشّارع والبيت والحانوت والمقهى... وبين الزّملاء والزّميلات في دُور العلم والإعلام وفي المراكز الرّسميّة يتكلّم اللّبنانيّ بلهجته اللّبنانيّة، والمصريّ المصريّة، والمغربيّ المغربيّة، والخليجيّ الخليجيّة... وهي لغات خاصّة بشعوب هذه البلدان، لا علاقة لها باللّغة العربيّة الفصيحة لا في الأصول ولا في الكثير من المفردات والتّعابير. انطلاقًا من هذه الحقيقة، علينا الاعتراف بأنّ اللّغة العربيّة الفصيحة هي لغة جديدة على المتعلّم، وعلينا أن نبدأ بوضع مناهج تربويّة متماشية مع هذه الحالة.


الإقرار بأنّ لكلّ لغةٍ أصولها وقواعدها في النّطق والكتابة، وللعربيّة كذلك، فلماذا اللّجوء إلى تعديلات تضيف على أصولها أصولًا أخرى إضافيّة؟ وبرأينا، إنّ الذّهاب إلى معرفة أصولها معرفةً كاملة من ناحية الإلمام بنحوها إلمامًا تامًّا من قبل المتعلّم في صفوف التّعليم الأساسيّة، هو ضرب من المستحيل. وبما أنّ اللّغة تدخل إلى ذهن الإنسان من أذنيه سماعًا، ومن عينيه تصويرًا، فلنعمل على إيجاد النّاجع والشّافي والضّروريّ في هذا المجال بعيدًا عن أصول النّحو والشّواذّ والمسموح وغير المسموح (الأصول الّتي يجب أن يكون ضليعًا فيها معلّم هذه المرحلة لا غير)، فيسمع المتعلّم لغة صحيحة، وينطق بها، ويصوّب النّطق من دون تبرير وتعليل. من منّا يذكر قاعدة واحدة من قواعد النّحو في سنوات تعلّمه الأولى؟ ما نذكره عبارات، جملًا، قصصًا أثّرت فينا بليغ التّأثير. ولا ننسى أنّ العقل البشريّ ينمو باطّراد، وهو بحسب علماء التّربية الحديثة، يمرّ بمراحل عند الطّفل العاديّ (normal): فمن عمر السّنتين إلى الخمس سنوات هي مرحلة المعرفة الإجماليّة  (période globale de l’apprentissage)، ومن عمر الخمس إلى السّبع سنوات يصل إلى مرحلة التّمييز والفصل بين الأشياء (période de transition)، ومن عمر السّبع سنوات إلى عمر الحادية عشرة، أو الثّانية عشرة، يصل إلى مرحلة اكتمال كيانه الجسديّ  (période d’élaboration définitive du shéma corporel)[10].


2. انطلاقًا ممّا سبق، نجد أن لا حاجة إلى ما يسمّى بالنّحو تعليمًا في هذه الصّفوف من مرحلة التّعليم الأساسيّ. من منّا لا يذكر المعاناة الّتي يعانيها كلّ من التّلاميذ والمعلّمين، وهم يخوضون غمار تلقين الإعراب والنّحو والتّصريف؟ كيف سيقرأ؟ كيف سيكتب؟ كيف سيعبّر؟ لذلك، وبعدَ أن يكون المتعلّم قد تلقّى حروف اللّغة العربيّة كاملةً في الصّفوف الثّلاثة ما قبل المدرسيّة (préscolaire)، من خلال اللّعبة والرّسم والتّلوين والأغنية، فلينطلق تعليم اللّغة العربيّة في صفوف التّعليم الأساسيّ، أي بدءًا من الصّفّ الأوّل الأساسيّ من "المنتج"، أي من الذّاكرة الأدبيّة الغنيّة لهذه اللّغة، من المؤلَّف المدروس بعناية من متخصّصين لغويّين وتربويّين، على أن يُدرج في المنهج، فيقتصر التّعليم على مؤلَّف أو مؤلَّفَين أو أكثر بحسب الصّف، وليتمّ انتقاء المؤلّف موافقًا النّوع الأدبيّ المنوي تعليمه، وأن تتمّ قراءته التّدريجيّة، وأن يتقن التّلاميذ جميعهم القراءة والفهم. وتتدرّج القراءة من صفّ إلى آخر، من الاستماع والتّقليد والقراءة الجهريّة والإجماليّة إلى القراءة الصّامتة، والتّحليليّة، والمحاكاة في كتابة عبارات وتأليف جُمل، وصولًا إلى إنتاج خاصّ بتلميذ، أو بمجموعة طلّابيّة أو بصفّ معيّن، والاستثمار عبر المسرح والمحاضرة والنّدوة والمباراة وغيرها من الأنشطة. كثيرون من تلاميذنا لا يخطئون في ضبط الكلمات ضبطًا صحيحًا من غير معرفة بقواعد اللّغة، وما ذلك إلّا لأنّهم يحسنون القراءة، ويرهفون الاستماع إلى لغة سليمة صحيحة.


3. في الكتابة الصّحيحة، وبحسب علماء التّربية وعلماء النّفس التّربويّ، فإنّ يد الولد في الكتابة لها رابط أساسيّ بالذّكاء والتّطوّر الدّماغيّ. وهذا التّطوّر يمرّ بمراحل ثلاث: ما قبل الكتابة (précalligraphique la phase) وهي مرحلة يتعثّر فيها الولد في رسم الأشكال من خطوط ودوائر وفصلٍ ووصل، وهي تدوم عادة سنتين إلى أربع سنوات: (من عمر 5 إلى 9 أعوام). المرحلة الثّانية: مرحلة الكتابة الطّفوليّة (calligraphique infantile phase)، وهي مرحلة يُحسن فيها المتعلّم الوصل والفصل في الحروف. ويتبيّن في هذه المرحلة تمكّن الولد من الكتابة الصّحيحة، من خلال تصويرٍ صائب للحروف، والالتزام بالخطوط، وهي مرحلة ما بين 9-12 عامًا. ومرحلة ثالثة وأخيرة هي مرحلة الكتابة النّهائيّة (phase postcalligraphique) وهي مرحلة اكتمال الكتابة عند المتعلّم، حيث تكون سرعة الكتابة بارزة، والمقدرة على التّمييز واضحة، وليونة اليد وتفاعلها التّلقائيّ مع الصّوت والحرف ظاهرة بوضوح، وهي تأتي بعد عمر الـ 13 عامًا[11]. أمام هذه المراحل ألا يجدر بنا إعادة النّظر في طُرق تلقين الكتابة الصّحيحة؟ ألا يجدر بنا تحويل حصّة الكتابة الصّحيحة إلى حصّة من حصص الفنون، على أن تكون تحت إشراف معلّم الرّسم أو معلّمة الرّسم، من دون اللّجوء إلى أسلوبَي التّرغيب والتّرهيب، أو العقاب والثّواب؟ فلنكثر من النّسخ، ولنعتمد الحاسوب. ألا يكتب أكثرنا اليوم مقالاته عبر هذا الاختراع؟ فليستعمل التّلميذ هذه الآلة، وليتعرّف على أنواع الخطّ العربيّ، وليكتب الحروف بدءًا من الدّلالة عليها، وصولًا إلى كتابتها.

4. التّعبير: سبق أن أظهرنا أنّ العربيّ لا يتكلّم اللّغة الفصيحة في بيته أو سوقه التّجاريّ أو عمله، وغيرها من الأماكن، من هنا فليكن التّعبير الشّفهيّ في الصّف غير ملزِم، وليس لنا حاجة إلى إعاقة الولد فيه بالواجب، مثل السّلام والكلام، وطلب الإذن بالوقوف والجلوس والذّهاب إلى المرحاض، أو التّواصل مع معلّمة أو معلّم اللّغة. أمّا التّعبير الكتابيّ فليكن بالقياس والمشابهة والتّقليد، بالتّدرّج الصّفّيّ، وبحسب المستوى، بدءًا من العبارة وصولًا إلى نصّ كامل متكامل تامّ العناصر، ولدينا الوقت الكافي لذلك، فتسع سنوات من التّعليم الأساسيّ، إنْ هي استُثمرت بشكل تدريجيّ ومنطقيّ وتصاعديّ في المستويات كلّها، تصبح كافية جدًّا للمعلّم والمتعلّم. 

5. التّقييم: أقترح أن يتمّ اللّجوء إلى التّقييم، سواء في المدرسة من خلال القراءة في الصّفّ، أو من خلال المنتج الّذي سيستعمله المتعلّم في مجال الكتابة التّصويريّة، وبحسب الصّف ومستواه التّعليميّ، وأن يكون التّقييم الفصليّ عاملًا للمعالجة، وليس المفاضلة، بمعنى أن نذهب بعد التّقييم إلى تدعيم مَن هم في حاجة إلى دعم إضافيّ ليحسنوا قراءة ما تعثّروا فيه، وحُسن كتابة ما لم يجيدوه، وذلك بالتّعاون مع المتخصّصين التّربويّين والنّفسيّين في المدرسة. وأمّا في الامتحانات الرّسميّة فليمتحن المتعلّمون في نصّ مأخوذ من نصوص المؤلّفات المحدّدة للدّراسة في أثناء العام الدّراسيّ، على أن يتمّ امتحان الفهم والتّحليل عبر طريقة اختيار الإجابة الصّحيحة (choix multiples)، ويُمتحن التّعبير الكتابيّ من خلال كتابة نصّ وَفق معايير محدّدة لها علاقة بالمنتَج المدروس والنّوع الأدبيّ الموافق النّصّ المنتقى، وإنْ نحن سهّلنا أمر الكتابة على الحاسوب بدءًا من الصّفوف الصّغيرة، فما المانع من إجراء الامتحان في انتقاء الإجابة أو في التّعبير الكتابيّ بواسطته؟ 

6. إلزام إدارات المدارس والمعاهد التّعليميّة بتوظيف معلّمات ومعلّمين من أصحاب الشّهادات الجامعيّة في اللّغة العربيّة وآدابها، لتعليم هذه اللّغة في أيّ عام من أعوام التّحصيل العلميّ، الأساسيّ والثّانويّ. فالصّغار في حاجة ماسّة إلى خبيرات وخبراء في أصول النّطق بهذه اللّغة، وإلى سماع اللّغة صحيحةً صافية لا شائبة تشوبها. المتعلّم في حاجة إلى معلّم ضليع وخبير في هذه الصّفوف، يعرف الأصول اللّغويّة كاملة، ولكنّه غير ملزم بشرحها وتوضيحها للمتعلّم في هذه الصّفوف، يكفيه القول يصحّ ولا يصحّ من دون تبرير، يصوّب التّعبير من دون اللّجوء إلى ما نحاه النّحويّون. انطلاقًا من هنا، فإنّ هذا الإلزام يوسّع باب هذا الاختصاص في الجامعات، من بعد أن أقفل العديدُ من هذه الجامعات مجال التّخصّص في اللّغة العربيّة، لعدم توافر أعداد الرّاغبين فيها. فاللّغة تُعلّم في هذه الصّفوف بالقياس السمعيّ-البصريّ، بينما يُترك أمرُ تعلّم أصولها وقواعدها بالعموميّات والجزئيّات، بالكلّ والتّفصيل، إلى مقاعد الدّراسة الجامعيّة للمتخصّصين في اللّغة العربيّة وآدابها.


    وأخيًرا، وكما جاء في صحيح البخاري: "إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهدَ، ثمّ أصابَ فله أجران، وإذا حكمَ فاجتهدَ ثمّ أخطأَ فله أجرٌ واحد."[12] نحن اجتهدنا في هذا المضمار، من باب الغيرة على لغتنا، ومن باب الحرص على أولادنا كي يعودوا من ساعة تعليم اللّغة العربيّة راضين، فيسارعوا إلى حضورها ثانيةً بحماسة وفرح، وتركنا أمرَ الإصابة أو عدمها إلى الزّمن، وآراء مَن يشاركوننا هذا الهمّ التّربويّ.




الدّكتور سليم سركيس فضل الله: حائز شهادة دكتوراه في اللّغة العربيّة وآدابها من جامعة القدّيس يوسف اليسوعيّة (٢٠٢١)، عن أطروحة بعنوان: "صفات المرأة الحبيبة الخلقيّة عند شعراء العرب الأقدمين". يدّرس اللّغة العربيّة منذ العام١٩٩٠ في ثانويّة دلاسال الفرير كفرياشيت زغرتا. وكان منسّقًا في صفوف تعليمها الأساسيّ لما يزيد عن العشرين عامًا.

[email protected]




الحواشي


[1]   www.un.org.

[2]   www.aljumhuriya.com.

[3]   عليّ الوردي، أسطورة الأدب الرّفيع، ط.1 (العراق: منشورات سعيد بن جبير، 2000)، 57.

[4]   أنيس فريحة، نحو عربيّة ميسّرة (بيروت: دار الثّقافة، 1955)، 76.

[5]   إميل يعقوب، يا مجمع اللّغة العربيّة، أجلس الهمزة وأوقف الألف، ط.1 (لبنان: المؤسّسة الحديثة للكتاب، 2017).

[6]   يعقوب، يا مجمع اللّغة العربيّة، أرحنا من حركات الإعراب، ط.1(لبنان: المؤسّسة الحديثة للكتاب، 2017).

[7]   يعقوب، يا مجمع اللّغة العربيّة أنقذنا من هذا النحو. ط.1 (لبنان: المؤسّسة الحديثة للكتاب، 2017)، 150- 151.  

[8]   www.areq.net.

[9]   www.albayan.co.uk

[10] Alfred Binet, La graphologie et ses révélations sur le sexe, l’âge et l’intelligence, Année psychologique, 1904.

[11] R. PERRON et H. De GOBINEAU, La contribution d’Alfred Binet à l’étude de l’écriture. Revue de psychologie appliquée, 1957.

[12]  محمّد بن اسماعيل البخاري (ت. 256 هـ. /870 م.)، صحيح البخاري، ط. 1 ( دمشق/ بيروت: دار ابن كثير، 2002)، 3229.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق