سُلطة الجسد
رآها.
أسماها جسدًا.
وكان حديث.
لمحها من بعيدٍ جسدًا قويًّا يتسلَّق الصُّخور بثباتٍ ومرح. تابع سيره. وفي منتصف الطَّريق التقيا، فكان حوار. هو الفيلسوف، وهي "الجسد" كما أسماها.
الفيلسوف: استلمتِ جائزةً منذ أيَّامٍ عن روايتك الأخيرة. أعرف خلفيَّات الجائزة وكواليس اختيار الفائزين، بالأحرى الفائزات.
الجسد: إلامَ تلمِّح؟
الفيلسوف: أفكِّر في الجسد ودوره في الحصول على ما نريد. لولا جسدك ما نلتِ الجائزة.
الجسد: العاقل يستعمل جلَّ ما يملك وكلَّ ما يستطيع لتحقيق رغباته ومنفعته.
الفيلسوف: العاقل مَن ملك غرائزه لا مَن كان أسير ميوله ومشاعره ورغباته.
الجسد: الرَّغبة نصف الحياة. أمَّا عدم الاكتراث فنصف الموت كما يقول جبران خليل جبران. نحن، النَّاس العاديِّين، لا نزدري الجسد بخلافكم أنتم الفلاسفة، فقسمٌ كبيرٌ منكم لا يهتمُّ باللَّذَّات الجسديَّة والحسِّيَّة، ومثلُكم الأعلى أفلاطون الَّذي اعتبر البدن سجنًا للنَّفس. أمَّا أنا فأشعر وأحبُّ وأرغب وأبذل قصارى جهدي لتحقيق أحلامي.
الفيلسوف: ولنيل ما لا تستحقِّين.
الجسد: ولماذا تفترض أنَّ المتقدِّمين إلى الجائزة أفضل منِّي؟ لديَّ شهاداتي العليا وقد نشرتُ رواياتٍ كثيرة. وكذلك فآراء لجنة التَّحكيم ليست مقدَّسة. وأنا تعبتُ واجتهدتُ كثيرًا في حياتي، لكنَّني لم أكن محظوظةً بما يكفي لأحقِّق كلَّ ما أريد. لذا فمن البديهيّ بالنِّسبة إليّ أن استعمل ما أملك لأنال ما أصبو إليه.
الفيلسوف: تمامًا كما استعملَت تلك المهندسة جسدها لتتبوَّأ مركزًا أكبر من مؤهِّلاتها. وكذلك فعلت صديقتكِ السّكرتيرة الَّتي حصلت على منصبٍ لم تكن لتصل إليه إلَّا في أحلامها. كلُّكنَّ تحملن صفات "ليليث" تلك المرأة المفعمة بالجمال والأنوثة والدَّهاء، الفاتنة الَّتي تستخدم الجنس لإغراء الرِّجال والحصول على مرادها.
الجسد: ماذا عن الرَّجل الَّذي يستغلُّ مركزه ونفوذه لإيقاع المرأة؟ أم أنَّ الرِّجال ملائكةٌ أو هم أطفالٌ بريئون؟
الفيلسوف: الرَّجل أيضًا مخطئ. والخطأ يتجلَّى في تغليب المنفعة الذَّاتيَّة على المنفعة العامَّة.
الجسد: كلانا يبحث عن منفعته الخاصَّة. هو ينشُد اللَّذَّة وأنا أسعى إلى تحقيق رغبتي.
الفيلسوف: والجسد هو الوسيلة... ثلاثيَّة الجسد والرَّغبة والمنفعة. فلنتأمَّل!
الجسد: هذا ليس غريبًا. فالإنسان بطبعه يسعى إلى تحقيق اللَّذَّات والرَّغبات وتجنُّب الألم. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى فلسفة أفلاطون أو أرسطو لتأكيدها.
الفيلسوف: إنَّ اللَّذَّة ليست حقيقيَّة إلَّا إذا اتَّفقت مع الخير العامّ ومنفعة المجتمع. فالسَّعادة تغادر المرء بمجرَّد أن يرتكب الإثم كما يقول روسُّو. والخطأ، كلُّ الخطأ، يتجلَّى في استعمال الجسد وسيلةً لتحقيق المنافع والغايات. إذ يفقد مكانته ويصبح له ثمن. وما له ثمن يمكن أن يُستبدل به شيءٌ آخر مساوٍ له في المنفعة. أمَّا ما له مكانة فقيمتُه ذاتيَّةٌ ولا يمكن استبدالها بغيرها. وها هنا ثلاثيَّةٌ أخرى: الرَّغبة والقيمة والمنفعة.
الجسد: ومَن يحدِّد قيمة الشَّيء؟ الفرد طبعًا لا المجتمع. وما هو معيار تقدير قيمة الشَّيء؟ اللَّذَّة الَّتي يجلبها. فالحكم على شيءٍ أنَّه جيِّدٌ أو سيِّئٌ لا يرجع إلى الشَّيء في ذاته بل إلى حكمنا عليه. فقيمة الأشياء ليست كامنة فيها بحيث تكون خيِّرةً أو مرغوبًا فيها لذاتها، بل إنَّ لها قيمة لأنَّنا نرغب فيها. فنحن لا نرغب في شيءٍ لأنَّه قيِّم، بل إنَّه قيِّم لأنَّنا نرغب فيه كما يقول اسبينوزا. فالقيم ذاتيَّةٌ نسبيَّةٌ تختلف من شخصٍ إلى آخر وتتحدَّد بحسب رغبات الإنسان وميوله.
الفيلسوف: وبحسب منطقك تكون قيمة جسدك أدنى من قيمة الجائزة. وتكون منفعتك الشَّخصيَّة أعلى من مبدأ العدالة ومن أن ينال كلُّ فردٍ في المجتمع حقَّه.
الجسد: أنا مثل كلِّ النَّاس أسعى إلى منفعتي الخاصَّة. هذا بديهيٌّ. غير أنَّني لا أبيح التَّعدِّي على الآخرين والتَّفلُّت من كلِّ الأعراف والقوانين. لكن لا مانع عندي من أن أغلِّب مصلحتي ومنفعتي على مصالح الآخرين ومنافعهم كما فعلت لحصولي على الجائزة. فالفعل يكون صائبًا بمقدار تحقيقه المنفعة الذَّاتيَّة.
الفيلسوف: إنَّ ما يحدِّد صوابيَّة الفعل أو خطأه هو التَّصرُّف وفقًا لقواعد الضَّمير والواجب من دون التَّفكير في المنفعة الَّتي تنتج منه.
الجسد: ومَن يحدِّد ما هو الواجب؟
الفيلسوف: العقل. ومرجعي في ذلك هو قانون الواجب عند الفيلسوف كانط. وهو أجمل ما قرأت في الأخلاق. يحلِّل كانط أسباب امتناع الإنسان عن القيام بخطأ ما. فيقول إنَّ أسبابًا عديدةً تمنع الإنسان من ارتكاب الأخطاء، منها الخوف من العقاب أو من الله، أو مخافة أن يفقد اعتباره أمام النَّاس، أو إشفاقًا منه على الشَّخص الَّذي قد يضرُّه، أو لأنَّه يخشى تأنيب الضَّمير، أو لأنَّ الواجب يفرض عليه ألَّا يضرَّ بالآخرين. ويقول إنَّ مَن يمتنع عن الخطأ لواحدٍ من هذه الأسباب مطيعٌ للقانون، لكنَّ عمله لا يوصف بأنَّه أخلاقيٌّ إلَّا إذا كان سببه احترام الواجب. وهو يضع القواعد الَّتي تحدِّد الفعل الأخلاقيَّ، وتتلخَّص في أنَّ العمل يكون أخلاقيًّا إذا كان يصلح أن يكون قانونًا عامًّا؛ وأنَّ على الإنسان أن يعامل الآخرين كغاية لا كوسيلة. فإذا كانت الأشياء تحدَّد قيمتها في مدى منفعتها، وهي تقيَّم بثمن، فالإنسان ليس بشيءٍ يمكن تقييمه بثمن. لذا يجب ألَّا يُستغلَّ لمصالح خاصَّة.
الجسد: هذه صورةٌ مثاليَّةٌ مجرَّدةٌ بعيدةٌ من الواقع. إنَّ معيار الخطأ والصَّواب هو مدى تحقيق الفعل المنفعة الذَّاتيَّة. لذلك لا بدَّ من التَّحرُّر من كلِّ القواعد الأخلاقيَّة الَّتي تعيق تحقيق المنفعة، وأوَّلها الأخلاق المثاليَّة الَّتي تلغي المصلحة الفرديَّة. فكلُّ القواعد الَّتي ذكرتَها ما هي إلَّا قواعد ظاهرها مزيَّن بالذَّهب، وهي في الواقع حقيقةٌ جوفاء تعكس فكرًا متغطرسًا متكبِّرًا يتعالى على الواقع. وهي تتعارض مع ميول الإنسان ورغباته وانشغاله الدَّائم في تحقيق منافعه الذَّاتيَّة ومصالحه الشَّخصيَّة.
الفيلسوف: هذا تبرير مَن تغلب عليه الأهواء والميول. أمَّا مَن يتصرَّف وفقًا لما يقتضيه الواجب فالعقل يسيطر على كلِّ ميوله.
الجسد: وهل تظنُّ أنَّ النَّاس يردعهم الواجب عن أيِّ خطأ؟ أليس الخوف من عيون الآخرين ومن همسات المجتمع هو الَّذي يقوم مقام الواجب والفضيلة؟
الفيلسوف: سيدينك المجتمع وستندمين. أنتِ امرأة. والمرأة في نظر فئاتٍ كثيرةٍ في المجتمع كائنٌ جميلٌ وجسدها يجب أن يُصان.
الجسد: تغيَّرت نظرة المجتمع إلى المرأة والجسد. إذ أصبح استعمال المرأة جسدها أمرًا عاديًّا ومقبولًا عند كثيرين. في الماضي كانت الحاجة المادِّيَّة هي الدَّافع. اليوم صار الدَّافع هو الحصول على المركز والسُّلطة.
الفيلسوف: صحيح. حتَّى النِّساء اللَّواتي لا يتمتَّعن بجمالٍ فائقٍ مثلك يستفدن من أنوثتهنَّ في مختلف المجالات.
الجسد: المرأة تدرك جيِّدًا أنَّ شهوة الرَّجل هي نقطة ضعفه، وهي المحرِّك الأساسيّ في تعامله مع المرأة. وتعرف أيضًا أنَّ أنوثتها لها دورٌ كبيرٌ في ذلك. والرَّجل قد يُفتن بها وإن كانت متوسِّطة الجمال. فالجمال يُشرق أكثر في قلب المشتاق إليه ممَّا في عينَي الَّذي يراه على حدِّ تعبير جبران خليل جبران.
الفيلسوف: جبران الَّذي تفرحين بذكر أقواله لم يكن يبيح أو يبرِّر أن تستغلَّ المرأةُ جسدها. فهو على العكس من ذلك ينتقد ظلم المرأة واستغلالها. ألم تقرئي وردة الهاني ومرتا البانية؟
الجسد: أختار من نصوصه ما يلائمني.
الفيلسوف: ماذا ستفعلين عندما يتقدَّم بك العمر وتفقدين شبابك وجمالك؟
الجسد: الشَّباب والجمال قوَّتان أعرف جيِّدًا كيف أستفيد منهما. أدرك أنَّني سأفقدهما يومًا. لكن عندما أكبر وأشيخ سأبقى قويَّةً لأنَّني في شبابي أجمع المال وأسعى إلى الوصول إلى أعلى المراكز. والمال والمركز سلطةٌ أيضًا.
الفيلسوف: لعلَّ أكثر ما يزعجني في تصرُّفات المرأة الَّتي تستغلُّ جسدها أنَّها تعيش حياةً مزدوجة. فكثيراتٌ متزوِّجاتٌ وعلاقتهنَّ بأزواجهنَّ جيِّدة، لكنَّ ذلك لا يمنعهنَّ من استعمال أجسادهنَّ لتحقيق أهدافهنَّ مثل الترقِّي في الوظيفة.
الجسد: الرَّجل الملاك لا شأن له ولا ذنب! أليس كذلك؟ ماذا عن الرَّجل المدير الَّذي يستغلُّ المرأة؟
الفيلسوف: يمكنها أن تثور وترفض.
الجسد: نعم. لكنَّها قد تخسر وظيفتها أو تتهمَّش. وإن قبلت وأباحت فكلاهما مستفيد.
الفيلسوف: يمكنها أن تصل بكفاءتها.
الجسد: كثيراتٌ يملكن الكفاءة. النِّساء يتنافسن والأدهى تصل.
الفيلسوف: والجسد هو الوسيلة.
الجسد: هذا الجسد يواجه المجتمع والدِّين والفلاسفة.
الفيلسوف: مهما قلتِ وبرَّرتِ سيبقى الواجب هو الواجب، والحقُّ هو الحقُّ. وسيبقى للجسد مكانةٌ يجب أن تصان وتحفظ.
الجسد: لماذا أسميتَني جسدًا؟ لأنَّك رأيتَني بعينَي الرَّجل وشهوته وبعقل المجتمع وعُقَده.
الفيلسوف: بل بعقل الفيلسوف. أحلم بمجتمعٍ كريمٍ وبمدينةٍ فاضلة.
الجسد: وسيستمرُّ حلمك ما حييت. شتَّان ما بيني وبينك. أنا صوت الواقع وأنت صوت الخيال. أنا الحقيقة وأنت الوهم. أنا الرَّغبة الَّتي تسير على قدمَين وأنت المثال المنعزل في قصرٍ مبنيٍّ من رمال... ذكَّرتني بالحوار بين الفيلسوف وكنَّاس الشَّوارع في كتاب رمل وزبد لجبران. الفيلسوف أشفق على عمل الكنَّاس لأنَّه مضنٍ، وتبجَّح بأنَّه يدرس أخلاق النَّاس وطبائعهم. فضحك الكنَّاس وتابع عمله متمتمًا: يا مسكين، يا مسكين.
الفيلسوف: لا أستغرب رأيك. سيظلُّ الفيلسوف غريبًا عن مجتمعه مثله مثل الفيلسوف الَّذي خرج من كهف أفلاطون.
الجسد: اشقَ أيُّها الفيلسوف بفلسفتك ودعني أنعم بآرائي.
الفيلسوف: نفترق الآن. وليكمل كلانا تسلُّق الجبل منفردًا. أظنُّ أنَّنا لن نلتقي مجدَّدًا. أنا الفيلسوف وأنتِ الجسد.
الجسد: الحقَّ أقول لك: أنا السُّلطة وأنتَ الجسد.
الدّكتورة نادين عبّاس: مديرة "مركز لويس بوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشّرقيّة التّابع لكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف – بيروت.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق