article_cover_image

المطلوب دليل إرشاديّ أخلاقيّ يضع الذّكاء الاصطناعيّ في خدمة البشريّة لا مدمّرًا لها.

author_article_image

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ

"المشرق"، العلوم والذّكاء الاصطناعيّ

يحمل هذا العدد من المشرق في جملة ما يحمل ملفًا خاصًّا عن الذّكاء الاصطناعيّ، وهو مصطلحٌ حديث يشمل التّطبيقات الّتي تؤدّي مهامّ معقّدة كانت تتطلّب في الماضي تدخّلًا بشريًّا مكثّفًا للقيام بمهمّات شتّى، في حين أنّ هذا الذّكاء الّذي يُسمّى اصطناعيًّا يحقّق تلك المهامّ بسرعة قياسيّة ومنظّمة. وإذا كان هذا العلم قد ظهرت تباشيره منذ منتصف الخمسينيّات من القرن العشرين فإنّه حقّق طوال السّنوات الأخيرة، وبالتّحديد منذ العام 2018 بحسب ما يقول الباحثون، قفزاتٍ كبيرة في تطوّره.

وتُعدّ تقنيّة "التّعلّم العميق" أبرز مظاهره، بحيث تمّ تطوير شبكات عصبيّة صناعيّة تحاكي في طريقة عملها أسلوبَ عمل الدّماغ البشريّ، أي أنّ تلك الشّبكات قادرة على التّجريب والمراجعة والمداورة والتّعلّم وتطوير نفسها وإمكانيّاتها من دون تدخّل خارجيّ أكان آلة أم إنسانًا، وذلك ما يسمّى بـ "التّعلّم العميق". وهذا التّطوّر التّقنيّ العظيم أثبت قدرته على التّعرّف على الصّور وفهم الكلام والتّرجمة من لغة إلى أخرى.

أمام صعود هذه التّقنيّة الحديثة الّتي تحاكي العقل البشريّ، والّتي تستوعب بيئتها، وتتّخذ إجراءات ناجحة بنفسها، يتخوّف بعضهم من واقع افتراض سيطرة الآلات على مجريات الأحداث في العالم، وأنّ الإنسان أمام قدرات الذّكاء الاصطناعيّ في البرمجة الذّاتيّة، سيصاب بالكسل النّفسيّ وسيخلد إلى الرّاحة وعدم الحركة العقليّة أمام اندفاع التّطبيقات المتعدّدة. وقد حذّر الفيزيائيّ البريطانيّ الشّهير ستيفن هوكينغ من مخاطر الذّكاء الاصطناعيّ وقدرة الآلات على إعادة تصميم نفسها بحيث تصبح خطرًا على البشر، في حين أنّ آخرين يقولون إنّ هذا العلم هو في بداياته ومسيّرٌ من جانب الإنسان الّذي ينبغي أن يستفيد منه بدل أن يحذر من قدراته الذّاتيّة حذرًا مفرطًا.

الصّحيح أنّ الدّراسات المرافقة لصعود الذّكاء الاصطناعيّ تكشف أنّ هذه التّقنيّة تؤدّي بصورة متزايدة دورًا متناميًا في تعزيز التّعليم بحيث يستطيع المعلّم أن يوفّر اختبارات تعليميّة لمصلحة طلّابه من خلال مقارعتهم معطياتِ الذّكاء الاصطناعيّ وتطوير مهاراتهم وذكائهم البشريّ، وبالتّالي التّغلّب على صعوبات التّعلّم وتحقيق إمكانيّاتهم بصورة متكاملة. وهناك تطبيقات متعدّدة تساعد المعلّم والمتعلّم الإفادة بالتّعليم من الذّكاء الاصطناعيّ.

والصّحيح أيضًا أنّ تطوّر التّقنيّات نحو الاستقلاليّة والبرمجة الذّاتيّة تتطلّب من الحكومات والمؤسّسات الصّناعيّة الإكباب على تحرير دليل إرشاديّ أخلاقيّ يضع الذّكاء الاصطناعيّ في متناول الجميع في المجتمع، ويكون في خدمة البشريّة على الدّوام لا مدمرًا لها، وكذلك يكون آمنًا ومن أجل السّلام، وأن تكون أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ قابلة للمساءلة لا عصيّة عليها.

لقد عملت المشرق دومًا على ترقية العلوم منذ بداياتها، وخير شاهد على ذلك ملفّ الذّكاء الاصطناعيّ في هذا العدد، والمقالات الّتي تترك الأثر في عالم التّربية، وأيضًا المقالة العلميّة الصّادرة في العام 1902 والّتي يُعاد نشرها في هذا العدد عن "الأجسام المشعّة وعنصر الرّاديوم".




الأب سليم دكّاش اليسوعيّ: رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب-الفلسفة من جامعة بانتيون-السّوربون 1 (1988). يدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.

[email protected]

تعليقات 0 تعليق