كنيسة الشرق العربيّ
صدر هذا الكتاب أوَّلًا بالفرنسيَّة بعنوان: .L’Église des Arabes, Édition du Cerf, 1977
يبدأ الكتاب بمقدِّمتَين: واحدة قصيرة للمترجِم، وأخرى طويلة للأب كابي ألفرد هاشم، وهي مقدِّمته للطبعة الفرنسيَّة الثانية 2007. في هذه المقدِّمة يتحدَّث الأب هاشم عن مسيرة المؤلِّف الفكريَّة والتعليميَّة، وتوجُّهاته المسكونيَّة، ومساعيه للانتقال من "الديانة الاجتماعيَّة" إلى "جماعة الإيمان"، والانعتاق من الإيمان القائم على الطقوس للانتقال إلى معنى الليترجيا الحقيقيّ (ص. 15).
هذه الترجمة ليست الأولى. فقد سبقتها ترجمةٌ لغبطة البطريرك إغناطيوس هزيم، بطريركِ الكرسيّ الأنطاكيّ للروم الأرثوذكس، طُبِعَت مرَّتين (1979 و1996). لكنَّ الطبعة الفرنسيَّة الثانية تضمَّنت عشرات الحواشي التي لم تكن موجودة في الطبعة الأولى، ومن هنا تأتي أهمِّيَّتها.
إنَّ أوَّل ما يلفت الانتباه هو العنوان. في الطبعة الفرنسيَّة هو "كنيسة العرب"، لكنَّ غبطة البطريرك إغناطيوس هزيم، مترجِمَ الطبعة الأولى، لم يرضَ عن هذا العنوان، وفضَّل "كنيسة المشرق العربيّ"، وبالتالي لم يطمس غبطتُه السؤال الجوهريَّ المعقَّد عن ازدواجيَّة الهويَّة لدى جميع مسيحيِّي البلدان العربيَّة، وتركَه مفتوحًا وقابلًا لنقاشٍ لا نهاية له، إذْ يفتقر النقاش إلى اتِّفاقٍ على تحديد ماهيَّة الهويَّة والانتماء.
يلي هاتَين المقدِّمتَين تمهيد ومقدِّمة للكاتب، ثمَّ قسم أوَّل يحوي فصلَين: فصل أوَّل بعنوان: "صياغات التاريخ" مقسَّم إلى أجزاء خمسة، يبدأ بطرح مشكلة العنوان، وقد لفتْنا الانتباهَ إليها، فيعرض باختصارٍ كلَّ الإشكاليَّات الداخليَّة (أربع عشرة طائفة مسيحيَّة تُقيم في المناطق الناطقة بالعربيَّة) والخارجيَّة (ارتباط اللغة العربيَّة بالإسلام) التي تخصُّ الهويَّة العربيَّة لكنائس الشرق. ثمَّ ينتقل الكاتب إلى تاريخ كنائسِ الشرق، فيعرضه بإيجازٍ شديد، ليصل إلى ما يمكننا تسميتُه: توصيف الكنائس الشرقيَّة العربيَّة. هذه الكنائس محلِّيَّة في غالبيَّتها لكنَّها مفكَّكة وغير راسخة، تعيش في مختلف العواصف التي تصيب البلدان العربيَّة وهي ميَّالة إلى الهجرة.
في الجزأين الثاني والثالث من هذا الفصل يتناول الكاتب مسألة العروبة وارتباط المسيحيَّة بها في العصور القديمة، فيعرض تاريخ مسيحيَّة القرون الأولى في البوادي سواء في الجزيرة العربيَّة (نجران) أو في بلاد الشام (تدمر)، وتأثير الهلِّينيّة والسريانيَّة القويّ في ما يُسمَّى بالأدب المسيحيّ، هذا الأدب الذي لم يزدهر عربيًّا إلَّا حين أصبحت اللغة العربيَّة لغة الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة سواء في العصر الأمويّ أو العبَّاسيّ. ومع العثمانيِّين، عاشت الآداب العربيَّة عمومًا والمسيحيَّة العربيَّة خصوصًا سُباتًا شتويًّا، وقد كان المسيحيُّون أوَّل مَن صَحوا من هذا السُّبات ليحقِّقوا ما درجت كتبُ التاريخ على تسميته: النهضة العربيَّة. في هذا المجال، لا ندري لماذا يتفادى الكاتب ذِكرَ دورِ الغرب (البعثات البروتستانتيَّة والإرساليَّات الكاثوليكيَّة) في بعث هذه النهضة، بل يكتفي بذكر مَن ركبوا مراكبها وقادوا دفَّاتها من أبناء الكنائس الشرقيَّة (انظر ص. 94-96).
الجزء الرابع من الفصل الأوَّل لافت للنظر. فهو يتكلَّم على الكنائس في البلدان العربيَّة، ويصفها بأنَّها جماعات مهمَّشة. واستعمال صيغة المبنيّ للمجهول يبيِّن المعنى المزدوج: تمَّ تهميشها، وهَمَّشت نفسها، سواء في عصر الخلفاء أو في أيَّام السلطنة العثمانيَّة، أو في العصر الحديث. لكنَّه يقرأ هذا التهميش من منظورٍ روحيٍّ مدهش. وهذا مقتطف منه:
"أنتم في العالم، لكنَّكم لستم من العالم" (يوحنَّا 17: 14-18). "في العالم"، وفي هذا العالم العربيّ، "كنيسة الشرق العربيّ هي فيه، بحكم الأرض والناس والثقافة؛ لكنَّها ليست "من هذا العالم"، لأنَّها لم تكن يومًا "من" هذا العالم. وضعُها الكنسيّ مصلوبٌ للعالم، هذا العالم الذي تجسَّدت فيه بكلِّ جوارحها الحيَّة، ولكن الذي يُنكِرُ عليها الحقَّ في أن تصبح إحدى "قواه"... لقد دُعيَت بحقّ، دنيا الطقس السريانيّ، "دنيا مطهريَّة". ولكنَّ كنيستنا، سواء كان طقسها الأساسيّ سريانيًّا، أرمنيًّا أم بيزنطيًّا، قد عاشت وتعيش، أكثر من أيِّ كنيسةٍ أخرى، ولنقُلْها بجرأة، السرّ الفصحيّ بوصفه "هبوطًا إلى الجحيم". فالصليب والقيامة، في هذا السرّ، لا ينفصلان" (ص. 102-103).
بعد هذه النبرة الروحيَّة، يعود الكاتب إلى الواقع، فيرى أنَّ الكنائس في البلدان العربيَّة تتبنَّى مواقف دفاعيَّة، أي تحاول أن تبرِّر ذاتها أمام الآخر، وطائفيَّة، وتعاني من داءِ إغراء "الأجنبيّ". الصورة ليست مبهِجة. كنائسُ الشرق منقسمة، مفكَّكة، تعيش التفاهات، ولم تعد تُشعُّ رسالةً. وبعد هذه الصورة، يفتح الكاتب أبواب الأمل حين يعرض كلَّ مساعي الوحدة التي تجري في القرن العشرين.
القسم الثاني "الكنيسة والسرّ" يحوي ثلاثة فصول. يبدأ الفصل الأوَّل بنوعٍ من الأنتروبولوجيا الاجتماعيَّة، فيحدِّد الكاتب سمات الإنسان العربيّ. وبعدها ينتقل إلى الكلام على الكنائس الشرقيَّة واضعًا إيَّاها في بوتقة واحدة، فيصفها انطلاقًا من حدثَين: معموديَّة يسوع وتجلِّيه. يبدو لنا من قراءة هذا الفصل أنَّ نظرته الكنسيَّة تريد أن تُبرِز فرادة الكنائس الشرقيَّة مجتمعةً، لكنَّها تشقُّ طريقها بصعوبة في عصرٍ تضاءل فيه الفارق كثيرًا بين الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة التي جدَّدت ذاتها على جميع الصعد بعد المجمع الفاتيكانيّ الثاني، والكنيسة الشرقيَّة التي لم تستطع أن تُنمِّي بوضوح فرادَتها وتمايزَها لأسبابٍ عدَّة، وتستقي جديدَها من الفكر الغربيّ. ومع ذلك، التزم الكاتب بالاعتدال والموضوعيَّة في طرحه، ولم يبالغ في المديح، بل بدا وكأنَّه يحدِّد نقاطًا مبعثرة، ويرجو من الشرقيِّين أن يجمعوا بعضها ويبنوا عليها هيكليَّاتٍ تواكب العصر من جهة، وتظلُّ أمينةً، من جهةٍ أخرى، لهويَّةٍ يشوبها غموضٌ متزايد عقدًا بعد عقد.
بالأسلوب نفسه، أسلوب المسيرة المتفرِّعة مثل الشجرة التي تربط الفروع دائمًا بجذعٍ يظهر تارةً ويغيب عن الأنظار في تارةٍ أخرى، أو أسلوب الزارع الذي يرمي البذار المتنوِّعة في الحقل آملًا أن تثمر، يفتح الكاتب باب الرجاء في القسم الثاني (183- 313) الذي يحمل عنوان: "انهضي... وانظري". نقاطٌ كثيرة معروضة بإيجاز: ما أهمِّيَّة الكنيسة في عالمٍ عربيّ؟ الخيار الوطنيّ، مرض الهجرة، النرجسيَّة الجماعيَّة، التحدِّيات التي تواجهها الكنيسة... ليُنهي الكتاب بدعوةٍ إلى الحوار المسكونيّ، والحوار الدينيّ.
الكتاب سهلُ القراءة، وقد ابتعد كاتبه عن الإطالة، فجاءت مواضيعه موجزة، متنوِّعة، وصريحة، وواقعيَّة. إنَّه كتاب مرجعيّ لمَن يريد أن يعرف: ما هي رسالة الكنيسة في العالم العربيّ؟
الأب جان كوربون
كنيسة الشرق العربيّ
تعريب الأب الياس زحلاوي
الأب سامي حلّاق اليسوعيّ: راهب يسوعيّ، وأستاذ في جامعة القدِّيس يوسف - بيروت. له مؤلَّفات وترجمات عدَّة منشورة، بالإضافة إلى مقالاتٍ بحثيَّة في مجلَّة المشرق.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق