article_cover_image

إذا كانت مقاومة الظلم بالعنف تحبسنا في دوَّامة صراع لا ينتهي أفلا نبحث عن طريقة بديلة؟

author_article_image

الأستاذ أديب الخوري

المقاومة والمقاومة البديلة


تُستخدم كلمة "بديل / بديلة (Alternatif /ve) بمعنى البديل الحسن أو الأفضل. فهناك طاقةٌ بديلة، وزراعةٌ بديلة، وتربيةٌ بديلة، وطبٌّ بديل، وسياحةٌ بديلة، إلخ.. القائمة طويلة والمعنى واضح؛ إذا كان الوقود الأحفوريّ يسبِّب ضررًا للحياة على الأرض، فليس المطلوب أن نستغني عن كلِّ وقود بل أن نجد وقودًا بديلًا أقلَّ ضررًا؛ وإذا كانت المدارس التَّقليديَّة تقدِّم تعليمًا يحاول حشو المعلومات الكثيرة نفسها وكلِّها في أدمغة كلِّ التَّلاميذ، من دون النَّظر إلى ملَكاتهم ومواهبهم المختلفة، فليس الحلُّ في أن نُغلِق المدارس بل في أن نجد تعليمًا بديلًا يلائم، في مناهجه وبرامجه وطرائقه، مختلفَ الأطفال، وهكذا في كلِّ المجالات.

هل يمكن القول، على سبيل القياس: إذا كانت مقاومة الظُّلم بالعنف تحبسنا في دوَّامة صراعٍ لا ينتهي، فليس الخيار أن نكفَّ عن مقاومة الظُّلم بل أن نبحث عن طريقة بديلة؟

كم نحتاج من إمعان النَّظر لنرى، على أرض الواقع، وعبر التَّاريخ، أنَّ مَن حاولوا الدِّفاع عن الحقِّ باستخدام العنف، غالبًا ما خسروا إنسانيَّتهم بقدر ما تطلَّب العنف منهم تجريد الآخر من إنسانيَّته؟ فإذا انتصر المظلوم باستخدام القوَّة صار هو الظَّالم، وإذا خسر الجولة بقي مظلومًا، وفي الحالتين لا يتراجع الظُّلم بل ينتقل من موقعٍ إلى آخر.

ألعلَّ البديل معروفٌ منذ ألفي عام على الأقلّ: "لا تقاوموا الشَّرير." (متَّى 5: 39) و"لا تبادلوا أحدًا شرًّا بِشرّ" (رومة 12: 17)؟


تأثير الفراشة Butterfly effect

             تهاونٌ في طَرق المسمار، فضعفٌ في ثبات الحدوة، فكبوةُ حصان، ففقدانُ فارس، فخسارةُ معركة، فضياعُ مملكة.

                                                                                                                                                          بنيامين فرانكلين

 

تلقَّى حزب الله ضرباتٍ موجعةً جدًّا، ومهَّد إضعافُه الشَّديد الطَّريقَ إلى سقوط النِّظام الأسديِّ في دمشق، وهو نظامٌ شكَّل حلقةً وسطى مهمَّة بين طهران وجنوب لبنان وقطاع غزَّة. وبسقوط هذا النِّظام انهار الحلف الَّذي سمَّى نفسه "محور المقاومة".

أبعد من الجانب السِّياسيّ والعسكريّ، ولَّد هذا الانهيار فراغًا كبيرًا على الصَّعيدَين النَّفسيّ والعاطفيّ لدى شرائح كبيرة جدًّا من النَّاس على امتداد بلدانٍ عديدة في المنطقة؛ ما أوقع أفرادًا كثيرين في إحباطٍ يقارب اليأس، خصوصًا أنَّ الارتباط بين "الحكم الانتقاليِّ" في سوريا وأطرافٍ من الحلف الغربيِّ المقابل (الجار الشَّماليّ وبعض دول الخليج مثلًا) جليٌّ إلى حدِّ أن يعتبره كثيرون تبعيَّة. بعبارة أخرى، يبدو ما حصل، في عيونِ كثيرين، غلبةً لبعض القوى المتحالفة على قوًى أخرى، أكثر منه انتصارًا لثورة شعب.

إنَّ ما جرى مِن تضخيمٍ لقدرة المحور السَّالف على الوقوف في وجه الظُّلم والعدوان - بحسب ما قدَّم نفسه، وكما آمن به، بقدرٍ أو بآخر، وتعلَّق به عاطفيًّا ونفسيًّا، بدرجة أو بأخرى، عدد كبير من النَّاس، الفقراء والبسطاء خصوصًا - ثمَّ مِن فِقءٍ، في أثناء مدَّةٍ لا تتعدَّى بضعة أشهر، لتلك الفقاعة الكبرى، ظهر على شكل عمليَّات اغتيال كبرى متتالية، وتفجيرات أجهزة النِّداء، وصولًا إلى هروب بشَّار الأسد أمام مجموعاتٍ مسلَّحة مصنَّفة إرهابيَّة، وأُتبِع بعمليَّة عنيفةٍ ضخمة، استغرقت عدَّة أيَّام نفَّذ خلالها الطَّيران الإسرائيليّ مئات الغارات الجوِّيَّة مُجهزًا، عبر تدميرٍ ممنهج من غير أيِّ ردع، على مخزونات الأسلحة والصَّواريخ وعلى البنية التَّحتيَّة للصِّناعة العسكريَّة في سوريا؛ ترك (أعني ما جرى من تضخيمٍ ثمَّ فقءٍ) شعورًا يمكن وصفه بالـ "يُتم" في قلوبِ فئة لا يُستهان بعددها من النَّاس في بلدان المنطقة خصوصًا، بل في أماكن أخرى من العالم أيضًا. بل إنَّ مثل هذه المشاعر ليست بعيدةً حتَّى عن قلوب كثيرين ممَّن ناصبوا هذا المحور العداء على خلفيَّاتٍ عقائديَّة؛ إذ كانوا، في لاوعيهم، يجدون فيه (كما في صدَّام حسين في وقت من الأوقات)، الوجهَ المدافع عن "الحقِّ" أو عن العروبة، أو عن المقدَّسات الإسلاميَّة (المسجد الأقصى)، أو عن الضُّعفاء المتروكين أمام الهيمنة الغربيَّة... وإذا كان النِّظامان البعثيَّان، في العراق وفي سوريا، ومن بعدهما "محور المقاومة"، وريث "جبهة الصُّمود والتَّصدِّي" قد عبثوا كلُّهم بمشاعر الجماهير، واستغلُّوا حاجة المغلوبين على أمرهم لتمرير منافع خاصَّة، عاثين فسادًا نخَر عمقَ المؤسَّسات، أو منفِّذين "أجندات"، أو ناشرين "إيديولوجيات".. فمِمَّا لا شكّ فيه من النَّاحية الأخرى أنَّ هناك مشاعر غبن وظلم واستضعافٍ وانكسار وجَرح تجاه الجبروت الغربيّ الرَّأسماليّ المادِّيِّ العنيف صحيحةٌ ومُحِقَّة، وهناك جروحٌ وآلامٌ جمعيَّة واسعة وعميقة، جسديَّة ومادِّيَّة ونفسيَّة، تعود أصولُها في الزَّمان إلى مؤامرة سايكس بيكو (1916) على الأقلّ، وإلى "وعد" بلفور (1917) وما تمخَّض عنهما من مصائب ليس أقلُّها نكبة العام 1948. وهذه الجروح الجمعيَّة لا تزال مستمرَّة النَّزفِ إلى اليوم، ومرشَّحةً لتفاقم مريع، برعاية صريحةٍ من أجدِّ رئيسٍ لأكبر دولة في العالم، بحسب مطالباته الوَقِحة بتهجير سكَّان القطاع وتطلُّعاته إلى "استثمارات عقاريَّة سياحيَّة" فيه. وإنَّها لَتصريحاتٌ ينبغي أخذها على محمل الجدِّ والتَّعاطي معها بكلِّ مسؤوليَّةٍ إنسانيَّة (كما تحدَّث مؤخَّرًا دومينيك دو فيلبان Dominique de Villepin وزير الخارجيَّة الفرنسيِّ الأسبق[1])، وإلَّا فقد نرى في غزَّة أو حتَّى في مناطق حكم السُّلطة الفلسطينيَّة، بعد عشر سنوات مثلًا، فيما لو تُرِك ترامب ومن معه لنزواتهم، إعلاناتٍ تجتاح الميديا لـ "مشرب (Bar) القدِّيس فلان" أو لـ "ملهى الأرض المقدَّسة"، حيث سيعمل مَن يبقى من أهل القطاع والضِّفَّة سقاةً أو سائقين، وسنشهد في الوقت نفسه، حيثما يحلُّ النُّزوح ورفيقه الفقر ضيفَين جديدَين في أراضٍ أخرى، ولادةَ محورِ حقدٍ جديد، وبدايةَ دورةِ عنفٍ أخرى.

إنَّ الفرصة لمفتوحةٌ اليوم على كلِّ حال - في وجه "اقتصاد" خالٍ من الإنسانيّة، مدعومٍ بقوَّة مسلَّحةٍ بتكنولوجيا غير مسبوقة، ومستظلَّة بعقائديَّة تبني نفسها على أسسٍ كتابيَّة منحرفة- أمام إعادة إنتاج نوع مشابه من المقاومة العنيفة الَّتي تطيل سلسلة العنف المزمن في المنطقة، والَّتي لا يصعب أن تجد لنفسها الإيديولوجيا المتطرِّفة المقابلة، شيوعيَّةً كانت أو طائفيَّة أو قوميَّة، أو غيرها ممَّا يُمكن ابتداعه. فالدَّاعمون الخارجيُّون لمثل هذه الاتِّجاهات ما زالوا موجودين، والمستثمرون في عنف جديد غايتُه حصَّةٌ أكبر من القسمة، سيجدون من جديد، عبر مشاعر الظُّلم في قلوب البسطاء، سبيلًا لإعادة بناء منظومةٍ تخدم تطلُّعاتهم تحت مسمَّياتٍ برَّاقة جديدة أو قديمة؛ ذلك أنَّ معارك القوى العظمى لن تُحسَم وتنتهي طالما وجدَت وقودًا لها من شعوب مقهورة ومغلوبة على أمرها مع وفرةٍ في شبيبةٍ فاتها قطار التَّعليم، وأضحت معطَّلة عن العمل.

في المقابل، تلوح فرصةٌ اليوم، ويا لها من فرصة عظيمة، للدَّفع باتِّجاه وعيٍ جديد لإمكانيَّة مقاومة سلميَّة لاعنفيَّة تكون بديلًا من "المقاومة" الَّتي ما يزال سواد النَّاس يعتقدون أنَّها الوحيدة من نوعها، أو أنَّها الطَّريق الصَّحيح أو الأقصر.

لماذا لا نجرِّب، في مواجهة هيمنة طرف واحد يريد، بقوّة السِّلاح، وعلى أساس الانتصار العسكريِّ، فرض "سلام" مفصَّل على قياسه ولا يحقِّق غير مصالحه، وهو "سلام" غير قابل للاستمرار لأنَّه مبنيٌّ على ظلم ملايين بني البشر؛ أن نرى في المقاومة السِّلميَّة اللاعنفيَّة بديلًا أكثر نجاعةً وجدوى بعد أكثر من مئة عامٍ من فشلٍ يليه فشل؟ خصوصًا أنَّ إمكانيَّات دعم خارجيّ لمثل هذا الخيار موجودةٌ بطريقة أو بأخرى، يكفي أن نتذكَّر الاعتصامات الطُّلّابيَّة في الجامعات الأمريكيَّة وغير الأمريكيَّة مثلًا، أو يكفي أن نشير إلى المقالة المهمَّة الجديدة الَّتي كتبها معًا، قبل أيَّام قليلة من كتابة هذه السّطور، رؤوساء ثلاث دول[2]، مستنهضين دول العالم من أجل وضع حدٍّ لانهيار القانون الدَّوليِّ وسيادة شريعة الغاب.


مقاربات لاعُنفيَّة محلِّيَّة

علينا ألَّا نفقد الرّجاء في البشريَّة. البشريَّة محيط، والمحيط لا يتلوَّث حتَّى لو أصاب التَّلوُّث بضع قطرات.

                                                                                                                                        المهاتما غاندي


في فلسطين، وقبلَ ان يُبعَد منفيًّا من قبل سلطات الاحتلال، "أسَّس مبارك عوض مركزَ الدِّراسات الفلسطينيّ للَّاعنف في القدس في العام 1985، بهدف أن يستخلص من الأدب العربيِّ ومن النصوص الإسلامية كلَّ ما يمتُّ بصلة إلى المصالحة والسَّلام والعدالة واللاعنف، وذلك لكي يفهم الفلسطينيُّون أفكاره انطلاقًا من إرثهم الثَّقافيِّ الخاصّ"[3]. أمَّا الحركة اللاعنفيَّة في الضِّفَّة الغربيَّة فلا تزال ترسم بصمتها إلى اليوم في مناطق عديدة هناك، بمشاركة متضامنين أجانب في كثيرٍ من الأحيان، وبمشاركة ناشطين إسرائيليِّين أيضًا كما حدث مرَّات عديدة، حتَّى إنَّ بلداتٍ قاومت جدار الفصل العنصريّ، مثل نعلين وبعلين الفلسطينيَّتَين، نالت شهرةً في أوساط الجهاد اللَّاعنفيّ في العالم. وعلى الرُّغم من التَّعتيم الإعلاميِّ والقمع "الأمنيِّ" الشَّديدَين من جانب الاحتلال، يمكن كتابةُ صفحاتٍ وصفحات عن تاريخ الجهاد اللَّاعنفيّ والسِّلميِّ وواقعه والَّذي خاضه فلسطينيُّون وإسرائيليُّون معًا في الأراضي المقدَّسة منذ منتصف القرن الماضي وإلى اليوم، وما قدَّمتُه هنا مجرَّد عنوان.

في سوريا، نادى الشَّيخ جودت سعيد (المتوفَّى في تركيا في العام 2022) منذ وقتٍ طويلٍ بلاعنفٍ يقوم على مرجعيَّةٍ قرآنيَّة راسخة كما رأى الأمر. فانطلق من قصَّة قابيل (قايِن) وهابيل ومقولة الأخ لأخيه: ﴿لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين﴾ (المائدة 28) ليرى أنَّ هذه المقولة تليق بكلِّ إنسان تجاه كلِّ إنسان لأنَّنا كلَّنا أبناء آدم في نهاية الأمر، وليصلَ في طرحه إلى أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة قد أضاعت الحكم الرَّاشد منذ أن فرض معاوية نفسه خليفةً بالقوَّة، وفرَض بالسَّيف توريث الحكم؛ وأنَّ هذا الضَّياع مستمرٌّ إلى اليوم، وأنَّ الحلَّ بالنَّتيجة هو نبذ العنف أداةً للاستيلاء على السُّلطة، والاستعاضة عنه بالدِّيموقراطيَّة، الَّتي يسمِّيها باسمها صراحةً ولا يخلط بينها والشُّورى. وكما محلِّيًّا، كذلك عالميًّا، نادى الشَّيخ جودت بسلامٍ عالميّ يُبنى على العدالة والقسط، لا على القوَّة والسَّيطرة، ولطالما ردَّد القول إنَّ الشَّرك الأكبر لهذا العصر هو "حقُّ" الفيتو في مجلس الأمن!

دفع الشَّيخ جودت ثمنَ دعوته إلى نبذ العنف وإلى الدِّيموقراطيَّة سَجنًا وتعذيبًا ومنعًا لكتبه وتعليمه من جانب نظام الأسد، وتهميشًا وعدم تفهُّمٍ حتَّى في الأوساط الإسلاميَّة، قبل أن يفرض هذا الفكر نفسَه علامةً فارقة في المجتمع السُّوريِّ الإسلاميِّ المعتدل، ويصير للشَّيخ جودت مريدون وتلاميذ كثيرون.

يعرف المطَّلِعون والمتابعون أنَّ جانبًا من المظاهرات السِّلميَّة الّتي أشعلت الثَّورة السُّوريَّة في بداياتها، يمكن إرجاعُه إلى فكر جودت سعيد، وأنَّ كثيرًا من المظاهر المضيئة لهذه الثَّورة، كتقديم الماء والورود لعناصر الجيش في داريَّا، على سبيل المثال لا الحصر، قام بها أبطالٌ تأثَّروا، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، بهذا الفكر، فمنهم من دفع حياته ثمنًا، ومنهم مَن اضطُرَّ إلى النُّزوح أو الهجرة، ومنهم مَن لا يزال مصيره برسم السُّؤال والمطالبة والبحث، ومنهم من لا يزال يجاهد إلى اليوم لكي لا تضيع قيم هذه الثَّورة على أيدي أصحاب شعارات عنفيَّة ترى أنَّ السِّلاح وحده مَن أزاح الأسد وأنَّ مَن "يحرِّر" يقرِّر!

الأكيد، مرَّةً أخرى، أنّ الشّيخ جودت سعيد لم يكن الوحيد، وليست غاية هذه المقالة تعداد الأمثلة وتفصيل المشهد.

في لبنان، الَّذي كتب عنه جبران خليل جبران: "لكم لبنانكم ولي لبناني"[4] وكتب له ميخائيل نعيمة: "عفوُكَ يا لبنان"[5]، يمكن إعادةُ بذور اللَّاعنف إلى ما قبل جبران ونعيمة أيضًا. وهي بذور أنبتت في فترة الحرب الأهليَّة تيَّارًا لاعنفيًّا ما يزال إلى اليوم يقوى ويشتدُّ عودًا. وقد تجلَّى في أسماء وقامات كبيرة ليست قليلة العدد بحيث لن أسمح لنفسي أن أذكر بعضها لأنَّني، بكلِّ تأكيد، سأنسى آخرين. أكتفي بالقول إنَّ حركة 17 تشرين الأوَّل 2019 السِّلميَّة والمدنيَّة عمومًا، الّتي استمرَّت زهاء سنتين، قدَّمت صورةً مشرقة عن نضج الوعي المدنيِّ واللَّاعنفيّ في هذا البلد.

ينطبق الحال، وبأشكال مختلفة، على كلِّ دول المنطقة وما ذكرتُه من أمثلة غيضٌ من فيض، وإنَّما ذكرته لكي أقول فقط إنَّنا لا نبدأ أبدًا من الصِّفر.

اللاعنفيُّون موجودون في مجتمعاتنا أكثر ممَّا نتصوَّر، ولقد كانوا موجودين دومًا. يقول مبارك عوض في حوار صحافيّ مع كاثرين إينغرام: "صدِّقيني إنْ قلتُ إنَّ القَرويِّين هم في الغالب لاعنفيُّون. لقد كانوا لاعنفيِّين طوال حياتهم، فأيُّ شيء غير ذلك يُتوقَّع من فلَّاح؟"[6].


عالميٌّ وشخصيّ

إنَّ الخطَّ الفاصل بين الخير والشَّرّ يمرُّ عبر قلب كلِّ إنسان.

                                                   ألكسندر سولجينتسين[7]


قد لا يكون دقيقًا أن نصفَ فئة من النَّاس، ولا شخصًا واحدًا أيضًا، بأنَّه عنيفٌ كلِّيًّا أو غيرُ عنيف بالكامل. علينا أن نبقى واعين أنَّ العنف جزءٌ من طبيعة الحياة، فجعلُ اللَّاعنف خيارًا في العمل السِّياسيّ، والحياتيِّ، والاجتماعيِّ، وفي مقاومة الشَّرِّ، لا يعني نفي وجود العنف في كلِّ نفس. فالعنف واللَّاعنف حاضران في قلوبنا ومجتمعاتنا، والتُّربة خصبة هنا وهناك للحنطة كما للزُّؤان، ولنا وعلينا أن ننثر البذور الطَّيِّبة بانتظار يوم حصاد... ﴿فأمَّا الزَّبد فيذهب جُفاءً وأمَّا ما ينفعُ النَّاسَ فيمكث في الأرض﴾ (الرَّعد 17).

هل يمكن جمع هذه المحاولات اللاعنفيَّة الموجودة والمتنامية وتوحيدها، وهل يمكن الخروج بها من دوائر النُّخَب الفكريَّة وحلقات الـ "مثقَّفين" والـ "ناشطين" والوصول إلى قلوب ملايين الشُّبَّان الضَّائعين بين التَّطرُّف الدِّينيِّ وضِعف التَّعليم، وافتقار المهارات، وفراغ الجيب، وجاذبيَّة السِّلاح، وسهولة الانزلاق؟ وإذا كان ممكنًا، فكيف؟

السُّؤال واسعٌ ومفتوح، والمتغيِّرات الَّتي يمكن أن تدخل في معادلة الجواب تكاد لا تُعَدّ. لكنَّ الأمر ليس معادلةً رياضيَّةً فحسب، ولعلَّ الجواب في جزء كبيرٍ منه موضوع إيمان. لذلك، أريد أن أكتفي أمام سؤال "هل يمكن" بالتَّعبير عن قناعتي بأنَّ المقاومة السِّلميَّة للشَّرِّ والطُّغيانِ والظُّلم في المنطقة أمر يستحقُّ المحاولة، وبأنَّني أحتاج إلى رؤية هذه المقاومة البديلة تُعطى فرصًا كافية، أسوةً بمئة عامٍ أُعطيت للعنف، قبل أن أغيِّر هذه القناعة!

أمَّا عن سؤال الـ"كيف؟" فهو سؤالٌ كبيرٌ آخر ولقد كُتِب وسيُكتَب فيه الكثير. أكتفي بطرح فكرة أوَّليَّة واحدة: إنَّ الجهاد اللاعنفيَّ، بغضِّ النَّظر عن كلِّ صفاته الأخرى، لا يمكن إلَّا أن يكون عالميًّا وشخصيًّا في الوقت نفسه.

الصِّراع في المنطقة صراعُ قوًى ومصالح عالميَّة بقدر ما هو صراع إقليميّ ومحلِّيّ. والعنف الَّذي تتبنَّاه القوى المتصارعة عنفٌ عالميٌّ كما لا يخفى على أحد. فالأسلحة المستخدمة هنا، من جانب كلِّ الأطراف، يُصنَع معظمُها في أطراف العالم، بيد أنَّ الإيديولوجيات الَّتي تُسوَّق هنا تُصَاغ، بمعظمها، هناك أيضًا.

كذا ينبغي أن يكون الجهاد اللَّاعنفيّ أيضًا، فمواجهة السِّلاح هنا تبدأ من مواجهته حيثُ يُصنَع وعلى طول طرق نقلِه، ومعركة اللَّاعنف في المنطقة لا يمكن أن تنفصل عنها في مغرب الأرض أو مشرقها، وهي معركةٌ لا بدَّ من أن تعي نفسها معركةً في وجه الشَّرِّ، ومن أجل الجميع، أي جميع النَّاس، بما فيهم الأعداء، وهي ليست، بأيِّ حال، معركةً في وجه أشخاصٍ أو دول.

إنَّ الحراك السِّلميّ الَّذي قام به طلَبة الجامعات وغيرُهم، رفضًا للحرب على غزَّة، هو جهادٌ ضدَّ الظُّلم والعنف والعدوان، وهو لا ينفصل عن كلِّ حراكٍ سلميّ من أجل كلِّ قضيَّةِ خيرٍ عامّ، سواء تعلَّق الأمر بالبيئة أو بالتَّهديد النَّوويِّ أو بإفقار الشُّعوب، أو بالعنف الاجتماعيِّ، أو بالتَّمييز على أساس الجنس، أو بالاقتصاد الاستهلاكيِّ المتوحِّش، أو بالتَّقدُّم التّكنولوجيِّ بلا ضوابط... بمعنًى آخر، لا يمكن أن أناضل سلميًّا بعد اليوم - والأرض، "القرية الصَّغيرة"، تزداد صغرًا حتَّى تكاد تصبح جسدًا واحدًا - من أجل حرّيَّة المرأة بينما لا يعنيني أمرُ المهاجرين اللاتين في الولايات المتَّحدة، أو أن أناضل ضدَّ نظام ديكتاتوريٍّ في بلدي مستمِدًّا دعم ديكتاتوريَّة بلدٍ آخر... بهذا المعنى، لا يمكن الجهادَ اللَّاعنفيّ إلَّا أن يكون عالميًّا.

تدخل كلُّ تقنيَّات التَّواصل الحديثة سلاحًا في معارك العنف، بما فيها الطِّفل المدلَّل:"الذَّكاء الاصطناعيّ".

في تسعينيَّات القرن الماضي، تفوَّقت البرمجيَّات على البشر في لعبة الشَّطرنج. يبدو أنَّ اللعبة الجيو-سياسيَّة الاقتصاديَّة العسكريَّة العالميَّة، الَّتي كثيرًا ما شُبِّهت بلعبة الشَّطرنج، تجتاز مرحلةً مشابهةً اليوم حيث يزداد استخدامُ الذَّكاء الاصطناعيِّ -القادر على استعراض كمٍّ هائل من البيانات (منها ما هو متاحٌ للجميع ومنها ما هو وقف على مراكز القوى السياسيَّة والعسكريَّة الكبرى) ومعالجتها وتقديم رأي أو ملخَّص، وربَّما اتِّخاذ قرار في موضوع ما- في تخطيط الحروب وإيقادها أو إخمادها بحسب ما تقتضي المصالح.

فالجهاد اللَّاعنفيّ مدعوٌّ أيضًا إلى توسيع استخدامه الأدوات التِّقنيَّة نفسها، أقلُّه على مستوى التَّنسيق بين الجماعات والأفراد والقوى اللاعنفيَّة في كلِّ العالم، ومن أجل كلِّ قضايا العدالة والخير والحقّ، وبهذا المعنى أيضًا لا بدَّ للـ "مقاومة البديلة" من أن تكون عالميَّة.

والجهاد اللاعنفيُّ، من جهة أخرى، شخصيٌّ بالضَّرورة أيضًا. بمعنى أنَّه التزامٌ على مستوى حياة الفرد، يطال مختلف نشاطه اليوميّ. أشرح ذلك من خلال المثال البسيط التَّالي: يُنشَر تحقيقٌ صحافيّ عن شركة كبرى للملابس تُشغِّل في مصانعها أطفالًا في شروط عملٍ شديدة القسوة. يشارك زيد يومَ الإثنين في اعتصامٍ أمام نقطة بيعٍ لهذه الشَّركة، ويذهب زيد إلى عمله يوم الثُّلاثاء، وهو يرتدي قميصًا يحمل العلامة التِّجاريَّة للشَّركة نفسها!

فاللَّاعنفيّ يبدأ جهاده كلَّ صباح آخذًا في الحسبان أبسط الأمور: بأيِّ نوعٍ من الصَّابون أغسل وجهي، وكم من الماء أستهلك لغسل يديَّ؟ ما الَّذي أتناوله من طعام وهل اشتريتُه من الدُّكَّان البسيط القريب أو من الـ "ماركت" الضَّخم؟ ما نوع ما أرتدي من الثِّياب ومصدره؟ هل أستخدم وسيلة نقلٍ جماعيّ أو درَّاجة أو سيَّارة للوصول إلى عملي؟ وكيف اخترتُ هذا العمل أصلًا وهل أستمرُّ فيه؟ على أيِّ أساس أختارُ مدرسة أولادي؟ وهكذا، يمكن المرء أن يطرح على نفسه عشرات الأسئلة وأن يجتهد ليجد أجوبةً مناسبة، وأن يمرِّن نفسه على نمط حياةٍ يتَّسق مع قناعاته الفكريَّة...

أكثر من ذلك؛ إذا صحَّت مقولة سولجينتسين عن كون الخطِّ الفاصل بين الخير والشَّرِّ يمرُّ عبر كلِّ قلب، فإنَّ مواجهة الشَّرِّ في العالم يبدأ من التَّعامل مع الشَّرِّ الَّذي في القلب، وليس ممكنًا لشخصٍ يريد أن يواجه الظُّلمَ والعدوان والطُّغيان بـ "مقاومة بديلة" أن يترك قلبه مليئًا بالكراهية والحقد، فبهذا المعنى تحديدًا لا يمكن الجهاد اللَّاعنفيّ إلَّا أن يكون شخصيًّا.

كيف يمكن شخصًا اختار طريق المقاومة البديلة أن يُقنع أشخاصًا من حوله بمشاركته الطَّريق؟ أقول: "بالإخلاص والوفاء على الصَّعيدَين العالميِّ والشَّخصيّ".

كي لا تسقط المملكة بسبب مسمار حدوة الحصان، يقف الفارس وسط سلسلة الأسباب والنتائج، ومثله المجاهد اللاعنفيُّ. إنَّه يحارب من أجل بقاء المملكة وازدهارها، أي من أجل خير العالم وخلاصه. والبسالة تظهر في الشَّجاعة والإقدام والوقوف في وجه الصُّعوبات والاستعداد لتقديم الذّات في سبيل المملكة، أي من أجل خير كلِّ العالم، فهذا من معنى أن يكون الجهاد اللَّاعنفيّ عالميًّا. بيد أنَّ بسالة الفارس لن تُجديه نفعًا إنْ لم يكن قد تدرَّب بما يكفي قبل المعركة، واستعدَّ كما يلزم في أيَّامه العاديَّة واعتنى باستمرار بصيانة عتاده، بما في ذلك حصانه، وحدوة حصانه، ومسمار حدوة الحصان، وهذا ما يعنيه العمل في داخل النَّفس، أي ضرورة أن يكون الجهاد اللَّاعنفيّ شخصيًّا.

 




   الأستاذ أديب الخوري: باحثٌ، ومترجمٌ، ومدرِّس. مُجازٌ في الرِّياضيَّات والمعلوماتيَّة من كلِّيّة العلوم - جامعة دمشق. عضو في الجمعيَّة الكونيَّة السُّوريَّة. من منشوراته في التَّرجمة الفرنسيَّة والإنجليزيَّة: أجمل المعادلات الرِّياضيّة، بيروت: أكاديميا، 1996، ويوميَّات القراءة، ألبرتو مانغويل، بيروت: دار السَّاقي، 2015. وله أيضًا: تعليم جديد من أجل عالم مختلِف، دمشق: معابر، 2015.

[email protected]




[2]    https://boycott4pal.net/post/333138/%D8%B1%D8%A4%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%
A7-%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%83

[3]   كاثرين إنغرام، في خطى غاندي – حوارات مع مناضلين روحيِّين اجتماعيِّين، ترجمة أديب الخوري، دمشق: معابر للنَّشر، 2008، 73.

[4]   جبران خليل جبران، البدائع والطَّرائف، المجموعة الكاملة، بيروت: دار الجيل، 1994، 598.

[5]   ميخائيل نعيمة، النُّور والديجور، المجموعة الكاملة، المجلَّد الخامس، بيروت: دار العلم للملايين، 1979، 681.

[6]   كاثرين إنغرام، على خطى غاندي – حوارات مناضلين روحيِّين اجتماعيِّين، ترجمة أديب الخوري، دمشق: معابر للنَّشر، 2008، 94.

[7]   روائيٌّ روسيٌّ حائزٌ جائزةَ نوبل.




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق