article_cover_image

معلوف في "إخوتنا الغرباء" يحاول استشرافَ مصير العالم، وشروط التعايش بين عالمَين موازيَين.

author_article_image

الدكتورة ناتالي الخوري غريب

تأويل خطاب القِيمة في رواية "إخوتنا الغرباء" لأمين معلوف


"ما العالم الذي نريد بناءه؟ وبالاستناد إلى أيِّ قيم؟
قلَّما اعتدنا طرح هذه الأسئلة. فنحن غارقون في همومنا اليوميَّة..
لكنَّ هذا اللقاء مع إخوتنا غير المنتظَرين سيكون بالنسبة إلينا
فرصة لإجراء تقييم وتبيُّن كيف ضللنا السبيل وكيف نستطيع
أن نصوِّب اتّجاه الدفَّة"[1]


بهذه الفقرة، ختم أمين معلوف روايته الأخيرة، وقد تكون أسئلة التأويل هذه، التي طرحها معلوف في إخوتنا الغرباء، محاولة منه لاستشراف مصير العالم، مستقبل هذا الكوكب، مصدر الخلاص، شروط التعايش بين البشر الذين ينتمون إلى حضارة واحدة، وثقافة واحدة، وصولًا إلى معايير القِيَم ومرجعيَّتها بين البشر في عالمَين موازيَين. 

تأويل معلوف هذا العالم الذي ينهار، في هذه الرواية، هو صرخة عالميَّة لإعادة ترميمه قبل فوات الأوان، في لحظةٍ مصيريَّة من التهويل بتقاذف قنابل نوويَّة قبل أن تسقط حقًّا، وتتمَّ الإبادة البشريَّة وانهيار الحضارة الإنسانيَّة كلِّيًّا. في هذه اللحظة المصيريَّة، محاولةٌ لإعادة توجيه البوصلة في خطاب قِيَميّ وأخلاقيّ، محاولةٌ لإعادة جدولة شروط التعايش والتسامح في ظلِّ عدم تكافؤ القوى بين بشرَين متوازيَين.

لذلك، ستكون خطَّة هذه الورقة البحثيَّة وفاقًا للآتي:   

خطوات البحث

1-     أ)      الترويسة إجراءً تأويليًّا.

ب) كتبُه ومقالاتُه السياسيَّة والاجتماعيَّة مفتاحًا تأويليًّا.

2-     الرموز الحضاريَّة، إحالةً مرجعيَّة لفضاء النصّ: إمبيدوقليس، آدم، إيف.

3-     الخطاب القِيَميّ للأمَّة المتدخِّلة وتلقِّي الآخر:

أ) خطاب الأمَّة المتدخِّلة القِيَميّ: التدخُّل للإنقاذ، شروط الانفتاح على الآخر، الآخر المختلِف، ومرجعيَّة الأخوَّة الإنسانيَّة بين العِداء واللعنة انتقالًا إلى التأليه.

ب) تلقِّي الناس تأويلَ وجود الأمَّة المتدخِّلة على المستويَين الشعبيّ والرسميّ: مرجعيَّة الأخلاق المشتركة.

4-     أسئلة التأويل في الرواية وآداب التعايش ضمن المجتمع الواحد:

استنادًا إلى سؤالَيه الأهمّ في الرواية: أيُّ عالم نريد بناءَه، وبالاستناد إلى أيِّ قيم؟


مقدِّمة

يحاول معلوف أن يكتب تاريخ الغد، ليعيد فيه صياغة الآتي، من خلال حبكةٍ روائيَّة وثمارِ تخيُّل ورموزٍ فلسفيَّة من التاريخ، ومستقبل العلوم. بِلُغة ريكور، هو يُعيد إنشاء الماضي (ماضي الأجيال الآتية)، على غرار التخيُّل الذي يُعيد ابتداعَ العالم. وفي كلتا الحالين، يؤسِّسس للنصِّ بواسطة ضربَين من الإسناد: إسناد الرجوع إلى الوقائع الحقيقيَّة (القنابل النوويَّة وتهديد الإبادة، وأمبيدوقليس)، وإسناد الإبداع المتفلِّـت من ضرورات العودة إلى الواقع (الكلام على إيقاف الإبادة في اللحظات الحاسمة). 

يعود معلوف إلى التاريخ في كلِّ مرَّة لسيتنجد به، في محاولةٍ لاستنهاض مقاربات وتفسيرات جديدة. يريد من المؤرِّخ المفسِّر، كما ريكور، "أن يتناوله في ما ينطوي عليه من معطيات المعنى المخبوء فيه"[2]. ففي نصِّه "دعوة إلى الزمن الحاضر أن يتأوَّل طاقات التجديد الكامنة في الزمن المنقضي. وعلى قدْر ما يستجلي هذه الطاقات وآثارها المقبلة يُنشئ للإنسان زمنًا وسيطًا بين زمنَين، أي زمن العيش الذاتيّ الوجدانيّ وزمن المجرى الكونيّ"[3].

لذلك، كان استحضاره أصدقاءَ إمبيدوقليس، وسطاءَ بين زمنَين، لإعادة المجد للتعاون الإنسانيّ وتجاوز الصراع الدائم بين محرِّكَي التاريخ: الحبّ والكراهية، واستحضار لبطلَي الرواية، ألكسندر وإيف، وإشارته الدائمة إلى مُواطنٍ عالميٍّ منفتح على الأعراق كافَّة والديانات والتصنيفات البشريَّة.

حاولنا اعتمادَ آليَّات إجرائيَّة لعمليَّة تأويل هذا النصّ، فآثرنا البدءَ بمفتاح التأويل الذي يُعطينا إيَّاه معلوف وهي الترويسات:

1-أ) اعتماد الترويسة تقنيَّةً تأويليَّة للمتلقِّي

يعتمد أمين معلوف عتبات نصِّه الروائيّ، الترويسة تحديدًا، تقنيَّةً تأويليَّة، أي يقدِّم لنا مفتاحًا لنصِّه كي لا نبتعدَ كثيرًا عن قصديَّته.

وكي ندرك معاني نصِّه، علينا أن نقوم بمحاورة هذا النصّ كي نُلمَّ بما ينوي قوله، "ومع أنَّ مقصد القول الذي يسبق صوغ النصّ، لا يمكن الإفصاح عنه إلَّا باللُّغة"[4] لذلك تتجلَّى القصديَّة في سياق النصّ بعد حوار تقوم به الذات القارئة مع الكلام الذي يستخدمه النصّ، وبخاصَّةٍ بداياته وطريقة تقديمه، فيتجلَّى هذا الحوار في الترويسات التي يقدِّمها معلوف لقارئه.

تؤدِّي الترويسات عند معلوف دورَ ما يمكن أن يشكِّل تقنيَّة في الدائرة التأويليَّة، تقنيَّة تُسهم في وعي القارئ في أنَّه يتناول نصًّا ترافقه مفاتيحُ أو إضاءات، تُعينه في إدراك النصِّ قبل عمليَّة التفسير. يبني هذه القراءة على مجموعة افتراضات تقدِّمُها الترويسات، لتنبثق منها أسئلة توجِّه قراءته، وتاليًا تأويلَه.

غالبًا ما يقوم معلوف بأبحاث ومقالات في ثيمة معيَّنة، ومن ثمَّ يكتب نصًّا روائيًّا يعتمد عليها، وكأنَّه يقدِّم المباشر والمجاز ويسخِّرهما في سبيل توضيح مقاصده.


الترويسات في كتاب إخوتنا الغرباء

العنوان: إخوتنا غير المنتظَرين

هو الترجمة الحرفيَّة للعنوان الذي وضعه الكاتب بالفرنسيَّة. ويفتح هذا العنوان بابًا لتأويلات متعدِّدة، فــ "غير المنتظَرين" عبارة توحي بالاعتراف بإمكان وجود كائناتٍ من دون اليقين بذلك، وهي كائنات تُعدُّ بمثابة إخوة للإنسان لكنَّهم يقطنون في كوكب آخر، وتاليًا لهم ثقافة أخرى، أو ربَّما كائنات من حضارة سحيقة في الماضي، وتتمتَّع بإمكان عودتها من هذا الماضي إلى المستقبل، ولو تمَّ ذلك بطريقة مفاجئة غير متوقَّعة، أو ربَّما هم بشر بما أنَّهم إخوة، بشر يسكنون في عالمٍ موازٍ، يَظهرون على الكوكب البشريّ الإنسانيّ لضروارتٍ تتعلَّق بخَلاصهم لاقترابهم من نهاية حتميَّة.

في كلِّ الاحتمالات التي يفرضها تأويلُ هذا العنوان، وانطلاقًا من الواقع الذي يعيشه البشر من تخوُّف التدمير الذاتيّ، عبر القضاء عليه بهجومٍ نوويّ بين قُطبَين عالميَّين، وكلِّ تداعيات ذلك، فثمَّة إخوة غير متوقَّعين، من الماضي ربَّما أو من المستقبل، أو من عالمٍ مواز، سيهرعون بكلِّ تقنيَّاتهم المتطوِّرة ورسالتهم الخلاصيَّة، ومحاولاتهم إلى استدراك هذا الانفجار قبل وقوعه.


الترويسة الأولى للرواية

"الروايات تنشأ من نواقص التاريخ"

بهذه الترويسة لنوفاليس، يفتتح معلوف روايته، ليعلن أنَّ هذه الرواية كُتبت لتفضَح المسكوتَ عنه، في تأويل لحظةٍ مصيريَّة من التاريخ البشريّ، قراءة الحاضر واتِّخاذ حلٍّ فوريٍّ من التأويلات الكثيرة قبل أن تصير حدثًا لا يمكن الرجوع عنه.

مفتاح تأويليٌّ لقصديَّة الرواية بشكل عامّ، ما لم يكتبْه ولن يكتبَه المؤرِّخون، سيجده المتلقِّي الفطِن في المجاز. دور الرواية في الكشف عن أسباب التدمير ومحاولة استبقاء هذا التدمير. وكأنَّه يُشير بهذه الترويسة إلى إعادة النظر في التاريخ المكتوب، واستدراكِ النقص الحاصل فيه، الذي لا يكتمل إلَّا بروايةٍ تستعرض الرأيَ الآخر الذي لم يُكتب، فيبني به غدًا أفضل، يستبق فيه الإبادات المحتملة، بكلِّ منظومة القِيَم التي يحملها وتأويلاتها المختلفة. وهنا تكمن لعبة التأويل، تأويل الروائيّ، الكاتب، لكلِّ ما يجري في هذا العالم وتأويل القارئ.


ترويسة الفصل الأوَّل غشاوات

"إنَّ هذه السماء المكفهرَّة لن تصفو إلَّا بعد عاصفة". شكسبير، الملك جون 

إشارةٌ إلى قراءة اللحظة المصيريَّة، والغشاوات التي تُعمي المسؤولين عن رؤية نتائج قراراتهم، بشأن استخدام الأسلحة النوويَّة، وإبادة الكوكب، والتأهُّب الدائم بين معسكرَين: الروسيّ والأميركيّ، هذا من ناحية، وقد تكون الغشاوات أيضًا على أعين عامَّة الشعب بعد انقطاع كلِّ وسائل التواصل، وعدم الخوف من العاصفة التي لا بدَّ منها، طالما أنَّها ستُزيل اكفهرار الحياة عنهم. الغشاوة بما هي إشارةٌ إلى الجهل، والتخبُّط في التباساتها وإرباكاتها، ما يُقصي الإنسان عن واقعه ومُجريات الحياة، وتاليًا، يفضي به إلى نتائج لا أفق لها إلَّا المزيد من التخبُّط والإرباكات، فيكون نوعًا ما في عين العاصفة إلى أن تهدأ، فيُعيد تقييم واقعه.


ترويسة الفصل الثاني انجلاءات

"فالضوء ثمين إنَّما ليس إذا كان الثمن الذي سأدفعه أن تفقأ عيناي". أراغون، ديانا الفرنسيَّة.

هو الثمن الذي يدفعه الإنسان لرؤية الحقيقة بعد الضباب الذي عاش فيه. فمَن اعتادت عيناه الظلمة، لن يكون سهلًا عليه أن يُبصر في النور. فالتدخُّل مهما كان إيجابيًّا لن يُبصرَه معتادو العتمة وسيعتبرونه إذلالًا وشرًّا. هذا ما ترجمته الرواية بمدى اعتراف مَن يعتبر نفسه أبرز منظومة حضاريَّة على وجه الكوكب وإذلالها، بالبشريَّة المتفوِّقة وقبولها بالتطهُّر على يدها، أو الاعتراف بغرق الحضارة الإنسانيَّة وإفلاسها والإقرار بتفوُّق العالم الموازي.


ترويسة الفصل الثالث

سفنٌ راسيات: يقتفي الحشد أثَرِي يسألني أن أهدي الناس السبيل، بعضُهم يريد سماع نبوءات وبعضُهم أتى سقيمًا عليلًا يطمع منِّي بكلمة تنزل كالبلسم الشافي". إمبيدوقليس، التطهُّرات.

إشارة إلى قراءة الرواية في ضوء فكر أمبيدوقليس، أي الشفاءات والهداية بعلوم متقدِّمة، كذلك ترى إلى الموت عدوًّا وحيدًا للإنسان، وليس الآخر، لأنَّه كان يطمح إلى الخلود ضمن نظريَّته في الخلود. والإشارة إلى فكر أمبيدوقليس في ضوء القِيَم التي يبثُّها ومعاييرها وإشراطاتها بالأخوَّة البشريَّة والمصير الواحد. 

ترويسة الفصل الرابع: استنارات

"فليكن ماثلًا أمام بابنا ذاك البحر الشاسع المدعوّ بحرًا". سانت جون برس، معالِم.

لا بديل عن الانفتاح وإبقاء الحوار مفتوحًا مع الآخر الآتي من وراء البحار، المختلفِ ثقافة وعلومًا وحضارة، حتَّى لا تغرق الحضارة بالتدمير الذاتيّ. فالاستنارات تكون بالتلاقح الحضاريّ مع الآخر المختلِف، مهما اختلفت أو تفاوتت الهوَّة بين الأنا والآخر. أيكون المقصود بهذا الآخر عالم الكائنات الفضائيَّة؟ والتبشير باقتراب تعارُف الناس عليهم؟ ربَّما، لكنَّه يصوِّره كأمر حتميٍّ لتدخُّلهم قبل الانهيار الكليّ للحضارة البشريَّة كما نعرفها.

1-ب) اعتماد كتبِه ومقالاته السياسيَّة - الاجتماعيَّة مفتاحًا تأويليًّا

يمكننا أن نعود إلى كتابَيه، غرق الحضارات والهويَّات القاتلة، لنقرأ في ضوئهما مقاصده في هذه الرواية، إذْ يشكِّل انهيارُ الحضارات الإنسانيَّة هاجسًا مُلِحًّا، لكنْ آثرنا الابتعاد خوفًا من الإطالة والتشعُّب.

وتاليًا لأنَّ التركيز في هذا البحث سيكون منصبًّا على الخطاب القِيَميّ الأخلاقيّ ومعاييره.


2- اعتماد شخصيَّات فكريَّة تاريخيَّة إحالةً مرجعيَّة لفضاء النصّ: أمبيدوقليس

بما أنَّ النصَّ الأدبيّ لا يمكن أن يُفهم إلَّا إذا أدرك الكاتب الأجزاء إدراكًا صائبًا، لذلك آثرنا الإضاءة على الرموز الحضاريَّة في سياقها العامّ، ليتمَّ إدراك الكلِّ الذي يتكوَّن من هذه الأجزاء، على أن يجعلها تنتظم في هذا الكلّ.

فأمبيدوقليس شخصيَّةٌ يستحضرها من التاريخ، يمكننا أن نقرأها هنا في ضوء ريكور. إذْ إنَّ استحضار أمبيدوقليس، الفيلسوف اليونانيّ من القرن الخامس قبل الميلاد، يشكِّل زمنًا تاريخيًّا ليسند إليه وظيفة الربط بين الاختبار الإنسانيّ الذاتيّ والجماعيّ وحركة المسير الكونيّ. يشكِّل أمبيدوقليس في هذه الرواية المادَّة المرجعيَّة التي يُحيل إليها النصُّ الذي ينبغي تفسيرُه واستخراجُ مضامينه واستثمارُها. وبحسب ريكور "تُسهم الإضاءة على هذه المرجعيَّات فى إدراك ترابط الأفعال الإنسانيَّة بعضها ببعض وتعاقُب التغيُّرات التي تطرأ على الواقع الإنسانيّ"[5].

من هو الفيلسوف اليونانيّ في رواية معلوف؟ وما دورُه؟  من هو أمبيدوقليس؟ [6]

أمبيدوقليس باليونانيَّة القديمة ( ΈμπεδοΚλής من 490 ق.م. إلى 430 ق.م.) كان فيلسوفًا يونانيًّا في فترة ما قبل سقراط؛ مواطنٌ بمدينة آغريغنتوم، وهي مدينة يونانيَّة بـصقلِّية، وفلسفة أمبيدوقليس كانت المنشأ لنظريَّة العناصر الأربعة، كما اقترح وجودَ قوًى أطلق عليها الحبَّ والبغض سببًا لتمازج العناصر أو انفصالها بعضها عن بعض. ونتيجةً لتأثُّره بالفلسفة الفيثاغورثيَّة، آمن أمبيدوقليس بتناسخ الأرواح. ويُعتبر آخر فيلسوف إغريقيّ يُدوِّن أفكاره وفلسفته كأبيات شعريَّة. توفِّي عندما ألقى بنفسه في فوَّهة بركان، كانت مادَّة ثريَّة للأساطير والكثير من المعالجات الأدبيَّة. ولأنَّ العناصر الأربعة ذات طبيعة بسيطة، دائمة وغير قابلة للتغيير، وأنَّ أيَّ تغيُّر في الطبيعة هو نتيجة مباشرة لتمازجها وانفصالها، فقد اقترح أمبيدوقليس وجود نوعٍ من القوى المحرِّكة التي تقوم بعمليَّة المزج والعزل، وهي الحبُّ والبغض )الحبُّ باليونانيَّة φιλία ): يفسِّر تمازج أشكال مختلفة من الموادّ)، و)البغض باليونانيَّة: νεῖκος السبب في انعزالها)[7] . وقد أشار إلى حدود الوعي البشريّ، حيث يرى الإنسانَ جزءًا من الشيء فقط، بينما يظنُّ أنَّه قد أدرك الشيء كلَّه.

استحضار أصدقاء هذا الفيلسوف، امتدادًا لفكره من القرن الخامس قبل الميلاد إلى الزمن الحاضر، محاولةٌ لإعادة موضوع الصراع الدائم بين الكره والحبّ، وليرى الإنسان الذي يعدُّ نفسه ملكَ الكون حدودَ وعيه، وإمكانات تفوُّق غيرِه عليه بالعلوم والطبّ، وأنَّ الكره والشرَّ وخطاب الإلغاء بالقنابل لم يعد مُجديًا، وألَّا بديل عن التعايش والتعاون. يستقي معلوف، بهذا الرمز الفلسفيّ التاريخيّ في هذه الرواية، بعضًا من مادَّته، ويضيف إليها التخيُّل الحرَّ، ويسبكها في قالب التعبير المجازيّ، لتغدو طريقةَ استدلالٍ على وجهة الحراك الإنسانيّ في أحداث الحياة الفرديَّة والجماعيَّة...ويمكن أن نفهم مقاصده في ضوء ريكور "أن نتجاوز التعارض بين الوصف التأريخيّ والسرد القصصيّ حتَّى تتآزر إسهاماتُ التأريخ وإسهاماتُ الرواية في إغناء معاني الزمن الإنسانيّ."[8]

وفي أحداث الرواية، ثمَّة اكتمال لوظيفة التأريخ والرواية تتمثَّل في ألكسندر الذي يعمل مؤرِّخًا ورسَّامًا كاريكاتوريًّا يواكب الأحداث اليوميَّة، وإيف التي تعمل روائيَّة، إذْ نرى في قصَّة حبِّهما، وهما المختلفان في كلِّ شيء إلَّا في عزلتهما، إشارة إلى اكتمال وظيفتَيهما معًا، أي وظيفة التأريخ ووظيفة الرواية، وما الطفل إلَّا امتداد لتلاقح هذا التعارض بينهما وامتزاجه لتوليفة تفسيريَّة تُفضي إلى إنماء الزمن الإنسانيّ ويمكننا أن نقرأ  تلاحم التأريخ والرواية هنا، وأين تصبُّ المرجعيَّات القِيَميَّة لكليهما، التلاحم القادر على إكساب هذه الاختبارات فائضًا من المعنى تبحث عنه الاجتهادات التفسيريَّة[9]، ما يُسهم في قراءة الخطاب القِيَميّ  الذي يحمله كلٌّ منهما على الرغم من اختلافه، إلَّا أنَّه يُقرأ في فضاء التلاقي بين مرجعيَّات القِيَم لبناء إنسان يبني حاضره ومستقبله من دون أن يُضطرَّ إلى أن يتنكَّر لماضيه.


3- في تلقِّي الخطاب القِيَميّ بين بشرَين متوازيَين

تختزن النصُّوص الروائيَّة اختبارات الانسان ومعايناتِه وخلاصة فكره. فالنصوص حياة ونشاط وحراك وتفاعل. وتتجلَّى في هذه الاختبارات الإنسانيَّة منظومةُ القِيَم التي ينشأ عليها ويتمرَّد على بعضها، وينتقي بعضَها الآخر بناءً على ظروف ومواقف وسياقات، منها ما يتعلَّق بمصيره، ومنها بأمانه، ومنها بكبريائه، فَرادى أو ضمن جماعات ينتمي إليها. يندرج ذلك كلُّه في خطاب قِيَميّ، له منطقه ومعاييره بحسب الجهة الناطقة به، والجهة التي تتلقَّاه.

أ) خطاب الأمَّة المتدخِّلة: شروط الانفتاح على الآخر، الآخر المختلِف، ومرجعيَّة الأخوَّة الإنسانيَّة وشروطها وتلقِّيها بين العداء واللعنة انتقالًا إلى التأليه.

ب) تلقِّي الناس تأويلَ وجود الأمَّة المتدخِّلة: مرجعيَّة الأخلاق المشتركة.

أ) في خطاب الأمَّة المتدخِّلة

تُطالعنا في روايات معلوف بشكل عامّ ظاهرةٌ لافتة هي الجنوح إلى جعل أبطاله وشخصيَّاته متنوِّعةً بتعدُّدها في بُعدها التكوينيّ من جينات عربيَّة وأوروبيَّة وأميركيَّة، كذلك تحميلُها خطابًا يُظهر انفتاحها على الآخر، وهاجسها الخلاصيّ في مقابل انغلاق الآخر وسعيه إلى التدمير. إذْ نرى في تصوُّره ألَّا خلاص للإنسان بلا هذه التعدُّديَّات والانفتاح عليها. ثمَّة توق دائم إلى تصوُّر مُواطن أمميّ، مواطن عالميّ، منفتِح على التعدُّد الدينيّ والثقافيّ، يعود بجذوره وأصوله إلى منابع متعدِّدة، مُواطنٍ باحث عن تاريخه ومستقبله معًا، ساعيًا إلى الخلاص من خلال خطابٍ قِيَميٍّ أخلاقيٍّ يدعو إلى التسامح ولمِّ الشمل. وسنحاول رصد المصطلحات في تحديد هويَّة الأمَّة المتدخِّلة من خلال خطابها، بحسب تلقِّي الناس، أي تلقِّي المواطنين الأصليِّين لهم، كما تحمل الرواية عنوانها: إخوتنا الغرباء، أو إخوتنا غير المنتظَرين (كما يشير عنوان الرواية الأصليّ بالفرنسيَّة: Nos frères inattendus).

تظهر من بدايات الرواية مصطلحاتٌ في تحديد هويَّة القوم الغريب الآتي من مكانٍ ما: بدأ أوَّلًا بوصفهم بـ "أولئك القوم"، في إشارة إلى البعيد الغريب، ومِن ثمَّ الرؤية إليهم كـ "شركة متعدِّدة الجنسيَّات" كأنَّ ديموستينس رئيس شركة متعدِّدة الجنسيَّات قدِم لزيارة أحد فروعها". لينتقل إلى مستوًى آخر من الأخوَّة البشريَّة، "إخوتنا الغرباء" إشارةٌ إلى أُخوَّة بشريَّة تحمل القرب والبعد معًا، ومن ثمَّ، إخوتنا غير المنتظَرين، في إقرارٍ بالأخوَّة التي لم يكن المواطن الأصليّ ينتظرها، إخوة المُباغتة، باعتبار "النحن" الشعب الأوحد المسيطر والمتفوِّق.

في تدرُّج الصفات والأحداث، يفصل بين ما تمثِّله الشخصيَّات على تعدُّد ثقافاتها بـ "نحن" وأنتم" حين تتمُّ مخاطبة هؤلاء الإخوة الغرباء، ليتدرَّج في التصعيد بنَعتهم "الأوصياء" في إشارةٍ إلى تفوُّقِهم وقدرتهم على أن يضعوهم تحت رعايتهم، القوَّة المتدخِّلة، لإحداث أمرٍ ما، كأنَّه لا مجال للشكَّ في أنَّهم أوقفوا عمليَّة إطلاق الصورايخ النوويَّة من القوقاز، ليتمَّ وصفهم لاحقًا بـ الأصدقاء الذين وضعَتهم العناية في طريقنا، لكنَّ هؤلاء الذين انتقلوا من أن يكونوا "أولئك القوم" سيصبحون أسيادًا يتبعهم المواطنون الأصليُّون: "أصبحنا بين يومٍ وآخر أتباع سيِّد جديد"[10]. لكنَّ القبول تصعَّد في حيِّزٍ من تبرير تدخُّلهم بحجَّة التطهير واستباق الإبادة: "لقد تدخَّلوا لإجراء بعض التطهير"[11]. وفي مواقع أخرى أطلق عليهم تسمية المنقذين وجابري العثرات... ومِن ثمَّ يُطلق على هذا التدخُّل "التدخُّل العجائبيّ الذي قام به الأوصياء"[12]، في إشارة إلى انتقالٍ من مستوى الأخوَّة إلى مستوًى أعلى، لينتقل الكاتب في وصفهم على لسان سكَّان الأرخبيل من انتقالهم "من العداء لـ أولئك القوم إلى البطولة[13]، وجابري العثرات"[14]، وهذا لا يعني أنَّ ليس ثمَّة من يَصفهم بأنَّهم "زمرة من القراصنة وبائعي الأوهام"[15]. وينتقل رفعُ مرتبة الأمَّة المتدخِّلة من نعتهم بأولئك القوم، فالإخوة ليتحوَّلوا إلى قوَّة إلهيَّة.

يظهر الانفتاح على الآخر في هذه الرواية مشروطًا بمدى قدرة هذا الآخر على مدِّ يد العون العجائبيَّة، بمعنى منع الإبادة في اللحظة المناسبة، كذلك إبعاد شبح المرض والموت، والإيمان بالطبِّ المتطوِّر جدًّا.

ب) تلقِّي الناس خطابَ الأمَّة المتدخِّلة بين اللعنة والمباركة

خطابان يختلفان في مرجعيَّة القِيمة ومعاييرها

على مستوى البطلَين: المؤرِّخ والكاتبة، بما يمثِّلان نمطَين مغايرَين في مرجعيَّة القِيمة، لننتقل إلى مستوى عامَّة الشعب، ثمَّ مستوى الإدارة الرسميَّة للبلاد، وهما الرئيس ومعاونوه وزوجته، ونائب الرئيس.

على مستوى البطلَين

لدينا بطلان بخطابَين مختلفَين في تلقِّي تدخُّل الأمَّة المتفوِّقة، إيف أي حوَّاء وألكسندر. إيف كاتبةُ الرواية الشهيرة: المستقبل لم يعد يُقيم على هذا العنوان، في بوحٍ صريح ومباشر بانحيازها إلى حضارة أصدقاء أمبيدوقليس وخطابهم وتدخُّلهم، إيمانًا منها بأنَّ الحضارة الحاليَّة انهارت، ولم تعد تلائم المستقبل وتطلُّباته، وأنّهم أتَوا من "عالم بموازاة عالمنا، سيكون لقاؤنا به، إلى حدٍّ ما، لقاءً مع مستقبلنا"[16]، وتاليًا، هم المستقبل.

بطلة الرواية إيف تمثِّل الخطاب الذي يَعدُّ حدثَ تدخُّل أصدقاء أمبيدوقليس، القوم الغرباء، انتقامًا من أبناء قومها وحضارتهم: "إيف تعيش هوان أبناء قومِنا وحضارتهم مثل الانتقام أو الثأر الشخصيّ"[17] لقومٍ أصابتهم العجرفة فكان لا بدَّ من آخَر يُريه قيمته الفعليَّة، ولا تحسبهم إخوة غرباء، على عكس الآخرين، تحسبهم إخوة استرجعتهم "نخْبُ إخوتنا الذين استرجعناهم"[18]. وهؤلاء الإخوة منحوها هديَّة على شكل طفل، بما يرمز إلى مستقبلٍ جديد من تلاقُح الأُمَّتَين، وانفتاحهما على المستقبل: "لقد منحتنا الأمَّة المتدخِّلة هديَّة على شكل طفل. ومنحتنا سنوات كثيرة نحتاج إليها لكي نراه يكبر ويترعرع. لهذا السبب لا بدَّ لي من مباركة إخوتنا غير المنتظَرين بعد أن لعنتُهم كثيرًا"[19].

في مقابل خطاب إيف، خطابُ المؤرِّخ والرسَّام الكاريكاتوريّ الذي يمثِّل نموذج مَن يقف على الحياد ليرى الأمور من كلِّ الزوايا مؤرِّخًا موضوعيًّا لا ينحاز بانفعال العاطفة.  

ويحلُّ في هذا الخطاب سؤالُ مرجعيَّة القِيمة وسؤال الكرامة، إذا كان أولئك القوم "بشريَّة متفوِّقة ماذا سيحلُّ بنا أنا ومعشر قومي؟"[20]، "كيف سيُقدَّر لنا الاستمرار عندما لن نعود نعتزّ بأنفسنا؟"[21]. وقلت لنفسي إنَّ لدينا عيوبنا، بل ونحن لا نُطاق في كثيرٍ من الأحيان، ونحن مجرمون وبرابرة. ولكنَّ هذا ما نحن عليه"[22]. لينتقل إلى سؤال العقاب: "أيكون الأمر تعذيبًا اخترعه الأوصياءُ علينا لتعذيبنا؟"[23] أو استعراضًا للقوَّة يهدف إلى إبهارنا وترهيبنا وإخضاعنا؟[24]. "أصبحنا بين يوم وآخر أتباعَ سيِّدٍ جديد"[25]. يغدو الخوف من الآخر هنا بتفوُّقه، وتاليًا قدرة المتفوِّق على إهانة الأضعف وترهيبه وإخضاعه.

تلقِّي عامَّة الشعب

تَرجَّح الشعب بين خطابَين في تلقِّي الإخوة الغرباء. فبعضُهم رآه نعمة وهبة إلهيَّة بعد أن كان حذرًا منه، وبعضهم رآه تهديدًا للتفوُّق الأميركيّ ووصفه بزُمرة من القراصنة. فمن رآه نعمة، هم من أرادوا وشهدوا نعمة الشِفاءات الكثيرة التي اجترحها هؤلاء بأدواتهم الطبِّيَّة المتطوِّرة جدًّا. وبعد أن أدركوا سببَ تدخُّل هؤلاء في منع الإبادة التي كانت قريبة جدًّا، رأَوا تدخُّلَهم عجائبيًّا: "إنَّ نزاعًا مدمِّرًا كان على وشك الاندلاع والتدخُّل العجائبيّ الذي قام به الأوصياء أوقفه"[26]. فتحوَّل خطابُ أهل الأرخبيل: "من العِداء لـ أولئك القوم إلى البطولة"[27]. وتحوَّل أولئك القوم إلى قوَّة إلهيَّة "...غدًا سيجثو أبناء قومنا عند أقدام هؤلاء القوم وسيفرحون لمخاطبتهم باسم الأسياد! حضارتُنا على شفير الموت"[28].

في حين أنَّ الرافضين لوجودهم يشكِّلون مرجعيَّتهم الأخلاقيَّة في كبرياء الدول وعدم القبول بإخضاعهم وإذلالهم: "تمارِس زمرةٌ من القراصنة ومن بائعي الأوهام ابتزازًا حقيرًا على قادتنا الذين لا يتحلَّون بالجرأة لمواجهتها ورضخوا بإذعانٍ لشروطها..."[29].

تلقِّي الجهات الرسميَّة: الرئيس

على المستوى الرسميّ يحمل الخطاب في بداياته، قبل هاجس التعايش، سؤالَ الكرامة بين الدول (أي التسامح هنا). وتغدو المرجعيَّة الأخلاقيَّة بإبعاد الإبادة وشبح الموت عن أعداد كثيرة من الشعب، فيأخذ هذا المنحى التأكُّد أوَّلًا من أنَّ هؤلاء الغرباء مسالمون "أثناء مناقشاتنا مع القوَّة المتدخِّلة هم لا يضمرون لنا العداء وأنَّهم على العكس لا يُكنُّون سوى الاحترام لبلدنا ومبادئ دستورنا وأسلوب عيشنا، وأنَّهم يعترفون بمكانتنا البارزة بين الأمم. وترسَّخ لدينا...لديهم تكنولوجيا تُتيح معالجة الموادّ الإشعاعيَّة..."[30]، وتاليًا إمكانيَّة الإفادة قدر المستطاع من علومهم.

وبدا أنَّ قبول تدخُّلِ الغرباء لإيقاف الإبادة يحمل لواءَ الأولويَّة على الكرامة، لذلك انصبَّ اهتمام الرئيس على ذكر "الوحش النوويّ"[31]، لقبول تدخُّل الغرباء، أي سلامة الشعب أوَّلًا. هذا لا ينفي رفضه الإذلال الذي رآه في استباحة الغرباء لإيقاف معهد بحوث وإتلاف أبحاثه"[32]، بما فيها مختبراتٌ لعلم الجراثيم...وتفتيش منشآتنا كما يحلو لهم للتخلُّص من أدوات الإبادة"[33]. إلَّا أنَّ المرجعيَّة الأخلاقيَّة في أحقِّية سلامة الشعب قبل كرامته كان لها الأولويَّة.

4- أسئلة التأويل في الرواية

تشكِّل أسئلة التأويل التي يصوغها القارئ تحريضًا على الإجابة لفهم معاني النصّ، أو إمكان إيجاد مَكامن انكشافِها، لتنبثق منها عمليَّة صقل هذه الأسئلة وتناسلها وتفرُّعها بما يمكِّن من تدبُّر هذه المعاني المنطوية فيها.

وفي أسئلة التأويل محاولةٌ لاستثارة تأويلات بشأن النصِّ توضِّح غوامضَه أو تبيِّن طاقات المعنى الذي يختزنها، ليستطيع القارئ أن يكشف عن الغرض الذي أراد الكاتب أن يُفصح عنه.

وبما أنَّ الإنسان هو كائن البحث عن أفضل سبل الانتماء إلى العالم، وهذا الوجود مفطورٌ على قابليَّة التفسير، بحسب بول ريكور، "فلا بدَّ لكلِّ فسارة من أن تُبنى على جدليَّة الذات والآخر، حتَّى يستقيم فيها الاستدلال على المعنى"[34]، وهذا ما ينصبُّ عليه فضاء هذه الرواية.

- هل يمكن الاحتكام إلى سلطة معياريَّة واحدة عند معلوف؟ كيف نقرأ ذلك في ضوء النسبيَّة الأخلاقيَّة؟

- ما هي آداب التعايش في المجتمع الواحد أوَّلًا، وبين بشرٍ من عالم أصليٍّ وآخر موازٍ؟

- ما التسامح الذي نراه في الخطاب القِيَميّ، وهل يمكننا مناشدة السماح في ضوء عدم التكافؤ؟ 

شروط خطاب التعايش والتسامح، ومرجعيَّة الأخوَّة البشريَّة أوَّلًا

أوَّل شروط الانفتاح على الآخر غير المعروف

أ) ألَّا يضمر العداء، والتعاون الوثيق بين الجميع في أكثر اللحظات إرباكًا:

للتعايشِ شروطٌ أوَّلُها الثقة في المجتمع الواحد والتعاون، ومن ثمَّ تعاون الشركاء في القارَّات، وصولًا إلى التعاون مع طرف غير معروف لكنَّه لا يضمر العداء خطوةً أولى. إذًا يشترط التعايش التعاونَ بين الجميع لتخطِّي أيِّ مرحلة حرجة ودقيقة، فالمرجعيَّة الأخلاقيَّة في اللحظات التاريخيَّة الحرجة هي التلاحم والتعاون بين الجميع، وقبول العون من أيِّ أخوَّة بشريَّة، وهي التي تأتي أوَّلًا في سُلَّم الأولويَّات في مسرى الحضارات ولحظاتها الأكثر إرباكًا.

"لقد أصبحنا نعرف سبب هذه الظواهر...لكنَّ الحكمة تقتضي عدم التحدُّثِ عنها الآن...اتِّصالات على أرفع المستويات مع أشخاصٍ لا يضمرون أيَّ عداء لأميركا"[35]؛ "سننجح بفضل يقظة جميع الأميركيِّين وحكمتهم وحسِّهم المدنيّ وبالتعاون الوثيق مع أصدقائنا وشركائنا في جميع القارَّات، في تخطِّي هذه المرحلة الدقيقة"[36].

ب) في خطاب طمأنة الشعب الأميركيّ

يُظهر خطاب الرئيس انفتاحه على التعاون مع جهةٍ من دون تسميتها، أو الإشارة إلى أنَّها حكومة أو منظَّمة... يشير إليهم بـ "لا يُضمرون العداء لأميركا". لم يذكر سارادروف، لم يتطرَّق إلى لحظة النزاع النوويّ، لا ليقول إنَّه اندلع، ولا أنَّ تفاديه ممكن... فالأولويَّة للتعاون في درء الخطر، بغضِّ النظر عن ماهيَّة هذا الخطر.

المرجعيَّة الأخلاقيَّة هنا تُكتَسب من الحاجة إلى الآخر لإبعاد شبح الإبادة، من دون أن يكتسب أهمِّيَّةَ هويَّةِ هذا الآخر. إبعاد الإبادة والموت، لحظة مصيريَّة تتغيَّر في سبيلها الأولويَّات.

ج) تأويل الخطاب، من باب تلقِّي الناس: كيف يفسِّر الناس هذه المرجعيَّة الأخلاقيَّة؟ من خلال تأويل خطاب الرئيس؟

منهم (إيف)، مَن يقرأه على أنَّه خطاب استسلام ولا سبيل للمقاومة ولم تقرأه خطابَ تسامح... وإقرار مواجهة خصم غير متوقَّع؟"[37].

لا يسمِّيه خصمًا ولا عدُوًّا ولا يسمِّيه شريكًا...ومنهم (ألكسندر) يقرأه على أنَّه خطاب يُزيل قلق القنبلة ويضع مكانه قلقًا من نوعٍ آخر"[38]. هو قلقُ قَبول العون من فريقٍ، ليس خصمًا لكنَّه ليس شريكًا.

يتشكَّل في هذا الخطاب مكوِّنُ القبول الإيجابيّ للغير، والذي "يُفيد أنَّ الممارسات أو القناعات التي تُقابَل بالتسامح خاطئة أو سيِّئة بالفعل، ولكنَّها لم تصل بعد إلى مستوى الخطأ أو السوء الذي يجعل فكرةَ التسامح مستحيلة في حقِّها. إنَّ المبرِّرات المؤيِّدة للتسامح على مستوى مكوِّن "القبول" هي المبرِّرات نفسها التي تؤدِّي إلى رفض سلوكيَّات معيَّنة تتجاوز في السياق المطابِق الجانبَ المهمّ؛ لكنَّ رفض تلك السلوكيَّات يجب ألَّا ينتهي بإلغائها. يجب أن يظلَّ الرفض إذن حاضرًا"[39]. من هذا الباب، لم يرفض ملتون، أي الرئيس، قبولَ يدِ العون من أولئك القوم، فهم لم يقوموا بما يبرِّر عدمَ مسامحتهم.

وفي خطاب ملتون الأخير، يتطوَّر التعاون مع هذا "الآخر" غير المعروف وغير العدوّ، إلى مرحلةٍ أخرى من تبادُل الاحترام والتقارب والتضامن بعد أن كانت الدورب منفصلةً بين الطرفين، ما يدعو إلى البحث عن معنى التقارب والتعايُش في اللحظات المصيريَّة الحرِجة للشعوب، وقد ربط شرطَها هنا بمدى تقديمها وعونها:

"حتَّى الآن كانت دروبنا منفصلة، ومن الآن فصاعدًا، يجدر بنا أن نسير جنبًا إلى جنب، وأن نتبادل الاحترام والتعليم، وأن نشعر إلى الأبد بأنَّنا متقاربون ومتضامنون"[40].

ومن الاحترام والتبادل إلى الصداقة: "باسم الصداقة التي يُغدقها هؤلاء الناس علينا أن نصدِّق"[41].

د) خطاب إلكترا: خطاب الأمَّة الأخرى في التعايش، الموت هو العدوّ الأوحد:

في خطاب القوم المنقِذين، جابِري العثرات، تتحدَّد أولويَّة الخطاب بتحديد العدوِّ من الصديق، وحصره بالموت "المسألة محسومة لدينا نحن أصدقاء أمبيدوقليس. ماذا عنكم؟ هل أنتم على استعداد اعتبار الموت عدوَّكم الوحيد؟ لا القوى العظمى الغريمة، لا الشعوب الأخرى، لا الأعراق الأخرى، لا نحن. الموت فحسب. هل أنتم على استعدادٍ لإعادة النظر في أولويَّاتكم، وفتح صفحة جديدة معنا وفيما بينكم؟"[42]

لا شكَّ في أنَّه خطاب الطرف الأقوى، والنظرة إلى الآخر على أنَّه الأضعف ولا مجال أمامه للخيار. أمَّا كيف تمَّ تلقِّي خطابها، أي البحث عن معنى هذه الدعوة، فكان فهمُها على أساس أنَّها دعوة إلى النضج من قِبل بعضهم: "إيف: ما يجب علينا فعله أنْ نصبح راشدين...ذلك شرطهم للعودة"[43]. وقد جوبهت بخطاب عنفيٍّ من بعضهم الآخر.

هـ) خطاب ردِّ البشر العنفيّ:

قد يكون التكبُّر الإنسانيّ وفرط القوَّة والاستعلاء من أبرز منابع الخطاب العنفيّ: فالإنسان، الأميريكيّ هنا تحديدًا، يعتقد أنَّه الانسان المتفوِّق: "كنَّا نعتقد أنَّنا ملوك الكون، أعلى قمم الخليقة، إيفرست الخليقة. نحن وماضينا المجيد، وعلمنا العظيم، وأدياننا المهيبة"[44].

على الرغم من معرفتهم بأنَّ الحضارات كلَّها إلى فناء، لكنَّهم على اقتناع أنَّهم صانعو التاريخ، إلى أن أتى المنقذون المتفوِّقون بطُبِّهم وعلومهم التكنولوجيَّة الأكثر تطوُّرًا، أي أصدقاء أمبيدوقليس، وأظهروا لهم أنَّهم أكثر فضيلة ونقاوة: "إيف: حتَّى عندما نقول إنَّ حضارتنا فانية، كنَّا ننجح في التحلِّي بالتبجُّح والصفاقة! كنَّا مقتنعين بأنَّنا صنعنا التاريخ. ويتبيَّن أنَّنا لم نخرج من عصور ما قبل التاريخ!"[45]..."لكنَّهم أفضل حالًا منَّا! أكثر حرِّيَّة، أكثر فضيلة، وأكثر نقاوة!"[46].

و) خطاب البشر الموازي: الهويَّة والهدف ومعياريَّة الفعل: التسامح فعل إجباريّ

- الإنقاذ والحيلولة دون وقوع كارثة:

إجابةً عن التساؤل بشأن هويَّة المنقذِين، يعلن أحد أصدقاء أمبيدوقليس أنَّهم قوم لا يعملون لحساب أيِّ أمَّة أو قوَّة عظمى، وهدفهم الوحيد هو الحيلولة دون وقوع كارثة على نطاق الكوكب "سيكونون على عجلة في أمرهم للعودة إلى أدوار المتفرِّجين حالما يتبدَّد هذا الخطر"[47].

إقامة علاقات متبادَلة لصون المستقبل، مع تبريرٍ أخلاقيٍّ للاستعلاء، في مرجعيَّةٍ معياريَّة هي صون المستقبل للشعوب وإمكانات التطهير بلا ضحايا، والتي تأتي بالنفع على الجميع.

أمَّا التبرير الأخلاقيّ للاستعلاء فجاء تفسيرًا لسوء التأويل من قِبل الأميركيِّين، بسبب أحكامهم المسبقة، كذلك إسقاطًا منهم على الآخرين بسبب تاريخهم المشحون بالهيمنة والضراوة والجشع. وسوءُ الظنِّ بهم لم يأت من فراغ، بل من ماضيهم الذي لطالما استخدم القوَّة للنَّيل بعضهم من بعض، لذلك، من الأفضل أن يقوم خطابُ الدولة الرسميّ على إفهام الشعب أنَّ أصدقاء أمبيدوقليس هم قومٌ منقِذ، ووجودهم وطرق تصرُّفاتهم وسبلها وأدواتها إنَّما هي للتطهير وصونٍ للمستقبل، ولا نوايا استعماريَّة أو استعلائيَّة: وهذا ما جاء على لسان المبعوث من أصدقاء أمبيدوقليس:

"نضطرُّ للتصرُّف من دون موافقتكم. ظننت أنَّنا نستطيع إقامة علاقات متبادَلة. أغلب أصدقائي لديهم أحكام مسبقة راسخة ضدَّكم وضدَّ كلِّ أمم الأرض. وعندما يستعرضون مساركم لا يرَون سوى الضراوة والجشع والنِعات القاتلة. يعتقدون أنَّكم عاجزون عن استخدام قوَّتكم لشيءٍ آخر سوى الهيمنة والقهر. لا يصدِّقون مبادئكم وتعهُّداتكم"[48].

إنَّ المرجعيَّة المعياريَّة لخطاب الاستعلاء عند أصدقاء أمبيدوقليس نابعٌ ليس من تفوُّقهم فحسب بل من معرفتهم بتاريخ جشع البشر، وضراوتهم، الذين دخلوا أراضيهم، ومجابهتهم بتوقهم الدائم إلى الهيمنة، ولا شكَّ في أنَّ هذا جعَل الأحكام المسبقة عنهم نُصُبَ أعينهم. لذلك نفهم أنَّ أغاممنون ووراءه أصدقاء أمبيدوقليس لا يدركون التسامح إلَّا بحدودٍ يقفون عندها. فهم لا يتسامحون مع اللَّامتسامحين، كالأميركيِّين، تحت شعار"لا تسامح مع اللَّاتسامح الذي يصبح محدودَ الجدوى، لأنَّه غالبًا ما يتسرَّب فعل اللَّاتسامح نفسه في هذه المحاولات لوضع الحدود"[49].

وفي مكانٍ آخر، يُرجِع السلطة المعياريَّة لضرورة التدخُّل إلى صون المستقبل، من دون أن يأبهوا بطرق التدخُّل التي يراها الآخرون غير مناسبة: "كي لا يخيِّم الشكُّ وتسود النقمة بين قومكم وقومنا يجب أن تقولوا لموظَّفيكم المدنيِّين وعلمائكم ومواطنيكم وسائر العالم إنَّ هذا التطهير سيصون مستقبلكم ومستقبل أبنائكم"[50].

وفي هذا نبرة استعلاء لا تتسامح مع الرفض، لأنَّ النتيجة الأخيرة ستكون في مصلحة عموم الشعب. وبما أنَّ التسامح لا ينبغي أن يكون إجباريًّا، وبخاصَّةٍ أنَّنا هنا أمام طرفَين غير متكافئَين، فيصبح تسامح الطرف الأضعف هنا مدارة وخضوعًا. وهذا ما يؤدِّي إلى الكلام على التعايش والتسامح في ظلِّ عدم تكافؤ القوى.

ز) سؤال التعايش والتسامح في ظلِّ عدم تكافؤ القوى:

التفاوت الحضاريّ:

يظهر الفرق في الرواية "بين بشرَين مختلفَين بالتطوُّر حضاريًّا"[51] يحاولان أن يتحاورا:  خطاب ألكسندر، المؤرِّخ المحايد، بطل الرواية والراوي معًا، يحمل رسالةَ سلام ونبذ للعنف والبغضاء، حتَّى لو كان مقتنعًا بصوابيَّة قوله وعمله، إلَّا أنَّه يعلم أنَّ المرجعيَّة تضعها سلطة المتفوِّق الذي يفرض عِلمه. ففي ظلِّ عدم تكافؤ القوى، الغلبة للأقوى بما يتركه وراءه حتَّى لو رحل، فاستعلاء المتفوِّق أمر لا بدَّ منه، والمفارقة أنَّهم عاشوها وشهدوها هم أيضًا، في استعلائهم على شعبٍ أقلَّ منهم، في مقارنة بينهم وبين العصر الحجريّ، فالتطوُّر السريع يخلق فجوة لا يمكن ردمها ولا التغاضي عنها: "أنا لا أرتاح أمام البغضاء، حتَّى عندما أكون مقتنعًا بأنَّني على صواب. ..هو وقومه يتَّهموننا ونحن نتَّهمهم. يُضلِّلولنا ونُضلِّلهم. المفارقة أنَّنا فقط نحن نعاني وهم سيرحلون...إخوتنا غير المنتظَرين، ما أقلَّ شبههم بنا! إنَّهم يُشبهوننا كما نشبه البشر في العصر الحجريّ القديم"[52].

ح) آداب التعايش بين القومين والتوجُّس من الآخر

طبيعة التعايش في ظلِّ عدم تكافؤ القوى:

في ظلِّ طبيعة عدم التكافؤ بين شعبٍ يَعتبر نفسه حتَّى الأمس القريب الشعب المتفوِّق وملكَ الكون، إلى أن أتى قوم غير معروف، أنقذه من إبادة محتَّمة، ومدَّ له يد العون في الطبِّ المتفوِّق مع معدَّات متطوِّرة جدًّا تكاد تكون عجائبيَّة لسرعة عملها، فهذا أمر ليس من السهل تقبُّله، لكنَّ المستقبل الذي يصوغ علاقة الطرفَين يفرض أسئلة عن طبيعة علاقتهما معًا:

إلى أن يأتي اليوم الذي لا يعود فيه اللقاء بينهم وبيننا محفوفًا بالمخاطر. معضلتُهم نفسها على مرِّ القرون: إذا ما أقاموا علاقة معنا، ما هي الصلات التي ستنشأ بيننا وبينهم؟ هل يتعاملون معنا كأنداد؟ كإخوة؟ هل يتقاسمون معنا جميع معارفهم؟ لكُنَّا أسأنا استعمالها وحوَّلنا كلَّ اكتشاف من اكتشافاتهم إلى وسيلة للتدمير والاستعباد. ما العمل؟ هل يتعاملون معنا كبشريَّة أدنى مرتبة؟ كقُصَّر أبديِّين؟ هل يحصروننا في مرتبة الإخضاع والتبعيَّة؟ لو فعلوا هل سيخونون مبادئهم السامية!"[53].

الخوف من طبيعة التعايش مع شعب متفوِّق هو تخوُّف مشروع، فبعد أن تكون مَلِكًا للكون وتصبح فجأة في مرتبة أدنى، ويُطلَب إليك أن تكون تبعيًّا خاضعًا كقاصر، مع شعب لا تعرف إذا كان ممكنًا أن يخون مبادئه التي تعر

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق