article_cover_image

ترقى مشاركة الأولاد في المناولة المقدَّسة إلى تقليد عريق، فهم يحافظون على ثوب المعموديَّة نقيًّا.

author_article_image

المطران جوزيف جبارة

الأطفال الصغار ومسألة الأسرار - هل معموديَّة الأطفال ومناولتهم أمران لازمان؟


سؤال

رسالةٌ بعثَ بها يوحنَّا أسقف أنطاكية إلى ثيودورس أسقف أفسس الجزيل القداسة، وقد سأله فيها بشأنِ [الأطفالِ الصغار] الذينَ يجهلون معنى المعموديَّة، بسببِ صغرِ سنِّهم، فهم يجيبون بواسطة العرَّابين لأنَّهم لا يقدرونَ على الكلام: "أَكفرُ بالشيطانِ، وأَقبلُ المسيح" وما يتبع: هل يستسيغُ الله من [هؤلاءِ الأطفالِ] غيرِ الكاملين، بحسبِ أعمارهم، أن يتعَمَّدوا وأن يشاركوا في المناولة الإلهيَّة؟

في الحقيقةِ، لقد تشكَّك بعضُنا بسبب هذه الأمورِ، لأنَّ الربَّ نفسَه لم يتعمَّدْ بهذه الطريقة، ولا شرَّع المعموديَّة على هذا المنوال.


جواب

عن هذا السؤال، الذي أُثير منذُ فترةٍ قصيرة، عليكم، أنتَ والمحيطينَ بكَ، أنْ لا تُعيروه سماعًا، لأنَّه غير مبرَّر، وغريبٌ عن الإيمانِ الأرثوذكسيّ. أضفْ إلى ذلك أنَّ الكنيسةَ الجامعةَ الرسوليَّة التي تحدِّدُ الإيمان الأرثوذكسيَّ للجميع، لم تناقشه مطلقًا. والحالةُ هذه، إنَّ هذا الأمر لم تمنعه لا المجامع المسكونيَّة ولا المحلِّيَّة، ولا الآباء الإلهيّون[1]، فبأيِّ حقٍّ يَتلاعب الآنَ بهذا الأمر بعضُ المسيحيِّين المنافقين، وبعض الملافنة المزيَّفين، الذين يعملون على تغيير الحدود التي وضَعها الآباء، ولا يُصغون للقائل "مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ يُغَيِّرُ حُدُودَ الآبَاءِ" (تث 19: 14؛ 27: 17، مثل 22: 28)[2]، وكذلك قولِ بولسَ الرسولِ الإلهيّ: "إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ، أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِخِلَافِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ بِهِ، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا"( غلا ١: ٨)؟ في الواقع، إنَّ كنيسةَ الله الجامعةَ الرسوليَّة قد تلقَّت تعاليمَ كثيرةً لا عن طريقةِ الكتابةِ وحسب، بل وأيضًا عن طريق المشافهة[3]، كما يؤكِّد ذلك بولس الإلهيّ: "إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، حَافِظُوا عَلَى التَّقَالِيدِ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا عَنَّا، إِمَّا مُشَافَهَةً وَإِمَّا كِتَابَة" (٢ تس ٢: ١٥).

إنَّ منعَ الأطفالِ الصغارِ، الذين يحملون ختمَ الروحِ القدسِ الإلهيّ، من المشاركة في الأسرارِ الإلهيَّة، هو من أكثر الأمورِ المستغرَبةِ وغير المقبولة. لا لأنَّ هذا المنع محظورٌ في أيِّ مكان، بل أكثر من ذلك، لأنَّه ثمَّة تقليدٌ عريقٌ يقول إنَّ الأطفالَ الصغار ينبغي أن يأخذوا المعموديَّة الإلهيَّة والمناولة بأسرع ما يمكن، لأنَّهم معرَّضون للموت. هكذا كتب ونقل كلٌّ من باسيليوس الكبير وغريغوريوس[4]، هذان الرجلان، بطلا السماء، اللذان تكلَّما على الله بوحي الروحِ القدس، هذا من جهة. أمَّا القول إنَّ هؤلاء [الأطفال] لا يُدركون ما يتناولون فهو حماقة. إذْ تُراهم كيف يدركون، بالحقيقة، موهبة المعموديَّة الإلهيَّة، لأنَّهم غير كاملين من حيث العمر، ومع ذلك فهم غير محرومين من هذه النعمةِ الإلهيَّة؟ من جهةٍ أخرى.

وإنْ كانوا يقولون إنَّ العرَّابين هم الذين يجيبون عن الأطفال في لحظة معموديَّتهم، فما هذا القول؟ بالحقيقة، ليس العرَّابون بل حلول الروح الذي ينير ويقدِّس الأطفال الصغار، كما يقول يوحنَّا الذهبيُّ الفم الإلهيّ[5]. لقد خُتن ربُّنا يسوع المسيح بعمر ثمانية أيَّام. واقتيد إلى الهيكل وهو بعمر أربعين يومًا، بحسب ما تقتضيه الشريعة. لكنَّه كان حينئذ غير كاملٍ، بحسبِ الجسدِ، من حيثُ هو إنسان، بل كان "يَنْمُو شَيْئًا فَشَيْئًا بِالْعُمْرِ وَالنِّعْمَةِ" (لو 2: 40)، لكي لا يُظَنَّ أنَّه خيالٌ وغيرُ حقيقيّ. وعندما اكتمل نموُّه في مطلع بشارته الإنجيليَّة، أحبَّ على الخصوص الأطفال الصغار لأنَّهم خالون من كلِّ شرّ. وكذلك أخذ إغناطيوس الحامل الله بين يديه، حينما كان طفلًا صغيرًا، وقال لتلاميذه: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا فَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَطْفَالِ، لَا تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (مت ١٨: ٣)[6]. وهو يقول لهم في موضع آخر: "دَعُوا الأَطْفَالَ يَأْتُونَ إِلَيَّ، لَا تَمْنَعُوهُمْ، فَلِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ" (لو ١٨: ١٦). أمَّا داوُد المغبوط، البارع بالرؤيا النبويَّة، فيقول: "مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ، هَيَّأْتَ تَسْبِيحًا" (مز ٨: ٢)، ففي حين رفض الآباء [الربَّ]، أنشدَ له الأطفال الأنقياء تسبيحًا. أمَّا بخصوص الأطفال الأبرياء الذين ذُبحوا لأجل اسمه يوم ميلاده، فتمَّ إعلانهم أوَّل الشهداء، حتَّى وإنْ كانوا يجهلون لمن أُهْرِقَت دماؤهم. يقول الربُّ: "حَجَبَ ذَلِكَ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْأَذْكِيَاءِ، وَكَشَفَهَا لِلصِّغَارِ" ( مت ١١: ٢٥).

لذلك، يبدو لي من المجازفة إقصاءُ الأولاد عن المسيح، الذي يأخذهم هو نفسه بين يديه ويدعوهم إليه، ومنعُهم من المشاركة في الإفخارستيَّا والتناول، لأنَّه هو نفسه قال: "مَن أَكَلَ جَسَدِي وَشَرِبَ دَمِي، ثَبَتَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو ٦: ٥٦). فثمَّة بعض الأشخاص البالغين بحسب العمر ويتناولون بوعي تامّ، ويكونون أقلَّ كمالًا من الأطفال الصغار، فهم "يَتَنَاوَلُونَ دينُونَةً لِأَنْفُسِهِمْ"، كما يقول الرسول الإلهيّ ( ١ كور ١١: ٢٩). ماذا عساي أضيفُ أيضًا؟ لديَّ الكثيرُ من البراهينِ بنعمةِ الله. ولكن "أَعْطِ الْحَكِيمَ فَيَصِير أَحْكَمَ" (أمثال ٩: ٩). إنَّ مشاركة الأولاد في المناولة المقدَّسة ترقى إلى تقليدٍ عريقٍ، لأنَّهم أنقياء وغرباء عن أدناس العالم، ولأنَّهم يحافظون على ثوب المعموديَّة نقيًّا.

لا تبحث عن شيءٍ آخر، ولا تتعذَّب في ذلك. ولا تحاول أن تحذف أو أن تزيد شيئًا على تقليد الكنيسة العريق! لأنَّ الذي يحاول أن يزعزِع تقليد الكنيسة المنقول أو المكتوب فإنَّه "لن يكسب لنفسه شيئًا، حتَّى وإنْ كان من دم الشهيد"، كما يؤكِّد بوضوحٍ يوحنَّا الذهبيُّ الفم في تعليقه على أعمال الرسل[7].

فليمنحنا السلامَ جميعًا إلهُ السلام. ويثبِّتنا في الوفاق بمشيئته الإلهيَّة. به يليق المجد إلى دهر الداهرين[8].


تعليق على الرسالة

1- صاحب الرسالة وتاريخ صياغتها

هل يستسيغُ الله معموديَّة الأطفال الصغار ومشاركتهم في المناولة المقدَّسة؟ وهل عدم وعيهم لقبول الأسرار، وعدم قدرتهم على رفض الشيطان بلسانهم الشخصيّ في أثناء خدمة "طرد الشياطين" يجعل مفعول هذا السرِّ من دون طائل؟

أسئلة لاهوتيَّة أثارها المؤمنون في مدينة أفسس، أو بالحريّ أثارها ثيودورس الثاني رئيسُ أساقفتهم في أواخر القرن العاشر، وطلب رأيَ السلطة الكنسيَّة القانونيّ بشأنها. فجاء جواب البطريرك الأنطاكيّ يوحنَّا الثالث بوليتِس (Jean III Politès) الذي يمكن اختصاره بهذه العبارات القويَّة والمهمَّة: "إنَّ منع الأطفال الصغارِ، الذين يحملون ختم الروح القدس الإلهيّ، من المشاركة في الأسرار الإلهيَّة، هو من أكثر الأمور المستغرَبة وغير المقبولة. لا لأنَّ هذا المنع محظورٌ في أيِّ مكان، بل أكثر من ذلك، لأنَّه ثمَّة تقليدٌ عريقٌ يقول إنَّ الأطفال الصغار ينبغي أن يأخذوا المعموديَّة الإلهيَّة والمناولة بأسرع ما يمكن". ويتابع في موضع آخر: "يبدو لي أنَّها لمجازفة إقصاء الأولاد عن المسيح (...) ومنعهم من المشاركة في الإفخارستيَّا والتناول". إذًا، الجواب واضح بالنسبة إلى الكنيسة المعلِّمة: ينبغي عدم حرمان الأطفال الصغار من المعموديَّة، وكذلك من المشاركة في سرِّ الإفخارستيَّا والتقرُّب إلى المناولة المقدَّسة.

ولكن، ثمَّة سؤال يُطرح من تلقاء ذاته: لماذا توجَّه رئيسُ أساقفة أفسس بسؤاله إلى بطريرك أنطاكية وليس إلى بطريرك القسطنطينيَّة التي تخضع له أبرشيَّة أفسس؟ يبدو أنَّ يوحنَّا الثالث بوليتِس؛ الذي اختاره الإمبراطور باسيليوس الثاني بطريركًا على أنطاكية (996-1021)، سبق أن كان شمَّاسًا "خارتوفيلاكس" في كنيسة آجيا صوفيا، أي حافظًا للأرشيف والأوراق الرسميَّة، ومسؤولًا عن المراسلات القانونيَّة التي تخرج من الدائرة البطريركيَّة. وقد تأخَّر دخوله إلى الكرسيّ البطريركيّ عدَّة سنوات، بسبب أوضاع سوريا غير المستقرَّة والحروب المتواصلة بين العرب والبيزنطيِّين، ولم يتسلَّم زمام كرسيِّه إلَّا في صيف العام 999. وحدث أن توفِّي في هذه الأثناء، سيسينيوس الثاني، البطريرك القسطنطينيّ (24 آب 998)، وشغر الكرسيُّ البطريركيّ بوفاته عدَّة سنوات (998-1001). فأصبح يوحنَّا الثالث الأنطاكيّ المقيم في القسطنطينيَّة، والخارتوفيلاكس سابقًا، أعلى سلطة كنسيَّة موجودة في العاصمة إلى جانب الإمبراطور. لذا وجَّه إليه ثيودورس الثاني رئيس أساقفة أفسس رسالته، وطلب منه جوابًا قانونيًّا عن السؤال اللاهوتيّ الذي يقضُّ مضجعه ومضجع المحيطين به: هل ينبغي أن يُعمَّد الأطفال الصغار ويُسمَح لهم بالمشاركة في المناولة المقدَّسة؟

أمَّا بالنسبة إلى العام الذي كُتِبَت فيه هذه الرسالة فيقول الباحثون إنَّها تمَّت بعد وفاة البطريرك القسطنطينيّ سيسينيوس الثاني (24 آب 998) وقبل انتقال يوحنَّا الثالث إلى أنطاكية (أي في فصل الصيف من العام 999).

لم تصل هذه الرسالة إلَّا في مخطوطة يتيمة محفوظة في حالة جيِّدة بالمكتبة الوطنيَّة الفرنسيَّة (Parisimus 1304)، وقد نُسِبَت قديمًا إلى يوحنَّا الرابع أو الخامس أوكسيثوس بطريرك أنطاكية (1088-1100)، من طريق الخطأ.

2- مضمون الرسالة

قبل الاطِّلاع على مضمون الرسالة، والتعرُّف إلى محاورها الأساسيَّة، والكشف عن النقاط اللاهوتيَّة القويَّة فيها، لا بدَّ من لفت الانتباه إلى أمر مهمٍّ يخصُّ مسلك ثيودورس الثاني صاحب السؤال اللاهوتيّ والقانونيّ في آن. ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه كان رئيسًا لأساقفة أعظم أبرشيَّة في آسيا الصغرى وأعرقها منذ عدَّة سنوات، أعني بها كنيسة أفسس. ولكنَّه على الرغم من ذلك لم يتجرَّأ على أن يوجِّه سؤاله مباشرة وبصريح العبارة إلى أسقف أنطاكية. فنراه يتستَّر ويخفي ذاته وراء كلمات مثل "بعضٌ منَّا"، "بعض المسيحيِّين"، و"بعض الملافنة". ولكنَّ رئيس أساقفة أنطاكية لم يكن ساذجًا لكي تنطلي عليه هذه الطريقة بالسؤال. وكخارتوفيلاكس معتاد على أسئلةٍ من هذا النوع بعد خبرة طويلة في الدائرة البطريركيَّة، يفضح تستُّر ثيودورس الثاني بطريقة دبلوماسيَّة ذكيّة، ويبرزه للعلن، ويضعه في جملة "الملافنة المزيَّفين" من دون أن يسمِّيه. كما يُذكِّره، في مطلع الرسالة، أنَّه ينبغي له "هو وكلُّ المحيطين به" أن لا يُعيروا آذانهم لمثل هذه الأسئلة. ولكنَّ أسلوبه في الردِّ يزداد حدَّة وقساوة مع التقدُّم في صياغة الجواب، بحيث إنَّه يصل في الخاتمة ليكون مباشرًا، وموجَّهًا إلى رئيس الأساقفة نفسه، فيقول له: "لا تبحث عن شيءٍ آخر، ولا تتعذَّب في ذلك. ولا تحاول أن تحذف أو أن تزيد شيئًا على تقليد الكنيسة العريق! لأنَّ الذي يحاول أن يزعزع تقليد الكنيسة المنقول أو المكتوب فإنَّه "لن يكسب لنفسه شيئًا، حتَّى وإن كان من دم الشهيد"، كما يؤكِّد بوضوحٍ يوحنَّا الذهبيّ الفم."

ننتقل الآن إلى مضمون الرسالة. فبما أنَّ يوحنَّا عمِل كخارتوفيلاكس في الكنيسة العُظمى قبل أن يصير بطريركًا على أنطاكية، كان على دراية تامَّة بالمسائل القانونيَّة، وبتقليدَي الكنيسة الشفهيّ والكتابيّ. فهو يبدأ جوابه من وجهة نظر قانونيَّة بالقول: إنَّ سؤالًا من هذا النوع المريب "غريب عن الإيمان الأرثوذكسيّ وغير مبرَّر". وبالتالي، ينبغي للأسقف والمحيطين به ألَّا يُعيروه آذانهم. لأنَّه لا المجامع المسكونيَّة، ولا المجامع المحلِّيَّة، ولا حتَّى الآباء القدِّيسون، منعوا معموديَّة الأطفال الصغار ومناولتهم. ثمَّ يتساءل: فبأيِّ حقٍّ يتجرَّأ بعض "المزيَّفين"، من المسيحيِّين والملافنة، على تغيير الحدود التي وضعها الآباء؟ وهنا يلجأ إلى الكتاب المقدَّس بعهدَيه، القديم والجديد، ليحرِّم التلاعب بالحدود وبالتقاليد التي تسلَّمتها الكنيسة. ثمَّ يستطرد ليؤكِّد وجود تقليدٍ عريق مزدوج - شفويّ وكتابيّ - في الكنيسة، مستندًا في ذلك إلى تعليم يوحنَّا الدمشقيّ، من دون أن يسمِّيه. ويعتبر أنَّ هذا التقليد الذي ينادي بمعموديَّة الأطفال، حالًا بعد ولادتهم، يعود إلى كلٍّ من باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتيّ. كما أنَّ مسألة وعي الأطفال للأسرار تُعتبَر ثانويَّة ولا علاقة لها بالنعمة الإلهيَّة التي ينالونها بواسطتها.

 ثمَّ ينتقل إلى معالجة الإشكاليَّات التي أثارها مسلكُ السيِّد المسيح وكلامُه، فهو "لم يتعمَّد" صغيرًا، ولم يُشرِّع المعموديّة بهذا الشكل. فيذكر بعض الأحداث التي عاشها وهو بعمر الأطفال طبقًا للشريعة: ختانته في اليوم الثامن، ودخوله الهيكل بعد أربعين يومًا من ميلاده، ويذكِّر بعلاقة المحبَّة التي كانت تربطه بالأطفال الصغار. ثمَّ يضيف حادثة أسطوريَّة وردت في سيرة القدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ تقول إنَّ الربَّ احتضنه وأشار إليه قبل أن يخاطب تلاميذه: "إنْ لم ترجعوا فتصيروا مثل الأطفال، لا تدخلوا ملكوت السماوات" (مت 18: 3). والتذكير بهذه الحادثة الأسطوريَّة التي اختلقها سمعان الميتافراست، صاحب سنكسار القدِّيسين في الكنيسة البيزنطيَّة، مهمٌّ جدًا لأنَّه يُحدث نوعًا من التماثل بين إغناطيوس الأنطاكيّ، صاحب الرسالة المهمَّة إلى كنيسة أفسس، التي تتكلَّم خصوصًا على الإفخارستيَّا، وبين يوحنَّا الثالث أسقف أنطاكية الحاليّ الذي يجيب عن سؤال ثيودورس الثاني بخصوص المعموديَّة والإفخارستيَّا. فالذي منح قديمًا الأسقف إغناطيوس هذا السلطان لكي يخاطب مؤمِني كنيسة أفسس بشأن الإفخارستيَّا، هو عينه يمنح الآن سلطانه ليوحنَّا لكي يخاطب مؤمِني هذه الكنيسة ويحثَّهم على تقديم أولادهم الصغار إلى المعموديَّة، وتقريبهم من المناولة المقدَّسة.

وثمَّة مسألة لاهوتيَّة تُبرزها الرسالة ينبغي التوقُّف عندها، وهي على جانب كبير من الأهمِّيَّة؛ إنَّها الكلام على طبيعة الأطفال الصغار الطاهرة والنقيَّة. فيوحنَّا يشدِّد على هذا الأمر كثيرًا، ويشير إلى الأطفال الـ "خالين من كلِّ شرّ"، وبأنَّهم "أنقياء وغرباء عن أدناس العالم، ويحافظون على ثوب المعموديَّة نقيًّا". وكأنَّه يستخدم بطريقة عكسيَّة الحجَّة اللاهوتيَّة التي استند إليها لاهوتيُّو الغرب إبَّان القرون الوسطى لتبرير معموديَّة الأطفال. فعوضًا عن أن تكون المعموديَّة لتنقية طبيعة الأطفال وتطهيرها من أدران الخطيئة (من لوثة الخطيئة الأصليَّة في ما بعد)، تتحوَّل طبيعة الأطفال، البريئة والطاهرة أصلًا، إلى عامل يؤهِّلهم لقبول سرِّ المعموديَّة وبقيَّة الأسرار.

أمَّا تعبير "ختم الروح القدس الإلهيّ"، الذي تتكلَّم عليه الرسالة، فهو يشير بطريقة أو بأخرى إلى السرِّ الثاني من أسرار التنشئة المسيحيَّة، أي الميرون المقدَّس، ولكن من دون أن يسمِّيه أو يطلق عليه صفة السرِّ القائم بحدِّ ذاته مفصولًا عن المعموديَّة. ففي الحقيقة، لم تعرف الكنيسة الشرقيَّة الأسرار السبعة، وبالتالي لم تقبل الفصل بين سرَّي المعموديَّة والميرون إلَّا في القرن الثالث عشر، وذلك بعد مجمع ليون الثاني الذي سعى لاتِّحاد الكنيستَين الشرقيَّة والغربيَّة (1274).


خلاصة القول إنَّ رسالةَ يوحنَّا، بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى، إلى ثيودورس الثاني رئيس أساقفة أفسس، تأتي لتؤكِّد أنَّ معموديَّة الأطفال وتقرُّبهم إلى المناولة المقدَّسة تقليد عريق في الكنيسة ينبغي المحافظة عليه، وعيشه بأمانة، حتَّى وإن كان الأطفال غيرَ واعين ولا مدركين لأهمِّيَّة هذه الأسرار التي يعيشونها. فالنعمة التي تنتقل من خلالها كفيلة بأن تجعل هؤلاء الأطفال ينمُون في محبَّة المسيح وطاعته.





  المطران جوزيف جبارة: أستاذ سابق في الجامعة اليسوعيَّة (كلِّيَّة العلوم الدينيَّة)، وفي الكلِّيَّات اللاهوتيَّة الأخرى. انتُخب أسقفًا مساعدًا على البرازيل في العام ٢٠١٣، ثمَّ انتقل الى أبرشيَّة بترا وفيلادفيا وسائر الأردنّ في العام ٢٠١٨، وقدَّم لاحقًا استقالته لأسباب صحيَّة. له عدَّة ترجمات في مجال آباء الكنيسة، وله أيضًا قاموس إعلام الفكر المسيحيّ، القرن الأوَّل إلى القرن الثامن، منشورات المكتبة البولسيَّة، ٢٠١٠.

[email protected]





[1]   الآباء الإلهيُّون تعبير يرِد في الكتابات القديمة، ويُشار به إمَّا إلى كُتَّاب الأسفار المقدَّسة أو إلى اللاهوتيِّين، بمعنى أنَّهم وصلوا في قداستهم إلى مرحلة التألُّه، أي اتَّحدوا بالله فأدركوا أسرارًا تفوق كلَّ كلامٍ ووصفٍ وإدراك.

[2]   Cf. Concile In Trullo ca. 19

[3]     Cf. Jean Damascène, De da foi Orthodoxe, 89.

[4]   Cf. Basile le Grand, Exhortation sur le saint baptême, PG 31, 441 et Grégoire

 Le Théologien, Discours 41 Sur le saint baptême, SC 358, p. 232-234.

[5]   Cf. Jean Chrysostome, Catéchèse baptismales, II, SC 50 bis, p. 147.

[6]   Cf. Symeon Métaphraste, Martyre de saint Ignace le Théophore, 1.

[7]   Cf. Jean Chrysostome, Commentaire sur l`Epitre aux Ephésiens, PG 62, 58.

[8]     V. Kontouma, “Baptême et communion des jeunes enfants : la Lettre de Jean dʼAntioche

à Théodore d’Ephèse (998/999)”, in REB 69 (2011), p. 185-204.





تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق