جامعة القدِّيس يوسف في بيروت في السنة الماية والخمسين: لماذا تبقى ضرورة وطنيَّة؟
أودُّ أن أسلِّط الضوء في هذا العدد من مجلَّة المشرق الإلكترونيَّة على تاريخٍ هو أكثرُ من مجرَّد تاريخ: 1875، تاريخُ تأسيس جامعة القدِّيس يوسف في بيروت.
إنَّه حدثٌ ترك بصماتِه على وجود الكنيسة ومستقبلها، من خلال تدريب الآلاف من قادتها، وغرس روح الإيمان والرجاء، روحِ المحبَّة للإنجيل، ودعوته لبناء الإنسان الحرِّ السيِّد، للبنانَ الدولة المستقلَّة القادرة على أن تكون رسالةَ العيش المشترك، والثقةِ المتبادَلة بين مختلف الأفراد.
في خضمِّ التحوُّلات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي يشهدها لبنان والمنطقة، تبرز جامعة القدِّيس يوسف في بيروت منذ تأسيسها في العام 1875 صرحًا تعليميًّا وثقافيًّا له تاريخُه. إنَّها ليست مجرَّد جامعةٍ عاديَّة، بل هي مؤسَّسة وطنيَّة تحمل في قلبها رسالةً تتجاوز التعليمَ الأكاديميّ لتلامس صميمَ هويَّة لبنان ودورَه الثقافيَّ المتميِّز. فلماذا تبقى جامعة القدِّيس يوسف ضرورةً وطنيَّة بعد مرور 150 عامًا على تأسيسها؟
لبنان بلد يتميَّز بتنوُّعه الثقافيّ والدينيّ، وجامعةُ القدِّيس يوسف كانت دومًا تجسيدًا لهذا التنوُّع. فمنذ تأسيسها، حرصت على تعزيز قِيم التعايش والحوار بين مختلف الطوائف والثقافات. وفي وقت تتعرَّض فيه الهويَّة اللبنانيَّة لضغوط داخليَّة وخارجيَّة، تبقى الجامعة حصنًا يحمي هذا التنوُّع، ويعزِّز الانسجام الوطنيّ، إذ من خلال برامجها الأكاديميَّة وأنشطتها الثقافيَّة، تُسهم الجامعة في بناء جيلٍ يؤمن بالتعدُّديَّة ويسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنيَّة.
وفي ظلِّ التحدِّيات الاقتصاديَّة التي يواجهها لبنان، أصبح التعليم العالي الجيِّد ضرورةً ملحَّة لضمان مستقبل الشبيبة. وجامعةُ القدِّيس يوسف، بفضل تاريخها العريق وسمعتها الأكاديميَّة، تقدِّم تعليمًا راقيًا يواكب المعايير الدوليَّة. وكلِّيَّاتُها المتخصِّصة في الطبِّ، والهندسة، والحقوق، والعلوم الإنسانيَّة وغيرها من الكلِّيَّات والمعاهد، تُخرِّج كفاءاتٍ قادرة على المنافسة في سوق العمل المحليّ والدوليّ. بالإضافة إلى ذلك، تُعَدُّ الجامعة مركزًا للبحث العلميّ، حيث تسهم في تطوير المعرفة وتقديم حلولٍ مبتكرة للتحدِّيات التي تواجه المجتمع.
وفي بلد يعاني من تفاوتاتٍ اجتماعيَّة واقتصاديَّة كبيرة، تؤدِّي جامعة القدِّيس يوسف دورًا محوريًّا في تعزيز العدالة الاجتماعيَّة. فمن خلال برامج المنح الدراسيَّة والمساعدات الماليَّة، تُتيح الجامعة الفرصة للطلَّاب من مختلف الخلفيَّات الاجتماعيَّة للحصول على تعليم عالٍ من دون عوائق مادِّيَّة. هذا الالتزام بالعدالة يجعل الجامعة أداةً فعَّالة في محاربة الفقر وتمكين الشبيبة، ما يسهم في بناء مجتمعٍ أكثر إنصافًا.
يُعدُّ لبنان، بتركيبته الفريدة، نموذجًا للحوار بين الأديان والثقافات، وجامعةُ القدِّيس يوسف، بفضل رسالتها اليسوعيَّة، كانت دومًا في طليعة تعزيز هذا الحوار، بحيث من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات وورش العمل، تسهم الجامعة في تعزيز التفاهم المتبادَل بين مختلف الطوائف والمذاهب، وفي وقت تتعرَّض فيه المنطقة لموجات من التطرُّف والتعصُّب، تبقى الجامعة منارةً للتسامح والانفتاح.
وفي عالم سريع التغيُّر، يحتاج لبنان إلى قادةٍ قادرين على مواجهة التحدِّيات بفكر مبتكِر ورؤية استراتيجيَّة، لذلك فإنَّ جامعة القدِّيس يوسف، من خلال برامجها الأكاديميَّة والتدريبيَّة، تُعِدُّ طلَّابها ليس لشغل وظائف وحسب، بل ليكونوا قادة في مجالاتهم. فإنَّ القيم التي تغرسها الجامعة في طلَّابها، مثل النزاهة، والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، والالتزام بالمصلحة العامَّة، تجعلهم مواطنين فاعلين في بناء مستقبل لبنان.
بعد 150 عامًا من الإنجازات، تبقى جامعة القدِّيس يوسف في بيروت ضرورة وطنيَّة لا يمكن الاستغناء عنها. إنَّها ليست مؤسَّسة تعليميَّة وحسب بل هي رمز للهويَّة اللبنانيَّة، وأداة للتغيير الإيجابيّ، ومنارة للأمل في مستقبل أفضل. وفي وقت يواجه فيه لبنان تحدِّياتٍ جسيمة، تظلُّ الجامعة شاهدًا على قوَّة التعليم في بناء المجتمعات وتعزيز القيم الإنسانيَّة. مستقبل لبنان يعتمد بشكل كبير على مؤسَّسات مثل جامعة القدِّيس يوسف، التي تواصِل إشعاعها كمنارة للعلم والمعرفة.
الأب سليم دكَّاش اليسوعيّ: رئيس تحرير مجلَّة المشرق الرّقميّة. رئيس جامعة القدِّيس يوسف في بيروت. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتِّحاد الدوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التربويَّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب - الفلسفة من جامعة بانتيون - السوربون 1 (1988). يدرِّس فلسفة الدين والحوار بين الأديان والروحانيَّة السريانيَّة في كلِّيَّة العلوم الدينيَّة في الجامعة اليسوعيَّة.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق