article_cover_image

La Liberté guidant le peuple - Eugène Delacroix (1830) - Musée du Louvre

author_article_image

الدُّكتورة نادين عبّاس

علِّمني الحرِّيَّة

في يدها رواية "أثينا" لاسكندر نجَّار، وفي قلبها معانٍ كثيرةٌ... كانت تقلِب بيدٍ صفحات الكتاب وتقلِّب بيدها الأخرى ورقات حياتها. "أنا أحمل الحرِّيَّة في دمي" قالت بطلة الرِّواية في السَّطر الأوَّل من الكتاب. لكن هل نحن حقًّا أحرارٌ كالعصافير تحلِّق أفكارنا على أجنحة الحرِّيَّة؟ وهل كاتب رواية أثينا حرٌّ يعيش الحرِّيَّة الَّتي يتغنَّى بها؟

أسئلةٌ عديدةٌ تحاصرها بينما هي جالسةٌ على كرسيِّها الضَّيِّق في غرفتها الصَّغيرة. كانت النَّافذة موارَبةً وضوء الشَّمس يدخل منها بخجلٍ. شعرت فجأةً بلمسة كائنٍ لطيفٍ تداعب كتفها. إنَّها فراشةٌ جميلةٌ ملوَّنةٌ. ما أسعدها! قالت السَّيِّدة. لا بدَّ من أنَّها فرحانةٌ تنعم بالحرِّيَّة. أمَّا أنا فمدايَ قصيرٌ ويداي مقيَّدتان بأمورٍ كثيرةٍ لا أكاد أستطيع إحصاءها. يا الله كيف السَّبيل إلى الخروج من هذا الضِّيق؟

يقولون يولد الإنسان حرًّا. عن أيِّ حرِّيَّةٍ يتحدَّثون! يجيء الإنسان إلى هذا العالم من دون إرادته، يُلقَى به إلى هذا الكون ثمَّ يتحمَّل مسؤوليَّة تحديد ماهيَّته، كما يقول سارتر. فنحن لا نولد من دون إرادتنا فحسب لكنَّنا نعيش طفولتنا مقيَّدين، والِدانا يختاران لنا ماذا نأكل وماذا نلبس ومتى ننام. نُسجَن في دوامٍ مدرسيٍّ ساعاتٍ طويلةً لسنواتٍ كثيرةٍ. تحكمنا عاداتٌ وتقاليد اجتماعيَّةٌ يُعدُّ الخروج عنها تمرُّدًا. يبدو أنَّ الحرِّيَّة كذبةٌ كبيرةٌ!

وبينما هي غارقةٌ في كرسيِّها، تتلاطم الأفكار في عقلها، دخل كالطَّيف غرفتها. نظرت إليه وقالت: علِّمني كيف أكون حرَّةً. لم يقل كلمةً واحدةً. أمسك يدها وخرج بها إلى وجودٍ أوسع من كرسيِّها وغرفتها.

سألها: ما الأمر الَّذي يزعجك أكثر من غيره؟

هي: ثيابي. سئمتُ من الفساتين الواسعة والأكمام الطَّويلة. أشعر أنَّها تخنقني. كان جبران على حقٍّ عندما قال: إنَّ ثيابَكم تحجب الكثيرَ من جمالكم، ولكنَّها لا تسْتِر غيرَ الجميل. ومع أنَّكم تنشدون بثيابكم حرِّيَّةَ التَّستُّر والانفراد، فإنَّها تقيِّدكم وتستعبدكم.

هو: تحرَّري ممَّا يزعجك.

لم تتردَّد لحظةً واحدةً. بدَّلت ملابسها ومشت بكلِّ فخرٍ وفرحٍ. وبعد مدَّةٍ وجيزةٍ قالت له: أرى العيون تحيط بي وتلاحقني. أظنُّ أنَّ الحرِّيَّة لا تتعلَّق بالثِّياب.

هو: لذلك قال جبران: لا يغرب عن أذهانكم أنَّ الحشمة هي ترسٌ منيعٌ متينٌ للوقاية من عيون المدنِّسين. فإذا زال المدنِّسون من الوجود، أفلا تصير الحشمة قيدًا للفكر وتلويثًا له في حمأة العبوديَّة؟

هي: ماذا أفعل؟

هو: انزعي عنكِ أفكار المجتمع وتقاليده. ابحثي، اكتشفي، اقرئي، تعرَّفي على أفكار الآخرين وتجاربهم، واختبري قدْرَ ما تستطيعين. وسأكون إلى جانبك في رحلة البحث عن الحرِّيَّة.

هي: سأبدأ من رواية "جاك المؤمن بالقدر" لديدرو. يقول فيها "إنَّ كلَّ ما يصيبنا من خيرٍ وشرٍّ هنا، مكتوبٌ فوق". فهل ما يحدث في حياتنا خاضعٌ للقدَر كما كان كلُّ شيءٍ يحدث في الرِّواية خاضعًا لمزاج الرَّاوي؟

هو: السُّؤال عن مدى حرِّيَّة الإنسان وعلاقتها بالإرادة الإلهيَّة قديمٌ. اقرئي سفر التَّكوين وآيات القرآن الَّتي وردت فيها قصَّة آدم وحوَّاء ومعصيتهما الله.

هي: هل يمكن الاستدلال من عدم طاعة آدم وحوَّاء لله على أنَّ الخالق منذ خلقهما منحهما الحرِّيَّة الكافية والقدرة على الاختيار، وأنَّهما بإرادتهما خالفا أوامر الله وتحمَّلا نتيجة تصرُّفهما وطُردا من الجنَّة؟ وإلى أيِّ حدٍّ نحن أحرارٌ في حياتنا؟ أوَليسَ كلُّ شيءٍ يحدث بأمر الله ومشيئته، وأنَّنا لا يصيبنا إلَّا ما كتب الله لنا؟ أنا إنسانةٌ مؤمنةٌ بوجود الله وبعظمته ورحمته وحبِّه لنا، لذلك أتساءل عندما أرى طفلًا يمرض ويتألَّم ويتعذَّب لمَ لا يمنُّ الله عليه بالشِّفاء؟ ولماذا يتدخَّل الله أحيانًا في حياة البشر فيخلِّص إنسانًا من شقاءٍ محتَّمٍ بينما يتخلَّى عن آخرين؟!

هو: لحكمةٍ نجهلها. هذا جواب الأديان والعديد من الفلاسفة.

هي: أظنُّ أنَّ السُّؤال عن العلاقة بين حرِّيَّة الإنسان وإرادة الله لا جواب يقينيًّا عليه.

هو: اقرئي سارتر. هو يعتقد أنَّ وجود الإنسان يسبق ماهيَّته.

هي: ويقول إنَّ الإنسان ليس إنسانًا إلَّا بحرِّيَّته، وإنَّ الحرِّيَّة يصحُّ اعتبارها تعريفًا للإنسان. فالإنسان ليس موجودًا كما يتصوَّر وجود نفسه فحسب، بل كما يريد وجود نفسه، وكما يتصوَّر وجود نفسه بعد أن تكون هذه النَّفس قد وُجدَت. والإنسان خالقٌ لنفسه لأنَّه وحده متصوِّرٌ لها. فالإنسان مشروعٌ يتحقَّق ويتطوَّر باستمرار.

هو: وأنتِ، أيُّ مشروعٍ تكونين وتُكوِّنين؟

هي: أنا كما تراني واقفةٌ على حافَّة الاختيار تتجاذبني أفكارٌ كثيرةٌ. أشعر كأنَّني مسجونةٌ لا أقوى على فعل شيء.

هو: وضعك أفضل من السَّجين واختياراتك أكبر بكثيرٍ من اختياراته. وحتَّى السَّجين في سجنه لديه مساحةٌ من الحرِّيَّة. صحيحٌ أنَّه ليس حرًّا في الخروج من السِّجن لكنَّه حرٌّ في أن يختار كيف يتعامل مع ظروفه، كما يقول سارتر. فهو يملك حرِّيَّة التَّفكير في الهروب، أو قبول وضعه، أو حتَّى الانتحار. الحرِّيَّة ليست في الظُّروف، بل في كيفيَّة تعاملنا معها.

هي: السَّجين يبقى سجينًا ما دام خلف القضبان. ثمَّة سجناء يدرسون وينالون شهاداتٍ أو يؤلِّفون كتبًا ورواياتٍ، لكنَّهم مهما فعلوا وأنجزوا يظلُّون سجناء.

هو: وفي المقابل ثمَّة أشخاصٌ يخسرون حرِّيَّتهم، وأحيانًا حياتهم، بسبب آرائهم الَّتي تخالف السَّائد في المجتمع الَّذي يعيشون فيه. والتَّحدِّي الَّذي يعيشه الإنسان هو في الاختيار بين المغامرة في الثَّورة والتَّعبير وبين السُّكوت والرُّضوخ للظُّلم والفساد.

هي: وأنا ماذا أفعل؟ انظر كيف عاش سارتر وسيمون دي بوفوار بحرِّيَّةٍ! الحرِّيَّة عندهما لم تكن نظريَّاتٍ فحسب، لكنَّها كانت واقعًا وفعلًا وحياةً.

وبينما كانا يتحدَّثان مرَّ بجانبهما شخصٌ تكرهه. غضبت. وكان صمتٌ وتأمُّلٌ.

هي: أشعر أنَّ الكراهيَّة والحقد والغيرة والحسد وجميع المشاعر السَّلبيَّة قيودٌ تكبِّل الإنسان.

هو: وكيف يمكن فكُّ هذه القيود؟

هي: بالحبِّ. وحده الحبُّ يحرِّر من أغلال المشاعر السَّلبيَّة. سأخلي قلبي من جميع الأحاسيس ما عدا الحبَّ لأكون حرَّةً كالشَّمس تشرق من دون أن تلتفت إلى الكائنات على الأرض.

هو: ثمَّة أشياءٌ أخرى تقيِّد الإنسان.

هي: ما هي؟

هو: الأسرار والأمور الَّتي لا يستطيع البوح بها. كلَّما ابتعد الإنسان عن الكذب وكان صادقًا مع الآخرين كلَّما كان أكثر حرِّيَّةً. الأسرار هي السجن، أمَّا الحقيقة فهي الحرِّيَّة. الكذب والأسرار يجعلان الإنسان يعيش في قوقعةٍ يحبس نفسه فيها ليحمي أسراره.

تابعا سيرهما ودخلا معرضًا يضمُّ أعمالًا فنِّيَّةً لرسَّامين ونحَّاتين عالميِّين. هنا لوحةٌ تصوِّر محاكمة سقراط، وهناك لوحةٌ ترمز إلى الثَّورة الفرنسيَّة... أمَّا المنحوتات فكان معظمها يجسِّد أجسادًا عاريةً.

هي: المنحوتات جميلةٌ لكنَّها جريئةٌ، ولا تراعي قيم المجتمع وأخلاقه.

هو: ضعي جانبًا الأفكار الَّتي نشأتِ عليها. الفنُّ ليس وعظًا أخلاقيًّا بل هو صورةٌ للواقع. والجسد العاري ليس عيبًا. الفنَّان لا يصنع عريًا، بل يصنع جمالًا. إذا خضع الفنُّ لمعايير المجتمع وقيوده فَقَد الإبداع.

هي: يرتبط الإبداع إذًا بالحرِّيَّة.

هو: والحرِّيَّة هي الخطوة الأولى نحو الإبداع في كافَّة المجالات.

هي: وأنا كيف أكون حرَّةً؟

هو: الحرِّيَّة مشروعٌ، كما الذَّات مشروعٌ. يولد الإنسان حرًّا بالقوَّة وإذا لم يمارس فعل الحرِّيَّة تخلَّى عن إمكاناته وفَقَد وهج وجوده.

هي: من أين أبدأ؟

هو: الحرِّيَّة تنبع من الذَّات. الحرِّيَّة قرارٌ واختيارٌ. الحرِّيَّة صراعٌ مستمرٌّ في مواجهة الدَّولة والقوانين والمجتمع وحرِّيَّة الآخرين.

هي: لكن ألا ترتبط اختياراتنا في ظروفٍ عديدةٍ بعوامل غير واعيةٍ؟ وما هي حدود الحرِّيَّة؟ أظنُّ أن لا جواب يقينيًّا على ذلك.

بعد مرور وقتٍ قصيرٍ وصلا إلى شاطئ البحر. هناك كان يقف حبيبها يداعب الموجَ بجسده. توجَّهت نحوه. مثله عرَّت قدمَيها وكطفلةٍ صغيرةٍ لعبت ورقصت وغنَّت... شعرت حينها أنَّها متحرِّرةٌ من الوقت ومن الآخرين. لم يكن يشغلها إلَّا هو. لكنَّ حرِّيَّتها لم تكن تامَّةً. فالحبُّ الَّذي حرَّرها من الانفعالات السَّلبيَّة يخشع كالنَّاسك أمام الحبيب... وبعد وقتٍ خارج الوقت عادت وهي تفكِّر: لا حرِّيَّة كاملةً في الحبِّ. فنحن لا نختار مَن نحبُّ، لكن يمكننا أن نختار كيف نتصرَّف حيال مَن نحبُّ. وهل أنا حرَّةٌ في أن أحبَّه أو لا أحبَّه؟

كان الطَّيف ينتظرها. تابعا سيرهما وحديثهما عن مفهوم الحرِّيَّة وأبعادها، وعن الله، والمجتمع، والآخر...

حلَّ المساء. غابت الشَّمس عن السَّماء، لكنَّها بقيت مضيئةً في عقلها. عادت إلى عالمها، وفي رأسها سؤالٌ واحدٌ: ماذا أفعل؟ سؤالٌ ترتبط الإجابة عليه بأسئلةٍ أخرى: هل الحرِّيَّة ممكنةٌ أو صعبةٌ؟ ضيِّقةٌ أو متَّسعةٌ؟ قولٌ أو فعلٌ؟ والأهمّ من كلِّ ذلك: ماذا تفعل؟

كانت تردِّد قول سارتر إنَّ الوجود يسبق الماهيَّة. وتقول: إذا كان وجودي يسبق ماهيَّتي، وأنا الآن لستُ شيئًا، لذلك سأصنع ماهيَّتي، وسأخلق ذاتي كما أحبُّها أن تكون، وكما أريدها أن تكون.

دخلت غرفتها، نظرت إلى رواية "أثينا" لاسكندر نجَّار، وقالت: لا. لا أحد يحمل الحرِّيَّة في دمه. الحرِّيَّة ننتزعها لا نرثها، نخلقها لا نكسبها. ونحن حين نخلقها تخلقنا. ثمَّ فتحت دُرج مكتبها، وأخرجت منه دفترًا قديمًا، وقرأت مطلع النَّصِّ الأوَّل فيه: "وما زلتُ أنتظركَ كي تخلع عنِّي ثوب العذريَّة وتبذر فيه بهجة الحبِّ...". فكَّرت بصمتٍ: يا الله! ما أسرع مرور الزَّمن! لقد كتبتُ هذا النَّصَّ حينما كنتُ في السابعة عشرة من عمري، ولم أجرؤ يومًا على نشره! وفي الدَّفتر نصوصٌ أخرى ما زالت تعيش في الظَّلام...

الآن أدركتْ أنَّ الحرِّيَّة حياةٌ تعيشها... فكيف ستعيشها؟ فتحت النَّافذة بكلِّ اتِّساعها فدخل النُّور وعادت الفراشة تداعب كتفها. مزَّقت أوراق دفترها، وصنعت منها فراشاتٍ، أطلقتها عبر النَّافذة، وقالت بصوتٍ عالٍ: سأكتب، سأنشر قصائدي، سأحقِّق حلمي، سأكون كاتبةً... ثمَّ نظرت حولها فلم تجد مَنْ رافقها في رحلة بحثها عن الحرِّيَّة... لم يكن رجلًا. لم يكن طيفًا. كان الصَّوت الَّذي يسكن كيانها. كان صوتها.





الدكتورة نادين عبَّاس: مديرة "مركز لويس بوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيَّة التابع لكلِّيَّة الآداب والعلوم الإنسانيَّة في جامعة القدِّيس يوسف – بيروت.

[email protected]






تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق