رسالة إلى شعبنا ورعاتِنا 25 آب ٢٠٢٥
1 - من نحن؟
نحن مسيحيُّون في القدس، مجموعة مسكونيَّة، مع آبائنا البطريرك ميشيل السيِّد، بطريرك القدس للَّاتين، سابقًا، والمطران عطالله حنَّا رئيس أساقفة سبسطيا للروم الأورثوذكس، والمطران منيب يونان مطران الكنيسة الإنجيليَّة اللوثريَّة في الأردن والأراضي المقدَّسة سابقًا، - نحن من الإكليروس والعلمانيِّين، رجالًا ونساء، عملنا معًا منذ عشرات السنين من أجل المساواة والعدل والسلام، وما زلنا نواصل تفكيرنا في الوضع في القدس وفي الأرض المقدَّسة، في وسط ويلاتنا الحاضرة في غزَّة وفي الضفَّة الغربيَّة.
رؤيتنا مؤسَّسة على هذا الواقع أنَّ في هذه الأرض شعبَين، الفلسطينيَّ والإسرائيليّ، ولكلٍّ منهما الحقُّ الطبيعيُّ والتاريخيُّ لأن يعيش هنا في أمانة وكرامة. وأيُّ حلٍّ سياسيٍّ يعارض هذا الواقع لن ينجح في صنع السلام والمصالحة. يجب أن يكون الجميع، فلسطينيُّون وإسرائيليُّون، قادرين على العيش في مساواة كاملة وفي عدل وسلام في فلسطين/إسرائيل.
نحن أعضاء ناشطون في مجتمعنا، وفي كنيسة القدس، في فلسطين وإسرائيل، نحن عائلة واحدة نفكِّر معًا في محبَّة، وهدفنا هو تعميق الوحدة بيننا، والمناداة معًا بمعنى حضورنا ورسالتنا وشهادتنا كمسيحيِّين متجذِّرين في هذه الأرض.
٢ - إلى شعبنا
في هذه الأيَّام الأليمة، نحن جزء لا يتجزَّأ من واقعنا، نسير معًا في وادي ظلال الموت، والتشريد، والتجويع، واليأس. وحرب الإبادة تعمل في غزَّة وتوشك أن تمتدَّ إلى أجزاء أخرى في فلسطين أيضًا. وكذلك التطهير العرقيُّ في غزَّة، يتِمُّ بتدميرٍ ممنهَج للبيوت، والمستشفيات والمؤسَّسات التربويَّة، وهجمات وعنف المستوطنين الإسرائيليّين، بتواطؤ كامل من الجيش الإسرائيليّ. البيوت تُهدَم، وقرًى بأكملها تُدمَّر ويُشرَّد أهلها ويَبقَوْن بلا مأوى. وهناك ألوف الأسرى الإداريِّين المحرومين كلَّ حماية قانونيَّة. الناس يُقتَلون ويُجرَحون، وشجر الزيتون يُحرَق، والحصاد يُدمَّر، وقطعان الغنم والماشية تُقتَل أو تُسرَق، والأملاك الخاصَّة تُنهَب.
ومع هذا كلِّه، فإنَّا لا نقدر أن ننسى أنَّ الله دعانا، في كلِّ تاريخنا، لنكون صانعي سلام، وعدل، ولنخدمَ المصالحة بين المكوِّنات العرقيَّة والدينيَّة المختلفة في أهل هذه الأرض. كثيرون منّا فقدوا الكثير، وما زالوا يتابعون معركتهم ليوفِّروا الحياة الكريمة لعائلاتنا، وهم يعيشون في خوف ممَّا سيأتي، تتحدَّاهم أسئلة أليمة حول حاضرنا ومستقبلنا في هذه الأرض.
يجب أن نختار: نبقى أم لا نبقى؟
قلوبنا تتحطَّم عندما نرى عائلات تُطرَد أو تتعرَّضُ للمضايقات الكثيرة، حتَّى تترك هذا البلد، فلسطين/إسرائيل. أمَّا الذين يتركون بإرادتهم وخيارهم فنحن لا ننتقدهم، لأنَّنا نعلم ثقل الوضع الذي نحمله جميعًا. وإنَّا نصلِّي ونطلب من الله أن يباركهم أينما ذهبوا. وبيننا، - نحن أعضاء جسد المسيح الواحد المتجذِّر في أرض فلسطين – اختار بعضنا أن يبقى، وأن يرفع صوته وأن يعمل. فمع الذين اختاروا أن يبقَوا، طوعًا أو لا، يجب أن نفهم معًا مَن نحن ولماذا نحن باقون.
البقاء شهادة
البقاء في هذه الأرض ليس فقط خيارًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو قرارًا عمليًّا وحسب. إنَّه موقف في حياتنا الروحيَّة. نحن نبقى لا لأنَّ البقاء سهل، ولا لأنَّه قضاء وقدر. نبقى لأنَّ الله دعانا. الربُّ يسوع المسيح ولد في بيت لحم، وتجوَّل بين تلال الجليل، وبكى على أورشليم. وتحمَّلَ الآلام ظلمًا لأنَّه ظلَّ أمينًا لرسالته حتَّى النهاية. لم يهرب من الآلام. بل تقبَّلَ روح الألم، ومن الموت أتانا بالحياة. لذلك نحن نبقى، لا لنجعل من الألم مغامرة، بل لنشهد لحضور ربِّنا يسوع المسيح ولقدرته في أرضنا الجريحة.
نبقى لنقول بحياتنا إنَّ هذه الأرض المعذَّبة والدامية ما زالت أرضًا مقدَّسة. نبقى لنعلن أنَّ الحياة في فلسطين، - للمسلم والمسيحيِّ والدرزيِّ والسامريِّ والبهائيِّ -، ولليهوديِّ الإسرائيليِّ، هي مقدَّسة ويجب أن نحمِيَها. ويجب أن نتذكَّر دائمًا أنَّ القيامة بدأت في القبر. واليوم أيضًا، الله معنا، في عذابنا المشترك. كما يقول البطريرك اللَّاتينيُّ الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا بعد زيارته الأخيرة إلى غزَّة: "ليس المسيح غائبًا عن غزَّة. إنَّه هناك مصلوب في الجرحى، ومدفون تحت الأنقاض، وهو أيضًا حاضر في كلِّ عمل رحمة، في كلِّ شمعة تضاء في الظلام، وفي كلِّ يد تمتدُّ لمساعدة المعذَّبين". الله يرى وهو معنا في آلامنا ومعاركنا، كما هو حاضر في يسوع. الله يحِبُّنا، يحِبُّ كلَّ واحد منا، وكلُّنا أبناؤه. نحن أبناء القيامة. وحضورنا في حدِّ ذاته هو شهادة ليسوع المسيح ربِّنا القائم من بين الأموات.
نريد أن نستمرَّ في شهادتنا للإنجيل، التي لم تنقطع منذ يوم العنصرة، في المكان نفسه حيث بدأ كلُّ شيء. نحن الحجارة الحيَّة التي تحيي الأماكن المقدَّسة، والتي يأتي الحجَّاج من أنحاء العالم ليزوروها لينعشوا إيمانهم. من دون حضور جماعاتنا تصير هذه الأماكن أماكن أثريَّة فقط أو متاحف.
البقاء محبَّة
بقاؤنا مقاومة – لا للكراهية بل لحُبٍّ عميق باقٍ. نحِبُّ هذه الأرض لا لأنَّنا نملكها، بل لأنَّها هبة من الله. نحِبُّ جارنا المسلم واليهوديَّ لا بصورة تجريديَّة، بل بتضامن عمليٍّ مع كلِّ واحد. بقاؤنا يعني أن نتابع ونزرع الأشجار، ونربِّي أبناءنا، ونضمِّد الجراح، ونستقبل الغريب. يعني أن نكرِّر ونؤكِّد أنَّ ملكوت الله – حيث يرفع الله الودعاء ويحُطُّ المتكبِّرين – لا يمكن أن تتغلَّب عليه القنابل والتجويع والجدران.
نبقى فنتبع المسيح الذي قال: "طوبى لصانعي السلام". والسلام كما نعلم لا يعني ألَّا نعمل شيئًا. بل السلام عمل شاقٌّ للتحرير، والمساواة، والعدل، والحقيقة، والرحمة. لذا، رسالتنا ليست الهرب، بل البقاء للبناء: نبني بيوتًا وكنائس ومدارس ومستشفيات وحدائق. الله يدعونا لنكون جماعات مؤمنة تجد طريقًا آخر – طريق الله – في أرضنا المتعطِّشة إلى الحياة. ونعلم أنَّ السلام الكامل في هذه الحياة هو شبه الخيال، ومع ذلك، فبشهادتنا له، يمكن أن نفرح به بمثل الفرح في ملكوت الله.
نبقى فنكون كنيسة
نبقى فنكون كنيسة حيَّة متجسِّدة في أرض التجسُّد. منذ زمن العنصرة، ما زالت ليتورجياتنا ترنَّم في زمن الفرح والألم، وبلغات وثقافات كثيرة، الآراميَّة، واليونانيَّة، والأرمنيَّة، والعربيَّة واللَّاتينيَّة، وغيرها كثير. والأسرار مانحة النعمة ما زالت تنعشنا برجاء قديم لا يُقهَر. نصلِّي اليوم، متجذِّرين في تقاليدنا الغنيَّة والعريقة، والحاضرة حضورًا كاملًا وأمينًا في عالمنا الذي نعيش فيه.
رسالتنا هي أن نكون مِلحًا ونورًا في المكان نفسه حيث قال لنا المسيح هذه الكلمات. الملح الذي يشفي جراح التفرقة والاحتلال والإبادة والصدمات المتلاحقة. ونور يرفض أن ينطفئ حتَّى ولو اشتدَّ الظلام وزاد ظلامًا. حتَّى لو صرنا عددًا قليلًا من الناس، سنكثِّفُ ونقوِّي دورنا لنكون ملحًا ونورًا.
الله يدعونا لنخدم المعذَّبين، ولندافع عن المظلومين، ولنقول كلمة الحقِّ لأصحاب السلطان، ولنحيا حياة تمتدُّ جذورها في عمق الإنجيل. لذلك، يجب أن نؤهِّل شبابنا، ونقوِّيَ جماعاتنا المؤمنة، ونعمِّق إيماننا- لا للبقاء فقط، بل لحياة هي ملء الحياة، واليوم بصورة خاصَّة في وسط الموت والدمار. لأنَّنا لسنا وحدنا.
كنائسنا بناها أجدادنا على أسس الكنيسة الأولى. "أَمَّا الأَساس، فما مِن أَحدٍ يَستَطيعُ أَن يَضَعَه غَيرَ الأَساسِ الَّذي وُضِعَ، أَي يسوعَ المسيح" (١ قورنتس ٣: ١١). واليوم نحن أَيضًا نتبع مثال الطوباويَّة مريم العذراء، والرسل، والشهداء وكلِّ قدِّيسي هذه الأرض في القرون الأولى، ومعهم إيليَّا النبيّ، والخضر، والقدِّيسة بربارة، ونقولا، ومار سابا، وغمامة الشهداء والقدِّيسين، وكلِّ أجدادنا في الإيمان، الذين بنَوا ملكوت الله في أرضنا وفي العالم بأسره.
رجاء أقوى من الاستسلام
لسنا ساذجين. نحن نعرف قِوى الأنانيَّة والجشع وتجريدنا من أرضنا، والشرِّ والموت، العاملة في عالمنا. لكنَّا نعلم أيضًا قوَّة الصليب، والقبر الفارغ. نبقى في فلسطين وإسرائيل يعني أن نؤمن أنَّ القيامة أمر ممكن، اليوم أيضًا، هنا والآن. ونعرف أنَّ طريق القيامة هو درب الصليب. ولهذا نؤكِّد ونعلن أنَّ مواعد الله لا تُلغَى بالحرب والإبادة ولا بالتهجير. ونتعزَّى عندما نرى الكثيرين في العالم في شعوب الأرض أظهروا تضامنهم مع معركتنا، ونقَدِّرُ شجاعتهم في محاولتهم لتغيير سياساتٍ وضعها زعماء العالم، وهم صُمٌّ لا يسمعون صراخ ضحايا التجويع، وعميانٌ لا يرون معذَّبي الأرض.
لنقل إذًا بعضنا لبعض: نبقى لأنَّ الله يدعونا، نبقى لأنَّ الله أرسلنا. ونحيا لأنَّ المسيح حيٌّ فينا.
ليمنحنَّا الله، إله العدل والمصالحة، ليمنحنَّا القوَّة والشجاعة والأمل. ليجعلنا أمناء للإنجيل، وللإنسانيَّة ولشعبنا وأرضنا. ونحن الكنيسة في فلسطين وإسرائيل، لِندَعِ المسيحَ يعمل بواسطتنا لينهي التفرقة والاحتلال وحرب الإبادة وعذاب كلِّ أهل هذه الأرض. "يُضَيَّقُ علَينا مِن كُلِّ جِهَةٍ ولا نُحَطَّم، نَقَعُ في المآزِقِ ولا نَعجِزُ عنِ الخُروجِ مِنها، نُطارَدُ ولا نُدرَك، نُصرَعُ ولا نَهلِك، نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضًا" (٢ قورنتس ٤: ٨-١٠).
٣- إلى رعاتنا
آباءَنا ورعاتَنا، لكم محبَّتنا وتقديرنا. إنَّا نثمِّن جهودكم وتضحياتكم في كلِّ مجالات حياتنا، في الإرشاد الروحيِّ، وقيادة جماعاتنا، والجدِّ والاجتهاد لتقديم المساعدة للشعب في مجالات السكن، والتربية، والرعاية الصحيَّة والاجتماعيَّة. ونعرف الصعاب المختلفة والمتعدِّدة التي تواجهونها في هذه الأيَّام.
نشكر لكم البيانات التي صدرت منكم فيما يختصُّ بالأوضاع القاسية التي نعيشها، للدفاع عن الإنسان والأخلاق. وكم يسُرُّنا عندما نسمعكم تتكلَّمون معًا بصوت واحد وتتَّخذون معًا مبادرات مشتركة، مثل الزيارات الأخيرة إلى غزَّة والطيبة. إنَّا نصلِّي ونرجو أن يعلو صوتكم وتتضاعف مبادراتكم المشتركة، حتَّى تصير واقعًا ثابتًا في كلِّ أوجه حياتنا، وتأكيدًا دائمًا على أنَّنا واحد.
ومع ذلك، فإنَّ بعض المؤمنين يَشْكُون أحيانًا أنَّ بعض قادة كنائسنا، من الإكليروس والرهبان، ما زالوا بعيدين عن الشعب، وعن معاركه اليوميَّة وعذاباته. وفي الرعايا أيضًا، بعض عِظات كهنة الرعايا بعيدة عن حياة الناس. كأنَّ الرعاة بعيدون عنّا، وكأنَّهم يقولون إنَّ مشكلة الشعب ليست مشكلتهم. وبعضهم بما يقولون وبما يعملون كأنَّهم يقولون إنَّ هذه الحرب ليست حربهم، ما زالت لا تمَسُّ كنائسهم وأديرتهم وجماعاتهم. هذا النقص في التضامن جرحٌ عميق في وحدتنا.
إلى جميع الخادمين في مواقع المسؤوليَّة في كنيسة القدس، نقول إنَّه لا بدَّ من أن نعمل معًا من أجل مزيد من الوعي. كلُّ المسؤولين على كلِّ الأصعدة يجب أن يكونوا مطَّلعين على ما يحدث، ولا سيَّما فيما يختصُّ بالأحداث الراهنة والمآسي الحالَّة بشعبنا. والذين جاؤوا من بعيد، بأطيب النوايا، ليخدموا في كنيسة القدس، يجب أن يَلقَوا التشجيع والمساعدة لمعرفة تاريخ وثقافة هذه الأرض وشعوبها، فيتخَلَّوا عن أفكار مسبقة لتحِلَّ محلَّها الحقيقةُ والمعرفةُ الصحيحة حول الصراع في فلسطين وإسرائيل حتَّى نتمكَّن معًا من مواجهة التحدِّيات بصورة أفضل. من الضروريّ أن تنعشنا روح واحدة، نشعر بها أنَّنا "نحن" واحد في الكنيسة، فلا يبقى من يقول "نحن" و"هم". نقول "نحن" ونشمل كلَّ واقعنا، نقول نحن المسيحيِّين، ونحن الفلسطينيِّين، مسلمين ومسيحيِّين، ونحن أهل هذه الأرض، فلسطينيِّين وإسرائيليِّين.
آباءنا ورعاتنا، نحن على استعداد للخدمة، من أجل جهدٍ أكبر لهداية الشعب، ولإعطاء إرشادات واضحة حول موقف الكنيسة في المساواة، والعدل والسلام. إنَّ "ملخَّصَ التعليم الاجتماعيِّ للكنيسة" كنز ثمين لهذا السعي. والشعب متعطِّشٌ يريد أن يسمع تعليمًا يساعده لتطبيق الإنجيل على حياته، حتَّى يبقى الرجاء حيًّا في عائلاتنا.
نحن على استعداد أيضًا لأن نبحث معًا كيف يمكن الكنيسة أن تقدِّمَ مزيدًا من التفكير في الوضع السياسيِّ وموقف الكنيسة منه. وهذا أمر ضروريٌّ لكلِّ أعضاء جسد المسيح: الأساقفة والإكليروس والرهبان والراهبات والعلمانيِّين. كذلك يمكننا جميعًا أن نحمل مسؤوليَّتنا معًا بصورة أفضل. ونكمِّل صلاتنا بأيَّام تأهيل ودراسة لتاريخ شعبنا وآلامه الحاضرة. ونوجِّه في عظاتنا الإرشاد والهداية والتعزية ونسدي المشورة لكلِّ محتاج، لأنَّ الجميع يواجهون النتائج المأساويَّة نفسها للوضع الكارثيِّ الذي نعيشه.
الشعب يحتاج إلى رعاة يشاركون الخراف حياتهم ملء المشاركة، فيهتمُّون لهم، ويرشدونهم في حياتهم اليوميَّة، وفي إرادتهم لاتِّخاذ مبادرات شجاعة يوميَّة لتحدِّي الوضع القائم الاجتماعيِّ والسياسيِّ الذي ليس فيه سوى الموت والدمار. على رعاتنا أن يُظهروا مزيدًا من الشفقة والإحساس القويّ بالتجذُّر في هذه الأرض وتاريخها.
٤ - نسير معًا
هذا هو الوقت الذي يجب أن نجتمع فيه معًا ككنيسة بطرق جديدة. هذا وقت لمزيد من التضامن والتعاضد المتفاني المتبادل. كأفراد يمكن أن نشكو ونشعر أنَّنا عاجزون، لكن ككنيسة، نجد فينا المبادئ المطبوعة (DNA) فينا، كي نجد الطريق لنتخطَّى الأزمات بقوَّة إيماننا المشترك. وفي الجماعة المسيحيَّة، نجد كلَّ المؤهِّلات والمهن والفئات الاجتماعيَّة: نجد الغنيّ والفقير، والصحيح والمريض، الكلَّ يعيش جنبًا إلى جنب. فكيف نضع معًا أفكارنا ومؤهِّلاتنا وقدراتنا؟
كيف يمكن أن نطوِّرَ ونكثِّف علاقاتنا المتبادلة والتعاون فيما بيننا؟ كيف نقدر أن نساهم، بحسب كفاءاتنا ومواقعنا في المجتمع، كي نخلق مجتمعًا فيه مزيد من المساواة والعدل، ونصنع سلامًا دائمًا وعادلًا في هذه الأرض؟
من واجب الأساقفة أن يُلهموا ويرشدوا ويشجِّعوا جماعة المؤمنين كلَّها الموكولة إلى رعايتهم، بالشركة مع كهنتهم وسائر الخدَّام المرسومين.
والمؤمنون العلمانيُّون مدعوّون إلى التعاون الوثيق معهم. يصغون إليهم ويشجِّعونهم ويؤيِّدونهم، ولا يخافون من تقديم المشورة عندما يرون ذلك ضروريًّا.
في هذه الأيَّام بصورة خاصَّة، نحن نعلم أنَّنا نحن المسيحيِّين لم نأتِ من الخارج، ولا نحن غرباء، ويجب أن نقوم بمسؤوليَّاتنا في المجتمع. بالصلاة، وبأسلوب حياة مستقيمة، وبالمحبَّة المسيحيَّة للجميع، وبالاهتمام بالقريب، نلتزم بالمعركة من أجل المساواة، والعدل والسلام. وبقوَّة اللَّاعنف دائمًا، سنقاوم الظلم، والاحتلال والتفرقة، ونحن دائمًا مستعدُّون للعمل معًا، مع المسلمين واليهود الذين يشاركوننا في هذه القيم نفسها والرؤية نفسها لبناء مجتمع عادل، حيث كلُّ السكَّان متساوون في الحقوق والواجبات.
ما زال الوضع في أرضنا صعبًا ومعقَّدًا وغير مستقرّ. مع ذلك، كمسيحيِّين إنَّا نعترف أنَّه شرف لنا أن نحيا في هذه الأرض، حيث عاش السيِّد المسيح، وحمل إلينا البشرى السارَّة، وتألَّم، ومات وقام من بين الأموات. هنا بشرى القيامة السارَّة أُعلِنَت للمرَّة الأولى، ومن هنا انتشرت في العالم بأسره.
الربُّ يسوع المسيح، مخلِّصنا يشجِّعنا ويقول لنا: «لا تَخَفْ أَيُّها القَطيعُ الصَّغير، فقد حَسُنَ لدى أَبيكم أَن يُنعِمَ عَليكُم بِالمَلَكوت" (لوقا ١٢: ٣٢). إنَّه يدعونا، وبه نتقوَّى للسير معًا. هذه هي طريق السينودسيَّة "متشاركين في السير على طريق واحدة".
الموقِّعون:
البطريرك ميشيل صباح، بطريرك القدس للَّاتين، سابقًا
المطران عطالله حنَّا، رئيس أساقفة سباسطية للروم الأورثوذكس
المطران منيب يونان، مطران الكنيسة الإنجيليَّة اللوثريَّة في الأردن والأراضي المقدَّسة، سابقًا
يوسف ضاهر سوسن بيطار
سامي اليوسف جوني المنيِّر
صمويل المنيِّر ساندرا خوري
دينا ناصر الأب ديفيد نويهاوس، يسوعيّ
الأب فرانس باون، من المرسلين الإفريقيِّين الأب فراس عبد ربُّه
الأب ألِسَّاندرو باركي وأعضاء آخرون
* * *
وكان هذا الصوت المقدسيّ قد وجَّه صرخة استغاثة سابقة في عيد العنصرة، ٨/٦/٢٠٢٥ بعنوان:
إلى كلِّ إنسان صاحب ضمير حيٍّ، إلى كلِّ محبِّي السلام
نحن المسيحيِّين في الأرض المقدَّسة، أمام التصعيد الراهن وغير المسبوق في الحرب الإسرائيليَّة على غزَّة نقرع ناقوس الخطر، ونوجِّه إليكم هذا النداء، نداء الإنسان إلى الإنسان. بعد أكثر من سنة ونصف من الموت والدمار، إنَّنا نجد أنفسنا في لحظة رهيبة من تاريخنا، لذلك نُرسل إليكم، صرخة استغاثتنا هذه: إنَّنا بحاجة إلى مساعدتكم.
تجدَّد الحصار على غزَّة في ٢ آذار/مارس ٢٠٢٥، وأدَّى إلى أطول حصار مضروب على دخول الغذاء والمساعدات الأساسيَّة الأخرى، في تاريخ قطاع غزَّة. وشُنَّ هجوم عسكريٌّ إسرائيليٌّ متجدِّد في ١٨ آذار/مارس ٢٠٢٥. وفي ذلك اليوم الأوَّل وحده، قُتل مئات الأشخاص. ومنذ ذلك الحين، يُقتل العشرات تقريبًا في كلِّ يوم. والآن ونحن نكتب هذه الأسطر، يتقدَّم الجيش الإسرائيليُّ إلى مساحات جديدة ليسيطر عليها ويفرض الاحتلال عليها، ما يؤدِّي إلى المزيد من الدمار والموت.
تدهورت الأوضاع تدريجيًّا في الأسابيع الماضية: فبالإضافة إلى ٥٥ ألف قتيل، وما يزيد على ١٢٠ ألف جريح، يعاني الناس من الجوع وسياسة التجويع (قالت ممثّليَّة الأمم المتَّحدة مؤخَّرًا إنَّ هناك الآن ١٠ آلاف حالة جوع شديدة). والمستشفيات والمرافق المدنيَّة الأخرى مغلقة بصورة شبه كاملة. أكثر من مليونَي شخص من سكَّان غزَّة، والـرهائن الإسرائيليُّون الأربعة والعشرون الباقون، حياتهم جميعًا في هذا الوضع مهدَّدة في كلِّ لحظة.
ومع ذلك، فإنَّ التصعيد لا يقتصر فقط على الحصار والعدوان المستمرّ. فقد كشفت السلطات الإسرائيليَّة عن استراتيجيَّة جديدة لها. فهي تدَّعي أنَّها تهدف إلى توزيع المساعدات الضروريَّة. إلَّا أنَّ هذا مشروط بتهجيرٍ جديد للسكّان. وتضمن وكالة توزيع أمريكيَّة اسمها "مؤسَّسة غزَّة الإنسانيَّة"، السيطرة الإسرائيليَّة على العمليَّة كلِّها. فالتوزيع مشروط بما يسمَّى "بأماكن التوزيع الآمنة"، وهي تحت سيطرة جيش إسرائيل المباشرة. في ١٦ أيَّار/مايو ٢٠٢٥، أعلن المدير التنفيذيُّ للمؤسَّسة (GHF)، جيك وودس، (Jake Woods)، أنَّه "لن يكون جزءًا من أيِّ جهد يحاول أن يهجِّر السكَّان الفلسطينيِّين". ولهذا قدَّم استقالته في 25 أيَّار/مايو ٢٠٢٥ بعد أن وجَّه نداء إلى إسرائيل لتسمح بدخول المساعدات من كلِّ الأماكن المتاحة. بدأت المؤسَّسة (GHF) التوزيع في يوم ٢٦ أيَّار/مايو ٢٠٢٥، إلَّا أنَّ إجراءات التوزيع، وصعوبات الوصول إلى أماكن التوزيع، والقتل المستمرَّ لأهل غزَّة القادمين إلى هذه الأماكن، كشفت أنَّ هذه المؤسَّسة (GHF) ليست إلَّا غطاء لعمليَّة إسرائيليَّة عسكريَّة. وفي هذه الأثناء تجويع غزَّة مستمرٌّ، والناس يموتون.
يتساءل الكثيرون عن معنى هذه الاستراتيجيَّة الجديدة. أوَّل معنًى لها هو أنَّها تضع سكَّان غزَّة أمام خيار مرعب: الخضوع الكامل للسيطرة الإسرائيليَّة أو الموت جوعًا. ويتساءل الكثيرون هل هذا مسعًى جديد للتطهير العرقيِّ في القطاع، يؤدِّي في النهاية إلى دفع الجماهير إلى ما وراء حدود القطاع؟ وقد كرَّر السياسيُّون الإسرائيليُّون، مرارًا صراحة، بما في ذلك بعض أعضاء الحكومة، أنَّ هذا هو الهدف النهائيّ: تهجير الفلسطينيِّين، منذ أن اقترح ذلك الرئيس ترامب لأوَّل مرَّة في ٥ شباط/ فبراير ٢٠٢٥.
أدركت الأمم المتَّحدة والعديد من المنظَّمات غير الحكوميَّة الدوليَّة أنَّ هذا التوزيع المزعوم هو فقط تصعيد للحرب. وأدركت تمامًا أنَّ المشاركة في مثل هذا "التوزيع" هو تواطؤ في تهجير الناس بواسطة تجويعهم، وهذا أمر محظور صراحةً في اتّفاقيَّات جنيفا.
تستنكر السلطات الإسرائيليَّة السياسيَّة والعسكريَّة مرارًا التقارير التي تصف صعوبة الحالة في غزَّة. وتُنكر أرقام القتلى، والمشرفين على الموت، والجرحى والجياع. إلَّا أنَّ هذه السلطات نفسها ترفض السماح للإعلام الأجنبيِّ بالدخول إلى غزَّة ليروي ما يحدث هناك. وقد قُتِل حتَّى اليوم نحو ١٨٠ من الإعلاميِّين المحليِّين والعاملين في الإعلام، من أهل غزَّة، في العمليَّات العسكريَّة الإسرائيليَّة منذ ٧ تشرين الأوَّل/ أكتوبر ٢٠٢٣.
بينما سكَّان غزَّة هم أوَّل ضحايا لهذه الحرب الشرسة، ونحن أيضًا نتعرَّض لخطر وقصف نفسيٍّ وروحيٍّ آخر غير مرئيٍّ – إذ يغرقوننا بالصور والروايات المتضاربة، فنشعر بأنَّنا لا نقدر أن نعمل شيئًا. نحن محبطون مهدَّدون باليأس مُنهَكون. لهذا نوجِّه نداءنا إليكم. الأسرة الدوليَّة يجب أن تتدخَّل. ولو أنَّه يبدو أنَّ قادة العالم لا تسمع صوتنا، فإنَّنا نشجِّع كلَّ من له آذانٌ تسمع وعيونٌ ترى ليتحرّكوا ويعملوا.
جاء في إنجيل يوحنَّا (٢١: ١-١٣) أنَّ التلاميذ اجتمعوا على شاطئ بحر الجليل، في حالة من اليأس والإرهاق. وقد اقترح بطرس عليهم العودة إلى الصيد، في محاولة لنسيان ماضيهم القريب. ورغم تعبهم طوال الليل، لم يصطادوا شيئًا. ثمّ ظهر يسوع على الشاطئ وناداهم وقال لهم: "ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن، تجدوا" (يوحنَّا ٢١: ٦).
إنَّنا نناديكم، حاولوا مرَّة أخرى، ألقوا شباككم مرَّة أخرى. نتوسَّل إليكم، لا تيأسوا. بل لتمتلئ قلوبكم بقوَّة المسيح القائم من الموت، وبقوَّة الروح القدس في يوم العنصرة، والتزموا العمل في سبيل الحياة والحرِّيَّة لإخوتنا وأخواتنا في غزَّة، وفي كلِّ مكان في فلسطين وإسرائيل.
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق